لا شك بأن الدفاع عن حرية الخلق والتعبير هي إحدى المهام النبيلة للمثقف والفنان، بل لا يمكن أن يكون الفن فناًّ ما لم يمتلك بذاته ولذاته جرأة التوق إلى الحرية، فالفن مرتبط بالنزوع إلى الانعتاق ارتباطاً عضوياً لا فكاك منه.
جوهر الفن إذن وصهوته للوصول إلى مُراده وحفر مآلاته هي الحرية، لا تُطرح التساؤلات حول ذلك، بل في الماهية، بمعنى أية حرية تلك؟
تفرض الإجابةُ ذاتَها في هذا السياق من منطلقين، الأولُ معرفي عينيٌّ " واقع" والثاني إبداعي" خلق- خيال"، وهناك ما يتفرع عنهما أيضاً.
يمكن تأليف حالة مجتمعية أو شخصية درامية مختلقة بحسب ما يرتئيه المبدع، لا غبار في ذلك أو عليه، كما يمكن إضافة مشاهد وحوارات وأحداث، فإن كان العمل يتناول شخصية ما، تاريخية مثلاً لا يمكن إضافة جوهريات درامية تحول سمات وفحوى هذه الشخصية بلا دلائل إن كانت مثلاً عن شخصية أديب أو نبي أو قائد عسكري وما شابه. في هذه الحال ستكون التحويلات عبثاً بالحقيقة، سواء أكانت سلبية أو إيجابية، ففي هذه الحال لا ندخل في الوصف الثابت للإبداع والخلق، بل بالتزييف والاختلاق... بإمكان أي كان خلق شخصية درامية ذات صفات يحددها المبدع بكل حرية، لكنه لا يمكنه ذلك في حال تناول شخصية حقيقية، فهنا ندخل في مفهوم التزييف لا الابتداع.
لنقل على سبيل المثال، بأن فيلماً يتحدث عن حياة مكسيم غوركي، في هذه الحال لا يمكن أن أظهره في مشاهد تبين أنه لا يقرأ ولا يكتب، أو أنه مبتور اليد أو أعمى، أو أنه يتاجر بالمخدرات مثلاً، فتلك خيانة للأمانة التأريخية، وتعني تشويها متعمداً لواقع الشخصية الحقيقي، وليس مجرد تنويعة فانتازية درامية تنطلق من رؤية مختلفة! فذلك إما أن يكون مقصوداً بهدف تشويه الشخصية من خلال خبث فني، أو أن يكون خطأ عابراً يعود لجهل ما، وعدم دراية بخطورة وأهمية ذلك!
فيلم أميرة لمحمد دياب، المخرج المصري ذي الصنعة السينمائية الجيدة من حيث التقنية ليس خارج سلم التقييم هذا، ولن يكون، فهو يتناول في فيلم "أميرة" مسألة يعي كل عربي بل كل إنسان مدى خطورة تفاصيلها، وحساسية معناها ودلالاتها، ومدى خطورة تزييفها، وذلك لا يمكن اعتباره معزولا عن حالة الصراع القائمة والساخنة على أرض فلسطين التي يموت شعبها من أجل قيم الحرية كل يوم.
... ليس كل أسير سوبرمان، أو ملاكاً هابطاً من السماء، فهناك بعضٌ نادرٌ من الأسرى والمعتقلين خلف قضبان النازية الصهيونية نادمون على النضال مثلاً، لكن كم عددهم؟ هل يشكلون ظاهرة أغلبية؟ يعلم الجميع الإجابة، ويتفق الصديق والعدو على أن الغالبية المطلقة ليسوا نموذجاً سلبياً كالمثال الذي ذكرناه، بل هم يناضلون من داخل المعتقل النازي الصهيوني بشراسة وتصميم متمسكين بمبادئهم وإصرارهم على كنس الاحتلال من وطنهم، وهذا قمة النزوع للحرية، وهو ما يعني أيضاً أن اللعب "الدرامي" بقضيتهم لا يمكن أن يفسر إلا كونه تزويراً يحمل في طياته قذارة تطال الإنسانية جمعاء، ولا يمكن وضعها في إطار حرية التعبير.
