Menu

خلال رحلته القصيرة مع مرض في الدم

تقريرسليم النواتي.. طفلٌ ضاع دمه وتفرق بين الدوائر الحكومية

أحلام عيد

الطفل سليم النواتي

غزة _ خاص بوابة الهدف

رحلةٌ أليمة يخوضها مرضى السرطان ومرضى الحالات المستعصية في قطاع غزة أثناء بحثهم عن العلاج، مأساة إضافية يلقيها الحصار المفروض على القطاع منذ أكثر من 15 عاماً على عاتقهم، حيث يفتقر القطاع إلى البروتوكولات العلاجية اللّازمة لهم، ما يجعلهم يبحثون عن أيةِ فرصةٍ للنجاة من خلال السعي وراء "تحويلة طبية" يحصلون عليها بشق الأنفس، لتتبع هذه المعاناة بمعاناة أخرى "الحصول على موافقة من العدو لدخول أراضي الضفة المحتلة"، ووفقاً لإحصائية أعدّها مركز الميزان لحقوق الإنسان، بلغ عدد المرضى المتوفين أثناء انتظارهم الحصول على موافقة سلطات الاحتلال للمرور عبر حاجز بيت حانون (إيرز) خلال الفترة من 2017 حتى 2021، (63) مريضًا، من بينهم (8) أطفال و(22) سيدة.

التاسع من يناير الحالي، تاريخ وقوع ضحيةٍ جديدة، وفاة الطفل سليم النَواتي (16) عامًا من قطاع غزة، الذي شخّص الأطباء حالته بأنه مصاب بسرطان الدم "اللوكيميا" وأوصوا بتحويله للعلاج في مستشفيات الضفة المحتلة، لكن الفارق هذه المرّة أن الاحتلال ليس الطرف الوحيد المتسبب بموته، حيث شارك الفساد وانعدام الإنسانية في قتله أيضاً.

استنجادٌ للعلاج

وأوضح والد الطفل، السيد عمر النّواتي "بدأ ابني يعاني من ألم شديدٍ في بطنه، وعند إجراء الفحوصات اللازمة تبينت إصابته بمرض في الدم، وللأسف لا يوجد في أيٍ من مشافي القطاع إمكانيةً لعلاج حالته المرضية، وعلاجه موجود في أراضي الضفة المحتلة، وبناءً على ذلك تم منحنا تحويلةً طبيّة لمستشفى النجاح في نابلس، ثم تقدمنا بطلب تصريح لدخول الضفة أكثر من مرة، وللأسف قوبل طلبنا بالرّفض ثم توجهنا لمركز حقوقي وحصلنا -بعد ثلاث محاولات كان يرد فيها الجانب "الإسرائيلي" بالرفض- على التصريح أخيراً".

ويقول والد الطفل لـ"بوابة الهدف"، أنّه "وعند وصول ابني لمستشفى النجاح كانت الصدمة الكبرى، حيث صُعِقنا برفض مستشفى النَجاح معالجة ابننا، رغم التقرير الطبي الذي وضعناه بين أيديهم والذي يوضح أنّ حالة ابني عاجلة وطارئة، لم يقوموا حتى بإجراء أي فحصٍ طبي له بحجّة الديون المتراكمة على وزارة الصحة الفلسطينيّة".

ويتابع الأب حديثه بحسرةٍ، ويتساءل: "ألم يكن بإمكانهم بشكلٍ استثنائي إدخال ابننا لتلقي العلاج خاصة وأنهم يدركون مدى خطورة وضعه الصحي ومن ثم متابعة الموضوع المالي مع وزارة الصحة؟، ألم يكن يعلم مدير المشفى الذي رفض استقبال ابني أنّه عند مغادرته باب المشفى معرّض للموت في أي لحظة؟ فقط لو أنّهم فعلوا ذلك لكان ابني في أحضاني الآن وربما ما كنت قد خسرته".

وأوضح الأب المكلوم أنّه عند رفض مشفى النجاح إدخال ابنهم، توجهوا إلى مشافي أخرى منها مشفى المقاصد والمطلع والمستشفى الاستشاري وكل المحاولات باءت بالفشل، وكانت النتيجة أن يموت الطفل سليم على عتبات المشافي وهو يبحث فقط عن فرصة للعلاج.

وحمّل النواتي المسئوليّة لوزارة الصحة الفلسطينيّة التي عجزت عن تقديم المساعدة الطارئة لابنه، ومن ثم لجميع المشافي التي رفضت استقباله، وتابع القول: "سنمضي في جميع الإجراءات القانونيّة لمحاسبة كل من تقاعس عن دوره وتسبب بموت ابني، وحتى لا يتكرر ما حدث معه لمريض آخر".

