Menu

تلخيص كتاب المفكر الماركسي الشهيد د. حسين مروة: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية (المجلدين الأول والثاني)

غازي الصوراني

كتاب النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية

(قُراء بوابة الهدف الإخبارية الأعزاء، نود إعلامكم بأننا سنقوم بنشر تلخيص كتاب المفكر الشهيد د. حسين مروة: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية (المجلدين الأول والثاني)، تلخيص وتقديم المفكر والباحث غازي الصوراني، تباعًا على إحدى عشرة حلقة غير مقدمة التلخيص.. نتمنى لكم قراءة مفيدة)

تلخيص كتاب المفكر الماركسي الشهيد د. حسين مروة:

النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية

(المجلدين الأول والثاني)

تقديم:

 

 يسعدني أن أقدم لكل المثقفين في الوطن العربي تلخيصاً للكتاب الموسوعي لمفكرنا الشيوعي الشهيد د.حسين مروة، ليس من منطلق الوفاء لشهيدنا الخالد فحسب، بل أيضاً مساهمة متواضعة تسعى إلى نشر وتعميم افكار ومنطلقات وأهداف الرفيق المفكر الشهيد د. مروة ومأثرثه الخالده في ان تراثنا العربي الاسلامي هو موضوع معرفة لابد لنا من تعميمها وتحليل كل جوانبها السلفية المنغلقة ، والعقلانية المستنيرة، آملاً أن يحقق جهدي البسيط جداً في تلخيص موسوعة رفيقنا الشهيد د.حسين مروة مساهمة في تشجيع رفاقنا وأصدقائنا لقراءتها ، بما يُعمق وعيهم بان المنهج الماركسي، هو القادر على توفير عوامل امتلاكهم المعرفي ليس للتراث فحسب، بل أيضاً للواقع العربي بكل مكوناته الطبقية والسياسية في كل مجتمع من مجتمعاته على طريق التغيير الديمقراطي والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية.

إن مأثرة المفكر الشهيد د.حسين مروة تتجلى –كما يقول رفيقه وصديقه المفكر الماركسي الشهيد مهدي عامل- تكمن في اعتماده لمنهج التحليل الماركسي في صياغة كتابه "النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية" وذلك إنطلاقاً من "أن التراث موضوع معرفة، وان المعرفة هذه تُنتَج، وان سيرورة انتاج المعرفة سيروة معقدة تتمفصل فيها عناصر متعددة من اهمها، إن لم نقل اهمها على الاطلاق، هو عنصر ادوات الانتاج"[1].

هنا تكمن شرعية المنهج الماركسي، في هذه الضرورة الموضوعية في استخدام المفاهيم النظرية كادوات لانتاج المعرفة العلمية بالتراث.

إنه، بتعبير آخر – كما يضيف مهدي عامل-، يسمح للفكر المعلّق في سماء تصوراته وتجريداته بان يعيد اكتشاف القاعدة المادية التي منها انطلق، فيتعرّف نفسه بعد ان كان ينسى نفسه، او ينسيه إياها فكر مثالي.

 لماذا لا يكون لفكر التوحيد قاعدته المادية؟ من الارض يخرج هذا الفكر، لا من السماء، برغم ان السماء هي، لوعيه وفي وعيه، أصل له. لذا كان الوجود الاجتماعي المادي هو الذي يحدد الوعي الاجتماعي واشكاله، وليس العكس.

من هذا الفكر الماركسي انطلقَ، إذن، المفكر الماركسي الشهيد حسين مروة ، في محاولته انتاج معرفة التراث، ومنه –كما يستطرد المفكر الشهيد مهدي عامل – انطلق ليؤكد ، في ملموس بحثه ، ان الفكر الثوري للطبقة العاملة هو القادر على التملك المعرفي للتراث، من موقع اختلافه مع ما سبقه من أفكار، لانه هذا الاختلاف نفسه، أساسي لذلك التملك المعرفي، ولأن الطبقة العاملة وريثة كل ما هو ثوري في التاريخ.

