Menu

تلخيص كتاب المفكر الماركسي الشهيد د. حسين مروة: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية الحلقات من (1 – 11)

غازي الصوراني

المجلد الأول [1]

الحلقات من (1 – 11)

 

مقدمة:

هذا الكتاب يقدم طريقة في التعامل مع التراث الفكري العربي – الاسلامي تعتمد منهجية علمية لا تزال تخطو خطواتها الأولى إلى المكتبة العربية من قبل المؤلفين العرب.

فمنذ العصر الوسيط الذي صدر عنه تراثنا الفكري، بمختلف أشكاله، حتى الحقبة الراهنة من عصرنا، ظلت دراسة هذا التراث رهن النظرات والمواقف المثالية والميتافيزيقية التي تتفق جميعها، بمختلف مذاهبها وتياراتها، على خط عام مشترك تحكمه رؤية احادية الجانب للمنجزات الفكرية في العصر العربي – الاسلامي الوسيط، أي رؤية هذه المنجزات في استقلالية مطلقة عن تاريخيتها. بمعنى أن هذه الرؤية ظلت قاصرة عن كشف العلاقة الواقعية الموضوعية، غير المباشرة، بين القوانين الداخلية لعملية الانجاز الفكري وبين القوانين العامة لحركة الواقع الاجتماعي. ولذا بقي تاريخ الفكر العربي – الاسلامي تاريخاً ذاتياً سكونياً أو "لا تاريخياً"، لقطع صلته بجذوره الاجتماعية، أي بتاريخه الحقيقي الموضوعي.

ان المنهج المادي التاريخي وحده القادر على كشف تلك العلاقة ورؤية التراث في حركيته التاريخية، واستيعاب قيمه النسبية، وتحديد ما لا يزال يحتفظ منها بضرورة بقائه وحضوره في عصرنا كشاهد على اصالة العلاقة الموضوعية بين العناصر التقدمية والديمقراطية من تراثنا الثقافي وبين العناصر التقدمية والديمقراطية من ثقافتنا القومية في الحاضر. [2]

ان مسألة إعادة النظر في هذا التراث ليست جديدة، وانما هي وجه تحولي جديد لمسألة بدأت منذ أكثر من قرن. بدأها فريق من المفكرين والمثقفين العرب برزوا كطلائع لتلك الحركة المسماة بـ"النهضة العربية" الحديثة معبرين بعفوية في المجال الفكري عن بداية التخلخل – موضوعياً- في علاقة البنى الاجتماعية الاقطاعية العربية بسيطرة الاقطاعية العسكرية الحاكمة في دولة الخلافة العثمانية التركية.

إلى جانب عامل التخلخل في علاقة البنى الاجتماعية العربية بسيطرة الحكم الاقطاعي العسكري العثماني المتخلف والمنحل تاريخياً، كان عامل آخر يؤدي دور المؤثر أيضاً في دفع أولئك الفريق من المفكرين والمثقفين العرب للتعبير فكرياً عن مقدمات ما سمي بـ"النهضة العربية" التي كانت –في الواقع – الشكل الجنيني لما سيصبح حركة التحرر الوطني العربية الحاضرة. [3]

نعني بالعامل الآخر ذاك: احتكاك أولئك المفكرين والمثقفين، فكرياً، مع الحركات الاجتماعية والسياسية والفكرية في الغرب الأوروبي خلال القرن التاسع عشر.

كانت حركة "النهضة" تتنامى وتتوسع في أوساط المثقفين والضباط والطلبة العرب، بتأثيرات متفاوتة من كلا العاملين السابقين، وفي اوساط البرجوازية التجارية النامية (لبنان، مصر، وسورية) بدافع من عامل التناقض بين مصالح هذه البرجوازية وطابع العلاقات الاقطاعية المرتبطة بسيطرة الدولة التركية العثمانية المنهارة، واقتران هذا العامل بطموح البرجوازية المذكورة لربط مصالحها بالاتجاه نحو الغرب الرأسمالي. في حين كانت هذه الحركة تتنامى هكذا، كانت تنمو في اوساط الجماهير الشعبية العربية بذور المشاعر القومية وينمو معها نزوع هذه الجماهير إلى التخلص من سيطرة الحكم التركي العثماني المستمر منذ بضعة قرون.

وبعد الحرب العالمية الأولى، اذ تحولت الحوافز القومية السابقة إلى انتفاضات وثورات وطنية مسلحة، وتحولت حركة "النهضة" الفوقية إلى حركة تحرر وطني تتعمق في الأرض الجماهيرية شيئاً فشيئاً، بدأت حركة التطلع إلى التراث تتحول أيضاً من كونها تكراراً محضاً للتراث الثقافي إلى كونها حركة لإعادة النظر لا في منجزات هذا التراث فقط، بل لإعادة النظر كذلك في النظريات العنصرية الاستعمارية الأوروبية حول تراث الشعوب المستعمرة (الكومبرادور).

وهي النظريات التي كانت ترمي إلى ابراز هذه الشعوب انها قاصرة عرقياً وتاريخياً عن ان يكون لها حق الانتماء إلى أسرة الشعوب القادرة على انتاج حضارة أو ثقافة. [4]

ان رد الفعل البرجوازي، في الشرق، على أمثال هذه النظريات العنصرية الغربية، كان من نوع الفعل نفسه، أي من طبيعته العنصرية. وعلى أساس رد الفعل هذا وغيره من العوامل القومية، ظهرت مواقف من التراث تحمل طابع الفكر القومي البرجوازي، فنقلتنا هذه المواقف من "نظرية المركزية الأوروبية للفلسفة" إلى "نظرية المركزية الشرقية" واصبحت النظرة إلى التراث نظرة مبالغة وتضخيم لقيمة النسبية ولدوره المؤثر في الثقافات والفلسفات العلمية والغربية، على مثال ما ورد في تقرير للفيلسوف الباكستاني محمد شريف قدمه إلى المؤتمر الفلسفي العالمي الثاني عشر من أن الفلسفة الاسلامية هي التي أعطت الحركة الانسانية مبادئها الأولى، وعرفت الغرب على العلوم التاريخية والأسلوب العلمي ووضعت أسس النهضة الايطالية واثرت على الفكر الأوروبي المعاصر حتى عمانوئيل كانط.

ان لهذه الاستنتاجات أساساً تاريخياً دون شك، ولكن وضعها بهذه الصيغة الاطلاقية التي تتجاهل العوامل التاريخية الأخرى جعلها عرضة للنقد العلمي واضفى عليها طابع التعصب كبديل للتعصب الغربي المرفوض.

وهناك شكل آخر لهذه المواقف القومية البرجوازية من التراث يتجلى في التيارات السلفية الجديدة التي تصطبغ بصبغة "الحداثة". [5]

فقد رأينا من أشكال هذه البدعة (تحديث التراث) ما سمي حينا بـ"الاشتراكية العربية" وحيناً بـ"الاشتراكية الاسلامية". ورأينا كذلك من يحاول أن يجد في الاسلام مبادئ للرأسمالية، ورأينا كتباً تؤلف بحثاً عن "المادية" في النصوص الاسلامية، أو بحثاً عن "الشخصانية الاسلامية"، أو عن "الانسانية والوجودية في الفكر العربي" . بل رأينا من "استنبط" العلوم الطبيعية من القرآن.

لقد استحدث الفكر القومي البرجوازي هذا الشكل الجديد من السلفية كتعبير آخر عن أيديولوجية البرجوازية العربية المعاصرة. [6]

ان ظهور تلك التيارات وأمثالها في عصر حركات التحرر الوطني وانهيار الامبريالية وما تبع ذلك من اشتداد الصراع الايديولوجي ، يضع في واجهة القضايا المطروحة في هذا العصر قضية الموقف من التراث الروحي القومي على أساس جديد، أساس تقويمه واستيعابه وتوظيفه لمصلحة هذا الصراع الأيديولوجي نفسه.

لذا أصبحت القضية معقدة بقدر ما أصبحت مشكلة من أبرز مشكلات الفكر المعاصر. ومن هنا أصبح من غير الممكن حلها في المرحلة الحاضرة إلا على أساس أيديولوجي.

واذا كان الفكر البرجوازي العربي يحاول، في جو التحولات النوعية الثورية داخل حركة التحرر الوطني العربي أن يحل المشكلة وفقاً لمواقفه الايديولوجية ، فقد حان الوقت اذن للفكر العربي الثوري ان يقدم الحلول لها أيضاً وفقاً لايديولوجيته الثورية، أيديولوجية الطبقات والفئات الاجتماعية التي تقف في المعسكر المواجه لمعسكر البرجوازية اليمينية الرجعية. [7]

بناء على هذه الاستنتاجات نرى أن حل مشكلة العلاقة، حلاً علمياً، بين حاضرنا العربي، بكل أبعاده الوطنية والاجتماعية والفكرية، وبين تراث ماضينا الفكري، يتوقف على توفر الوضوح العلمي لدينا عن حقيقتين: اولاهما، حقيقة المحتوى الثوري لحركة التحرر الوطني العربية في حاضرها وفي آفاق تطورها المستقبلي. وثانيتهما، حقيقة الترابط الجوهري بين ثورية هذا المحتوى وثورية الموقف من التراث. بمعنى ضرورة كون الموقف من التراث منطلقاً من الحاضر نفسه، أي من الوجه الثوري لهذا الحاضر.

أما الحقيقة الأولى، فيوضحها ويؤكدها النظر المتعمق في اتجاهات المسار العام لحركة التحرر الوطني العربية، لا سيما مسارها منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى هذه الأيام. [8]

نـأتي الآن إلى الحقيقة الثانية، نعني حقيقة الترابط الجوهري بين المحتوى الثوري لحركة التحرر الوطني العربية في مرحلتها الحاضرة وبين الموقف الثوري من التراث الفكري العربي- الاسلامي.

ماذا نقصد بهذه الحقيقة؟. بل ماذا نقصد باطلاق صفة "الحقيقة" عليها؟.

ليس بالرغبة الذاتية يكون "الشيء" حقيقة أو لا يكون، ذلك بأن الحقيقة ليست ذاتية، انها موضوعية، والا فليست بحقيقة اطلاقاً، بل وهما أو تصوراً أو رأياً أو رؤياً.

وهنا جوهر المسألة في ما نحن بصدده، فان الترابط الذي نعنيه في مسألتنا هو ترابط واقعي موضوعي، أي هو حقيقة بالفعل. بمعنى انه من غير الطبيعي- أن لم نقل: من غير الممكن- أن نكون ثوريين في موقفنا من قضايا الحاضر، ونكون –مع ذلك- غير ثوريين في موقفنا من تراث الماضي.

ان ثورية الموقف من قضايا الحاضر، تستلزم الانطلاق من هذا الموقف نفسه لرؤية التراث، أي لمعرفته معرفة ثورية، أي لبناء هذه المعرفة على أساس من أيديولوجية القوى الثورية نفسها في الحاضر. أي القوى التي لها علاقة تاريخية موضوعية بالأساس الاجتماعي لانتاج التراث الفكري في الماضي، نعني بها القوى الاجتماعية السابقة المنتجة للأسس المادية التي انعكست في أشكال الوعي الاجتماعي (الفلسفة، العلم الأدب، الفن) المكونة لهذا التراث.

فاذا نحن استقصينا أشكال معرفة تراثنا الفكري عند كل من حاول النظر فيه: تأريخاً، أو تفسيراً، أو دراسة، في مختلف العصور المتأخرة عن عصره، فسنراها أشكالاً متعددة: بعضها يتخالف وبعضها يتناقض وبعضها يتشابه . فكيف نفسر هذه الظاهرة؟. [9]

لتفسير هذه الظاهرة ينبغي –أول الأمر- أن نلحظ الفارق بين التراث نفسه ومعرفة هذا التراث، أي أن نلحظ أن أمامنا في المسألة شيئين، لا شيئاً واحداً.

هذا يعني أن معرفة التراث اضافة خارجيَّة ترد اليه من مصادر متعددة. لهذا هي تتعدد وتختلف، وهو واحد لا يتغير. فما دام الواقع المشهود يضع أمامنا أشكالاً متعددة مختلفة لهذه المعرفة، فلا بد أن الذين ينتجون هذه الأشكال المعرفية عن التراث يختلفون بشيء ما بعضهم عن بعض.

ما هو هذا "الشيء"؟. هل هو اختلاف "شخصي" في قابليات الفهم، أي هل هو امر "فردي" تتحكم به عناصر ذاتية مزاجية "خاصة"؟. ام ان هناك ما هو ابعد من ذلك وأشمل؟

لو أن اختلاف أشكال هذه المعرفة صادر عن عوامل "فردية" ذاتية، لكان التشابه، أو التماثل أحياناً، أما نادراً جداً أو غير ممكن اطلاقاً، لأن التشابه نادراً ما يحصل بين "الذاتيات" المحض، ولان التماثل مستحيل في "الخصوصيات" الذاتية هذه.

ذلك في حين أن تصنيف أشكال معرفة التراث الفكري، في هذا العصر وذاك، يقدم لنا نماذج كثيرة متشابهة، وأحياناً نماذج تكاد تكون متماثلة، بقدر ما يقدم نماذج متخالفة أو متناقضة.

هذا الواقع يحملنا على استنتاج ان كلا من التشابه والتخالف والتناقض بين تلك الاشكال "المعرفية" انما هو صادر عن منطلقات اجتماعية لا فردية، وموضوعية لا ذاتية.

هذا الاستنتاج يصل بنا إلى نقطة التحديد، لنرى جذور المسألة. وهنا نستعين ثانية باستقصاء الاشكال المعرفية التي نتجت، في عصور مختلفة حتى الان، عن التراث الفكري العربي – الاسلامي. ان هذا الاستقصاء هو من المهمات الرئيسة لهذه المقدمة، ولكن مكانه منها لم نصل إليه بعد.

سنرى في نتائج هذا الاستقصاء ان كل "معرفة" عن هذا التراث ذاته صدرت من مؤرخ أو مفسر أو دارس، قديماً وحديثاً، انما يكمن وراءها موقف أيديولوجي. والموقف الأيديولوجي هو –بالأساس- موقف طبقي. [10]

ان جملة ما قدمناه بصدد معرفة التراث الفكري يضع أمامنا حقيقة أن أسلوب هذه "المعرفة" وأداتها العلمية لا يخضعان لواقعه التراثي بحد ذاته ولا لظروفه الزمنية والاجتماعية بحد ذاتها، بقدر خضوعهما لاعتبارات الزمن الذي تنتج فيه – أي "المعرفة" – ولاعتبارات الموقع الاجتماعي لمنتجي هذه المعرفة.

ذلك يعني أن النظرة إلى التراث تحمل بمحتواها دائماً نظرة مشتقة من اعتبارات الحاضر نحو الماضي، أي انها من نتاج الحاضر، لا من نتاج الماضي الذي هو زمن التراث. [11]

هذا المعنى ينطبق على كل نظرة في التراث، مهما يكن نوع الصيغة الأيديولوجية لهذه النظرة (المعرفة). حتى النظرة السلفية المنتعشة في حلبة الصراع الأيديولوجي على الصعيد العربي خلال الحقبة الأخيرة- حتى النظرة السلفية هذه ليست خارجة عن منطق هذه الحقيقة. فان السلفيين، حين يظهرون الاصرار على رؤية الحاضر من خلال الماضي، دون العكس، أي نقل افكار الماضي ذات الابعاد الاجتماعية الماضوية التي تجاوزها التطور التاريخي، ليحلوها محل الابعاد الجديدة المتصلة بمنجزات هذا التطور في الحاضر – نقول: ان السلفيين حتى باصرارهم على التزام هذا النوع من رؤية تراث الماضي، انما هم- في الواقع وجوهر الأمر- ينطلقون من اصرار معاكس له. انهم ينطلقون، حقيقة، من الموقع الذي تحتله، في هرمية البنية الاجتماعية الحاضرة، طبقة معينة يعبرون هم عن أيديولوجيتها أما لانهم في موقعها الطبقي نفسه أو لسبب اخر يتعلق بتكونهم الفكري وغياب الوعي السياسي والطبقي عنهم. نقصد بذلك أن المضمون الحقيقي لرؤيتهم السلفية إلى التراث، أي لدعوتهم إلى اسقاط الماضي على الحاضر، هو مضمون ترتبط جذوره بالحاضر وتنغرس في تربة الحاضر، هو صيغة من صيغ الأيديولوجيات المتحاربة المعاصرة، هو استنجاد بالافكار المحنطة في "متحف" الماضي لتثبيت موقع طبقي متزعزع في بنية اجتماعية تتصدع تحت مطرقة الحاضر.

المسألة اذن، في موضوعنا، ان ليس هناك علاقة واحدة بين الحاضر والتراث، ما دام الحاضر نفسه ليس واحداً، وما دام التراث كذلك، في منظورات الحاضر، ليس واحدا. ففي التركيب الطبقي للبنى الاجتماعية العربية القائمة الان، على اختلاف في أشكال هذا التركيب الطبقي بين بنية واخرى، وعلى اختلاف في نوعيات الصراع المحتدم على مستوى المرحلة الراهنة داخل كل بنية منها، برز واقع جديد هو اشتداد التناقض بين المواقف تجاه القضايا الأساسية المطروحة بألحاح في هذه المرحلة: القضايا الوطنية والاجتماعية والديمقراطية والفكرية.

وبقدر ما تداخلت هذه القضايا بعضها ببعض وكادت تزول الحدود بينها ازداد هذا التناقض حدة واشتدادا، وازداد التمايز بين المواقف سعة وعمقاً.

ان هذا الواقع، بكل ظاهراته، أوضح -أكثر فأكثر- فكرة ان معنى "الحاضر" في منظور كل طبقة وفئة اجتماعية على حدة يختلف عنه لدى غيرها. وذلك لاختلاف مواقعها في حركة الصيرورة التي تهتز بها الان تلك البنى الاجتماعية القائمة. [12]

فليس "حاضر" الطبقات والفئات التي تهتز مواقعها وتتزعزع هو نفسه "حاضر" الطبقات والفئات الأخرى التي تتوطد وتتجذر مواقعها، يوماً فيوماً، في المجرى الراهن لحركة التحرر العربية. لكل من تلك وهذه "حاضرها" المتميز. الأولى لها "حاضرها" الماضوي، والثانية لها "حاضرها" المستقبلي. الأولى لها بالماضي "علاقة" الغريق بخشبة الانقاذ، والثانية لها به "علاقة" الزمن الآتي بوحدته التاريخية مع الزمن المتحول في مجرى الحاضر.

على قدر ما يختلف "حاضر" كل موقع طبقي عن "حاضر" الموقع الآخر، وعلى قدر ما تختلف "علاقة" كل منهما بالماضي عن "علاقة" الآخر به، يختلف "التراث" نفسه كذلك عند كل منهما، وبالصورة نفسها التي يرتسم بها "حاضر" كل موقع طبقي وترتسم بها "علاقته" بالماضي، بالصورة نفسها يرتسم التراث أيضاً في المنظور الأيديولوجي لكل منهما.

هكذا ينكشف ان التراث ليس واحداً. ان التراث يتعدد، لانه منظور اليه من الحاضر، والحاضر -كما رأينا- متعدد. ونحن نعني هنا -بالطبع- تعدد المنظور الايديولوجي – الطبقي للتراث، رغم أن التراث، كواقع تاريخي، واحد. [13]

في قضية المنهج:

ان وصف المنهج المعرفي لاستيعاب التراث بأنه منهج ثوري، يقتضي ان يكون قائماً على قاعدة فكرية تعبر عن أيديولوجية ثورية، ما دام قد تقرر عندنا، في ما سبق، ان "معرفة" التراث تنبع دائماً من منطلقات فكرية تشكل قاعدتها الأيديولوجية، وانه -لذلك- لا تكون "المعرفة" هذه واحدة، بل متعددة بقدر تعدد الأيديولوجيات في المجتمعات الطبقية.

