Menu

في متطلّبات النهوضِ بدورِ اليسارِ في مساندةِ كفاحِ الشعبِ الفلسطينيّ

معاد الجحري

نشر هذا المقال في العدد 33 من مجلة الهدف الإلكترونية

شكّلَ تأسيسُ الجبهةِ الشعبيّةِ لتحريرِ فلسطين في دجنبر (ديسمبر) 1967، أحدَ العواملِ التي ألهمت انبثاق اليسار الجديد (الحركة الماركسيّة - ال لينين يّة) بمنطقتنا العربيّة المغاربيّة، إضافةً إلى عواملَ دوليّةٍ أخرى (الثورة الصينيّة وانتصارات حرب التحرير الشعبيّة في فيتنام والحركات الثوريّة للشباب في أوروبا، وخاصةً ماي 1968 بفرنسا...).

وشكّلَ هذا الحدثُ تحوّلًا فكريًّا وسياسيًّا نوعيًّا، حيث لأوّل مرّةٍ تمَّ تحديدُ العدوّ بوضوحٍ غيرِ مسبوقٍ في الثلاثيّ المكوّن من الكيان الصهيونيّ والإمبرياليّة العالميّة والأنظمة العربيّة الرجعيّة. كما أعطى هذا اليسار معنى عميقًا للقضيّةِ الفلسطينيّة، حيث عدّاها قضيّةً وطنيّةً؛ الأمرُ الذي يعني أنّ دعمَ الشعب الفلسطينيّ من طرفِ قوى التحرّر بمنطقتنا ليس مجرّد تضامنٍ إنسانيٍّ، بل نضالٌ ضدّ عدوٍّ مشتركٍ تمَّ غرسُهُ بهذهِ المنطقة، ويمثّلُ قاعدةً أماميّةً للإمبرياليّةِ العالميّة.

وها هي الأيامُ تؤكّدُ صحّةَ هذه النظرة الثاقبة. فقد تجاوزت أنظمة الفساد والاستبداد والتبعية سقفَ التطبيع مع العدوّ الصهيونيّ إلى عقد اتفاقيّات تعاونٍ عسكريٍّ معه، كما هو الحال بالنسبة للمغرب الذي قد يتحوّل إلى محميّةٍ للكيان الصهيوني والبقية تأتي.

وفي حين، ضاعف العدوّ الصهيوني من غطرسته وتماديه، وضاعفت الأنظمةُ الرجعيّةُ من توغّلها في مسار الذلّ والخنوع والإذعان وتراجع مستوى التضامن؛ بفعل حالة الانقسام في الصفّ الفلسطينيّ والتداعيات الخطيرة لاتفاقيّة أوسلو، وفساد السلطة الفلسطينيّة وتنسيقها مع العدوّ المُستعمِر، وكذلك بفعل التحوّلات التي طرأت على تركيبة اليسار نفسه بمنطقتنا. ذلك أنّ مكوّناتٍ كانت محسوبةً على اليسار اندمجت في البنية القائمة، وفقدت هُويّتها اليساريّة، وساندت اتفاقية التطبيع التي أقدمت عليها الدولة (حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبيّة وحزب التقدّم والاشتراكيّة في المغرب).

لهذه الأسبابِ وغيرها نجحت الإمبرياليّة والحركة الصهيونيّة في تحقيق اختراقٍ نسبيٍّ لنسيج بعض المجتمعات في منطقتنا، مستغلّةً التناقضاتِ الثقافيّةَ والإثنيّةَ ونظرةَ الأنظمة القائمة، وقوى وطنيّة في معالجتها.

وعلى العموم، فإنَّ مكوّنات اليسار بشقّيه الإصلاحي والثوري، مشتّتةٌ وقدرتها على الحشد ضعيفةٌ نسبيًّا، غيرَ أنَّ القضيّةَ الفلسطينيّةَ ما زالت متجذّرةً في وجدان شعوبنا؛ بفضل الروابط التاريخية التي تجمعها ونضالٍ مشتركٍ طويلٍ ضدّ الاستعمار والإمبرياليّة والصهيونيّة بدليل رفض الشعوب للتطبيع رغم مرور عقودٍ على تلك الاتفاقيات المشؤومة (الشعبين المصري والأردني نموذجًا) وبدليل الزخم الشعبي الذي يميّز التظاهرات المساندة لكفاح الشعب الفلسطيني في مختلف بلدان منطقتنا.

ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ دعم الشعب الفلسطيني ومناهضة التطبيع اليوم يعدّ - بعدما عبّرت الأنظمة بالملموس عن خيانتها للقضية - عنصرًا مهمًّا في إنضاج شروط الأزمة الثوريّة على مستوى البلدان المعنية ودكّ الأنظمة القائمة.

فما هي يا ترى متطلبات هذا المسار وسبل تفعيله بالنسبة لقوى اليسار بمنطقتنا؟

بدايةً نرى أنّ للقمّة العالميّة للشعوب دورًا مهمًّا في الدعاية ضدّ الإمبرياليّة والصهيونيّة، بتنظيم أسابيعَ خاصّةٍ بذلك، ومن خلال التكوين الشعبي في تونس وجنوب إفريقيا والبرازيل والنيبال وأمريكا. للتذكير فإنّ القمّةَ العالميّةَ للشعوب التي تقودها تنظيماتٌ ماركسيّةٌ وجذريّةٌ تأسّست على النضال المشترك ضدّ الإمبرياليّة والرأسماليّة، وضدّ الصهيونيّة والباترياركا، حيث علينا العملُ من خلال هذا الإطار الأمميّ وغيره لمضاعفة الجهود للتأثير في كلّ ملتقيات اليسار على الصعيد العالميّ، وعلى مستوى مختلف القارات وتحفيز مكوّناته على إعطاء كامل الأهميّة لمناهضة الصهيونيّة، ودعم الشعب الفلسطينيّ بمختلف الأشكال المتاحة، وعلى رأسها المقاطعة التي تقودها حركة البدس. ويحتاج اليسار الأوروبيّ إلى دعمٍ خاصٍّ؛ نظرًا لتراجعه والإرهاب الفكريّ الذي يعاني منه على يد الأنظمة والقوى اليمينيّة والحركة الصهيونيّة ووسائل إعلامها وإمكانيّاتها الضخمة. وعلى اليسار الماركسي بمنطقتنا أن يشكّل رأس الرمح في النهوض بهذا التيار العالميّ المنشود.