وهنا جوهر المسألة في ما نحن بصدده، فان الترابط الذي نعنيه في مسألتنا هو ترابط واقعي موضوعي، أي هو حقيقة بالفعل. بمعنى انه من غير الطبيعي ان تظل حالة التخلف أو الركود المعرفي – بالمعنى الماركسي- ظاهرة سائدة إلى حد كبير في أوساط رفاقنا في كافة الحركات والأحزاب الشيوعية والفصائل اليسارية العربية، إذ ان هشاشة وتخلف الوعي بمبادئ ومنطلقات الماركسية ومنهجها، يؤدي إلى تراكم العوامل التي تعزز تراجع القوى اليسارية وفقدانها لتأثيرها في أوساط الجماهير الشعبية، خاصة وأن هذه القوى –بدرجات متفاوتة – لم تعد تعطي الجانب الفكري عموماً والنظرية الماركسية والصراع الطبقي خصوصاً، الأهمية المطلوبة في بناء حركاتها وأحزابها، وهو قصور ملفت ، وخطير ، سيؤدي بالضرورة إلى توليد ومراكمة المزيد من عوامل التراجع والتفكك في بنية الأحزاب والفصائل اليسارية العربية.

 فمن المستحيل أن نكون ثوريين في موقفنا من قضايا الحاضر، دون امتلاك الوعي العميق بالماركسية ومنهجها من ناحية، ودون امتلاك الوعي الثوري العقلاني والموضوعي في موقفنا من تراث الماضي من ناحية ثانية، وتلك هي الفكرة المركزية التي دفعت مفكرنا الماركسي الشهيد د.حسين مروة إلى إعمال عقله وجهده البحثي والمعرفي لتقديم كتابه الموسوعي "النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية".

ان ثورية الموقف من قضايا الحاضر، تستلزم الانطلاق من هذا الموقف نفسه لرؤية التراث، أي لمعرفته معرفة ثورية، أي لبناء هذه المعرفة على أساس من أيديولوجية القوى الثورية نفسها في الحاضر."

هذا الكتاب يقدم طريقه في التعامل مع التراث الفكري العربي_الاسلامي تعتمد منهجيه علميه لا تزال تخطو خطواتها الاولى إلى المكتبه العربية من قبل المؤلفين العرب.

فمنذ العصر الوسيط الذي صدر عنه تراثنا الفكري بمختلف اشكاله حتى اليوم, ظلت دراسة هذا التراث –كما يقول المفكر الشهيد د. حسين مروة- رهن النظرات والمواقف المثاليه والميتافيزيقيه التي تتفق جميعها, بمختلف مذاهبها وتياراتها على خط مشترك تحكمه رؤية احادية الجانب للمنجزات الفكريه في العصر العربي_الاسلامي الوسيط, أي رؤية هذه المنجزات (في استقلاليه مطلقه عن تاريخيتها).

بمعنى ان هذه الرؤيه ظلت قاصره عن كشف العلاقه الواقعيه الموضوعيه غير المباشره بين القوانين الداخليه لعملية الانجاز الفكري وبين القوانين العامه لحركة الواقع الاجتماعي. ولذا بقي تاريخ الفكر العربي_الاسلامي تاريخا ذاتيا سكونيا أو "تاريخ", لقطع صلته بجذوره الاجتماعيه, أي بتاريخه الحقيقي الموضوعي.

"ان المنهج المادي التاريخي وحده القادر على كشف تلك العلاقة ورؤية التراث في حركيته التاريخية، واستيعاب قيمه النسبية، وتحديد ما لا يزال يحتفظ منها بضرورة بقائه وحضوره في عصرنا كشاهد على اصالة العلاقة الموضوعية بين العناصر التقدمية والديمقراطية من تراثنا الثقافي وبين العناصر التقدمية والديمقراطية من ثقافتنا القومية في الحاضر"[2].