لكل طبقة أيديولوجيتها، ولكل أيديولوجية شكل معين من "المعرفة" للتراث.

الأيديولوجية الثورية، هي أيديولوجية الثوريين في المجتمع، أي الطبقات والفئات الاجتماعية التي ترتبط مطامحها ومصالحها الطبقية والفئوية بمطالب التغيير الثوري في لحظة تاريخية معينة.

نعني تغيير الأوضاع والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والتشريعية والسياسية التي تصبح، في لحظتها تلك، عاجزة عن الاستجابة لمقتضيات التطور والتقدم لصالح القوى الاجتماعية الأكثر تطوراً وتقدماً، وهي القوى ذات الدور الأساسي في عملية الانتاج المادي والروحي للمجتمع.

ان القوى الاجتماعية والسياسية المؤهلة، موضوعياً وذاتياً، في لحظتنا التاريخية العربية هذه، لتحقيق الثورة الوطنية الديمقراطية، هي قوى التحالف التقدمية والوطنية والديمقراطية، احزاباً ومنظمات وهيئات وشخصيات، تجمعها أهداف مرحلية بوجه عام، وقد تجمع بعضها أهداف استراتيجية كذلك.

غير ان القضية هنا هي معرفة موقع الفكر الثوري العلمي في هذا التحالف، وموقع القوى التقدمية التي تتخذ من هذا الفكر دليلها في الممارسات السياسية والكفاحية بين جملة تلك القوى المتحالفة. [14]

في ضوء هذا الواقع نكتشف ملامح الأيديولوجية النواة للحركة الثورية العربية في لحظتها التاريخية الحاضرة، انها أيديولوجية القوى الأساسية في هذه الحركة، أيديولوجية الطبقات والفئات الاجتماعية الأكثر ثورية والأكثر حاجة إلى تغيير ثوري يتناول أسس الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية القائمة التي تعاني منها هذه القوى أنواع الشقاء المادي والروحي، اضافة إلى معاناتها اشكال الاضطهاد القومي واستلاب الأرض وثرواتها واستلاب الوطن وتاريخه من قبل الامبريالية والصهيونية.

ان الفكر الثوري العلمي لهذه الأيديولوجية، هو -بالتحديد- فكر الاشتراكية العلمية بقاعدتيه الرئيستين: المادية الدياليكتيكية، والمادية التاريخية.

ان القاعدة الأخيرة (المادية التاريخية) هي الأساس في تحديد المنهج لانتاج "معرفة" التراث بطريقة ثورية.

 

في صورة التراث :

أما صورة التراث، في منظور المنهج المادي التاريخي، فيرى هذا المنهج خطوطها الأساسية في ضوء نظرته الجدلية إلى علاقة الحاضر بالماضي، وإلى العلاقة بين المعرفة المعاصرة بالتراث والمضمون الفكري والاجتماعي الذي يحتويه التراث.

هذه النظرة الجدلية، في مسألتنا، تعتمد على موضوعتين:

الأولى، كون معرفتنا بالتراث نتاج علم وأيديولوجية معاصرين.

الثانية، كون هذه المعرفة، رغم انطلاقها من منظور الحاضر، علمياً وأيديولوجياً، لا تستوعب التراث إلا في ضوء "تاريخيته"، أي في ضوء حركته ضمن الزمن التاريخي الذي ينتمي اليه، أو -بعبارة أكثر تدقيقاً- لا تستوعبه إلا من وجهة علاقته بالبنية الاجتماعية السابقة التي انتجته ، وبالظروف التاريخية نفسها التي انتجت -بدورها- تلك البنية الاجتماعية مع ما لها من خصائص العصر المعين والمجتمع المعين.

قد تبدو العلاقة بين هاتين الموضوعتين على شيء من التعارض بوهم أن معرفة تراث الماضي من منظور الحاضر تستلزم جر الماضي إلى الحاضر وهذا يتعارض – أخيراً- مع قولنا باستيعاب التراث في اطاره الماضوي فقط.

ان فكرة التعارض آتية، اذن، من وهم التلازم بين عصرية المعرفة و"عصرنة" التراث.

والواقع ان هذا التلازم باطل. وحدها السلفية الحديثة تأخذ بهذا التلازم، عملياً، حين هي تستدرج مفاهيم الماضي إلى الحاضر على أساس الزعم بأن معارف عصرنا كلها موجودة هي ذاتها في الماضي، ومنقولة عنه بلغة الحاضر، وان ليس شيء منها لم يوجد في التراث. [15]

هذه الطريقة التي تندرج في خطط الدعوة إلى "تحديث" التراث، قد أخذت طريقها بنشاط، في الحقبة الأخيرة، إلى بعض مفكري البرجوازية العربية، تحت وطأة الحاجة الملحة لدى هذه البرجوازية إلى ترميم أيديولوجيتها المنهارة وطلائها بألوان "عصرية" فاقعة، من أجل الحفاظ على "مادتها" الأصلية، أي مفاهيمها الطبقية التي تعني استمرارية وجود البرجوازية ، كطبقة ، إلى الأبد.

ولكن الدعوة إلى "تحديث" التراث، بمعنى تماثل مفاهيم الماضي مع مفاهيم الحاضر، هي – بصرف النظر عن ابعادها الطبقية وعما تتضمنه من ايهام البرجوازية بأبدية وجودها – متعارضة، بل متناقضة، من الناحية الفلسفية، مع الاتجاه المادي التاريخي ، كمنهج، في فهم علاقة الحاضر بالماضي، ثم علاقته بالتراث.

ان موضوعة "عصرنة" التراث تختلف، جذريا، عن موضوعتنا القائلة باستخدام المنهجية العلمية المعاصرة في انتاج معرفة جديدة عن التراث.

ان الفرق الحاسم بين الموضوعتين يقوم -أولاً- على اسقاط الماضي على الحاضر في الموضوعة البرجوازية، أي حصر مفهوم الحاضر في كونه امتداداً صرفاً للماضي، امتداداً ميتافيزيقياً جامداً يعني -في نهاية الأمر- تماثل الحاضر والماضي تماثلاً كاملاً.

ويقوم -ثانياً- على الفرق بين ان تنتهي موضوعة "عصرنة" التراث إلى القول بأن "نأخذ عن الاقدمين وجهات النظر بعد تجريدها من مشكلاتهم الخاصة التي جعلوها موضع البحث.." و "ان ننظر إلى الأمور بمثل ما نظروا. أو قل بعبارة أخرى: ان نحتكم في حلولنا لمشكلاتنا إلى المعايير نفسها التي كانوا قد احتكموا اليها"، وبين أن تهدف موضوعتنا وفقا للمنهج المادي التاريخي، إلى فهم "مشكلة الموقف من التراث" بأنها "مشكلة العلاقة بين الفكر في هذه البنية الاجتماعية الحاضرة والفكر السابق عليه في البنية الاجتماعية السابقة". [16]

أي ان موضوعتنا لا تهدف إلى "ان نأخذ عن الاقدمين وجهات النظر بعد تجريدها من مشكلاتهم الخاصة"، لان المسألة هنا ليست هي مسألة "الاخذ" أو "عدم الاخذ" عن الاقدمين، بل هي مسألة الوصول إلى تحديد "الشكل الذي ينظر في الفكر الحاضر إلى علاقته بالفكر الماضي" أي "..الشكل الذي يتكشف فيه الفكر هذا للفكر ذاك" دون تجريد الفكر الماضي من مشكلات الاقدمين الخاصة "التي جعلوها موضع البحث"، بل العكس هو المطلوب.

ثم ان المسألة، من جهة ثانية، هي حل مشكلة الموقف من التراث على وجه يضمن لنا تحقيق غرضين: كيفية استيعاب التراث بشكل جديد أولاً، وكيفية توظيف هذا الاستيعاب الجديد – ثانياً- في مجال تحرير الفكر العربي الحاضر من سيطرة التبعية للفكر الاستعماري وللأيديولوجية البرجوازية بتداخلهما التاريخي في البنية الاجتماعية العربية المعاصرة. [17]

ان وضع قضية التراث، من حيث معرفته ومن حيث توظيف هذه المعرفة، على نحو ما اوضحنا حتى الآن، يكشف ان المسألة ليست هي "ان نحتكم، في حلولنا لمشكلاتنا، إلى المعايير نفسها التي كانوا (أي الاقدمون) قد احتكموا اليها"، كما يفكر الاخرون في موضوع علاقتنا بالتراث.

فان مثل هذا التفكير يضع المسألة بصيغتها اللاتاريخية واللاعقلانية معا. وذلك لسببين متداخلين:

أولهما ، ان مشكلات الاقدمين تختلف عن مشكلاتنا في الحاضر بقدر اختلاف ظروفهم التاريخية عن ظروفنا المعاصرة.

وثانيهما، ان "المعايير" التي كانوا قد "احتكموا اليها" نابعة من مشكلاتهم وظروفهم تلك، وهي -كما قلنا- غير متماثلة لا متشابهة مع مشكلاتنا وظروفنا، ونابعة أيضاً من المستوى المحدود، نسبياً لتطور أدوات المعرفة ومادتها وأشكالها في عصرهم، فهي اذن معايير تتناسب مع ذلك المستوى غير المتطور نسبياً، ولا تتناسب مع مستوى تطور المعرفة في عصرنا الحاضر.

فلا بد ان تختلف المعايير كذلك بيننا وبينهم. فكيف يصح اذن ان نرجع "في حلولنا لمشكلاتنا" إلى معايير الاقدمين ذاتها، وقد تجاوزها حاضرنا مسافات هائلة لا تقاس بمسافات الزمن وحدها، بل تقاس – بدرجة أولى- بالتباعد الهائل بين طبيعة المشكلات وطبيعة الظروف الحضارية كلها، اقتصادية واجتماعية وسياسية، وطبيعة مستوى تطور الوعي وتطور أشكاله الفكرية في عصر المجتمع العربي – الاسلامي الوسيط، وبين طبائعها جميعاً في عصرنا ومجتمعنا العربي الحاضر. [18]

اذا كانت المناهج السلفية تضع اهتمامها كله في ابراز السمات الخاصة بالجانب الغيبي والمثالي من صور التراث، أي اذا كانت هذه المناهج تنظر اليه نظرة وحيدة الجانب، فهل المنهج العلمي (المادي التاريخي) يضع اهتمامه كله في ابراز السمات الخاصة بالجانب الآخر، الجانب المادي، من صورة التراث، أي انه يقع في ما تقع فيه المناهج السلفية من خطأ النظرة الوحيدة الجانب؟.

وأول ما ينبغي التذكير به، في مجال الاجابة عن السؤال، ان المنهج يحمل صفة: "المادي التاريخي". هذه الصفة بذاتها هي مفتاح الحقيقة الكاملة التي نريد جلاءها. فان كونه – أولاً- "مادياً" لا يعني انه يحصر النظر في ما هو فكر مادي أو فلسفة مادية، ويهمل النظر في ما هو فكر مثالي أو فلسفة مثالية.

هذا الحصر وهذا الاهمال هما من مميزات المنهج المثالي في تفسير التاريخ بوجه عام وتاريخ الفلسفة بوجه خاص، كما تشهد بذلك ممارسات مؤرخي الفلسفة المثاليين في مختلف العصور.

والأمر بالعكس في المنهج المادي التاريخي. فهو لانه منهج مادي تاريخي، ينظر في هذا التاريخ وذاك نظرة شمولية لا ترى فيه جانباً دون آخر، بل جوانبه كلها.

فما دامت المثالية من الاشكال التاريخية للفكر، فلا بد لهذا المنهج أن ينظر اليها بقدر ما ينظر إلى الاشكال المادية في تاريخ الفكر، فلسفياً كان ام غير فلسفي، لأن كلا من هذه الاشكال وتلك هو واقع تاريخي، فأهماله اذن خطا في ممارسة المنهج نفسه، والدراسة العلمية لا تكون علمية بالفعل مع اهمال أي جزء من موضوعها.[19]

على أساس هذه النظرة الواقعية الشمولية التي يتميز بها المنهج المادي التاريخي، بنينا عملنا في هذا الكتاب.. بمعنى أن عملنا لم ينحصر في البحث عن النزعات المادية في أصول التراث الفلسفي العربي – الاسلامي مع اهمال الاشكال المثالية الطاغية على هذا التراث.

بل نقول ان مثل هذا الحصر- حتى لو اننا اردناه أو حاولناه- غير ممكن عملياً، فضلاً عن كونه غير صحيح منهجياً. ذلك لأسباب عدة، منها:

أولاً، ان الفلسفة العربية – الاسلامية بخاصة يكثر فيها تشابك النزعات المادية والدياليكتيكية مع العناصر المثالية والميتافيزيقية إلى حد يتعذر معه استخلاص تلك النزعات دون بحث كل الاتجاهات الفلسفية التي تحتويها.

ثانياً، انه قلما نجد فلسفة مثالية صافية، في القديم أو الحديث، في الشرق أو في الغرب.

على الباحث اذن بحث هذه التعاليم من مختلف جوانبها لاعادة النظر فيها انتقادياً واسختلاص ما يكمن فيها من عناصر الدياليكتيك المادي بعد نزع الاغلفة الصوفية والمثالية عنها.

ثالثاً، ان النظر إلى الفلسفة يجب أن يكون نظرا اليها كمجرى تاريخي موضوعي يتطور دائماً بتشابك الافكار المختلفة وتفاعلها فيه، وبتصارع المادية والمثالية، الدياليكتيك والميتافيزيك خلال هذا المجرى.

ان كل هذه الخصائص للفلسفة بعامة تنطبق أيضاً على الفلسفة العربية – الاسلامية ذاتها، ذلك بالإضافة إلى خصوصيتها الاتية اليها من وضعها التاريخي المعين.

لهذا كله كان علينا أن نكتشف، في هذه الفلسفة، مكامن النزعة المادية حتى في صلب تجليات النزعة المثالية، وعلاقات الصراع بينهما. [20]

تصنيف بعض أشكال المادية الفلسفية، كما عرفت في تاريخ تطور الفلسفة العالمية على النحو الاتي:

أ- المادية الساذجة: هذه أول اشكال مادية عرف في التاريخ عند اقدم الفلاسفة.

لقد بني هذا الشكل من المادية على موقف دياليكتيكي عفوي من ظواهر العالم.

كان هذا الشكل جزءاً من المعرفة البشرية الكلية غير المتجزئة عن العالم، اذ كانت "العلوم" متمازجة لا ينفصل بعضها عن بعض.

يعبر هذا الشكل الساذج للمادية القديمة عن نظرة القوى التقدمية في المجتمع العبودي التي وصفت قديما بالديمقراطية العبودية. ابرز ممثلي هذه المادية: طاليس وانكسيمانس وانكسماندر، وهيراقليط، وديموقريطس ، وأبيقور.

ب- المادية الميتافيزيقية: هي مادية المفكرين الأوروبيين في القرنين: السابع عشر والثامن عشر، وأوائل القرن التاسع عشر.

انطلق هذا الشكل من الموقف الميتافيزيقي (السكوني) تجاه ظواهر العالم، وهو موقف يعتمد – في الاساس- على  المعرفة الطبيعية الميكانيكية، فقد كانت الفلسفة، خلال هذه الحقبة، تتغذى بالعلوم الطبيعية التي تطور بينها علم الميكانيك أكثر من غيره وأصبح يؤثر في سائر علوم الطبيعة.

كانت المادية الميتافيزيقية هذه تعبر عن أيديولوجية البرجوازية الناشئة وسائر القوى التقدمية في ذلك العصر.

ج- مادية الديمقراطيين الثوريين: ظهر شكل المادية هذا خلال القرن التاسع عشر في بعض بلدان أوروبة الشرقية واسية في عصر انتقال هذه البلدان من الاقطاعية إلى الرأسمالية.

مادية الديمقراطيين الثوريين هذه كانت تحتوي عناصر الموقف الدياليكتيكي من ظواهر العالم، وهي تعبر -بالأساس- عن أيديولوجية القوى الفلاحية الثورية بالأكثر.

د- المادية الدياليكتيكية: هذه هي الشكل الأخير للمادية، تاريخياً، حتى مرحلتنا الحاضرة. هي المادية الماركسية معبرة عن أيديولوجية البروليتاريا أي الطبقة التي تحمل مهمة التغيير الثوري للعالم.

يجب القول هنا أن هذا التصنيف لاشكال المادية خلال مراحل تطورها التاريخي، ليس هو بالتصنيف النهائي الكامل. [21]

أما المادية في الفلسفة العربية – الاسلامية، فهي على غرار مادية القرون الوسطي في أوروبة، من حيث انها كانت تتخذ أشكالاً غامضة تتخفى بين ثنايا الدراسات اللاهوتية الاسلامية.

وهذا مما أتاح لمؤرخي هذه الفلسفة والباحثين فيها، من العرب والاسلاميين والمستشرقين، ان يجدوا "المبررات" لطمسها أو تجاهلها أو تحريف ما قد يظهر من الامارات الدالة عليها.

لذلك كان علينا أن نضع بين مهمات هذا الكتاب تحديد أشكال المادية في تراثنا الفلسفي، إلى جانب اكتشاف عناصر هذه المادية، آخذين بالحسبان أهمية الاجابة الحاسمة -اذا أمكن ذلك- عن السؤال الآتي: كيف نقيس هذه الأشكال بالذات لدى محاولة تحديدها: أبمقياس الأشكال المادية كما تتجلى في عصرنا، عصر المادية الدياليكتية، ام كما تتجلى في عصر المادية اليونانية القديمة (أشكال المادية الساذجة)، ام بمقياس عصر الفارابي وابن سينا والرازي أبي بكر وابن رشد، وما مقياس عصرهم هذا؟

كان لابد ان نعتمد المبادئ الثلاثة التي سبق ذكرها، أي كان لا بد ان نراعي – عدا الموقف المشترك تجاه ظواهر العالم بين مختلف اشكال المادية – علاقة النزعات المادية في تراثنا بالنظام الاجتماعي الذي ينعكس -بشكل ما- في هذه النزعات، ثم علاقتها بمستوى تطور العلوم الطبيعية في المرحلة التاريخية نفسها التي كان يكتب فيها هذا التراث. [22]

ان "الوضع التاريخي" المعين هو المرجع في تحديد الأشكال التي اتخذتها النزعات المادية في التراث العربي – الاسلامي الفلسفي. فما العوامل المحددة لطابع "الوضع التاريخي" هذا؟.

هناك عاملان رئيسان مبدئياً، هما:

أولاً، طابع أسلوب الانتاج الاقطاعي المتداخل مع بقايا العبودية المنحلة والقطاع التجاري المتنامي إلى جانب نمو الصناعات الحرفية المتطورة نسبياً، في المجتمع العربي – الاسلامي خلال العصور العباسية.

ثانياً، طابع الازدهار الذي حظيت به العلوم الطبيعية في هذه العصور (القرن الرابع الهجري = العاشر الميلادي، بالاخص). [23]

ان تطوير كل فكرة جديدة، أو كل نظرية جديدة، مستحيل من غير وراثة المنتجات الفكرية السابقة وتحولها تحولاً كيفياً (نوعيا) وفقاً لمنطق المتغيرات الجديدة في الظروف المادية الجديدة.

بروح هذا التفكير المنهجي كان لينين يؤكد، في كلامه على المصادر الثلاثة للماركسية، ان الماركسية لم تنشأ خارج الطريق الأساسي لتطور البشرية، بل -بالعكس- جاءت بالأجوبة عن الأسئلة التي كانت تطرحها البشرية في كل العصور السابقة لنشوء الماركسية.

ان توكيد هذه الفكرة هو -في الوقت نفسه- توكيد للموقف الماركسي من التراث الثقافي القومي والعالمي، أي موقف الحفاظ على هذا التراث، ولكن لا لذاته كتراث، بل لاكتشاف ما يكمن فيه من عناصر التفكير البشري ذات الطابع المشترك بين مختلف اجيال البشرية في مختلف شعوبها، ولرؤية هذه العناصر في حركة صيرورتها الدائمة، أي تحولاتها النوعية خلال "عملية" مزدجة من :التحولات الاجتماعية أولاً، وما يستتبع هذه بالضرورة من تحولات الوعي البشري ثانياً.