وعلى صعيد منطقتنا تشكّلت مجموعةٌ من القوى المعنية تضمُّ الجبهتين؛ الشعبيّة والديمقراطيّة (فلسطين) والنهج الديمقراطي (المغرب) وحزب العمال التونسي والشيوعي اللبنانيّ والوحدة الشعبيّة وحزب الشعب (الأردن) وحركة نستطيع (مورتيانيا) وأصدرت بياناتٍ عدّةً مهمّةً وقّعتها قوى يساريّةٌ أخرى، وهذه المجموعة تشكّل النواة الصُلبة لجبهةٍ تقدميّةٍ لمساندة كفاح الشعب الفلسطيني، ومناهضة الصهيونيّة والإمبرياليّة.

إنّ هذهِ الجبهة من وجهةِ نظري يجب أن تتشكّل في أمدٍ معقولٍ، ويجب أن تقوم بخطواتٍ عمليّةٍ ملموسةٍ لصالح القضيّة وتخرّجها من دائرة الخطابة والمزايدات اللفظيّة إلى مستوى تكبيد العدوّ الصهيونيّ خسائرَ اقتصاديّةً وسياسيّةً ومعنويّةً عبرَ المقاطعة الشاملة، وعبر الدعوة لأشكالٍ نضاليّةٍ موحّدةٍ في الزمان في مختلف الأقطار المستعدة، كالتظاهر أمام سفارات وقنصليات الأمم المتحدة أو بلدان أخرى في اليوم نفسه أو إضرابات عن الطعام رمزيّةً لقيادات القوى التقدميّة بهذه البلدان في التوقيت نفسه وهكذا...

وعلى مستوى كلِّ بلدٍ لا بدَّ من بناء جبهاتٍ لمناهضة الصهيونيّة ومساندة كفاح الشعب الفلسطينيّ من أجل حقوقِهِ المشروعة في عودة اللاجئين إلى ديارهم، وبناء الدولة الديمقراطيّة العلمانيّة على التراب الفلسطينيّ كافّةً تضمُّ القوى السياسيّة والنقابيّة والجمعويّة التقدميّة المؤمنة بذلك.

صحيحٌ أنّ هناك خلافاتٍ عميقةً في الاستراتيجيّة والتكتيك، تخترقُ صفوف اليسار لكن هناك قواسمُ مشتركةٌ مهمّةٌ على الأقلّ فيما يتعلّق بالقضيّة الفلسطينيّة، والتضامن مع الشعوب المضطهدة بصفةٍ عامة، لذا نرى أنّه من غيرِ المقبولِ أن تبقى القوى التقدميّة مشتّتة. وهذه الجبهات عليها أن تبني فروعًا لها في مختلف المناطق للعمل في عمق الشعب لصدّ الاختراق الإمبرياليّ الصهيونيّ الرجعيّ، وكسر محاولات التطبيع على المستويات الاقتصاديّة والثقافيّة والأكاديميّة والرياضيّة والتربويّة وغيرها كافةً، بتشكيل مجموعاتٍ متخصّصة. مع التأكيد على الأهمية البالغة لخوض الصراع على الواجهة الأيديولوجية والثقافية لتفكيك الأطروحات الصهيونيّة العنصريّة والرجعيّة التلفيقية.

أكثرَ من ذلك يمكنُ تصوّر بناء جبهاتٍ تضمُّ بالإضافةِ إلى القوى التقدميّة قوى معارضة وحيّة على أساس نفس التصوّر، وهي حالة المغرب في إطار الجبهة المغربيّة لدعم فلسطين وضد التطبيع.

أخيرًا وليس آخر، فإنّ اليسار الفلسطيني عليه أن يؤدي دور المحرّك والملهم لهذا النضال الغني والواسع جدًّا. لا يحتاج الوضع لتفريخ كياناتٍ أخرى، بل بالعكس نتطلّع لحدٍّ أدنى من الوحدة بين مكوّناته، وأن تنجح مبادراته في توحيد الصف الفلسطيني في إطار منظّمة التحرير الفلسطينيّة، التي تبقى إطارًا جامعًا وممثّلًا للكيانيّة الفلسطينيّة. وهذا إنْ حصل فسيشجّعُ طبعًا على البذل والعطاء وسيعطي شحنةً معتبرةً للتضامن. وستتحول معه حركة المقاطعة إلى حركةٍ عالميةٍ تحاصر الكيان العنصري في كل مكان. ومن نافلة القول: إنّ الشعوب هي الأساس، وإنّ التغيير لصالح الشعوب هو بكل تأكيدٍ من صنع الشعوب أنفسها. وقد تم إغلاق مكتب الاتصال للكيان الصهيوني بالمغرب في 23 أكتوبر من سنة 2000 بفضل الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى) التي اندلعت في 28 شتنبر (سبتمبر) 2000 والتظاهرات العارمة للشعب المغربي.