وبالتالي "فإن مسألة إعادة النظر في هذا التراث ليست جديدة، وانما هي وجه تحولي جديد لمسألة بدأت منذ أكثر من قرن. بدأها فريق من المفكرين والمثقفين العرب برزوا كطلائع لتلك الحركة المسماة بـ"النهضة العربية" الحديثة معبرين بعفوية في المجال الفكري عن بداية التخلخل – موضوعياً- في علاقة البنى الاجتماعية الاقطاعية العربية بسيطرة الاقطاعية العسكرية الحاكمة في دولة الخلافة العثمانية التركية.

إلى جانب عامل التخلخل في علاقة البنى الاجتماعية العربية بسيطرة الحكم الاقطاعي العسكري العثماني المتخلف والمنحل تاريخياً، كان عامل آخر يؤدي دور المؤثر أيضاً في دفع أولئك الفريق من المفكرين والمثقفين العرب للتعبير فكرياً عن مقدمات ما سمي بـ"النهضة العربية" التي كانت –في الواقع – الشكل الجنيني لما سيصبح حركة التحرر الوطني العربية الحاضرة"[3].

ففي كتابه "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية" تخطى المفكر الماركسي الشهيد حسين مروة الطريقة السلفية في معرفة التراث، وبالتالي يستحق هذا الكتاب أن يوصف بحق، أنه من أعمق وأهم الكتب والدراسات التي اهتمت بالتراث الفكري العربي الاسلامي بصورة عامة ، والفلسفة العربية الاسلامية بصورة خاصة ، فقد تضمن هذا الكتاب، مسحاً تاريخياً لمراحل الإسلام ، حيث انطلق الشهيد مروة من المنهج المادي الجدلي التاريخي في دراسة وتحليل البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وانعكاساتها في الفكر العربي الاسلامي .

وبالتالي فإن هذا الكتاب الموسوعي، يعتبر من بين أهم الكتب التي تناولت التراث العربي الإسلامي، والفلسفة الإسلامية ، ان لم يكن أهمها على الإطلاق.

ذلك إن رؤية الشهيد حسين مروة للاسلام بصورة عامة ، ولدوره الفكري والحضاري في التاريخ العربي ، كانت من اولى المحاولات المنطلقة من المنهج المادي الجدلي التاريخي التي تنظر الى الدين عامة ، والاسلام خاصة ، نظرة مادية تاريخية بعيدة عن التبسيط والابتذال.

وفي هذا السياق، يؤكد الشهيد مروة ذلك بقوله : إن اللقاء بين المنهج المادي الجدلي التاريخي ودراسة التراث الفكري الاسلامي للعصر الوسيط سواء على صعيد البحث النظري ام على صعيد الممارسة التطبيقية هو لقاء حديث العهد جدا لدى المفكرين والباحثين العرب المعاصرين.

وفي ضوء ذلك ، يبدأ المفكر حسين مروة في تقديم كتابه بانه " يقدم طريقة في التعامل مع التراث الفكري العربي – الاسلامي تعتمد منهجية عملية لم تزل تخطو خطواتها الاولى الى المكتبة العربية من قِبَلْ المؤلفين العرب ، فمنذ العصر الوسيط الذي صدر عنه تراثنا ، بمختلف اشكاله ، وحتى الحقبة الراهنة من عصرنا ، ظلت دارسة هذا التراث رهن النظريات والمواقف المثالية والميتافيزيقية التي تتفق جميعها ، بمختلف مذاهبها وتياراتها ، على خط عام مشترك تحكمه رؤية احادية الجانب للمنجزات الفكرية في العصر العربي – الاسلامي الوسيط ، أي رؤية هذه المنجزات في استقلالية مطلقة عن تاريخيتها".