حقوق منتهكة

بدوره قال مدير وحدة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، فضل المزيني: "تلقينا بحزن خبر وفاة الطفل النواتي المريض المحوّل للعلاج في مستشفيات الضفة المحتلة نظراً لعدم إمكانية علاجه في قطاع غزة، وعدم استقباله من قبل مستشفيات الضفة يشكّل لنا صدمة، حيث يضمن القانون حق الوصول إلى أماكن العلاج".

وأشار إلى أنّ "هناك اتهامات تتبادلها الأطراف المختلفة، ونحن نرى أن كل مستشفى وصل إليها مريض يعاني من حالة خطيرة وحرجة ولم تقدم له العلاج رغم توفره، هي مستشفى مقصّرة"، مشدداً على "ضرورة تسوية السلطة الوطنية الفلسطينية لأوضاعها المالية مع المستشفيات في الضفة، خاصة تلك التي يحوّل إليها المرضى".

ودعا المزيني إلى تشكيل لجنة تحقيق بشكلٍ فوريٍ وعاجل يتم خلالها إشراك منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان وأن تنشر اللّجنة نتائج التحقيق فور الانتهاء منه، ليُحاسب الطرف المسئول عن هذه الحادثة الأليمة.

اتهامات متبادلة

ولسماع كافة الأطراف ذات العلاقة تواصلنا في "الهدف"، مع الدكتور كمال حجازي مدير مشفى النجاح الوطني، الذي أفاد بأنهّ "تمّ إلغاء الحوالة الخاصة بالمريض من قبل المستشفى قبل وصوله بأيّام"، وأوضح أنّ "علاج مرض اللوكيميا يكلّف المشفى مبالغ كبيرة، وبسبب الأزمة المالية، لا نقبل حالات الأورام الجديدة سوى الحالات الاستثنائية التي تستوجب "إنقاذ حياة" بتوافق مع وزارة الصحة، ولم تبلغنا الوزارة نهائياً بأن حالة الطفل النواتي حالة استثنائية علينا علاجها، وكانت الوزارة أبلغتنا مسبقاً بأنها ليست ملتزمة مالياً عن أي حالة جديدة نقوم باستقبالها".

وأضاف "على ذوي الطفل مراجعة التحويلات الطبية في رام الله، فالطفل لم يكن مدرجاً في مستشفى النجاح والمستشفى لم يكن مستعداً لاستقباله".

شبهات فساد

وفقاً للتقرير السنوي عن أعمال ديوان الرقابة المالية والإدارية لعام 2020، وفي تقرير حول التحويلات الطبية في وزارة الصحة عن العامين 2018-2019، فإنّه يوجد اختلاف وتضارب في قيمة تكلفة التحويلات الطبية الفعلية في التقارير الصادرة عن وزارة الصحة، كما "لم يتوفّر تأكيد حول صحة البيانات المدخلة على النظام المحوسب لعام 2018 خاصة فيما يتعلق بتكلفة التحويلات، وتبيّن عدم وجود عدد من البيانات الأساسيّة التي تتعلّق بتفاصيل حول التحويلات.

ويبين التقرير وجود اختلاف في أرصدة المديونيّة بين تقارير وكشوفات وزارة الصحّة وتقارير وكشوف المستشفيات التي يتم تحويل الحالات إليها، وأوضح عدم وجود أي آليات أو سياسات معتمدة يتم اتباعها في سداد الحقوق والذمم المالية للمستشفيات.

وأثار موت الطفل النّواتي حالةً كبيرةً من السّخط في الشارع الفلسطيني، وأعاد إلى الرأي العام قضيةً أخرى، حيث وضع الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس في كانون الثاني للعام 2016 حجر أساس لمركز طبي يُخصص لعلاج مرضى السرطان وزراعة النخاع، أُطلق عليه اسم "مركز خالد الحسن للسرطان"، وفي 2018 أصدر الرئيس عبّاس مرسوماً رئاسياً أوكل إلى المركز مهمة إنشاء مشفى متخصص، وتم جمع 12 مليون دولار و10 مليون شيكل، إضافةً إلى تبرعات من موظفي الدوائر الحكومية بيوم عمل، إلّا أنّ عملية الإنشاء لم تتم حتى اللحظة. 

جريمة مكتملة الأركان

وفاة الطفل سليم النّواتي، جريمة بشعة تضعنا أمام تساؤل مبرر، ترى لو كان والد الطفل سليم مسئول وذا منصبٍ قيادي هل كان سيلقى سليم نفس المصير؟ أم أنّ الموت في بلادنا على "عتبات المشافي" بات مصيراً حتمياً للبسطاء!.