Menu

مربك الحديث عن خالد أبو خالد بصيغة ضمير الغائب

ماهر رجا - شاعر فلسطيني يقيم في ألمانيا

في دمشق حين زرته في بيته آخر مرة قال لي مبتسماً: كان يمكن ألا تجدني. لقد أخذتني زوبعة الغياب فجأة منذ أيام.. مكثت في حجرة الموت لوقت قصير، لكنه لم يغلق الأبواب ورائي فعدت.. 
قال ذلك وهو ينشر ابتسامته المشمسة كأنه يتحدث عن زخة مطر مجنونة باغتت نزهة قصيرة ذات يوم ربيعي فأربكت روزنامة النهار قليلاً وأضافت لوناً رمادياً لسماء صغيرة.
في ذلك المساء كانت ابنته الشاعرة بيسان تطوف حوله تعتني بزهور حضوره كعائد من الحرب، وتصحح للخواطر طريقها ان فكرت باختيار جهة الوحشة، وتتأكد من أن عاصفة ليل الأمس لم تكسر غصناً من شجرة الحياة في صدره ولا تمكنت من ان ترواد وخزة في القلب كي تقنع الجسد بالذهاب في العتمة السارقة.
ولأمر ما كان أبو خالد يمنح من حوله الانطباع بأن كل شيء على ما يرام..  لا نهايات ولا شيء سينقص من عناصر النهار أو مشهد الأمل.. متفائل دائماً حتى في الاوقات الأشد وعورة حين كان يبدو ان فلسطين ليست بخير وقد تكاثرت الهزائم والخرائب وانحدرت الطريق بالعربة وتهتكت أخشابها.
لم يكن خالد أبو خالد يخشى الغياب، وحين يقع اسم الموت في الحوارات العادية لم يكن يمنحه مكانة البطولة أو لمحة الهيبة التي اعتاد الموت ان يراها في عيون الناس حين يذكر اسمه.
قلب شجاع، في الحياة كما في القصيدة والموقف وواحد من آخر المحاربين الشعراء الممتلكين لسحر التجول بين الازمنة.. لا يصدِّر نفسه ولا يتحدث عن معارك أو بطولات.. لم يفعل ذلك مع أنه من أولئك الذين اسهموا في تشكيل صورة الفدائي الملحمية الأولى في وجدان الفلسطينيين، الصورة التي سكنت أيضاً في قصائده او وقفت حارسة في حقل الاستعارات ونداءات الروح على الورق.
منذ ان عرفته قبل أكثر من ثلاثين عاماً بقيت صورته الأولى كما هي: الشاعر ذو الروح القروية رغم مظهره الذي يجعله يبدو كواحد من أمراء الأساطير بشعره الفضي وقامة لا يناسبها الانحناء.
وبعيداً عن اشغال الديكور الوطني الرائجة منذ زمن، كانت فلسطين همه الحقيقي الأول، البلاد المحتلة التي تركها تحتل حياته برضى وفرح.. يبحث عنها في كل شيء، متداخلة بتفاصيل حياته إلى أبعد حد، حتى انه لم يعلق صورته الشخصية في ردهات قصائده، فقد كان يرى ذلك ترفاً أدبياً للفلسطيني وظل قاسياً على نفسه، يبعد احلامها الخاصة ليكتب عن فلسطين وحسب، يبحث في خصوصياته فلا يجد سواها في الطريق إلى البيت وفي الجريدة وفي السفر وفي الحوارات اليومية.
وللمفارقة فإن (أبو خالد) صادف في حياته الكثير من الحواجز والنكايات وأفعال النكران بسبب ذلك التعلق بفلسطين على صورتها الأولى من البحر إلى النهر.. ومن بين ذلك تلك المحاولات الغبية للبحث عن اية وسيلة للنيل من مكانته الإبداعية، وقد عايشت تلك الفترة ورأيت آلامه وحصاره أيام كان طيف واسع في الوسط الفلسطيني مع كتائبه من (المثقفين) الموالين يتحدث بتعال وبصوت مرتفع عن عبقريات الواقعية السياسية ويصف الآخرين بالحالمين والخشبيين الذين لا يدركون أسرار الحذاقة اللامعة لأنبياء (الواقعية) التي أوصلت فلسطين الى الصورة البائسة الراهنة.
ظل حالماً بطريقته الرائعة وكان ذلك أجمل ما فيه.. وبالمناسبة في تلك الأوقات الصعبة لم يجد أبو خالد المكان الذي يتسع لقامته وظله العالي على الضفتين، فقد كان أمثاله حقيقيين (أكثر مما ينبغي) ومثيرين لأطياف المتاعب لطرفي التخندق السياسي في المشهد الفلسطيني. 
لم نلتق كثيراً في السنوات الأخيرة، وحين أخبرني صديقي محمد العبد الله برسالة على الهاتف مساء  ان "خالد" قد أغمض عينيه هذه المرة الى الأبد، تلمست في قلبي الغصن المكسور ذاته الذي حط عليه طائر الغياب الغريب ذات مساء قبل عام ونصف يوم فقدت شقيقي بسام.. ووجدت نفسي أنظر مباشرة في عيني (أبو خالد).. أراه امامي، بابتسامته المشمسة وقلبه الحر وذاكرته التي لم تهرم وإرادته التي تستأنس بها الخيول البرية. 
أخي الحبيب أبا خالد.. لم تكن الرحلة بلا جدوى، فقد أثثت المكان بقوة المعنى وبأزهار الضوء، بالحلم والكلمات وإشارات قلب يعرف كيف يحب وكيف يقنع العاصفة بالترجل عن جموحها في يديه.
عمت مساءً أبا خالد.. أنت ترحل الآن بكامل أقمارك إلى أرض هدأة الروح الأخيرة، لكن ظلك مازال في الأمكنة التي تحب وفي جسد الفكرة التي اسميتها "فرس كنعان"، وهناك من سيتذكر دائماً أن يسقي نبات الذكرى.. عمت مساء أيها الراحل العائد.