في هذا الضوء ، بكل وضوحه، ينكشف الفراغ البائس الذي تقوم عليه محاولات بعض فئات "الانتليجينسيا" العربية بدعوتها إلى حذف التراث الثقافي العربي، أو الغاء التعامل معه كلياً. [24]

ان هذه الدعوة العدمية هي الشكل الآخر النقيض لدعوة "تحديث" التراث السلفية.

فاذا كانت هذه الاخيرة تعني التطابق أو التماثل بين الماضي والحاضر، فان تلك تعني التناقض بينهما. واذا كانت الأولى (أي دعوة "تحديث" التراث) تدعو إلى تبعية الحاضر للماضي "لتغريب" المجتمع العربي الحديث والفكر العربي الحديث عن عصرهما وعن مجرى التحولات الثورية في هذا العصر، فان الثانية (أي دعوة الغاء التراث) تدعو إلى قطع الحاضر عن الماضي "لتغريب" المجتمع العربي الحديث والفكر العربي الحديث عن تاريخهما وعن الجذور التي تثبت وتؤكد اصالة انتمائهما إلى ذلك التاريخ.

 كلتا الدعوتين، اذن، رغم تناقض مفهوميهما، تلتقي الاخرى على صعيد مشترك، هو اقتلاع المجتمع العربي والفكر العربي من موقعهما في الحاضر نفسه، لان احدى الدعوتين تقتلعهما من الاصالة، والاخرى تقتلعهما من المعاصرة، وكلا الامرين "اغتراب" عن الحاضر، من حيث كون مفهوم الحاضر ليس سوى الوحدة الجدلية بين الاصالة والمعاصرة، أي وحدة العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل، فاذا انسلخ عن هذه الوحدة جانب، انسلخ معنى الوحدة بكامله، فلم يبق الحاضر حاضراً بمفهومه التاريخي الدياليكتيكي.

من هنا يتضح ان الدعوة إلى الغاء التعامل مع التراث هذا، هي -بصرف النظر عن منطلقها الأيديولوجي- تقوم على احتمالات فكرية يرفضها منطق الواقع التاريخي الاجتماعي الذي هو المحك الحاسم لصحة كل فكرة أو نظرية أو احتمال في هذا المجال. [25]

لقد اعتمدنا التصنيف المنهجي أساساً في استقصاء مواقف المؤرخين والباحثين من تراثنا الفكري.

ولكن ذلك ليس يغنينا عن الاستعانة بالتصنيف التوضيحي الذي يساعدنا على وضع كل موقف في حدوده الخاصة تاريخياً وفكرياً وأيديولوجياً.

وقد سبق ان حددنا في اطار  هذا التصنيف ثلاثة اقسام من المؤرخين والباحثين هؤلاء: القدماء، المحدثين من العرب والشرقيين، ثم الستشرقين وسواهم من الغربيين، ونتجه الان إلى رؤية المواقف في حدودها تلك لدى كل قسم على انفراد:

أ- القدماء:

تسوقنا موجبات البحث، لدى استقصاء مواقف القدماء من العرب والشرقيين بعامة، ان نرجع إلى أبعد الأزمنة حتى الزمن الذي لم يكن التراث فيه قد أصبح تراثاً، بل كان لا يزال حاضراً عصره.

منذ ذلك العصر ظهرت المواقف المختلفة منه، أي قبل أن يصبح تراثاً، واستمرت تظهر المواقف المختلفة، منذ أن أصبح تراثاً، في كل مكان من الشرق ومن الغرب، ولا تزال وستبقى تظهر. [26]

كانت مسألة القدرة أول مسألة خاض فيها الفكر العربي – الاسلامي باتجاه عقلي وعلى أساس "حزبي" أي على قاعدة فكرية ومن منطلق سياسي (معارضة الحكم الاموي)

ومنذ أخذت هذه المسألة تحتل المركز – المحور بين المسائل الفكرية الكبرى المثارة في ما بين القرنين الأول والثاني الهجريين (منتصف القرن السابع)، اخذت المواقف، المؤيدة والمعارضة، تبرز في ساحة فسيحة يحتدم فيها الصراع على اشده، واستخدم معارضو الفكر القائل بنفي القدر سلطة الدين في ارهاب هذا الفكر، كما فعل المصعب الزبيري اذ نقل عن مالك بن انس (96 -179ه / 714 – 795) انه قال: "الكلام في الدين اكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه، نحو الكلام في رأي جهم والقدر وما أشبه ذلك.."، ثم بالغوا في استخدام الدين ذريعة لتشويه فكرة نفي القدر حتى اطلقوا على دعاتها اسم "القدرية" رغم ان هذا الاسم جدير ان يطلق على من يقول بنقيض فكرتهم، أي على الجبرية، كان ذلك بقصد تطبيق حديث منسوب إلى النبي على أهل الاختيار، وهو الحديث القائل: "القدرية مجوس هذه الأمة".

وقد رفض المعتزلة هذه التسمية قائلين: ".. لفظ القدرية يطلق على من يقول بالقدر خيره وشره من الله"، وهم لا يقولون بذلك.

ثم يأتي دور المعتزلة لتطوير الاتجاه العقلي وتقعيده على قواعد نظرية مستمدة من لقاحات فلسفية متنوعة المصادر، وكان يعني هذا الاتجاه المعتزلي انعطافاً في الفكر العربي – الاسلامي من جهتين:

جهة تتعلق بمسألة المعرفة، وجهة تتعلق بترسيخ فكرة حرية الانسان أي مسؤوليته عن افعاله.

من الجهة الأولى كان اتجاه المعتزلة خرقاً لحصر مصدر المعرفة في واحد، هو المصدر الالهي، اذ اضافوا العقل كمصدر اخر للمعرفة حتى في مسائل العقيدة.

ومن الجهة الثانية اقاموا مفهوم العدالة الالهية على أساس حرية الانسان، أي على نفي الجبرية المطلقة التي تحكم كل افعاله.

وهنا ظهرت مواقف الخصومة لهذا الاتجاه من كلتا جهتيه، واستخدم الدين كذلك وسيلة لكبح التطلعات العقلانية المعتزلية وعرقلة تطورها نحو الفكر الفلسفي المستقل عن أساسه اللاهوتي. [27]

وقد توزعت مواقف الخصومة هذه بين تيارات ثلاثة في عصر النهوض المعتزلي، هي: التيار السلفي، والتيار الحنبلي، والتيار الاشعري.

وهذه تشترك جميعاً في خط واحد يتَّسم بالعداء للجوانب التقدمية النسبية من أفكار المعتزلة.

لقد تضافرت كل التيارات المحافظة على اقصاء الفكر المعتزلي نهائياً عن صعيد النشاط الفكري في منتصف القرن التاسع الميلادي. حتى لم يبق لنا من هذه الافكار الا ما صاغه خصومهم صياغة مشتتة مجتزاة، وحرمت الاجيال اللاحقة قراءة الفكر المعتزلي بصوره الحقيقية  الكاملة التي صاغها اهله انفسهم في مؤلفاتهم، ولم يصل الينا من هذه المؤلفات اخيراً سوى كتاب " الانتصار" لابي الحسن الخياط، وبعض المخطوطات التي عثرت عليها بعثة مصرية أوفدت إلى اليمن في سنوات قريبة سابقة ، وصدر في مصر من هذه المخطوطات بضعة اجزاء من كتاب "المغني" للقاضي عبد الجبَّار المعتزلي.

من الواضح لنا الان ان مواقف العداء هذه لم تكن لتبلغ هذا الحد الاقصى من تغييب تراث المعتزلة، لولا ان العداء موجه -أساساً- لنزعة التحرر العقلي الغالبة على هذا التراث.

لعل ابن خلدون وحده، رغم "حزبيته" الاشعرية، استطاع ان يدرك قيمة الظروف التاريخية التي جعلت الفكر المعتزلي يكتسب جاذبية استقطبت أنظار معاصريه.

فان ابن خلدون ادرك ان عصر المعتزلة كان عصر تطور العلوم، وان هذا الواقع التاريخي كان السبب في اشاعة الفلسفة واجتذاب الناس اليها، وكان الممهد للمعتزلة ان يحدثوا "بدعتهم" – كما يعبر ان خلدون انطلاقاً من اشعريته – مستخدمين الفلسفة في تفكيرهم حتى لم يكن من اليسير على خصومهم ان يدحضوا حججهم لكونها قائمة على قواعد فلسفية. [28]

نرى ان غياب الفكر المعتزلي، وان بوسائل القهر والقسر، كان تحويلا للصراع إلى شكل أعلى مما كان عليه حين كان هذا الفكر في عنفوان نشاطه.

ذلك ان التيار المعتزلي تحول، بعد غياب ممثليه، إلى مجريين كبيرين انقسم اليهما طرفا الصراع منذ ذلك المفترق التاريخي حتى المفترق الذي نسميه "العصور الحديثة":

المجرى الأول هو الفلسفة، وهو الذي ندعوه بالفلسفة العربية – الاسلامية.

والمجرى الثاني هو علم الكلام الاشعري.

قلنا أن هذا الانقسام الجديد كان تحولاً نوعياً في شكل الصراع، لانه انتقل من كونه صراعاً بين اللاهوتية الصافية واللاهوتية – العقلانية، إلى كونه أصبح صراعاً بين لاهوتية "معقلنة" في المذهب الاشعري وبين عقلانية تنزع بقوة إلى الاستقلال عن أصولها اللاهوتية في الفلسفة العربية – الاسلامية.

كان فكر الغزالي النموذج الأعلى لأحد طرفي هذا الصراع الجديد. [29]

فقد أصبح الاتجاه الغالب لتلك المواقف هو اتجاه الغزالي نفسه، وهو الذي سلط سيف الارهاب الفكري الديني على الفلسفة والفلاسفة، وهو الذي حدد – إلى مدى بعيد- أشكال النظر الوحيد الجانب إلى هذا التراث في مباحث المتكلمين الاشعريين المتأخرين وغيرهم وفي مؤلفات المؤرخين منهم. وقد نستثني من هذا الحكم اثنين بين كبار مفكري الاشاعرة: الشهرستاني مؤرخ الفلسفة الاشهر، وابن خلدون.

غير ان مواقف العداء للفكر الفلسفي كانت اسبق عهدا من زمن الغزالي، بل سبقت زمن أبي الحسن الاشعري نفسه.

في الثلث الأخير من القرن الثالث الهجري اخذت مواقف العداء للفلسفة تزداد تشددا في مكافحة الفكر الفلسفي حتى فرض على الوراقين (نساخ الكتب) ان يقسموا بأن لن يشتغلوا بانتساخ أي من كتب الفلسفة.[30]

برز بعد ابن تيمية تياران من السلفيين: تيار يتابع اتجاهه نفسه، وتيار اخر يتابع الخط الاشعري في محاربة الفلسفة والفلاسفة بسلاح الفلسفة نفسها.

ومن التيار الأول من اعاد أسلوب ابن الصلاح في تحريم المنطق والفلسفة، أمثــال: ابن قيم الجوزية (-751ه) ، والصنعاني (-840ه) والسيوطي (-911ه).

أما التيار الثاني – الاشعري- فقد جاء من المتأخرين الممثلين له من مارس التفكير الفلسفي دون حرج حتى ان بعض الباحثين المحدثين وصف طريقتهم بأنها "توغلت في مخالطة كتب الفلسفة، والتبس عليهم شأن الموضوع في العلمين (علم الكلام وعلم الفلسفة) وحسبوه واحدا.

ان الطابع العام لمواقف القدماء من التراث الفكري الفلسفي، بعد ابن تيمية إلى زمن متأخر يتجاوز القرن السادس عشر الميلادي، هو طابع هذين التيارين معا، رغم الاستثناءات ذات الشأن الكبير.

ولكن تيار الاشعرية ظل يحتفظ بمواقعه المسيطرة – بالاغلب- على النشاط الفكري في هذا المجال، فان كثرة شراح الكتب الكلامية والفلسفية البارزين ومؤرخي الفلسفة، في المراحل المتأخرة، هي كثرة اشعرية، من ابن خلدون إلى طاش كبرى زادة (-963ه / 1550).

أما الاستثناءات التي أشرنا اليها فتتركز على المتأخرين من فلاسفة الشيعة الذين يبرز في قافلتهم الأخيرة صدر الدين الشيرازي المشهور بـ"بالملاصدرا" أو بـ"صدر المتالهين (980- 1050 ه / 1573 – 1640).

والقصد من الاستثناء هنا امران ، هما:

أولاً، كون فلاسفة الشيعة هؤلاء نظروا إلى الفكر الفلسفي من خارج كلا التيارين السابقين: الحنبلي، والأشعري، من حيث الاتجاه المذهبي الصرف.

وثانياً، كون موقفهم من هذا الفكر يتسم بالانسجام الداخلي. ذلك بفضل تطويعهم مقولاته ومفاهيمه ذات الطابع الميتافيزيقي وفق طبيعة المقولات والمفاهيم الشيعية في قضايا النبوة والامامة بالاخص. [31]

 

ب- مواقف المحدثين :

في الصفحات الأولى من هذه المقدمة وضعنا مسألة عودة الفكر العربي الحديث إلى تراثه القديم في اطارها التاريخي الذي برزت فيه منذ اكثر من قرن مضى.

اذ كانت العودة حينذاك إلى هذا التراث تعبيراً، في النطاق الفكري، عن المخاض الذي بشر بمطلع الحركة المسماة بـ"النهضة العربية".

فقد ارجعنا مسألة التراث هذه إلى عواملها التي ظهرت لنا انها هي نفسها العوامل التي تمخضت عنها تلك الحركة "النهضوية" بشكلها الأول السطحي، حتى خرج من العمق الشعبي العربي وأفقه الأوسع شكل جديد تحولت به الحركة من مضمونها "النهضوي" الاصلاحي المرتبط بمطامح الزعامات العربية العليا ونزعات المساومة الفئوية مع المطامح الغربية الامبريالية، إلى مضمونها القومي التحرري.

بهذا التحول في الحركة العربية ، حدث تحول في مسألة العودة إلى التراث كذلك، فقد بدأت العودة إليه بداية "نهضوية" أيضاً كبداية الحركة العربية الاصلاحية ذاتها.

وبهذه الصفة كانت العودة إلى التراث اشبه بالنزعة الرومانسية من حيث كونها رجعة إلى الماضي بصفته "الماضوية" المطلقة، رجعة مشحونة بالعاطفة حبا للماضي بذاته وتمجيداً لكل ما اتى به الماضي دون تمييز أو تمحيص.

لقد وصفنا هذه الظاهرة، سابقاً، بصفتين متناقضتين: برجعية مضمونها ، وتقدمية دوافعها. فهي رجعية من حيث القومية في سبيل انبعاث "الشخصية" العربية لمواجهة التحدي المزدوج: الطوراني العنصري التركي، والغربي الامبريالي المتحفز يومئذ لتقاسم تركة "الرجل المريض".[32]

اتخذت حركة العودة إلى التراث، في تلك المرحلة ، طابع الاسم الذي سميت به: "أحياء التراث".

كان الادب -والشعر بخاصة- هو الصيغة الأولى لهذا "الاحياء". غير ان هذه الصيغة لم تكن "احياء" للتراث بقدر ما كانت استلاباً لما بقي فيه من حياة، اذ كانت تقليداً للغته وأساليبه وصوره ومعانيه يفتقر إلى الكثير من عناصر الحياة التي اجتمعت في التراث نفسه.

ثم ظهرت صيغة جديدة لهذا "الاحياء" كانت اجدى من تلك واقرب إلى معنى الاحياء، هي نشر المؤلفات التراثية، في الادب والنقد والشعر والتاريخ والتشريع والعقائد، بوسائل الطباعة الالية حين بدأت هذه الوسائل تشيع في بعض الاقطار العربية (مصر، لبنان، سورية) خلال القرن الماضي.

ولكن طريقة النشر هذه كانت، في البدء، طريقة عشوائية لا تعتمد قاعدة ما في اختيار ما ينشر من كتب التراث سوى شهرة الكتاب أو شهرة المؤلف، هذا أولاً.

ثم هي -ثانياً- لا تعتمد تحقيق النسخ المخطوطة للكتاب الواحد ومقابلة بعضها ببعض لمعرفة الصحيح منها نصاً وتاريخياً كما كان يفعل المستشرقون في نشرهم كتب التراث العربي – الاسلامي. [33]

هذه المرحلة الأولى لحركة العودة إلى التراث، تخللتها – مع ذلك- في الثلث الاخير من القرن التاسع عشر، دعوة متميزة بجدتها وتأثيرها العميق في بلدان الشرق الاسلامية، هي الدعوة التي نهضت بها مدرسة جمال الدين الافغاني (-1897) وتلميذه الشيخ محمد عبده (-1905).

كان لهذه المدرسة موقف من التراث يتخطى الموقف شبه الرومانسي الذي ساد تلك المرحلة، فقد توجهت مدرسة الافغاني – عبده إلى التراث من موقف نقدي نسبياً. اذ رأى رائد هذه المدرسة (الافغاني) حاجة بلدان الشرق في مرحلته تلك إلى التصدي للمطامع الغربية الاستعمارية بسلاح الفكر المتحرر من أسر النظر "التقديسي" الجامد إلى الماضي وتراثه، لرؤية ما يتطلبه الحاضر من فهم جديد لافكار التراث يساعد المجتمعات الشرقية المهددة بخطر تفاقم السيطرة الاستعمارية على مواجهة هذا الخطر.

من هذا المنطلق اندفع الافغاني بدعوة هذه المجتمعات إلى نبذ ما تأخذ به من أفكار وتقاليد متوارثة أخذاً جامداً يحقنها بجراثيم الاسترخاء وروح الجبرية المطلقة الآتية إليها باسم القضاء والقدر.

وعلى هذا الاساس بنى الافغاني حملته المعروفة على الصوفية "الذين يتخذون الايمان بالقضاء والقدر سبيلاً إلى القعود عن طلب الرزق"، واصدر حكمه بأن "هؤلاء الذين لا يفهمون من التوكل الا معنى التواكل يستحب ازالتهم وتنقية الهيئة الاجتماعية من درنهم، لان اراءهم ليست على وفاق مع الدين".

وعلى الأساس نفسه بنى الشيخ محمد عبده، ممثل الجناح العربي المصري لهذه المدرسة، دعوته الاجتماعية والفكرية إلى فهم تراث الاسلام، عقيدة وشريعة، وفهم تراث المسلمين، متكلمين وفلاسفة، فهماً مستمداً من واقع العصر المتغير جداً عن واقع العصر الوسيط.

بروح هذه الدعوة نادى بأن "من سلك طريق الاجتهاد ولم يعول على التقليد في الاعتقاد ولم تجب عصمته فهو معرض للخطأ، ولكن خطأه عندالله واقع موقع القبول، حيث كانت غايته من سيره، ومقصده من تمحيص نظرة، ان يصل إلى الحق ويدرك مستقر اليقين".

وبروح هذه الدعوة لم يذهب محمد عبده مذهب السلفية في معاداة النهج العقلاني المتمثل بتراث المعتزلة والفلاسفة أو في تكفير من يقول بأزلية العالم ولم يأخذ بالمنحى الصوفي الا ان يكون التصوف "رياضة خلقية على هدى الرياضة العقلية".

على ان مدرسة الافغاني – عبده، رغم أهميتها في تصديع جدار التقديس المطلق للتراث، لم تضع منهجاً لدراسة التراث يغير من المناهج التقليدية الشائعة تغييراً عمقياً . ذلك لارتباطها بالأسس الأيديولوجية نفسها التي قامت عليها تلك المناهج. [34]

ولكن في السنوات الأخيرة، أي في مرحلة تطور الحركة العربية التحررية التي أخذ فيها التمايز الأيديولوجي يتحول إلى صراع أيديولوجي علني، أخذت الدراسات التراثية تتجه اتجاهاً صريحاً إلى الكشف عن منطلقاتها الفكرية كأسلحة مشاركة في هذا الصراع على هذه الجبهة وتلك كلتيهما.