يلجأ كاتب السيناريو عادة إلى جمع المعلومات واستقصاء الظروف والأحداث والأماكن وغير ذلك عند تناول موضوع ذي حساسية كهذه، وذلك قبل الشروع في عملية الكتابة، أي أنه يجب أن يكون ملماً بالتفاصيل الكافية والمؤهِّلة لكتابة نص السيناريو، أما بخصوص سيناريو فيلم "أميرة" فثمة حلقة مفقودة تخلق حيرةً وربما استعصاءً غامضاً بخصوص تحديد لحظة البدء في تحريف متعمد لا أصل له على الإطلاق، إذ لم يحدث أبداً أن أثيرت شكوك حول مصداقية صاحب نطفة مهربة، فهي – للعلم- تُرسل بطرق ذكية إبداعية من خلف لوح انتباه السجان النازي، بمعنى أنه ولا مرة استطاع السجان التقاط نطفة مهربة، بل هو يصدم في كل مرة عندما يعلم بطريقة ما عن زوجة أسير حملت جنيناً، فيبدأ باعتقالها والتحقيق معها ويعزل الأسير في زنزانة منفردة كعقاب له!
من كتب السيناريو وهم أخو وأخت المخرج جاهل بحقيقة القضية التي تناولها، هذا إن افترضنا البراءة التامة، فعملية تهريب النطفة لا تتم بطريقة ساذجة كثقافة كتاب السيناريو الضحلة، أولاً تجري فحوصات دقيقة مطولة داخل المعتقلات للأسير، وخارج القضبان للزوجة، حيث يشرف طاقم أطباء بسرية تامة على فحص المرأة من نواح طبية خالصة، ثم بعد إقرار إمكانية نجاح العملية، يتم قذف النطفة في عبوة يسميها الأسرى "كبسولة" معقمة ومجهزة مخبرياً بكل عناية، ويكون قد تم الاتفاق مسبقا على موعد ذلك، بحيث يكون الأطباء جاهزين لإيصال النطفة إلى الرحم، وهذا الأمر كان قد أثار جدلاً كبيراً داخل المعتقلات، حيث رفض قسم من المتدينين الإسلاميين ذلك وجرت جدالات ونقاشات مطولة، وما زال بعض المتدينين المسلمين والمسيحيين يرفضون العملية باعتبارها لم تخضع لفتوى عامة من شيوخ الإفتاء أو السلطة البطركية.
يتم تهريب النطفة بحنكة وحذر غير مسبوق ومختلف في كل مرة، بعد أن يخضع كل ذلك لمراقبة وبوجود شهود من الأسرى تتفق فصائل المقاومة على اختيارهم غالبا لا يتجاوز عددهم الأربعة ممن هم موثوقون وطنيا، فطريقة التهريب ذاتها تصلح وحدها كمادة سينمائية تحمل استثنائياتها بذاتها، إذ يتم تهريب كبسولة النطفة بطرق ابداعية عدة، مرة داخل ولاعة سجائر، وأخرى في خاتم مجوف خصيصاً لهذه الغاية، وفي داخل فلتر سيجارة وهكذا...
بعد ظهور الحمل تعلم مخابرات النازية بالأمر فهي تراقب باستمرار عائلات الأسرى وبخاصة زوجاتهم، فتعتقل أو تستدعي المرأة للتحقيق، وتعزل الأسير في زنزانة منفردة ضيقة وتمارس معه التعذيب الجسدي، وقد قضى بعض المناضلين عزلا لمدة وصلت إلى سنتين، كما تم زيادة أحكام بعضهم لسنوات طويلة، باختصار يصاب الصهاينة بالجنون مع نجاح أية عملية تلقيح عن بعد!
لا يمكن إذن أن تصل النطفة إلى يد السجان، فبمجرد افتراض معرفة لمس أي من النازيين لها تتلف وتلغى العملية.