كما يؤكد على أن اسلوب دراسة او معرفة التراث الفكري من منظور المنهج المادي الجدلي التاريخي ، يكمن في النظرة الجدلية الى علاقة الحاضر بالماضي ، والى العلاقة بين المعرفة المعاصرة بالتراث في ضوء المناهج المعاصرة ، والمضمون الفكري والاجتماعي الذي يحتويه التراث ، وهذه النظرة الجدلية ، تعتمد على موضوعين :

1- كون معرفتنا بالتراث نتاج علم وايدلوجية معاصريين .

2- كون هذه المعرفة رغم انطلاقها من منظور الحاضر ، عملياً وأيديولوجيا ، لا تستوعب التراث الا في ضوء تاريخيته ، أي في ضوء حركته ضمن الزمن التاريخي الذي ينتمي اليه ، او بعبارة اكثر دقة ، لا تستوعب التراث الفكري الا من وجهة علاقته بالبنية الاجتماعية السابقة التي انتجته ، وبالظروف التاريخية نفسها التي انتجت – بدورها – تلك البنية الاجتماعية مع ما لها من خصائص العصر المعين والمجتمع المعين.

هذا وينطلق موقف الشهيد المفكر حسين مروة من التراث الفكري الاسلامي من فكرة ان تراثنا الفكري ، شأن أي نتاج حضارة ، ظاهرة تاريخية ، متناقضة ، متصارعة ، شأنه الوحيد هو الحركة ، وقانونه الاساس هو الصراع : القدرية – المعتزلة ضد الجبرية ، الابداع ضد الاتباع . العقلانية ضد اللاعقلانية .

لذلك يرفض القراءة السلفية للتراث الفكري ، ويرى انها تنطلق من اسقاط الماضي على الحاضر ، أي برؤية الماضي والحاضر برؤية سكونية ثابتة ، حيث ترى ان معارف عصرنا كلها موجودة في الماضي ومنقولة عنه بلغة العصر ، فليس هناك شيء منها لا يوجد في التراث .

وفي هذا الجانب أشير إلى أن المفكر الشهيد حسين مروة، أكد في نقده لمفهوم التخلف تلك الحلقة الدائرية المفرغة التي يسقط بها الفكر العربي المعاصر، فيرى في التخلف الاقتصادي والاجتماعي والسياسي نتاجاً للتخلف العقلي، الذي يعود إلى كون هذا العقل ليس معاصراً.

ويضيف المفكر الشهيد في مقدمة كتابه قائلاً "اذا كان الفكر البرجوازي العربي يحاول، في جو التحولات النوعية الثورية داخل حركة التحرر الوطني العربي أن يحل المشكلة وفقاً لمواقفه الايديولوجية ، فقد حان الوقت اذن للفكر العربي الثوري ان يقدم الحلول لها أيضاً وفقاً لايديولوجيته الثورية، أيديولوجية الطبقات والفئات الاجتماعية التي تقف في المعسكر المواجه لمعسكر البرجوازية اليمينية الرجعية.

بناء على هذه الاستنتاجات نرى أن حل مشكلة العلاقة، حلاً علمياً، بين حاضرنا العربي، بكل أبعاده الوطنية والاجتماعية والفكرية، وبين تراث ماضينا الفكري، يتوقف على توفر الوضوح العلمي لدينا عن حقيقتين: اولاهما، حقيقة المحتوى الثوري لحركة التحرر الوطني العربية في حاضرها وفي آفاق تطورها المستقبلي. وثانيتهما، حقيقة الترابط الجوهري بين ثورية هذا المحتوى وثورية الموقف من التراث. بمعنى ضرورة كون الموقف من التراث منطلقاً من الحاضر نفسه، أي من الوجه الثوري لهذا الحاضر.

أما الحقيقة الأولى، فيوضحها ويؤكدها النظر المتعمق في اتجاهات المسار العام لحركة التحرر الوطني العربية، لا سيما مسارها منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى هذه الأيام.