في الجبهة السلفية نجد -مثلاً- احدى المجلات العربية المعنية بمثل هذه الدراسات تعلن، في احد اجزائها المخصص لبحث بعض الجوانب المهمة من تراثنا الفكري[35]، انها تتصدى لبحث تراث "الفكر الاسلامي" في هذه المرحلة ذاتها، لانها "من أشد المراحل خطورة في تاريخ تطوره" – تقصد تطور "العالم الاسلامي" - ، ثم تحدد "خطورة" المرحلة بانها تتمثل في تعرضه – أي العالم الاسلامي- لكثير من التيارات الفكرية والاتجاهات الايديولوجية الغريبة الوافدة التي يستقطب بريقها وجدتها كثيراً من الاذهان.[36]

وفي الجبهة الأخرى التقدمية تصدر تباعاً بحوث ودراسات عن مختلف جوانب التراث تحاول أن تشق طريقها إلى معركة الصراع الأيديولوجي مباشرة.

بعضها يتوجه إلى تيارات معينة في هذا التراث تتميز بانها ظهرت تاريخياً كتمثيل لمواقف واتجاهات لها أبعادها الاجتماعية والسياسية المتقدمة بالنسبة لمرحلتها التاريخية الخاصة، والفكر المعتزلي، بوجه عام، هو احد الطلائع بين هذه التيارات.

وقد توجهت اليه احدى تلك الدراسات من منطلق ايديولوجي تقدمي معاصر، باعتبار ان الفكر المعتزلي حمل "قضية الحرية الانسانية والموقف الانساني"، وباعتبار ان هذه القضية "تتعلق بالانسان وعلاقاته بالمجتمع والكون.

وبسبب من ديمومة هذه العلاقات وتعقدها، بل ونمو درجة التعقد هذه، فلقد ظلت هذه القضية حية مثارة ومثيرة للبحث والجدل حتى الآن.

وتحدد هذه الدراسة أهمية بحث قضية المعتزلة الان بانها " تتعدى نطاق الانصاف لهؤلاء الاسلاف وابراز مباحثهم حول هذه القضية، إلى مشاكل عصرنا الحاضر وانساننا العربي – المسلم الذي يعيش في النصف الثاني من القرن العشرين (...) من زاوية شديدة الأهمية والخطورة بالنسبة لعالمنا العربي، وبالنسبة لنا في مصر بوجه خاص".

أما هذه الزاوية فتحددها الدراسة بـ"ضرورة بلورة فكر هذه المدرسة العربية الاسلامية في موضوع الحرية الانسانية، وأهمية القاء المزيد من الاضواء على هذا المبحث، واثارة الجدل الفكري حول مكانه من عقل امتنا وسلوكها في حاضرها الراهن ومستقبلها المنشود. وباختصار: مكان هذا الفكر من ثورة فكرية وثقافية مطلوبة ومنشودة لتغيير الموقع الفكري لجماهيرنا الواسعة العريضة". [37]

ويمكن أن يذكر بين الكتابات القائمة على هذا الاتجاه والتي ظهرت في السنوات الاخيرة، كتابة عن "ابن رشد" تصفه في العنوان بأنه "أكثر الشخصيات اثارة للجدل" ، وانه "رجل الفكر والممارسة"[38].

وقد نجحت هذه الكتابة بتفسيرها التاريخي لكلا الوصفين، فهي تطرح مسألة الجدل الذي أثير حول تحديد النزعة الفلسفية لابن رشد في العالم العربي – الاسلامي وفي أوروبة: أهي نزعة مادية الحادية كما يرى فريق من الفلاسفة ومؤرخي الفلسفة ، ام هي نزعة مثالية وايمانية – اسلامية، كما يرى فريق اخر ، ام هي توفيقية تقيم "مصالحة" بين الدين والفلسفة كما هو رأي جمهرة الباحثين العرب والاسلاميين السلفيين والبرجوازيين؟

وبرغم ان صاحب هذه الكتابة الجديدة عن ابن رشد لم يشأ ان يدخل طرفاً مباشراً في هذا الجدل، فقد دخل طرفاً بالفعل حين أخذ يكشف العناصر ذات المحتويات المادية والتقدمية من فلسفة فيلسوف قرطبة، وهي العناصر التي تضع ابن رشد في مكانه التاريخي الحقيقي حيث يبرز فيلسوفاً " يرتدي الحديث عنه أهمية استثنائية".

ذلك بفضل "التحام فكر ابن رشد بممارسته لهذا الفكر مع ما يتضمنه هذا من مواقف صلبة في وجوه الكثيرين من اعداء الفكر العقلاني المتنور الذي دعا ابن رشد اليه فأصابه في سبيله ما أصابه من اضطهاد ونبذ وتشويه سيرة". [39]

ان المكان التاريخي الحقيقي لابن رشد – كما يوضح الكاتب بحق – هو حيث نراه ".. مرآة عاكسة للكثير من جوانب البنى الفكرية والسياسية والثقافية، بما بينها من عوامل ترابط وتضاد".

لذا كان على الكاتب ان يرسم الخطوط الكبرى لأوضاع المجتمع الذي انتمى اليه وعاش فيه الفيلسوف، من اجتماعية وسياسية وثقافية، فرسمها صورة تحتدم فيها التناقضات التي وضعت ابن رشد، كفيلسوف، في الطرف الذي يرفض في ما يرفض، ما يأتي:

أولاً، جعل علاقة السلطة السياسية وجهازها العسكري بالمحكومين، علاقة تقوم على القمع والتسلط المستبد.

ثانياً، آراء رجال الدين وعلماء الكلام وبعض الفلاسفة في مسائل خلق العالم وبعث الرسال والقضاء والقدر والعدل والجور والنشور.

هذه المسائل التي اتخذ الاختلاف حولها " هذا الطابع العنيف، لانه يتصل بالبنية المادية للعالم من وجهة نظر يترتب عليها (...) الكثير من النتائج والآراء التي تهدد البنية السياسية للدولة التي يشكل الفقهاء .. جزءاً مهماً منها. اضافة إلى ما لمسائل مثل: القضاء والقدر والعدل والجود من تأثير على مواقف الناس وحياتهم ومواقفهم من السلطة".

ثالثاً، انكار حضور الانسان في العالم وفاعليته وقدرته على الحركة بحرية.

رابعاً، فكرة اختلاف الرجال عن النساء بالطبيعة. بل يرى ابن رشد الاختلاف في الدرجة، وهي "تتحدد بالنسبة لنوعية العمل الذي تقوم به المرأة" والمقياس في ذلك قابلية المرأة لاحتمال المشاق. فحيثما تتوفر هذه القابلية فقد تتفوق المرأة على الرجل.

ان كتابة صلاح حزين هذه عن ابن رشد، بخلاصتها التركيبية التي وضعناها بتصرف لا يمس الجوهر، تأتي في هذه المرحلة الأخيرة تمثيلاً للاتجاه الجديد في معالجة التراث وفق المنهج التاريخي العلمي، واسهاماً في القضاء على أسطورة "الطابع التوفيقي" الذي فرضه المنهج السلفي على الفلسفة العربية – الاسلامية دون أساس واقعي سوى الدوافع الايديولوجية المتحكمة، في الخفاء غالباً، بمجمل المباحث التراثية للسلفيين وغير السلفيين من ممثلي الفكر البرجوازي المعاصر. [40]

 

ج- حركة الاستشراق :

النواة الأولى لحركة الاستشراق، بشكلها الثقافي، ترتبط بعلاقة وثيقة مع حركة "الاستشراق" بشكلها السياسي – العسكري، التي كانت الحملات "الصليبية" نواتها الأولى كذلك.

ولكن الصلة بين الثقافة العربية – الاسلامية وثقافة الغرب الأوروبي كانت قد انعقدت قبل الحركة "الصليبية" خلال الحروب العربية – البيزنطية، وخلال عهود الوجود العربي في كل من الاندلس وصقلية، وازدهار حركة التثقف الأوروبي فيهما بالثقافة العربية – الاسلامية وحركة نقل منجزات هذه الثقافة، ولا سيما الفلسفية والعلمية التجريبية منها، إلى اللاتينية والعبرية وظهور المدارس والمذاهب الفلسفية الأوروبية المتأثرة بالفلاسفة العرب الاسلاميين: الكندي والفارابي وابن سينا والرازي ابي بكر والغزالي وابن رشد.

ولكن حركة الاستشراق تتميز، منذ الغزوات "الصليبية" للشرق، بظاهرتين:

أولاهما، انها أصبحت على اتصال مباشر بالأصول التي لم تكن قد انتقلت قبل ذلك إلى المغرب.

والثانية، انها اخذت تندفع بمهماتها على خطين متوازيين حينا، ومتشابكين احياناً: خط سياسي – استعماري ترتبط بدايته ببداية تلك الغزوات التي غمرت اجزاء كبيرة من بلاد المشرق العربي بموجات متلاحقة من المقاتلين والمحتلين على مدى نحو قرنين (1097 – 1291) لاغراض استعمارية متسمية باسم "الصليبية" اخفاء لحقيقة اهدافها وراء ستار الدين.

أما الخط الاخر، فهو الذي يتصل بما تركته المدارس الصقلية والاندلسية لدى المثقفين والمفكرين والعلماء الأوروبيين من رغبة في الاطلاع على المزيد من مصادر الثقافة العربية – الاسلامية ومنجزاتها في مختلف فروع المعرفة. [41]

وكان الحافز الديني يجد سبيله إلى كلا هذين الخطين، ولذا نرى بين أوائل الاستشراقيين، الذين كانت لهم عناية مأثورة بترجمة الكثير من تلك المصادر، نفرا من الرهبان أمثال: بطرس المحترم (1092 -1156) ، وجيرارده كريمون (1114 – 1187) ، والبير الكبير ( 1193 – 1280 ) ، وميخائيل سكوت (-1235) ، وروجر بيكون (1214 – 1294 ) .

 

لا يمكن – ولا يصح- انكار النتائج الايجابية لحركة الاستشراق . اما أبرز هذه النتائج فهي:

  1. حفظ الكثير  من أصول تراثنا الثقافي ووقايته من الاندثار أو الضياع خلال عصور العزلة المظلمة التي ضربت على هذا التراث كحجاب بينه وبين جماهير المتعلمين في بلاد العرب، وهي نفسها العزلة التي ضربت عدة قرون على أهل هذه البلاد أنفسهم، كحجاب بينهم وبين حركة تطور التاريخ البشري.

   كان عمل المستشرقين في العصور الحديثة، مهما كان رأينا في القصد منه، هو البحث عن تلك الأصول في زوايا البيوت والمكتبات الخاصة المهملة وأسواق الكتب في مختلف المدن والعواصم، وجمع ما يصل إلى أيديهم منها بمختلف الوسائل.

   وفي اعتقادنا أن هذا العمل –رغم ما قد نجد فيه من غضاضة- قد انقذ كنوزاً كان يمكن أن تضيع، فبقيت وان في غير ارضها، وكان بقاؤها هو الاهم.

  1.  نشر تلك الأصول التراثية بوسائل الطباعة الحديثة، واحياناً تحقيق نصوصها تاريخياً ونصياً.
  2. أما دراسة التراث في حركة الاستشراق ، فهذه هي القضية التي يعنينا هنا الوقوف عندها. فليس صحيحاً الزعم أن نسبة الايجابية في هذه النقطة تعادل نسبتها في النقطتين السابقتين. بل الصحيح القول انها نسبة ضئيلة بالقياس إلى ما غمرها من سلبيات طاغية. [42]

 

ليس مصادفة ان كان بدء نشاط الدراسات الاستشراقية الغربية لتراثنا الفكري، في "النصف الأخير من القرن 19" ، وان نشطت حركة الاستشراق في الربع الأول من هذا القرن نشاطا عظيما، فرحل بعض العلماء الغربيين إلى الشرق، وتتلمذوا في معاهده، واتصلوا عن قرب بحياته الفكرية والروحية، وتنافست عواصم أوروبا وأمريكا في نشر الثقافة العربية، فانشئت مدارس للغات الشرقية ومعاهد للدراسات الاسلامية في برلين ولندن وباريس وروما، والفت جمعيات علمية وتاريخية لمعالجة مشكلات الحضارة العربية، وعقدت مؤتمرات للمستشرقين من حين لآخر، فكانت حافزاً على الدراسة وهادياً للبحث.

نقول: ليس مصادفة ان نشاط هذه الدراسات لم يبدأ الا في النصف الثاني من القرن 19 ، وانه ازداد فاعلية على هذا النحو في الربع الأول من القرن (العشرين)، مع ان حركة الاستشراق كان قد مضى على ظهورها زمن يعد بالقرون. بل المسألة مرتبطة بظروفها وأسبابها التاريخية المعينة.

ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر كانت الرأسمالية على عتبة التحول إلى عصرها الجديد، عصر الامبريالية، أي عتبة التحول عن نظام المنافسة الحرة المفتوحة إلى نظام تمركز الاحتكارات الذي دفع بالرأسمالية إلى التطور نحو شكلها الجديد واعادة تقسيم العالم على أساس جديد يضمن لتلك الاحتكارات: مواطن خارجية لتوظيف الرساميل المالية، ومصادر للخامات ، وأسواقاً للتصريف.

ان مقدمات هذا التحول الرأسمالي كانت تشتد بروزا وحدة في الربع الاخير من القرن الماضي، ثم حدث التحول فعلاً في مستهل القرن العشرين.

وفي سبيل ذلك كان يشتد صراع الدول الرأسمالية للاستيلاء على مناطق جديدة من العالم "المتخلف" ، ولاعادة توزيع المناطق المستولى عليها من قبل.

في هذه الظروف ذاتها، وللأسباب ذاتها، كانت تركية العثمانية – بما تحتويه ضمن سيطرتها من اجزاء عربية- أحد مدارات هذا الصراع المحتدم، لما تتمتع به المنطقة العربية من مزايا، فعلية ومحتملة، مثيرة لشهوات الاحتكارات الامبريالية، وملائمة لاستراتيجياتها الاقتصادية والسياسية.

من هنا كانت "المسألة الشرقية" أحد أشكال ذلك الصراع، كما كان مشروع خط "ب- ب –ب" الحديدي (برلين – بغداد – البصرة) مظهراً اخر للسباق الدولي الامبريالي في سبيل السيطرة على ثروات ما بين النهرين وعلى منفذ إلى المحيط الهندي. [43]

في سياق هذا التحول نحو عصر الرأسمالية الامبريالية، نحو عصر الاقتسام الجديد للمستعمرات القديمة والتسابق للاستيلاء على مستعمرات جديدة في ركاب الاحتكارات الكبرى، بدأت حركة الاستشراق اتجاهها الجديد أيضاً نحو الدراسات العربية – الاسلامية، ودراسة التراث الفلسفي بالاخص.

ثم ضاعفت نشاطها في الربع الأول من القرن العشرين ، أي بعد ان صار هذا التحول أمراً واقعاً، وصارت البلاد العربية في متناول المطامع الامبريالية بالفعل، وبذلك أصبحت لهذه البلاد ميزة استراتيجية جديدة بالغة الاهمية في حساب الامبريالية العالمية، اضافة إلى الاستراتيجية الطاقية بعد انبثاق ينابيع الذهب الاسود (البترول).

سنجد بين من يقرأون هذا الكلام سائلا يسأل: ما علاقة هذا كله بمسألة الدراسات الاستشراقية لتراثنا الفكري، والفلسفي بخاصة؟.

نجيب: اننا اذا نظرنا إلى هذه الدراسات منعزلة عن بدايتها التاريخية، مجردة من اية علاقة بين هذه البداية وتلك الظروف التي أوضحنا، نكون قد وضعنا المسألة وضعا تجريديا و "لا تاريخيا" في حين أن مسألة كهذه وبأهيمتها البالغة لا يمكن ان تعالج بالنظر التجريدي، فضلاً عن "اللاتاريخي" كشأن غيرها من مسائل الفكر والثقافة.

ان العلاقة بين بداية الدراسات الاستشراقية للتراث وبين عشية عصر الامبريالية، ثم العلاقة بين اشتداد نشاط هذه الدراسات ومطلع عصر الامبريالية هذا، هما مما يحتاج إلى تفسير ينظر إلى ابعاده الواقعية. [44]

وسنكتشف الكثير من هذه الابعاد حين ندخل في تفاصيل مواقف المستشرقين خلال معالجاتهم فكر التراث. اما الان فنحاول الكشف عن أساس تلك العلاقات:

ان التوجه الامبريالي، نحو السيطرة على العالم العربي، كان يستلزم توجها تابعاً له يسير في خطه نحو السيطرة على الثقافة العربية، بمعنى التحكم باتجاهاتها الحديثة، في سبيل تحقيق غرضين رئيسين:

أولهما ، يتعلق بالبرجوازية العربية. فهذه البرجوازية كانت مؤهلة ان تنتقل إلى موقع التبعية للامبريالية انسجاماً مع مصالحها الطبقية. وهذا الانتقال يستدعي تحولاً ايديولوجياً، أي انه يستدعي من هذه البرجوازية ان تعيد بناء ايديولوجيتها المتخلفة عن طبيعة عصر الامبريالية.

فكان لا بد من التمهيد لهذا التحول بتمكين البرجوازية من اداة ثقافية يمكن الاستعانة بها في سبيل ذلك.

لقد اخذ مفكرو الرأسمالية، في مرحلة انتقالها إلى الشكل الامبريالي، كل هذه الامور بالحسبان حين كان عليهم ان يقرنوا التوجه الاقتصادي والسياسي الامبريالي نحو المنطقة العربية بالتوجه الثقافي والايديولوجي الامبريالي نحو برجوازية هذه المنطقة.

كان عليهم ان يستخدموا، في سبيل هذا التوجه الاخير، اداة ثقافية لها ارتباط بالتاريخ القومي والثقافة القومية، على ان يفسر هذا التاريخ تفسيراً غيبياً وقدرياً، وان تطرح مسائل هذه الثقافة على نحو يلائم هذا التفسير الغيبي القدري. ذلك هو الغرض الأول من التوجه الامبريالي، عن طريق حركة الاستشراق، نحو السيطرة على الثقافة العربية، بمعنى التحكم باتجاهاتها الحديثة، لتكون دراسة تراثها الفكري بوجه عام والفلسفي بوجه خاص، احد وسائل هذا التحكم، أو أحد اشكاله. [45]

أما الغرض الثاني، فهو يتعلق بالتكون الأيديولوجي العام لأكثر فئات المجتمع العربي اتصالاً بالثقافة والتراث وأوفرها نصيباً من فرص التأثير في صياغة فكر عربي جديد لدى الشبيبة والطلبة والمتعلمين من مختلف الانتماءات الطبقية. نعني فئات المثقفين والمعلمين والاساتذة والكتاب والباحثين.

ان الدراسات الاستشراقية لتراث الفكر العربي – الاسلامي، اذ بدأت ونشطت مع بداءات عصر الامبريالية بالذات، واذ اتجهت – بطابعها الغالب- نحو توكيد الجوانب المثالية والافكار الغيبية من هذا التراث دون غيرها، معتمدة الرؤية الذاتية و "اللاتاريخية" في التفسير والتحليل – كان ذلك كله علامة ان هذه الدراسات لم تكن منفصلة عن سياق تطور الرأسمالية نحو مرحلتها الامبريالية، وسياق الاعداد الفكري والايديولوجي في البلدان المرشحة للسيطرة الامبريالية من أجل دعم هذه السيطرة بقواعد فكرية وأيديولوجية تُبنى على أسس من ثقافة البلدان وتراثها الفكري القومي، وتكوين "ورشة" من المفكرين والأيديولوجيين المنتمين إلى برجوازيتها او المتموجي الانتماء من البرجوازية الصغيرة والمتوسطة، ليتولى هؤلاء وأولئك مهمة ترسيخ تلك القواعد في بلدانهم بانفسهم، مسترشدين بالمناهج والأساليب التي جاءت بها الدراسات الاستشراقية.