جاء الفيلم الغبي بقصته وحبكته بعد فشل السجان المتكرر بإيقاف ذلك، ومحاولات من قبل المخابرات لتشويه المسألة وإثارة المجتمع وبث الشائعات ضد المرأة عبر ترويج العملاء لكذبة تثير المجتمع ضد الزوجة مفادها أنه حملت خلال لحظة ممارسة غير شرعية، طبعا تكون قد عزلت المعتقل فلا يمكنه الدفاع مباشرة عن زوجته المتهمة اجتماعياً، كما لا يمكن لمن ساهموا في العملية أن يفصحوا عن شهاداتهم سواء كانوا أطباء أو زواراً لأن ذلك يعرضهم لبطش النازيين الصهاينة .. على الرغم من ذلك، وبعد فشل الصهاينة في كبح إبداع النضال هذا ولسنوات، تم إنجاز فيلم "أميرة" وهذه أول تهمة تطاله، فمن الواضح أنه لم يأت هكذا صدفة بل بشكل مدروس من قبل بعض القائمين عليه، وأخرين تم خداعهم تحت بند ادعاء الجمالية والتشويق والفنتازيا.
ما ذكرته حول تهريب النطفة من حقائق يشكل وحده حالة درامية مشوقة وفريدة بحد ذاتها، فلماذا إذن يتم اللجوء لفكرة صبيانية تافهة وأقل درامية من الواقع ذاته؟ المسألة هنا سياسية لا فنية، فبعد فشل الاحتلال في كبح مسألة الإنجاب عن بعد بما تعنيه من استمرارية وديمومة وجود الشعب الفلسطيني، كان لا بد من توظيف محمد دياب للقيام بتشويه ذلك، وقد نفذ المطلوب بحرفية، لكنه خسر شرفه الفني وأمانته الأدبية وخسر حرية الفنان.
كنت شخصياً من أوائل من كتب عن الفيلم المذكور، واتفقنا شفهيا - عدة سينمائيين وأدباء- على فضح الفيلم المشبوه الذي يفضي إلى تحقيق حلم النازيين بتشويه عملية الولادة عن بعد بما تعنيه من ديمومة فلسطين وشعبها، وتبين بأنه تم ضخ الأموال منذ ما قبل كتابة السيناريو، وجرى الأمر بطريقة استخباراتية حيث أصر محمد دياب على أن يكتب السيناريو من قبله وبمشاركة أخيه وأخته، لعدم تسرب العملية من جهة ولحصد الأجر واحتكار الربح المالي ضمن العائلة فقط!
المدافعون عن هذا الفيلم القذر بدلالاته حملوا وكرروا بغباء مقولة حرية الفن، وكرروا اسطوانة ممجوجة بأن مهاجمي الفيلم لم يشاهدوه - نحن شاهدناه- معتمدين في ذلك على بوستات الفيس بوك وتويتر التي عبر شرفاء بسطاء، ولم يجرؤ أحد على نقاشنا كسينمائيين في الأمر، فنحن شاهدنا الفيلم، في البداية بعض أجزاءه وفيما بعد كاملاً، ومحصلته وخلاصته تودي بتقييمه باعتباره منجزاً استخباراتيا صهيونياً بقالب فني جيد !وبأيد عربية، وتم زج الفيلم المذكور في المهرجانات وحصد الجوائز، وكان من المفترض أن يدور في عدة مهرجانات عربية وعالمية بدعم صهيوني خفي ومن دكتاتوريات أنظمة التطبيع العربية.
الرد علينا كان تحت يافطة حرية الفن، وبعض الردود أتت ساخنة مستميتة في دفاعها، حتى أن أحد النقاد المصريين هاجمني شخصياً بطريقة شوارعية تشبيحية بلطجية وأرسل لي رسالة خاصة تحمل تهديدا مباشرا على طريقة إرهاب الموساد -الرسائل محفوظة وسيتم حفظ صور عنها في أرشيف الهدف وفي وزارة الثقافة الفلسطينية، ومنظمة التحرير- .
يمنع الاحتلال تسجيل أطفال الحرية أو ذهابهم إلى المدارس، وحتى تسجيلهم في النفوس، ويساهم فيلم أميرة بحملة مدروسة في هذا الأمر، ولكونه ينتهك حقوق الإنسان ويعد عملاً استخباراتياً تجلى فيلماً، ولهذه الاعتبارات التي تصنفه كاعتداء على الحرية والكفاح الإنساني وحقوق الإنسان بحسب القانون الدولي ذاته يستوجب ممنن منحوه جوائز سحبها، فإن حرية الفن تكمن في الإبداع والارتقاء، وليس بتشويه نضال إنساني أو قضية عادلة مقدسة، ولتحل اللعنة على بائعي أخلاقهم وفنهم بدولار بخس.