نـأتي الآن إلى الحقيقة الثانية، نعني حقيقة الترابط الجوهري بين المحتوى الثوري لحركة التحرر الوطني العربية في مرحلتها الحاضرة وبين الموقف الثوري من التراث الفكري العربي- الاسلامي.

ماذا نقصد بهذه الحقيقة؟. بل ماذا نقصد باطلاق صفة "الحقيقة" عليها؟.

ليس بالرغبة الذاتية يكون "الشيء" حقيقة أو لا يكون، ذلك بأن الحقيقة ليست ذاتية، انها موضوعية، والا فليست بحقيقة اطلاقاً، بلَ وهماً أو تصوراً أو رأياً أو رؤياً.

قال عنه المفكر التقدمي الراحل محمود امين العالم: "كان حسين مروة امتداداً مبدعاً لما سبقه من إبداع في الدراسات التراثية، ولكنه أعاد بناء رؤيتنا للتراث الفلسفي مبرزا ماضيه من كنوز الفكر المادي الموضوعي الذي طالما غيب وما زال يغيب عند أغلب من يكتبون عن هذا التراث، فضلاً عن كشفه لحقائق الصراع الطبقي في قلب التراث الفكري والأدبي والديني والثقافي عامة، بغير جمود منهجي أو ايديولوجي)".

وبحسب المفكر الراحل محمود العالم، فإن فكرة جوهرية رئيسة أراد مروة من خلال كتابه أن يدحضها دحضًا كليًّا، برغم رسوخها عند الكثيرين، وهي أن جوهر الفلسفة العربية الإسلامية هو التوفيق بين الشريعة والفلسفة، وبين العقل والنقل، ويعتبر حسين مروة تلك الفكرة أسطورة موهومة لا أساس لها، يحمل على عاتقه من خلال هذا الكتاب تبديدها وجعلها هباءً منثورًا؛ إذ يرى أن العلاقة بين الشريعة والفلسفة ذات طابع صراعي لا توفيقي، كذلك الحال بين المعرفة الإيمانية والمعرفة العقلية، بل إنه يذهب إلى أن المواقف التوفيقية عند الفارابي وابن سينا وإخوان الصفا وغيرهم لم تكن في حقيقتها إلَّا (تقية) أو أنها تعزى في أحسن الأحوال إلى قصور المعرفة العلمية، وأذكر أن هذا المذهب تبناه أيضًا الدكتور طيب تيزيني باعتماده أن التباين بين حقلي الفلسفة والإيمان هو تباين تام يفرض الفصل التام ولا يسمح بإي إمكانية للتلاقي، إذ تعتمد الأولى التشكيك، بينما لا يقوم الثاني إلَّا على التصديق.

وفي هذا السياق ، يرى المفكر الماركسي العراقي فالح عبد الجبار: ان الفهم الذي سعى حسين مروة الى تقديمه ينطوي على معان كبيرة أهمها دراسة إنجازات التراث الفكري العربي الاسلامي دراسة نقدية وليست استعراضية بكائية ، ولا تهدف الى استعادته حرفيا ، بل هضمه والمضي فيه في حركة التطور قدما .

يبقى السؤال الذي طرحه وأجاب عليه رفيقه المفكر الشهيد مهدي عامل: لماذا المفاهيم النظرية الماركسية، دون مفاهيم نظرية غيرها؟ ما الذي يفرض على الباحث أن يأخذ بمنهج التحليل الماركسي، ولا يأخذ بمنهج آخر من التحليل، في انتاجه معرفة التراث؟

بهذا السؤال ندخل في حقل آخر من البحث لا ينحصر في حقل الدراسات التراثية، بل يتضمنه ويشمل حقولاً أخرى، من بينها حقل دراسة الواقع الاجتماعي العربي الراهن.

"أما لماذا منهج التحليل الماركسي؟ فلأسباب عديدة –كما يقول الشهيد مهدي عامل - منها انه يتلائم بالفعل مع موضوع الكتاب، لانه منهج تحليل مادي. ومنها ايضًا انه وحده دون غيره يسمح بتحرر الفكر العربي الاسلامي من أسره في عالم الغيب الذي فيه يرى عالم الواقع المادي ويحاول فهمه.