والواقع ان المناهج والأساليب التي عالج بها المستشرقون الغربيون تراثنا الفكري، اثارت دهشة المفكرين والكتاب والباحثين العرب المحدثين عند اتصالهم بها أول اتصال في جامعات الغرب.

فقد وجدوا فيها عناصر جدة في البحث غير مألوفة فانجذبوا اليها، ثم تجاوزوا دور الاندهاش والدعوة المجردة إلى دور الممارسة.

ربما كان طه حسين اجرأ من أقدم على ممارسة المنهج الاستشراقي بين جيله المتخرجين في جامعات الغرب على كبار اساتذة الاستشراق هناك. اذ اقتحم هذه الممارسة في مجال من أدق مجالاتها واحفلها بعناصر الاثارة والحساسية بدراسته الشعر الجاهلي على أساس التشكيك به وابراز العوامل الدينية في صنع هذا الشعر خارج عصر الجاهلية.

الطريق إلى المنهج أخذ يتعبد بممارسات كثيرة قام بها جيل من الباحثين امثال منصور فهمي واسماعيل مظهر واحمد أمين ومصطفى عبد الرازق وعلي عبد الرازق ومن سار معهم وبعدهم حتى اليوم.

ان طريقة البحث، كما مارسها هذا الجيل الرائد من الباحثين العرب، كانت –دون شك- ثورة لا بد منها للخروج على الطرائق الوصفية الانشائية الفارغة والمتخلفة التي كانت سائدة من قبل.

وهنا نسجل الوجه الايجابي لاثر المناهج الاستشراقية عندنا. هذا اذا نظرنا إلى المسألة من جانبها الأسلوبي المحض. اما اذا نظرنا اليها من جانبها المنهجي، بالمعنى الفكري والايديولوجي، فالأمر يختلف.

ان الجاذبية التي حظي بها المنهج، الاستشراقي الغربي بأسلوبيته الجديدة المفاجئة للباحثين العرب، والتي بهرت افكار المثقفين والمتعلمين، قد أدت إلى استدراج اجيال من الكتاب والمفكرين إلى الأخذ بالمضمون الفكري والأيديولوجي لهذا المنهج، سواء بالنظر إلى العالم – إلى المجتمع والفكر بخاصة- ام بالنظر إلى التراث الفكري القومي وطريقة دراسته.

ان هذا يعني ان الدراسات الاستشراقية للتراث قد أدت اغراض منهجيتها الايديولوجية ولا تزال تؤديها. ولكن ما جد في سياق تطور حركة التحرر العربية، قد مهد الطريق لظهور الاتجاه الجديد في معرفة التراث، نعني الاتجاه المؤسس على المنهج التاريخي العلمي.

 

د- موقف المستشرقين:

في سبيل تحديد مواقف المستشرقين من تراث الفكر العربي – الاسلامي، يجب أن نحدد أبرز الاتجاهات التي تدور عليها هذه المواقف.

فاذا استعرضنا الدراسات الاستشراقية الباكرة وما تلاها، أمكن أن نراها تتمحور حول الاتجاهات الآتية:

أولاً: الاتجاه القائم على "نظرية الجنس"، أي دراسة التراث من وجهة نظر عرقية، بمعنى النظر إلى العرب، أو "الجنس السامي"، أو الشرقيين عموماً في مقابل الغربيين، أما انهم محكومون بالقصور الطبيعي المطلق عن الابداعات العقلية، أو باقتصار ممكناتهم العقلية على طريقة معينة من التفكير دون غيرها كالطريقة التحليلية أو التركيبية، او بان افاقهم النظرية والعملية تنحصر في نطاق الروحيات بمعناها الغيبي دون الماديات.. إلى غير ذلك من الافتراضات الاعتباطية في تصنيف شعوب العالم وتمييز بعضها من بعض على أساس القابليات المعرفية، والحضارية بوجه عام،  بحكم التكون الطبيعي. [46]

ان الأساس "النظري" لهذا الاتجاه، فضلاً عن كونه معادياً للعلم – يمثل الوجه الايديولوجي الأكثر عداء لتطور الشعوب ، والاشد تحدياً لمطامحها القومية التحررية بمحاولة وضعها – فكرياً- امام جدار قدري جبري مغلق لا منفذ فيه لتغيير واقعها المتخلف إلى واقع متقدم، موحياً إليها بأن هذا الجدار القدري الجبري تجسيد لطبيعتها العاجزة عجزاً تكوينياً، أي ابدياً!

أما الابعاد الأيديولوجية البرجوازية لنظرية "الجنس"، فتكمن في الايهام بأن الفوارق بين الناس تقوم على الخصائص العقلية والعنصرية لا على التمايز الطبقي!.

يتجلى هذا الاتجاه في الدراسات الاستشراقية بأشكال مختلفة، نذكر منها:

(أ)- يقارن هنريش بكر (1886-1993) أثر التراث الحضاري اليوناني في الشرق بأثره في الغرب.

ونجد في مقارنته أفكاراً تضع فارقاً بين الشرق والغرب في التعامل مع الحضارة القديمة (والشرق هنا عنده- بالتحديد- هو العرب).

ان اساس هذا الفارق، في نظر بكر، هو "النزعة الانسانية" بمعنى الشعور بالذات، أو بمعنى النبض الوجداني الذاتي في ما يكون لهذه الامة أو تلك من نتاج ثقافي أو حضاري.

فهذا هو الأساس الحاسم لما يراه من فرق بين الشرق والغرب: للشرق نزعته العقلية المنطقية التي لا تعرف "النزعة الانسانية". [47]

اما الغرب فإن "فكرة النزعة الانسانية كانت قد ولدت فيه من قبل (الفكر المسيحي) وكان لابد لها ان تبعث من جديد مرة أخرى". في عصر الرومان ثم عادت تتجلى في عصر النهضة، وهي اليوم تجد تجلياتها بأشكال مختلفة باختلاف البلدان الأوروبية.

هذا "الفارق الحاسم" بين الشرق والغرب، هو مصدر الاختلاف بينهما "في طابع رد فعل كل واحد منهما" من حيث علاقته بتراث الحضارة اليونانية: "فالاختلاف النوعي والجنسي واختلاف الوسط الجغرافي وقيام تاريخ مستقل لكل واحد منهما، كل هذا يجعل تراث الاقدمين (يقصد اليونان والرومان) ينتج في الغرب تطوراً من نوع اخر يختلف كل الاختلاف عن نظيره في الشرق".

فالنزعة الانسانية بهذا المعنى هي المميز الاساس لفكرة الحضارة اليونانية في نظر "بكر". وبما ان الشرق بعيد عن النزعة الانسانية هذه، وبما ان هذه النزعة أصيلة في الغرب، فقد اختلف رد الفعل بينهما تجاه تلك الحضارة.

هناك كلام كثير عند "بكر" بهذا الصدد ينفي فيه ان يكون للعرب حضارة، وان يكون العرب قد اضافوا جديداً إلى حضارات البلدان التي فتحوها، ويقرر ان "كل شيء بقي عملياً كما كان من قبل" ولم يتغير شيء سوى ان وثائق الدولة والادارة التي كانت تكتب ، من قبل، باليونانية أو الفارسية أو القبطية، أصبحت تكتب آنئذ بالعربية دون ان يغير الانسان شيئاً جوهرياً في الادارة"، أي ان العملية "الانسانية" مفقودة في العلاقة بين العرب وحضارة الاقدمين. [48]

وفي سبيل تثبيت هذه الافكار يلجأ المستشرق بكر إلى تأويل كلمة الشاعر الالماني العظيم "غوتيه": "لم يعد من الممكن فصل الشرق عن الغرب".

 

(ب)- قبل المستشرق بكر، كان الفيلسوف الفرنسي ارنست رينان (1823-1892) قد وضع "نظرية الجنس" كأساس مباشر لاحكامه المعروفة على "الفلسفة العربية".

فهو ينقل نتائج دراساته في التاريخ المقارن للغات السامية إلى الدراسة الفلسفية، اذ اتجهت مباحثه في حقل اللغات السامية إلى الأخذ بما كان شائعاً لدى علماء اللغات الأوروبيين في عصره من تصنيف الشعوب إلى سامية وآرية، بناء على ما وجدوه من تشابه بين اللغة السنسكريتية واللغات الأوروبية، فألحقوا الشعوب التي ترجع لغاتها إلى أصل سنسكريتي، كلغة البراهمة في الهند، "بفصيلة" الشعوب الآرية (كالشعوب الأوروبية)، وارجعوا الشعوب الاخرى التي يختلف أصل لغاتها عن هذا الاصل (كالعرب) إلى "فصيلة" بشرية اخرى اطلقوا عليها اسم "الجنس السامي".

غير ان رينان أضاف إلى هذا التصنيف البشري القائم على التصنيف اللغوي "نظرية" التفاضل بين "الفصيلتين" من حيث المرتبة الحضارية والقابليات العقلية، فجعل "الجنس الآري" أفضل من "الجنس السامي".

ذلك ما يصرح به رينان متبجحا حين يقول انه أول من قرر ان الجنس السامي أدنى مرتبة من الجنس الآري.

ان "نظرية" التفاضل بين "الاجناس" البشرية هذه، هي نفسها التي أصبحت، في ما بعد، الأساس "النظري" لأيديولوجية النازية الهتلرية المعادية للعلم وللانسان. [49]

ان احكام رينان على "الفلسفة العربية" أصبحت مستفيضة الشهرة. ولعله أول من أشاع في الغرب، اثناء القرن التاسع عشر، تلك الموضوعة القائلة بانه من الخطأ ان يطلق على فلسفة اليونان المنقولة إلى العربية اسم "فلسفة عربية"، لان ما يطلق عليه هذا الاسم ليس أكثر من كونه "مجموعة من التصانيف التي وضعت عن رد فعل حيال العروبية في أبعد اقسام الامبراطورية الاسلامية عن جزيرة العرب كسمرقند وبخارا وقرطبة ومراكش، وقد كتبت هذه الفلسفة بالعربية لان هذه اللغة غدت لسان العلم والدين في جميع البلاد الاسلامية، وهذا كل ما في الأمر.

 

(ج)- ان خطر "النظرية" العرقية هذه كونها ظهرت كتيار فكري لم يكن شأن رينان فيه سوى شأن "المنظر" البارز، لتصبح في دراسات استشراقية بعده أحد الأسس المعتمدة للأيديولوجية الامبريالية.

يتمثل هذا التيار، بعد رينان، بفريق من المستشرقين الغربيين يبرز في مقدمتهم ليون غتييه  L. Gauthier الاستاذ السابق للتاريخ في جامعة الجزائر،  و"المهلل المشهور للحكم الاستعماري"، والذي اضاف إلى موضوعة رينان عن السامية والآرية تحديدات جديدة لتمييز "العقل السامي" من "العقل الآري" بان الأول غير قادر الا على رؤية الاشياء متفرقة غير مترابطة، وان الثاني هو القادر على جمعها والربط بينها مركبة منسجمة.

وممن يجري في هذا التيار من المستشرقين الغربيين: كريستيان لسن Cherstian Lassen (-1876) المستشرق الالماني المعروف بتصنيفه الشعوب إلى سامية وآرية وعدائه "للجنس السامي"، والمستشرق برهيه Emile Brehier (استاذ تاريخ الفلسفة في السوربون) الذي يعد من دعاة فكره السامية والآرية. وانطلاقاً من ذلك يتحدث عن "فلاسفة الاسلام" على طريقة "رينان" بأنهم كتبوا اعمالهم الفلسفية بالعربية بالرغم من ان معظمهم ليس من أصل سامي، بل من أصل آري، وانهم لذلك بحثوا عن موضوعاتهم في الفكر اليوناني ، كما بحثوا عنها في الافكار المزدكية في فارس التي تمتزج بالافكار الهندية.

والمستشرق سنتلانا صاحب المحاضرات المعروفة في الجامعة المصرية عن تاريخ الفلسفة. فهو ايضاً ينطلق، في تفسيره تاريخ الفلسفة والتاريخ الاسلامي، من منطلق عرقي حين هو يقول، مثلاً، في تفسير مفهوم الاسلام: ".. هذا الاستسلام المطلق في كل شيء، وهو طابع الساميين الأصيل غالباً، انما هو شعار الاسلام ميزته بين الشعوب. ولعل الادراك الغامض لوجود علاقة مشابهة بين هذه التعاليم وبين الغريزة الدينية التي تميز الشعب العربي، هي التي دعت إلى اعلان محمد انه محيي دين ابراهيم الحقيقي الاصيل وكونه خاتم النبيين..".

ان تقسيم البشر على أساس "الجنس" والخصائص العنصرية، مسألة أصبح بطلانها من بدهيات العلم المعاصر، ولكن لابد من الحذر هنا. فان اضطرار هؤلاء العلماء البرجوازيين لنفض أيديهم من النظريات العنصرية بفضل ما كشفته حقائق العلم المعاصر، لا يعني نفض أيديهم من الابعاد الاجتماعية لتلك النظريات في مجال الصراع الطبقي من جهة وفي مجال الصراع بين الامبريالية وقوى الشعوب الطامحة إلى التحرر الوطني من جهة ثانية.

ثانياً- الاتجاه القائم على "نظرية" مركزية الفلسفة في الغرب دون الشرق.

ربما كانت هذه شكلا اخر لنظرية التصنيف "الجنسي" لشعوب العالم، ولكنه شكل متميز بأن جذوره المعرفية تختلف عن الجذور المعرفية "لنظرية الجنس"، وان كانت الجذور الطبقية والسياسية ليست مختلفة.

فان "نظرية مركزية الفلسفة" ترجع، من حيث جذورها المعرفية، إلى ما هو ملحوظ اثناء دراسة تاريخ الثقافة البشرية من ان وحدة هذه الثقافة تظهر بأشكال تبدو متناقضة.

لذلك يسهل جداً اضفاء الطابع المطلق على الخصائص المميزة لكل من الثقافات الوطنية، واضفاء الطابع المطلق ايضاً على الفوارق بين هذه الثقافات، بحيث يمكن ان تبنى على هذا الاساس "نظرية" كاملة، كما حدث بالفعل لدى الفلاسفة والمفكرين الأوروبيين في القرن التاسع عشر.

من هنا رأينا "هيغل" (1770 – 1831) يطلق حكمة الآتي على الفلسفة الشرقية:

"ان ما نطلق عليه اسم الفلسفة الشرقية يشكل بالاساس- إلى حد كبير جدا- الطريقة الدينية للتصورات، والآراء الدينية، لدى الشعوب الشرقية، وهي التصورات والآراء التي تفهم أول وهلة أنها فلسفة".

لابد ان نأخذ بالحسبان هنا أن لهذا الحكم اساسا اخر عند هيغل، هو موقفه من العلاقة بين الدين والفلسفة.

فقد كان يرى أن الدين قد ظهر قبل الفلسفة تاريخيا لتعبر به الشعوب عن تصوراتها لجوهر الكون وماهية الطبيعة و"الروح المطلقة" وعلاقة الانسان بها، وان الدين – من حيث هو أسبق تاريخيا من الفلسفة – يعتبر أول شكل لمعرفة الروح المطلقة ذاتها. [50]

الفلسفة –عند هيغل- أعلى من الدين، لانها تدرك "الروح المطلقة" بشكل أكثر شبها "بالروح". أما العناصر الفلسفية الكائنة في الدين، فيرى انها لا تدخل في الفلسفة، لاننا – كما يقول- نأخذ بوجهة النظر التي تهتم بالفلسفة، لا بالعناصر الفلسفية بصورة مطلقة، ولا بالافكار الكامنة المستترة في الاساطير.

من هنا كان يقول هيغل بوجوب شطب الفلسفة الشرقية من تاريخ الفلسفة، لانها وان كانت – أي الفلسفة الشرقية- تشتمل على بعض الافكار العميقة، هي تشتمل على هذه الافكار بشكلها المستتر.

وقد بقي مصراً على هذا الموقف من الفلسفة الشرقية، اذ قال مرة ثانية: "لا بد من شطب الفكر الشرقي من تاريخ الفلسفة. ولكنني سأتقدم ببعض الملاحظات عنه. ففي السابق كنت التزم الصمت تجاهه اطلاقاً. وفي الفترة الأخيرة فقط اتيح لنا مجال الحكم عليه (أي على الفكر الشرقي)".

هيغل فهمه للفلسفة، بمعناها الصارم، كان متأثرا بالمواقف الفلسفية التي سادت أوروبة في عهده، وهي مواقف الفلاسفة البرجوازيين في أوروبة الغربية من مسألة طرق التفكير في بلدان الشرق وبلدان الغرب.

فإن الادبيات البرجوازية ، خلال كثير من العقود، كانت تسودها الموضوعة القائلة بالتناقض بين طرق التفكير عند الانسان الشرقي وطرق التفكير عند الانساني الغربي.

وبناء على هذه الموضوعة قالوا بأن طريقة تفكير الشعوب الشرقية تتميز بكونها غير عقلانية، تركيبية، استاطيقية (حسية)، وان طريقة تفكير الشعوب الغربية عقلانية، تحليلية. ومن الطبيعي ان يميزوا – بهذا المقياس نفسه- النتاج الفكري لكل من الطريقتين بالنسبة لنتاج الاخرى، ومن الطبيعي أيضاً ان تنال الفلسفة نصيبها من هذا التمييز. [51]

بهذا الاتجاه ذهب العالم الاجتماعي الامريكي "نور تراب" في كتابه "لقاء الشرق والغرب"، والكاتب الالماني W. Haas بالانكلزية، وغيرهما كثيرون.

ان مشكلة انصار مركزية أوروبة في الفلسفة، هي انهم –أولا- فرضوا صفة التناقض على مسألة الصلة بين طرق التفكير الشرقية وطرق التفكير الغربية. وثانياً، اهملوا طابع الوحدة في طرق التفكير البشري، واضفوا الطابع المطلق على الفوارق الكائنة بينها فعلاً.

فهل كانت الجذور المعرفية وحدها أساساً "لنظرية" المركزية هذه، أي ما يتعلق بالطابع المعقد والمتناقض للمعرفة، أم يكمن وراءها أيضاً مستند أيديولوجي؟

الواقع ان الجذور المعرفية وحدها لا تقدم التفسير الواقعي الكامل لهذا الاتجاه .

فان "نظرية المركزية" تستند كذلك – بدرجة أولى- إلى جذور طبقية، أي إلى اساس ايديولوجي، ذلك بأن الرأسمالية في ظروف تطورها إلى امبريالية، كانت بها حاجة إلى "تبرير" فكري وأيديولوجي لسيطرتها في آسيا وأفريقية أكثر من حاجتها إلى "التبرير" السياسي".

ففي تلك الظروف كانت  الموضوعة البرجوازية القائلة بطابع اللاعقلانية والحدسية والدينية للثقافة الشرقية، بوجه عام، تؤدي وظائف سياسية معينة.

ومن الطبيعي ان الأوروبي "العقلاني" قد حصل على "التبرير" لسيطرته على الاسيوي "اللاعقلاني".

واما الان، فالبرغم من ان الفلاسفة البرجوازيين امثال "نور تراب" يظلون متمسكين "بنظرية مركزية" أوروبة، ينبغي على انصار هذه "النظرية" أن يبحثوا عن حجج جديدة للدفاع عنها، لان "نظريتهم" هذه بشكلها الكلاسيكي لا تستطيع في الظروف الجديدة تبرير نفسها أمام "البراغماتية".

على أن ظروفاً سابقة قد أحدثت بعض التعديل في "النظرية" اذ برزت مقاييس جديدة في مسألة مركزية الفلسفة.

فانه حين كان يصعب انضمام أميركا إلى أوروبة ، وحين كان هناك ميل إلى ضم اميركا إلى دائرة مركزية للفلسفة، ولا تستطيع الانفراد بدائرة مركزية تحتويها وحدها، برزت فكرة "المركزية الغربية" بدل "المركزية الأوروبية" في الفلسفة لكي تشمل الدائرة كلا من أوروبة وأميركة.

ولكن، في ظروف النهوض الشامل للحركات القومية التحررية في آسيا وأفريقيا، كان من الطبيعي أن تبرز ظاهرة جديدة تعارض "المركزية الغربية" بمركزية مقابلة لها باسم "المركزية الشرقية"، أو "مركزية آسيا وأفريقا".

ان لهذه الظاهرة الجديدة المعارضة أيضاً جذورها المعرفية وجذورها الاجتماعية.

أما المعرفية فهي شبيهة بتلك التي خرجت منها "المركزية الغربية" وأما الاجتماعية فمرجعها إلى عملية نهوض شعوب آسية وأفريقية التي كانت في العصور القديمة مراكز لنشوء الحضارة البشرية.  [52]

ولكن، ينبغي ملاحظة ان الناس الذين يمثلون هذا الميل إلى مركزية القارتين، ليسوا –بالطبع- ممثلي الطبقة العاملة، بل هم من ممثلي البرجوازية والبرجوازية الصغيرة وطبقة الاقطاعيين وكبار الملاكين.

ان ما تتجلى به نظرية مركزية آسيا وأفريقيا هو –بالأكثر- المبالغة بدور ثقافة الشرق وفلسفته في تطور الفلسفة الأوروبية، حتى في تطور الماركسية منها، كما تتجلى هذه النظرية باضفاء الطابع المطلق على العناصر الدينية والصوفية في الثقافات الوطنية لبلدان الشرق وافريقيا. [53]

والواقع ان ظهور نظرية مركزية آسيا وأفريقيا، في الظروف العالمية المعاصرة، أي ظروف حركة التحرر الوطني والحركة العمالية في البلدان الرأسمالية، لا يساعد اطلاقاً على تلاحم الحركة الثورية العالمية.

ان الخطأ المبدئي في أسلوب البحث هذا (مركزية الفلسفة) يكمن في عدم القدرة على اكتشاف الصلة المتبادلة في ما بين الفلسفة الوطنية والفلسفة العالمية.

ان الرد على نظرية المركزية الأوروبية أو الغربية للفلسفة، التي روجت لها الحركة الاستشراقية الغربية، وعلى نقيضتها (المركزية الشرقية، أو الاسيو – افريقية) هو ان البشرية، سواء اكانت في الشرق أم في الغرب، موحدة بوحدة وجودها الذي تفعل فيه القوانين الموضوعية الواحدة.

وهذه الوحدة تظهر في وحدة ظروف صيرورة الانسان والمحافظة على وجوده. وقبل هذه وتلك: وحدة الممهدات والظروف الأساسية لنشاط الانسان العملي.

ان وحدة الوجود المادي للبشرية، هي التي تحدد – بدورها- الوحدة المبدئية لوجودها الفكري أو الروحي، أي وحدة طرق التفكير ونتاجه.

لذا لا يمكن أن نوافق على القول بأن التفكير الغربي هو فلسفي اكثر من التفكير الشرقي، أو بالعكس. فانه من الواضح ان تفكير شعوب الشرق وتفكير شعوب الغرب يلتقيان في وحدة عامة لطريقة التفكير، وان هذه الوحدة تتجلى في عدة مظاهر: منها مثلاً: ان التفكير البشري، شرقياً كان أم غربياً، هو عنصر من عناصر الوعي الذي هو عبارة عن النتاج التاريخي لتطور المادة.

وان التفكير -كذلك- شرقياً كان أم غربياً، هو انعكاس للوجود، وانه – في الشرق كما في الغرب – ينتظم من عناصر متماثلة. [54]

ان كل هذه الحقائق الواقعية تخلق امكان عقد صلات التفاهم والتفاعل بين شعوب الشرق وشعوب الغرب وبين ثقافات كل منها.

ولكن للمسألة جانباً آخر هو في أساسها أيضاً: أن وحدة التفكير البشري على النحو المتقدم، لا يعني أن طريقة التفكير واحدة كلياً، ومنسجمة انسجاماً كاملاً.

حين نقول "الفلسفة العالمية" لا نعني النظر اليها في كل مرحلة من تطورها التاريخي بوصف كونها مجموعة بسيطة للفلسفات الوطنية أو الاقليمية، بالرغم من انها تتكون – طبعاً- من منجزات هذه الفلسفات ذاتها.

بل الواقع ان الفلسفة العلمية لم تكن في أية مرحلة سابقة، وليست هي في المرحلة الحاضرة، فلسفة للعالم اجمع.

فانه بسبب من التفاوت في التطور التاريخي للبشرية، الذي ينعكس تفاوتاً في تطورها الثقافي، كانت تظهر في كل مرحلة مجموعة معينة من البلدان تؤدي دوراً رئيساً في تطور الفكر البشري في هذه المرحلة بعينها.

والفلسفة في هذه البلدان كأنها تستخلص في نفسها كل تطور الفكر الفلسفي في تلك المرحلة.

لذلك نقول انه بالرغم من كون الفلسفة بالذات لم تكن فلسفة العالم بأسره، كانت تظهر كفلسفة عالمية.. ولعل انغلز قصد هذا المعنى حين قال انه "في العصور الحديثة مثلاً كانت فرنسا والمانيا، وقبلهما بريطانيا، تلعب دور "الكمان الأول" في اركسترا تطور الفلسفة العالمية".

ولكن النظر الدقيق إلى مجرى التطور التاريخي للمجتمع يكشف لنا انه كلما أصبح العالم أكثر وحدة اقتصادياً، نشط واتسع التشابك والتفاعل بين الحضارات.

لذا يمكن أن نستنتج اننا الان في الطريق نحو الالتقاء بين الفلسفة العالمية وفلسفة العالم بكليته. ولكن حين ننظر في تاريخ الفلسفات الوطنية والاقليمية، رغم ارتباطها الوثيق بتاريخ الفلسفة العالمية، نرى انه ليس من الصحيح الموافقة على ذوبان الأولى بالثانية، لا التركيز على الجوانب والعناصر التي اسهمت بها الفلسفات والثقافات الوطنية أو الاقليمية في تطور الفلسفة والثقافة العالمية، دون الجوانب والعناصر الخاصة بها، قد يؤدي إلى استسهال تشويه تاريخ الفلسفة والثقافة الوطنية هذه، بسبب من أن هناك عناصر في كل فلسفة وطنية لا أهمية لها بالنسبة للفلسفة العالمية في حين تكون هي نفسها ذات اهمية بالغة بالنسبة للفلسفة الوطنية التي تنتسب اليها.

من هنا يبرز الخطأ في اهمال النظر إلى كل عناصر الفلسفة الوطنية بتركيبها الكامل، والاقتصار على رؤية العناصر ذات الاهمية بالنسبة للفلسفة العالمية، وهذا الخطأ هو ما وقع فيه كثير من المستشرقين في دراساتهم عن التراث الفلسفي العربي – الاسلامي. [55]

الاتجاه الثالث للدراسات الاستشراقية الغربية في موضوع التراث، وهو الاتجاه الذي يقصر عنايته على الجوانب الأكثر محافظة ورجعية واغراقاً في الغيبيات وفي عالم المطلق، مع طمس الجوانب ذات النزعات المادية، او اخفاء الابعاد الاجتماعية الكامنة حتى في الاشكال الغيبية كآثار التصوف الفلسفي عند امثال الحلاج والسهروردي الشهيد.

بل لقد حاول الكثير من هؤلاء المستشرقين توجيه المنظومات الفلسفية لامثال الفارابي وابن سينا وابن رشد توجيها يصرفها عن ابعادها المادية ويفرغها من هذه الابعاد لتصبح منظومات صوفية أو اشراقية أو دينية محضا:

مثال ذلك ما نجده عند كارادي فو Carra de Vaux بشأن الاصطلاحات الصوفية في مؤلفات الفارابي، محاولة منه لاثبات ان هذه الاصطلاحات تشكل ظاهرة تسود فلسفة الفارابي .

ذلك بقصد استخدام هذه "الظاهرة" لصرف تلك الاصطلاحات عن مضامينها الفلسفية العقلانية ، تشكيكاً بانسجام الفارابي مع الاتجاه العقلاني الذي تكشف الدراسة المنهجية العلمية انه هو الطابع المحدد لمجمل الفلسفة الفارابية، سواء في مجال نظرية المعرفة ام فلسفة الوجود ام الفلسفة الاجتماعية.

وقد نحى ماسينيون هذا المنحى، اذ عد الكندي والفارابي وابن سينا وسائر الفلاسفة الاسلاميين في عداد المتصوفة. [56]

رابعاً- الاتجاه الايجابي في الدراسات الاستشراقية لتراث الشرق. فانه بالرغم من سيطرة الاتجاهات الثلاثة السابقة على هذه الدراسات، لابد من الاعتراف ان سيطرتها لم تكن مطلقة.

فقد خرجت عليها مباحث استشراقية مهمة عالجت ذلك التراث من مواقف هي الى النظر الموضوعي اقرب منها إلى الانسياق مع النظر "الحزبي" المتأثر باتجاهات الايديولوجية الامبريالية.

ولا يفتقر بعض هذه المباحث الايجابية إلى مواقف منطلقة من نظرة تاريخية سليمة أو من منهجية علمية. بين أصحاب هذا الاتجاه مستشرقون برجوازيون ، ومستشرقون وباحثون ماركسيون.

من الفريق الأول نرى في مقدمة من يحسن ذكرهم هنا العالم الفرنسي بول ماسون – أورسيل في دراسته التاريخية العلمية لفلسفة الشرق القديمة.

فان هذه الدراسة تتميز بطابعها المنهجي الذي يبرز منذ المقدمة معارضاً للأساس الذي قامت عليه "نظرية مركزية الفلسفة"، وهو يبني معارضته على موقف نظري صحيح من الوحدة المتكاملة للتفكير البشري.

لذا يصرح ماسون – أورسيل في مستهل مقدمته بأنه ".. لا يوجد في هذه الايام انسان يستطيع الاعتقاد بأن اليونان وروما وشعوب أوروبة في العصور الوسطى والحديثة، هم دون سواهم ارباب التفكير الفلسفي.

ففي جهات أخرى من الانسانية سطعت عدة مواطن للتفكير المجرد، وظهرت اشعتها جلياً وانتشرت في انحاء العالم .

وعلى مثال هذا النهج كتب "ريتشارد فالتزر" دراسة مكثفة عن الفلسفة الاسلامية"، فحدد مصادرها الخارجية بشمول وتدقيق، كما حدد مصادرها الداخلية، وعارض كلا من الرأيين اللاتاريخيين القائل أحدهما بأن هذه الفلسفة نتاج عربي خالص، وثانيهما بانها نتاج المصادر الفلسفية اليونانية وحسب. [57]

وقد اعترف فالتزر بانه "لم يحن الوقت -بعد- لكتابة تاريخ نهائي للفلسفة الاسلامية، فلم تصل معرفتنا بهذه الفلسفة درجة من النضج والاحاطة تسمح لنا بالقيام بمثل هذه المحاولة الضخمة. فهنالك حقائق عديدة ما زالت مجهولة، وهنالك مؤلفات عديدة اهملت قرونا..".

اما عالم الاستشراق الكبير هاملتون . أ. جب، فان بالرغم من تعميماته الميتافيزيقية بشأن التفكير العربي والعقلية العربية، حاول أن يتلمس بعض التفسيرات الواقعية "للتاريخ الاسلامي"، في مثل قوله بانه "ظهرت للاسلام ملامح مختلفة في مختلف الازمنة والامكنة بتأثير العوامل المحلية: الجغرافية والاجتماعية والسياسية فيه"، وكان مصيباً في تطبيق هذه التفسير على ما استطاع رؤيته من الخصائص المميزة لكل من المناطق التي وجد فيها الاسلام نظاماً وثقافة ودينا.

في مجال الكلام على الاتجاه الايجابي في الحركة الاستشراقية، من حيث الموقف حيال تراثنا الفلسفي، يبرز اسم المستشرقة الفرنسية غواشون A. M. Goichon لا كعالمة استشراق ضليعة فقط، بل أيضاً كباحثة فلسفية متعمقة مادتها إلى حد كبير، ودقيقة الاستيعاب لنصوص الفلسفة العربية – الاسلامية، ولمعجمية هذه الفلسفة بصورة خاصة. [58]

وهي -إلى ذلك- لا تنزلق إلى الموقف الذي يسود كلا من الاتجاهات الثلاثة السابقة المنسجمة مع اتجاهات الايديولوجية الامبريالية.

ففي محاضراتها القيمة عن فلسفة ابن سينا وفي احدى مقالاتها عن "تعريفات" ابن سينا ، تتجلى لنا هذه المميزات التي نذكرها للسيدة غواشون دون تحفظ.

نجد في محاضرتها عن "الموضوعات الكبرى لفلسفة ابن سينا" رداً على المزاعم التي انتشرت في أوساط المستشرقين وتابعهم فيها معظم الباحثين العرب المعاصرين، من ان ابن سينا في "الاشارات والتنبيهات" يناقض ابن سينا في "الشفاء". فهو -كما يزعمون- بدأ مشائياً في "الشفاء" ، وانتهى صوفياً اشراقياً في "الاشارت" وفي قصصه الرمزية (رسالة الطير، حي ابن يقظان، سلامان وابسال ، ورسالة في العشق).

ان القصد من هذه المزاعم ابراز الوجه المثالي لابن سينا وطمس وجهه المادي، أما غواشون فترفض فكرة هذا التناقض عند ابن سينا، وترى ان كتاب "الاشارات" الذي كتب في أواخر سنين حياته، وإن بدا شديد الاختلاف عن "الشفاء"، لا يناقض الخطوط العامة لفكرة هذا الكتاب (الشفاء) .

كما ترى انه رغم كون ابن سينا يصرح في مقدمة "منطق المشرقيين" بان "الشفاء" لم يبق صالحاً للتعبير عن فكرته الخاصة، يعلن في هذا الكتاب نفسه انه يحتوي على كل ما يحتاج اليه عامة الفلاسفة.

تقصد غواشون بذلك ان ابن سينا لا يزال في "منطق المشرقيين" كما كان في "الشفاء" ملتزماً الخط العام نفسه، أي خط الفكر العقلاني. [59]

 

ه- الدراسات الاستشراقية الماركسية :

أما المستشرقون الماركسيون، فقد تفردوا، في تاريخ الحركة الاستشراقية بالتوجه إلى تراثنا الفكري، بمختلف اشكاله، من وجهة نظر ماركسية بالبداهة، أي على أساس مادي تاريخي من حيث المنهج، وعلى أساس الاشتراكية العلمية من حيث الايديولوجية.

ذلك يعني اننا لن نجد في دراساتهم لهذا التراث تلك الوجوه السلبية الجوهرية التي وجدناها لدى المستشرقين والباحثين الغربيين، أو لدى الباحثين العرب المحدثين ، الذين ينطلقون في دراساتهم من مواقف مثالية لا تاريخية منهجياً ، ومن مواقع امبريالية أو برجوازية أيديولوجيا. [60]

لا نقول هذا الكلام استطراداً، بل توصلاً إلى تلمس المثال على بعض الجوانب السلبية التي يمكن أن نجدها في الدراسات الماركسية لتراث الفكر العربي – الاسلامي في العصور الوسطى.

فقد يؤدي البحث عن القاعدة المادية لهذا التراث ، عند بعض الماركسيين، إلى التطبيق الحرفي، أو الميكانيكي، لتلك الصيغة الماركسية المشار اليها عن التشكيلات الاجتماعية التاريخية، أو قد يؤدي البحث إلى افتعال نمط من أسلوب الانتاج لا أساس تاريخياً له ، أو ليس واضح المعالم، أو لم يبلغ درجة النضج ، أو هو مزيج متداخل من عناصر تنتمي إلى عدة انماط انتاجية.

ولعل أكثر ما يتعرض الباحث الماركسي للوقوع بالخطأ أو الالتباس فيه، هو الاجابة عن هذا السؤال: أي شكل من أشكال العلاقات الاجتماعية التاريخية التي تحددها الصيغة الماركسية، ينطبق على العلاقات الاجتماعية – الاقتصادية في شبه الجزيرة العربية قبل عصر الاسلام (الجاهلية الاخيرة)؟. وهناك كذلك مشكلة الصيغة التاريخية الحقيقية لأسلوب الانتاج في ظل الدولة العربية – الاسلامية في العصور الاموية والعباسية: هل هي الصيغة الاقطاعية بظاهراتها نفسها التي عرفت في أوروبة خلال القرون الوسطى، ام للاقطاعية حينذاك صيغة مختلفة، ام هي مزيج من العلاقات العبودية – الاقطاعية- التجارية له طابع خاص، ام شيء آخر لا مثيل له في التشكيلات الاجتماعية التقليدية التي يعرفها الماركسيون؟.[61]

هذه المسائل يقع الخلاف فيها كثيراً بين الباحثين الماركسيين المعاصرين، العرب والمستشرقين على السواء.

ان الخلاف في هذه المسائل بين الباحثين الماركسيين، هو بذاته شاهد عملي على أنهم لا ينظرون إلى الموضوعة الماركسية الخاصة بالتشكيلات الاجتماعية – الاقتصادية كحقيقة نهائية ومطلقة يمكن تطبيقها بكل تفاصيلها على كل الظروف الملموسة لكل المراحل التاريخية بأشكال متماثلة، أو انهم ينظرون اليها كصيغة جاهزة جامدة تقسر على الخضوع لها كل أشكال الانتاج وكل أشكال العلاقات الاجتماعية في التاريخ قسراً مجانياً.

بل الواقع انه حتى مؤسسا الماركسية (ماركس وانغلز) كانا يفكران بالتجارب التاريخية الاخرى التي اكتشف شيء منها في عصرهما أو يمكن أن تكتشف بعد، والتي يمكن ان تحدث تعديلاً ما في صياغة تلك الموضوعة. بدليل ان ماركس وضع بنفسه صورة لاحدى هذه التجارب قال ان التاريخ يرينا اياها جيداً، وهي شكل من ملكية الانتاج سماها "الملكية المشتركة" ووصفها "بالشكل الأولى".

ففي حين يقرر ماركس ان الملكية "شرط للانتاج" وانه "لا يمكن ان يكون أي الملكية" – يسخر، في الوقت نفسه، من ان تكون هذه الحقيقة الموضوعية منطلقاً للقول بضرورة "الانتقال بقفزة إلى شكل محدد للملكية، كالملكية الخاصة" ، بل يرى ان ذلك الشكل من "الملكية المشتركة"، "سيلعب زمنا طويلاً دوراً هاماً على شكل ملكية للبلدية".

اما المكان التاريخي لهذا الشكل فيراه ماركس "لدى الهنود والسلافيين وقدماء السلتيين الخ..".

هذه الصورة وما يشبهها مما جاء لدى ماركس في أكثر من مناسبة، عرفت عنه بصفتها الشائعة "أسلوب الانتاج الاسيوي". [62]

ولعل الرسائل المتبادلة بين ماركس وانغلز بشأن تصورهما لشكل الملكية في بلدان الشرق، تلقي ضوءا اخر في موضوعنا. ففي احدى هذه الرسائل كتب ماركس إلى انغلز موافقاً على ما يراه Bernier من ان الصيغة – المفتاح لكل ظاهرات الشرق، هي عدم وجود ملكية خاصة للأرض. "هذا هو المفتاح الحقيقي حتى للفردوس الشرقي".

وفي جواب هذه الرسالة يقول انغلز ان عدم وجود الملكية الخاصة للأرض هو -ضبطا- مفتاح الشرق كله، وفيه أساس كل تاريخه السياسي والديني.