أما المفكر الماركسي د. هشام غصيب ، فقد كتب عن المغزى التاريخي الفكري لحسين مروة متسائلاً :

"لماذا اغتيل حسين مروة؟ ومن اغتاله أو ما الجهة التي أمرت باغتياله؟ وما الذي دفعها إلى ذلك؟ أين تكمن أهمية حسين مروة؟ ما مغزاه الفكري؟ لماذا أحست هذه الجهة الآثمة بضرورة تصفية عَلَمْ فكري وباحث رصين جدي في النقد الأدبي والثقافي وفي الفلسفة وتاريخها؟ لماذا عَدَّتهُ خطرا ماثلا عليها ينبغي تصفيته جسديا؟ لدينا هنا مفكر رصين محكم يكتب للخاصة في جل الأوقات ويلتزم تماما بالمعايير البحثية والأكاديمية ويحرص على أن تكون لغته لغة بحثية دقيقة لا تحمل أي تحريض مباشر أو تجريح .

فلماذا إذاً تقدم هذه الجهة على تصفيته جسديا بهذه الصورة البشعة، حيث أقدم الجناة على تصفية شيخ جليل بلغ من العمر عتيا (77عاماً) في منزله وأمام أنظار أفراد أسرته وبدم بارد؟ ثم إنها أتبعته بعد مدة وجيزة باغتيال رفيقه وتلميذه النجيب المفكر الكبير مهدي عامل"[4].

والسؤال هنا –كما يستطرد د.هشام غصيب- : لماذا شعر الحزب الشيوعي اللبناني عام 1968 بالحاجة إلى تكليف مفكره الكبير، حسين مروة، لكتابة دراسة عن التراث العربي الإسلامي؟ والعام 1968 بالطبع هو العام الذي انعقد فيه مؤتمر مفصلي للحزب الشيوعي اللبناني شكل انعطافة كبرى في تاريخه وصيرورته حركة تحرر وطني شاملة.

 كذلك، لماذا شعر حسين مروة بالحاجة إلى قضاء عشر سنوات كاملة من البحث المضني لكي يضع ما أسماه “تقريره”  عن التراث العربي الإسلامي ويقدمه إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني عام 1978؟ عشر سنوات من العمل الذهني الشاق من أجل وضع تقرير فكري فلسفي تاريخي.

هل شهد وطننا الحديث مثيلا لهذه الجدية الفكرية والآيديولوجية، التي أبداها كل من الحزب الشيوعي اللبناني وحسين مروة؟! 

لماذا شعر كلاهما بضرورة تملك التراث بالمنهجية الماركسية، التي تحمل في طياتها القدرة على النفاذ إلى قلب الواقع؟

وهنا نأتي إلى ما أسماه ياسين الحافظ الوعي المفوت. وهو الوعي الذي ما زال مهيمنا في الوطن العربي اليوم على صعيدي النخب والشارع. وهو وعي ما قبل علمي في بنيته الداخلية. كما إنه ليس وعيا حرا، وإنما هو وعي مكبل يكبله ماضٍ وهمي متخيل (أي تراث وهمي له جذور في التراث الفعلي) وحاضر وهمي صنعته وسائل الإعلام والثقافة الغربية وامتداداتها العربية الحديثة.