ولكن، لماذا لم تتوصل الشعوب الشرقية إلى الملكية الخاصة للأرض حتى الشكل الاقطاعي منها؟. يجيب انغلز: ان هذا يعود أساساً إلى المناخ الطبيعي وطابع الأرض، وخصوصاً المسافات الصحراوية الكبيرة التي تمتد من الصحراء (يقصد صحراء شمال افريقية) إلى أعلى اقسام المرتفعات الاسيوية عبر البلاد العربية وفارس والهند وتتارية (آسية الوسطى السوفياتية الان وقسم من تركستان).

ويقول انغلز: "ان الري الاصطناعي هو هنا الشرط الأول للزراعة. وهذه – أي الزراعة- أما قضية المجموعة المشاعية، أو الاقليم، أو الحكومة المركزية. وفي الشرق كانت دائماً مهمة الحكومات: المالية (نهب بلادها) ، الحرب (نهب بلادها والبلدان المجاورة). [63]

أما الماركسيون المتأخرون ، والمعاصرون منهم – ولا سيما المستشرقون والباحثون السوفياتيون – فان الصورة لديهم عن شكل العلاقات الاجتماعية في شبه الجزيرة العربية، خلال القرنين الخامس والسادس للميلاد وفي مرحلة نشأة الاسلام، ليست صورة واحدة.

مرجع ذلك – كما نعتقد- إلى ان المعطيات التاريخية عن تلك المرحلة من تاريخ العرب ليست بالمستوى الذي يمكِّن الباحث العلمي المعاصر من تكوين صورة واقعية كاملة تتمثل فيها طبيعة العلاقات الاقتصادية – الاجتماعية بواقعها الحقيقي.

ولذا لم يبق للباحث المعاصر ولا سيما غير العربي، الا ان يعتمد المؤلفات المتأخرة عن العصور الاسلامية الأولى، كمؤلف الشهرستاني الشهير (الملل والنحل).

غير أن المستشرق الروسي – السوفياتي اغناطيوس كراتشكوفسكي الواسع المعرفة في مجال الدراسات العربية، جعل اعتماده الأوثق على الشعر الجاهلي من حيث كونه "أقدم اثر للغة العربية"، وكونه لذلك "بالنسبة لتاريخ تلك المرحلة ليس فقط اقدم الاثار، بل هو -في الحق – الاثر الوحيد الذي بقي لنا من تلك الحوادث التي يتناولها . [64]

من هنا يرى كراتشكوفسكي ان الشعر الجاهلي يمثل صورة صاقة وامينة لملامح الحياة العربية القبلية بكاملها. وهو – أي كراتشكوفسكي- يرفض جميع الافتراضات التي تشكك بصحة انتساب هذا الشعر إلى العصر الجاهلي، لفقدان البراهين القاطعة على الشك به كمصدر تاريخي لدراسة عصر ما قبل الاسلام.

نجد في الدراسات التاريخية السوفياتية اختلافاً في النظر إلى الطابع النوعي للعلاقات الاقتصادية – الاجتماعية في العصر الجاهلي الذي ينتهي بنشأة الاسلام.

فهناك نظريات عدة مختلفة بهذا الشان يعرض لنا بعضها المستشرق السوفياتي يفغيني بلياييف مؤلف كتاب "العرب والاسلام والخلافة العربية". منها ما يسميه بالنظرية "التجارية الرأسمالية" منسوبة إلى ريزنييف Reisnev، ويقول بلياييف انها كانت نظية شائعة في العشرينات والثلاثينات من هذا القرن وانها "تختلف اختلافاً بينا عن النظرية الماركسية اللينينية".

ومنها لنظرية "الرحيلة"، والنظرية "الزراعية": الأولى تقول ان نشأة الاسلام "هي انعكاس يجسد مصالح القبائل البدوية في الجزيرة العربية، كما يجسد مثلهم العليا"، والثانية تقول بأن نشأته الأولى "كانت تجسيداً لرغائب الطبقة التي لا تملك ارضياً".

بلياييف يرفض كلتا هاتين النظريتين لانهما "لا تستندان إلى شيء من العلم"، ثم يشير إلى بحث حول جذور الاسلام عند نشأته الأولى كتبه س. ب. تولستوف وابدى فيه "اهتماماً باحوال الرق التي كانت سائدة في الجزيرة العربية في القرن الخامس والسادس للميلاد". ويصفه بلياييف بانه بحث تاريخي عميق مدموغ بالحجج والبراهين.[65]

ونرى -بعد- نظرية اخرى تقول بان "الاسلام جاء في نشأته الأولى أيديولوجية للمجتمع الاقطاعي في أوائل عهدة". ولكن المستشرقين الروسيين : ياكوبوفسكي وبتروشفسكي "ينكران صحة النظرية الاقطاعية، ويركزان على الرق في الجزيرة وعلى نشاته وتطوره.

ثم يشيد بلياييف بالقيمة العلمية للدراسة "العميقة المعززة بالحجج المقنعة التي يجدها القارئ في الجزء الثالث من المؤلف الضم الذي وضعه المؤرخون الروس، وعنوانه "تاريخ العالم" (موسكو 1957)، وانه يحتوي "جوهر ما كان يجري في الجزيرة العربية من أحداث تاريخية وتيارات في القرنين الخامس والسادس" وما يتعلق بنشأة الاسلام الأولى.

اما نظرية بلياييف نفسه فيقررها، بصورة متفرقة من كتابه، على النحو الآتي:

الطابع السكاني في الجزيرة العربية مزيج من بدو رحل ومتحضرين يعيشون على الزراعة، وينطبق عليه قول ماركس: "منذ ان ابتدأ التاريخ المدون نجد في الشرق ارتباطاً بين الحياة الحضرية المستقرة لدى جزء من الشعب والحياة البدوية المتنقلة لدى جزء اخر منه.

في القرنين الخامس والسادس للميلاد كانت غالبية سكان الجزيرة – باستثناء أهل اليمن المتحضرين – تعيش في نطاق الترابط الاجتماعي البدائي، الذي يخلو من التصنيف إلى طبقات اجتماعية متميزة ومن الحكومة ومؤسسات حكومية.

والنظام السائد هو نظام القبيلة والعشيرة القائم على رابطة الدم والنسب إلى جانب رابطة "الاخوة" بين العشيرة ومن ينضم اليها بشكل تحالف سياسي.

ولكن التمايز الاجتماعي في توزيع الثروة كان يتسع، مع وجود التملك الخاص للماشية الذي يسبق التملك الخاص للارض، ومع استخدام العبيد في تربية الماشية وفي الزراعة.

ان اشتداد التمايز في توزيع الثروة أوجد الاساس المادي لظهور علائم انحلال النظام الاقتصادي – الاجتماعي القبلي الذي سبق نشوء الطبقات. [66]

وعند نشاة الاسلام كانت التجارة واستفحال الربا يعملان على تفكيك العلاقات القبلية وتقويض نظامها، لان النظام القبلي لا يتفق البتة مع النظام الاقتصادي القائم على أساس العملة.

وكانت ثروة زعماء قريش تشمل المال والتجارة والمزارع والعبيد والماشية، ووجد في مكة والمدينة والطائف عمال يشتغلون بتحميل البضائع وعمال غير مصنفين يشتغلون في قطاعات مختلفة (البيطرة، رعي الماشية، سقاية الابل في القوافل التجارية).

ان تفكك نظام العلاقات الجماعية البدائية ، في مكة قبل غيرها، أدى إلى تحول عشائر قريش إلى نظام جديد تسيطر فيه فئة من اعيانها لها مؤسسات رسمية بسيطة تدير شؤون العشائر (الملأ، دار الندوة).

في اخريات عصر الجاهلية كانت الوثنية في اخر ايامها، اذ دخلت على التنظيم القبلي الجماعي البدائي علاقات "طبقية" جديدة أدت إلى التحول عن الوثنية (الشرك) إلى التوحيد.

ان ظاهرة التحالف بين القبائل تعكس التطلع إلى توحيد الجزيرة واقامة سلطة مركزية، وهذا لا يتم الا في ظل عقيدة توحيدية يحترمها الناس ويقدسونها، وظهرت الحنيفية حينذاك كشكل من أشكال التوحيد عند العرب، ولكن الحنيفية لم تنتشر كثيراً في مكة لا لمقاومة القريشيين لها فحسب، بل لعوامل اجتماعية في مكة (التناقضات الاجتماعية: بين التجار والمرابين وبين المتضررين من الربا، بين مالكي العبيد وتوق العبيد إلى التحرر):

ولم تكن الحنيفية تعكس مطامح الفئات المستضعفة، اذ اقتصر تبشيرها أول الأمر على كون الحياة فانية.

غير ان الحنيفية اذ واكبت تطور المجتمع المكي، تطورت معه ودخلت مرحلة التمهيد لظهور الاسلام. [67]

والاستنتاج الاخير: ان الاسلام نشأ في الجزيرة أيديولوجية جديدة تعكس التغيرات الكبرى التي طرأت على المجتمع العربي: تفاقم التمايز في توزيع الثروة، الرِّق، التبادل التجاري.

ومع ظهور الاسلام ظهر تنظيم جديد (جماعة المؤمنين). هذا التنظيم يناقض التنظيم القبلي القديم. هذه "الجماعة" بتنظيمها الجديد أصبحت القاعدة الأساس التي قامت عليها الدولة الاسلامية. وهذا يثبت صحة النظرية القائلة: "ان أول محاولة لتأسيس الدولة يجب أن تكون القضاء على التنظيم القبلي وتفكيك أوصاله".

أما بشأن الصيغة التاريخية لأسلوب الانتاج وللعلاقات الاجتماعية في ظل دولة الخلافة العربية – الاسلامية في القرون الوسطى، فان الاتجاه العام في دراسات الماركسيين يميل إلى أن الطابع المسيطر على تلك العلاقات هو طابع العلاقات الاقطاعية، وان اختلفوا في تحديد الخصائص التاريخية المميزة لهذه الاقطاعية.

ان مصدر الاختلاف في تحديد هذه الخصائص يرجع إلى أشكال التداخل المعقد بين السمات الاقطاعية الموروثة في البلدان التي شملتها سلطة دولة الخلافة عن الانظمة السابقة للفتح العربي – الاسلامي، ولا سيما الانظمة الفارسية والبيزنطية، وبين السمات الجديدة لعلاقات الانتاج الناشئة عن نظام الأراضي في التشريعات الاسلامية التي دخلت عليها تعديلات اجتهادية وعملية متلاحقة منذ نظام عمر بن الخطاب في أوائل عهد الفتح حتى القرن التاسع للميلاد.

فان هذه السمات الجديدة تتميز بتنوع اشكال ملكية الأرض من جهة، وبتداخل عمل العبيد مع عمل الفلاحين الاحرار في الأرض ، من جهة ثانية. هذا التشابك المعقد بين كل هذه الظاهرات التاريخية سمح بأن تلتبس على الباحثين ملامح الصورة الحقيقية لطابع النظام الاقتصادي – الاجتماعي الحاسم، كما سمح ان تظهر استنتاجات من نوع الاستنتاج القائل بأن المجتمع العربي – الاسلامي تطور من مجتمع قبلي بطريركي (مجتمع الجاهلية) إلى مجتمع اقطاعي، دون أن يمر بمرحلة العبودية كنظام "اجتماعي متكامل ومتطور وشامل" ، باعتبار ان "العبودية وجدت كذلك في المجتمع القلبي (الجاهلي)، ولكن كظاهرة خاضعة للاطر الاجتماعية – الاقتصادية العامة لهذا المجتمع".

بعض المفكرين الماركسيين السوفيات يتحدث عن مجتمع اقطاعي أوروبي ومجتمع اقطاعي عربي، مع القول بأن الاقطاعية في أوروبة تختلف عن الاقطاعية في الشرق. [68]

واذا كانت الكنيسة في الغرب متمسكة بالسيطرة على الاقطاعيين، فان كل شيء في الشرق كان يخضع لسلطة الخليفة. وغالباً ما كان رأس الدولة صاحب سلطة مطلقة. على أن الخليفة نفسه لم يكن يسيطر لاهوتياً، بل مدنيا سياسياً. وفي حين كان الاقطاعيون في الغرب يخضعون لسطوة الايمان بالله مرتبطين بالبابا، كان الخليفة قلما يخضع للدين خضوعاً مطلقاً، بل كثيراً ما يخضع الدين لسلطته ولمصلحة دولته.

أما المستشرق السوفياتي بلياييف فيرى ان مما توصل إليه البحث المعاصر عن استخدام الرق في الزراعة والري وفي مختلف الحرف هو كون اقتناء الرق أمراً تميز به المجتمع الاقطاعي في الامبراطورية البيزنطية وفي الشرق الأوسط.

فهو اذن يقول بأن النظام الاقطاعي كان هو المسيطر في البلدان التابعة لبيزنطية. وهو أيضاً حين يتحدث عن نظام العلاقات الاجتماعية والاقتصادية وقوانين الملكية في مجتمعات البلدان التي فتحها العرب بوجه عام، يتحدث عن "نظام الاقطاع الذي كان شائعاً هناك" ، وهذا يشمل البلدان التي كانت ضمن الدولة الساسانية والتي كانت ضمن الدولة البيزنطية.

وفي مواضيع كثيرة أخرى من كتابه يتكلم بالخصوص على المجتمعات الساسانية سابقاً، فنرى النظام الاقطاعي ايضاً في هذه المجتمعات أمراً مسلماً به عنده دون جدال.

اما المجتمع العربي – الاسلامي الذي أصبحت تلك المجتمعات جزءاً منه، فنراه في أوائل عهد الفتح – كما يصفه بلياييف- مجتمعاً يفتقر إلى الانسجام، اذ "كانت العلائق الاجتماعية – الاقتصادية وقوانين الملكية السائدة في مجتمعات البلدان المحتلة، جديدة وغريبة في نظر الفاتحين العرب.

فنظام الاقطاع الذي كان شائعاً هناك، لم يثر فيهم أي اهتمام، كما انهم لم يهتموا بالأرض واعتبروها ملكاً عاماً للمسلمين (...) ولهذا بقيت الأرض ملكاً للاقطاعيين من أهل البلاد والرؤساء والاديان وسواهم من الملاكين، واحتفظ أصحاب الأرض بحقوقهم الكاملة وبامتيازاتهم، وظلوا يستغلون الفلاحين كسالف عهدهم.

وحينذاك كان التنظيم القبلي والعشائري الذي احتفظ به العرب في البلدان المفتوحة، يحول دون الامتزاج بالشعوب المغلوبة. [69]

ولكن، الفترة التي حكم فيها الامويون يعدها المستشرق السوفياتي "فترة متميزة في التاريخ العربي" لأسباب يرى أهمها في "التغيرات الاجتماعية – الاقتصادية التي طرأت على الخلافة في عهدهم، والتي اسفرت عن انتصار العلاقات الاقطاعية بين شعوب الدولة العربية بما ذلك العرب انفسهم".

غير أن الانتصار الحاسم لهذه العلاقات، في نظره، لم يتحقق الا في القرن التاسع للميلاد، اذ أصبحت "خلافة بغداد (...) دولة اقطاعية" واذ تقلص "دور العبيد في الانتاج".

ونجد مفكراً ماركسياً آخر معاصراً عالج تراث الفكر الفلسفي العربي – الاسلامي في مؤلف له عن فلسفة القرون الوسطى، يرى أنه في مرحلة نشوء الاسلام حلت علاقات الانتاج الاقطاعية محل علاقات الانتاج العبودية نهائياً، ولكنه يرى ان مسألة خصائص هذه الاقطاعية لا تزال تحتاج إلى بحث مفصل من وجهة نظر الماركسية.

أما دراسات المستشرقين الماركسيين عن الفلسفة العربية – الاسلامية نفسها، فقد عنيت، بادئ الأمر، بأبراز الدور التقدمي الذي كان يؤديه المفكرون والفلاسفة الاسلاميون في مجال تطوير الثقافة المعبرة عن النهوض المادي والروحي للقوى الطبقية التقدمية في المجتمع العربي – الاسلامي زمن الخلافة العباسية.

وعام 1939 صدر في الاتحاد السوفياتي كتاب "تاريخ الفلسفة" يتضمن بحوثاً عن الفلسفة العربية – الاسلامية تنطلق من مواقف مادية وهناك كتاب اخر باسم "تاريخ الفلسفة" بستة مجلدات اصدرته أكاديمية العلوم الفلسفية السوفياتية وفيه دراسة عن تاريخ تطور الفلسفة العربية – الاسلامية .

وفي موسكو ظهر عام 1980 مؤلفان للباحث الفلسفي الأكاديمي أ. سعدييف، أحدهما عن ابن سينا ، والاخر عن ابن رشد. [70]

لمؤرخ الفلسفة السوفياتي تراختن برغ كتاب سماه "لمحة عن تاريخ أوروبه الغربية في القرون الوسطى"، يكاد يكون نصفه وقفاً على دراسة الفلسفة العربية – الاسلامية.

 

ومن الاستنتاجات التي يصل اليها في هذه الدراسة:

عن المعتزلة: ان المفهوم الرئيس عندهم هو مفهوم العقل. وان اعتقادهم بأن الله خالق للعالم خلقاً مستمراً متجدداً يؤدي إلى القول بأبدية العالم المادي.

لان الاستنتاج الذي ينجم عن استمرارية الخلق هو انه اذا انتهى العالم انتهى الله، فلا بد اذن من الاعتراف بأبدية هذا العالم ليبقى الله. وهذا القول يتناسب مع الافلاطونية المحدثة من حيث قولها باستمرار فعالية الله في الكون للحفاظ على وحدة العالم.

عن ابن رشد: يرى تراختن برغ ان ابن رشد يفسر الله بأنه الدافع الأول فيلتقي مع قول ديكارت بأن الله مصدر الحركة.

ولكن ابن رشد يقول بأن الله مصدر للمادة في نهايتها لا في بدايتها، أي انه يعتبر الله غاية لها، على نحو ما يقول ارسطو حين يميز العلة الفاعلة من العلة الغائية.

فالله عنده – أي أرسطو – سبب نهائي ، أو هو الهدف لوجود المادة.

ان ابن رشد يحاول تفسير المادة تفسيراً فيزيائياً، أي أن المادة تشكل ذاتها، وتوجد الكائنات الحية بوساطة الحرارة، فاذا زالت الحرارة زالت هذه الكائنات.

وقد انتقلت هذه الفكرة الرشدية إلى الفيلسوف الايطالي بترو بومباناري (1464 - 1524) الذي اعدم بتهمة كونه رشديا ، وإلى الفيلسوف الايطالي برناردينو تيليزيو (1508 - 1588) الذي تبنى نظرية ابن رشد بأن الحرارة سبب تحول المادة الجامدة إلى مادة حية. [71]

ان عقل العالم – عند ابن رشد- قانون، وهو قانون ضرورة. وهنا يتساءل تراختن برغ: هل عقل العالم ماهية، ام ليس بماهية؟. ثم يجيب: أنه ليس بماهية عند ابن رشد، بل ضرورة، لانه يفصل مفهوم العقل عن مفهوم الروح (النفس)، فيقول ابن رشد ان العقل ملازم لكل موجود، فالعالم معقول، لانه يخضع للقوانين، والله لا يتدخل في شؤون العالم ، لان العالم معقول بحد ذاته، بمعنى أنه ضرورة (سببية).

هذا يعني ان ابن رشد ينفي مقولة الغزالي الظرفية، أي كون مقارنة وجود شيء لوجود شيء آخر، ليست مقارنة سببية، بل مقارنة ظرفية، او مصادفة، ثم تصبح مقارنة عادة، فقد اعتاد الناس ان يروا الاحتراق عند ملامسة النار للورقة مثلاً، فظنوا ان النار هي سبب الاحتراق.

وفي نظرية المعرفة يبدو ابن رشد مادياً كذلك، كما يقول تراختن برغ -فهو- أي ابن رشد- يرى أن المعارف تكتسب بتأثير الاشياء المادية على الحس، فاذا اضفنا ذلك إلى قوله بأبدية المادة، وإلى كونه يعترف بموضوعية العالم المادي، لم يبق لدينا شك بماديته، ان العالم يتطور على أساس العقل. وهذا موقف مادي أيضاً لابن رشد، ولكنه ينتسب إلى المادية الخاصة بالقرون الوسطى. [72]

هذه الأمثلة الدالة على الاتجاه الأساسي في دراسات الماركسيين للفلسفة العربية – الاسلامية، لها اشباهها الكثيرة لدى العلماء والمستشرقين الماركسيين في سائر بلدان أوروبة الشرقية وفي بلدان أوروبة الغربية وغيرها، رغم ما نجد من اختلافات بينهم في الاجتهاد أو الرؤية أو أسلوب المعالجة، أو من تفاوت في درجة الاطلاع على المصادر الأصلية لهذه الفلسفة، أو في مستوى استيعاب النصوص والنفاذ إلى دلالالتها الأسلوبية التقليدية.

 

ظهر لنا، مما سبق، ان هناك واقعين في مجال دراسة التراث الفكري للتاريخ العربي:

الأول، هو الواقع السلبي، وهذا يعني الدراسات التي شوهت هذا التراث، والتي جهلت أو تجاهلت محتوياته التقدمية.

والثاني، هو الواقع الايجابي. وهذا يعني الدراسات ذات المنطلقات المادية، والدراسات ذات الاتجاهات التحررية.

ان فضل الدراسات الايجابية بنوعيها كونها اسهمت في تصحيح المواقف غير العلمية من تراثنا الفكري بعامة، والفلسفي منه بخاصة.

ولكن المسألة الآن انه لم تظهر – بعد- دراسة تعالج هذا التراث ككل بصورة شاملة تأخذه في حركته التاريخية، نشأة ونموا وتطورا، مع ربطه في كل مرحلة بسير تطور العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وما يرافق ذلك وينعكس فيه من تطور المجتمع العربي – الاسلامي مادياً وروحياً، ضمن سيطرة التفكير الديني والنظم الاسلامية . [73]

لذلك لم يكن ممكناً لتلك الدراسات استخلاص كل المحتويات التقدمية والنزعات المادية للتراث في سيره المتكامل هذا، كما لم يكن ممكناً لها تحديد المراحل في تسلسلها المنطقي التاريخي وفي علاقاتها المعقدة بمراحل تطور الفكر الديني نفسه.

من هنا أصبح من الواجب أن نستخلص ضرورة القيام بدراسة ، أو دراسات، شاملة من هذا النوع وعلى هذا الأساس ، تحاول استيعاب التراث بكليته وبترابط مراحله وتسلسلها، والنظر في قضاياه الأسس، لاستخلاص الوجه الآخر الملموس من محتوياته.

ليس لدى مؤلف هذا الكتاب أدنى وهم بانه سيقدم الدراسة المطلوبة تلك بشروطها الكاملة، أو بالمهم من شروطها.

فان ذلك أمر عسير المنال على جهد فردي حتى في حالة اكتمال العدة لمثل هذا الجهد، فكيف به حين يكون الجهد الفردي يفتقر إلى الكثير من مستلزمات هذه العدة؟.

فالواقع اذن ان هذا الكتاب لا يزيد عن كونه محاولة اشبه بالمغامرة. ومن الطبيعي ان محاولة بهذا القدر من الأهمية، على طريق لما تزل غير معبدة، لا بد أن تتعثر بنواقصها واخطائها أكثر مما تتعثر بمصاعب الطريق ذاته وبمتاهاته.

ان المحاول التي يتقدم بها هذا الكتاب، اذ هي تجيء كشكل من أشكال الاستجابة لتلك الضرورة الراهنة، ضرورة دراسة التراث بتاريخيته الشاملة، وكتجربة موسعة لممارسة المنهج المادي التاريخي على هذا الصعيد – تحدد مهماتها في ضوء المخطط الآتي:

  1.  دراسة الفلسفة العربية – الاسلامية انطلاقاً من كونها نتاج عملية تاريخية داخل حركة تطور الفكر العربي ذاته مرتبطة بحركة تطور المجتمع العربي – الاسلامي خلال القرون الوسطى، أي ان هذه الفلسفة لم تظهر كنتاج عامل خارجي هو العامل الوحيد في انتاجها كما قيل، وهو اقتباس فلسفات الشرق والغرب اليوناني.
  2. الكشف عما أهملته أو اخفته دراسات البعض، أو لم تستكمل الكشف عنه الدراسات الأخرى، وهو ما يحتويه التراث الفلسفي من قيم تقدمية أو نزعات مادية كالتي اشرنا اليها في ما سبق من هذه المقدمة .
  3. دراسة التراث الفلسفي من خلال القضايا المطروحة في التراث ، لا من خلال الشخصيات الفلسفية بذاتها، مع الانتباه إلى أن هناك جانباً من التداخل بين القضايا والمراحل والشخصيات الفلسفية. [74]
  4.  تحديد مراحل الفكر العربي على أساس تطوره نحو الفلسفة. ولذا اقترحنا تحديدها بثلاث مراحل:

الأولى، مرحلة ما قبل النظر الفلسفي. وهذه تشمل عصر الجاهلية، وبدء نشاة الاسلام وعصر الخلفاء الراشدين.

الثانية، مرحلة نشوء بذور التفكير الفلسفي في حركة القدريين، والجبريين، ثم الحركة الكلامية المعتزلية. وهذه تشمل العصر الاموي وقسماً من العصر العباسي.

الثالثة، مرحلة نشأة الفلسفة كحركة مستقلة عن الفكر اللاهوتي الاسلامي (علم أصول العقائد، أي علم الكلام، وعلم أصول الفقه). وهذه تأخذ سائر عصور المجتمع العربي – الاسلامي في العصر الوسيط.

على هذا الاساس انقسم الكتاب نفسه إلى ثلاثة أقسام، كل قسم منها يختص بواحدة من هذه المراحل الثلاث.

  1.  تحديد المقدمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لنشأة البذور الأولى للتفكير الفلسفي، ولتشكل الفلسفة العربية – الاسلامية بصورتها المستقلة عن أشكال التفكير الأخرى في عصرها.
  2.  دراسة حركة التفاعل بين العرب وسائر الشعوب التي دخلت جزءاً عضوياً في البنية الاقتصادية – الاجتماعية – السياسية – الثقافية المتكاملة لمجتمع واحد هو ما نطلق عليه اسم المجتمع العربي – الاسلامي. [75]
  3. دراسة دور المصادر الخارجية في تطور الفكر الفلسفي للتراث ، ان الكلام في هذا الموضوع يدور على أصالة الفلسفة العربية – الاسلامية أو افتقارها لهذه الاصالة.

وفي كلام سابق من هذه المقدمة وضعنا المسألة نفسها في سياق عرضنا بعض المواقف حيال تراثنا الفلسفي لدى المؤرخين والباحثين في هذا التراث من عرب وشرقيين ومستشرقين.

اما موقفنا في هذه المسألة، نظرياً وممارسة خلال هذا الكتاب ، فهو يقوم على النظر إلى المصادر الخارجية كعامل له دوره الكبير في صيرورة الفلسفة – التراث، بل نقول اكثر من ذلك: اننا ننظر إلى الفلسفة اليونانية بالاخص كمصدر أساس في هذه الصيرورة.

غير أننا نرفض القول انها المصدر الأوحد أولاً، وانها المصدر المكون ثانياً.

فان العوامل الداخلية التي تربط حركة تطور الفكر العربي – الاسلامي ، ككل، بحركة تطور المجتمع العربي – الاسلامي ، هي العوامل التكوينية أساساً، تساعدها العوامل أو المصادر الخارجية، وهنا نعود إلى عملية التفاعل، ولكن من جانبها الثقافي، لكي نتحدث هنا عن المعنى الجدلي (الدياليكتيكي) لهذه العملية في صعيدها الثقافي.

  1.  تحديد الخصائص المميزة للفكر العربي بمفهومه الأوسع. وهنا ننطلق منهجياً من مبدأين:

ألهما، اننا نعني الخصائص المكتسبة تاريخياً، لانه ليس يدخل في تفكيرنا أو منهجنا القول بخصائص طبيعية عرقية تميز تفكير شعب من تفكير شعب آخر أو "جنس" بشري آخر، والا انتهينا إلى موقف عنصري عرقي أو شوفيني. [76]

            فاذا كنا نقول بان للفكر العربي خصائصه المتميزة ، فانما نعني انه خلال مراحل تطوره، منذ اخريات الجاهلية وبدء نشأة الاسلام حتى نهايات القرون الوسطى، اكتسب خصائص معينة هي -في الواقع- حصيلة تاريخية لسلسة من التحولات المتحركة في نوعية القضايا التي كان تطور المجتمع العربي – الاسلامي، خلال تلك المراحل، يطرحها على الفكر العربي لمعالجتها وللبحث عن الحلول لها بالطريقة وبالمستوى اللذين يتناسبان طرديا مع تطور مستويات المعارف العلمية عن الطبيعة وعن العالم ككل.

ثانيهما، المبدأ المتصل بقضية تطور الفلسفة العربية – الاسلامية بوجه خاص، من حيث العلاقة بين خصائص هذا التطور والخصائص العامة لتطور الفكر الفلسفي بوجه عام، أي من غير تحديد المكان والزمان.

         فنحن نسلم ، دون جدال، بالحقيقة الواقعية التاريخية من ان هذه الفلسفة (العربية – الاسلامية) سلكت في تطورها مجرى معيناً اضفى على هذا التطور خاصة متميزة تتجلى بارتباطه بتطور الفكر الديني الاسلامي من جه، وباستيعاب اشكال من التراث الفلسفي اليوناني والتراث الفلسفي الشرقي من وجه آخر.

        ولكن، لا يمكن التسليم مع ذلك بموضوعة هيغل القائلة بان الفلسفة الشرقية بعمومها كانت تدور في اطر خاص متفرد، بمعنى انها كانت منقطعة الصلة، ضمن هذا الاطار، بالمجرى العام لتاريخ تطور الفلسفة خارج هذا الاطار، أي بالخصائص العامة لذلك التاريخ. [77]

 

هذا التراث الفلسفي الذي نضع الخطة هنا لدراسته: ماهويته؟.

ان له " خصوصية" تاريخية دون جدال، وان اختلف الرأي – كما سبق- في أبعاد هذه "الخصوصية": هل هي مغلقة إلى حد الانقطاع عن المجرى العام لتاريخ الفلسفة، أم هي تقع من تاريخ الفلسفة موقع الخاص من العام، تندرج في اطاره تحمل من خصائصه المشتركة ما تحمله كل فلسفة في كل مكان وزمان؟

ولكن ، إلى من ينتسب هذه  "الخصوصية" ، أو إلى ماذا تنتسب، واقعياً، تاريخياً ، موضوعياً: أهي نتاج عربي فتسمى "فلسفة عربية" ، ام نتاج اسلامي من كل قوم فتسمى "فلسفة اسلامية"؟ .

ثم ، ما معنى كونها نتاجاً عربياً أو اسلامياً: هل معناه ان منتجيها عرب دماً ونسباً خالصاً، او ان المسلمين من كل قوم قد شاركوا في انتاجها ، أم ان المسألة تتجاوز هذا المعنى من الانتماء البشري القومي، إلى معنى الانتماء الفكري – اللغوي، أي ان الذي يحدد انتماء هذه الفلسفة هو مضمونها نفسه والاداة التعبيريه لهذا المضمون؟.

هذه المسألة ، بوضعها العام، مطروحة للبحث والجدل منذ اخذت الدراسات الحديثة طريقها إلى معالجة هذا التراث. [78]

فليست كتابة هذه الفلسفة باللغة العربية – بمظهرها الشكلي وصورها المعجمية – هي المسألة، وليست هي أيضاً ان يكون أغلب ممثلي هذه الفلسفة من أصل غير عربي أو يكونوا من أصل عربي، بالمعنى السطحي البسيط لهذا النوع من الانتماء القومي. بل ينبغي النظر إلى الأمر الجوهري الذي كمن -أولاً- في ان فلسفة التراث مكتوبة باللغة العربية دون غيرها، ويكمن -ثانياً- في ان الذين يمثلون هذه الفلسفة ينتمون إلى أكثر من لغة واحدة لأكثر من شعب واحد من الشعوب التي انتظمتها خلال القرون الوسطى دولة – أو دول- مشتركة، فارتبطت بالاسلام لا من حيث هو دين فحسب، بل من حيث تاريخيته اساساً، أي من حيث أصبح عنواناً لنظام اجتماعي تاريخي.

فالموقف العلمي هنا يفترض الاخذ بكلتا الظاهرتين من جهة أولى، والبحث – من جهة ثانية- عن الجوهر الكامن لا في كل ظاهرة منهما على انفراد، بل فيهما مجتمعتين في وحدة. فما هو هذا الجوهر الكامن في وحدة الظاهرتين؟.

يجب النظر أولاً في موقع اللغة العربية من تراثنا الفكري بمعناه الاشمل، وفي ضوئه يتحدد موقعها من التراث الفلسفي، بمعناه الخاص.

انها -كلغة- ليست سوى اداة تعبيرية عن الوعي الاجتماعي في بيئة اجتماعية تاريخية معينة، فهي -بهذه الصفة- اداة اجتماعية.

صحيح ان اللغة تتكون وتنمو وتتطور بقوانين آليتها الخاصة بها التي هي اكثر استقلالية من محتوى الفكر الذي تعبر هي عنه، ولكن ذلك لا يعني أن قوانين هذه الآلية الداخلية الخاصة باللغة تعمل بمعزل عن قوانين حركة الفكر وقوانين حركة المجتمع اللتين هي اداة التعبير عنهما.

ان الأمر على العكس. فهي تاريخية، أي انها لا تنشأ وتنمو وتتطور خارج تاريخ الوعي الاجتماعي المعين الذي هو أيضاً لا ينشأ وينمو ويتطور خارج تاريخ المجتمع المعين، هكذا شأن اللغة العربية بالتحديد: فبقدر ما كان الوعي الاجتماعي لدى المتكلمين بها يستوعب التحولات الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية منذ نشأة الاسلام حتى استقرار شكل النظام الاجتماعي – السياسي لدولة الخلافة، كانت هي – أي اللغة العربية- محكومة، بالضرورة، ان تستوعب – في قاموسها وفي فيلولوجيتها – تلك التحولات بطريقتها الداخلية التي هي ايضاً لها تاريخيتها. [79]

ان الاستنتاج الذي نريد أن نستخلصه من كل ذلك هو الاتي: لم تكن اللغة العربية اداة خارجية لحركة كل هذه العمليات الفكرية – الأيديولوجية، بل كانت عنصراً حركياً من عناصرها الداخلية.

ذلك ان هذه اللغة، خلال تمرسها بالتعامل مع كل الظاهرات المادية والروحية (الفكرية) لمسيرة العرب باسم الاسلام في العالم الاسيوي والافريقي حتى العالم الأوروبي، قد حملت في بنيتها الجديدة المتطورة، ابعاداً فكرية لكل تلك الظاهرات ، بحيث أصبحت معلماً حياً من معالم التاريخ المشترك لمختلف الشعوب التي اندمجت في المسيرة – موضوعياً- واسهمت في صنع هذا التاريخ وفي صنع تراثه الفكري بما فيه من تراث فلسفي.

لسنا نجد، حتى الآن، تحديداً وصفياً مكثفاً لهذا التاريخ المشترك أدق من وصفه بالتاريخ العربي – الاسلامي.

فليست كلمة "العربي" فيه تعني الانتماء بالدم والنسب الخالصين، لان هذا النوع من الانتماء أصبح في العالم شيئاً خارج التاريخ، بل تعني الخصائص التاريخية التي تنسب للاشكال الحضارية الناتجة عن مسيرة العرب تلك وتفاعلهم خلالها مع جملة من الشعوب شاركتهم صنع هذه الاشكال وصنع تاريخها الكامل. من هنا تكون كلمة "الاسلامي" في وصف هذا التاريخ تعبيراً عن هذه المشاركة ذاتها ، واشارة إلى هذه الشعوب ذاتها.

ولذا يتحدد محتوى الكلمة (الاسلامي) بدلالتها الحضارية، لا بدلالتها الدينية، من حيث ان صناعة هذا التاريخ المشترك هي نتاج بنية اجتماعية مركبة متكاملة ارتبط وضعها السياسي والحقوقي والتشريعي بنظام دولة الخلافة الاسلامية وبالأسس المادية الاقتصادية لهذا النظام، ولم يكن يعني هذا الارتباط قط ان الناس الذين يؤلفون مجتمع دولة الخلافة هم بالضرورة مسلمون من حيث المعتقد، فانه من المعروف تاريخياً انه كان فيهم من يدينون بمعتقدات أخرى كثيرة: مسيحية، ويهودية، وصابئية، ومزدية وغيرها. فالوصف بـ"الاسلامي" هنا لا يشير إلا إلى المدلول الاجتماعي – التاريخي.

اذا كان التحديد الوصفي الوحيد، حتى الآن، لهذا التايخ هو انه عربي – اسلامي بالمعنى ذاك، فان تراثه الفكري بمختلف اشكاله، هو بالضرورة عربي – اسلامي . حتى لغة هذا التراث، وفقاً لتحليلنا السابق، هي عربية – اسلامية.

وهنا تكشف فلسفة التراث عن "هويتها" الواقعية – التاريخية. فهي ليست عربية صرفاً، وليست اسلامية دينية، وليست اسلامية تاريخية صرفاً. هي فلسفة عربية – اسلامية بالمفهوم السابق الذي توصلنا إليه. ذلك ما التزمناه في هذا الكتاب. [80]

 

 

[1] حسين مروة – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الأول– دار الفارابي – بيروت – الطبعة الأولى 1978 .

[2] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - ص 5+6

[3] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - ص 7

[4] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - ص 8

[5] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - ص 10

[6] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - ص 11

[7] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - ص 12

[8] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول -  ص 13

[9] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 16

[10] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 17

[11] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 22

[12] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 23

[13] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 24

[14] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 25

[15] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 26

[16] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 27

[17] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 28

[18] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 29

[19] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 30+31

[20] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 32

[21] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 35

[22] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 36

[23] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 37-38

[24] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 41

[25] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 42-43

[26] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 48

[27] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 49

[28] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 51

[29] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 52

[30] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 53-54

[31] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 65-66

[32] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 72

[33] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 73

[34] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 74

[35] مجلة "عالم الفكر" الصادرة عن وزارة الاعلام في الكويت ، عدد: يوليو- أغسطس – سبتمبر 1975. هذا العدد يبحث في: "التصوف: ايجابياته وسلبياته" – أحمد محمود صبحي " الفكر الهندي من الهندوكية إلى الاسلام" – د. عبد العزيز محمد الزكي – "نشأة الفكر الاسلامي في بواكيره الكلامية" – د. حسام محي الدين الالوسي- ، التصوير الاسلامي بين الحظر والاباحة- د.ثروت عكاشة-.

[36] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 97

[37] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 99

[38] صلاح حزين : مجلة – السفير العربي – باريس ، العدد الأول ، تموز 1973

[39] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 100

[40] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 101

[41] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 107

[42] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 108

[43] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 109

[44] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 110

[45] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 111

[46] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 113

[47] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 144

[48] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 115

[49] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 117

[50] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 121

[51] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 122

[52] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 123

[53] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 124

[54] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 125

[55] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 126

[56] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 131

[57] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 135

[58] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 137

[59] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 138

[60] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 140

[61] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 142

[62] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 143

[63] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 144

[64] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 145

[65] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 146

[66] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 147

[67] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 148

[68] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 149

[69] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 151

[70] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 152

[71] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 154

[72] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 155

[73] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 157

[74] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 158-159

[75] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 160

[76] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 162-163

[77] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 164

[78] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 166

[79] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 168

[80] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 170