وبالطبع فإن هذا الوعي المفوت يحول الشارع والجماهير إلى مجرد موضوع سكوني مفعول فيه، ويحول دون تحوله إلى ذات متحركة فاعلة تصنع التاريخ. لذلك فإن المهمة الأولى الملقاة على عائق حزب التغيير هي فك إسار هذا الوعي وتحريره مما يكبله ومن ذاته، ومن ثم إدخاله في سيرورة ثورة ثقافية تفككه وتعيد تركيبه على أسس حداثوية تقدمية. [5]

يقول المفكر الراحل د.حسين مروة في مقدمة كتابه "اذا كان الفكر البرجوازي العربي يحاول، في جو التحولات النوعية الثورية داخل حركة التحرر الوطني العربي أن يحل المشكلة وفقاً لمواقفه الايديولوجية ، فقد حان الوقت اذن للفكر العربي الثوري ان يقدم الحلول لها أيضاً وفقاً لايديولوجيته الثورية، أيديولوجية الطبقات والفئات الاجتماعية التي تقف في المعسكر المواجه لمعسكر البرجوازية اليمينية الرجعية.

في يوم وداع (تأبين) الشهيد حسين مروة بتاريخ 12/3/1987 ، خاطبه رفيقه المفكر الشهيد مهدي عامل بهذه الكلمات:

"ها نحن نودّعك ونشهد بأنك ما استعديْت إلا ظالمًا هو بنظامه قامع مستبد. حاورت الجميع، ناقدًا متسامحًا، مستكشفًا أفق المعارف، صارمًا في الحق حتى ضد نفسك، صادقًا، والحق عندك في التغيير في خدمة الانسان. حاورت الرفاق والاصدقاء، وحتى خصومًا هم في حوارك اصدقاؤك. فلماذا قتلوك؟ لانك الرمز، تنخسف الظلامية كلما خطّت يداك النهج في بحث التراث؛ ترى فيه الصراع المستديم بين قوى القهر وقوى الحرية، بين العقل والجهل. ألهذا قتلوك؟ لانك قلت ان الفلسفة العربية الاسلامية ليست واحدة، بل متناقضة، يتجاذبها تياران: تيار النور وتيار الظلمات، تيار الثائرين وتيار المستبدّين حتى بالدين، وطبعًا بالانسان، لانك أثبتّ أنهم كذبوا. قتلوك، وأثبتّ ان قاعدة الفكر في وثباته الخلاقة علمية وثورية.

من الجنوب انطلقتَ، فأطلقت الجنوبَ وفكرَ الجنوبِ، وقلت: يا ايها المثقفون اتحدوا ضد الطغيان، ولتكن كلماتكم سلاحكم. أنتم اقلام الطبقة العاملة. ألهذا قتلوك؟ لانك الشيعي الشيوعي"[6].

أخيراً ، الشهيد د. حسين مروة صاحب العديد من الكتب والدراسات المعمقة من اهمها كتابه الموسوعي "النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية"  المكون من مجلدين ( حوالي 1800 صفحة )  قمت بتلخيصهما في حوالي 280 صفحة .

أقدم فيما يلي ملخص الكتاب الموسوعة (الجزأين الأول والثاني) آملاً تحقيق الفائدة المرجوة لدى المثقفين التقدميين الديمقراطيين العرب، بما يحقق تواصلنا والتزامنا المعرفي والسياسي تجاه راهن ومستقبل النضال الوطني والقومي الديمقراطي ضد كل مظاهر وأدوات التبعية والتخلف والاستبداد عبر دور طليعي للقوى والأحزاب التقدمية العربية في مسيرتها لتحقيق أهداف الثورة الوطنية الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية.

غازي الصوراني

 

 


[1] المصدر:”ازمة حضارة ام ازمة البرجوازيات العربية؟”-مهدي عامل-دار الفارابي-الطبعة الثالثة 1981-ص.ص.235-258

[2] حسين مروة – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الأول– دار الفارابي – بيروت – الطبعة الأولى 1978 - ص 6

[3] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - ص 7

[4] هشام غصيب - المغزى التاريخي الفكري لحسين مروة- الحوار المتمدن – العدد 3455 – 13/8/2011

[5] هشام غصيب - المغزى التاريخي الفكري لحسين مروة- الحوار المتمدن – العدد 3455 – 13/8/2011

[6] المصدر: مجلة الطريق-العدد الثالث-تموز/يوليو 1987-ص 103