Menu

نشأة القوى السياسية العربية وتأثيرها في فاعلية حركة التحرر العربية

محمّد جبر الريفي

الظاهرة البارزة في تأسيس ونشأة القوي السياسية العربية بجميع أطيافها وتلاوينها هي غلبة الطابع النخبوي على تكوينها، حيث انطلقت من إطار المثقفين العرب على مختلف اتجاهاتهم السياسية والفكرية، فكان التنوع السياسي في خارطة الانتماءات السياسية والفكرية للأحزاب السياسية العربية من يمين ويسار، ومن يمين وطني ويمين ديني، ومن يسار قومي ويسار ماركسي، وهذا التشكل شيء طبيعي يمكن حدوثه، خاصة في دول العالم الثالث، لأن هذه النخبة السياسية انحدرت من رحم الطبقة البرجوازية الصغيرة بشرائحها الثلاث، العليا والوسطى والدنيا، في حين كانت الطبقات الاجتماعية الأخري كالعمال والفلاحين، بعيدة عن تكوين تنظيماتها السياسية وصياغة برامجها الفكرية، بسبب عدم استكمال شروط تكوينها بشكل طبيعي، كما حدث للطبقات الاجتماعية في الدول الرأسمالية الصناعية، وكذلك افتقار أفرادها للوعي السياسي، وقد أثرت هذه النشأة للقوى السياسية العربية تأثيرًا كبيرًا في فاعلية حركة التحرر العربية، حيث تعرضت أحزابها وفصائلها لكثير من الانشقاقات والانحرافات، فتفجرت الصراعات السياسية والفكرية وحتى الشخصية في الحركة السياسية الواحدة وظهرت الأجنحة وغيرها من مظاهر الانقسام وطغت الانتهازية والوصولية والنفاق السياسي وتكوين الشلل والارتباط بالمراتب القيادية العليا في العمل السياسي الحزبي، وبذلك أخفقت القوى السياسية العربية عن تحقيق أهدافها التي انطلقت من أجل تحقيقها، فلا الأحزاب الوطنية أنجزت هدف الاستقلال الوطني الكامل والخروج من إطار التبعية، من خلال أحداث عملية تنمية وطنية حديثة، ولا الأحزاب القومية، حققت الوحدة العربية، ولا أحزاب الإسلام السياسي، أقامت دولة الخلافة الإسلامية كهدف رئيسي في المشروع الإسلامي، أما الأحزاب اليسارية الماركسية، فلم تستطع الوصول للسلطة كأحزاب حاكمة، بسبب شيوع الثقافة الرجعية بين الجماهير الشعبية التي لها موقف نقدي من التفسير المادي الجدلي للتاريخ.

لقد فقدت القوى السياسية العربية (الأحزاب)، بحكم هذه النشأة قدرتها على التغيير، وقد جاءت هزيمة يونيو حزيران عام 67 لتؤكد على فشل برامج البرجوازية الصغيرة الحاكمة في الأنظمة الوطنية العربية على مواجهة المشروع الصهيوني العنصري وترابطه بالمصالح الراسمالية الكبرى، وقد أدى ذلك إلى تراجع المد القومي الذي كان تقوده، وكذلك أيضًا حدث بسبب هذا التراجع، تحول واضح في مزاجية الجماهير العربية التي مالت قطاعات كبيرة منها للالتفاف حول الظاهرة الأصولية التي أولت هي الأخرى اهتمامها بقضايا الخلافة والإمارة واتخاذ موقف سلبي من أطروحات فكر الحداثة وعدم بذل جهد حقيقي في تعميم فكر نهضوي يخرج الواقع العربي من حالة التخلف والتجزئة والتبعية، مما جعل الشارع العربي ينفض من حولها بعد التطرف التكفيري الذي طغى على بعض تنظيماتها السلفية المتشددة، ليقوم هو بنفسه بالمبادرة في عملية التغيير المطلوبة التي أصبحت مهمة عاجلة، بسبب تفاقم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الطاحنة، وكان هذا الحراك الشعبي يمليه الواقع، بعد تراجع فاعلية الأحزاب الوطنية والقومية، وأيضًا بعد انغماس الأحزاب الأصولية في موضوع الصراع على السلطة واعطائه الأولوية على موضوع الجهاد، خاصة في مناطق الصراع الأساسية في فلسطين المحتلة.

لقد تحرك الشارع العربي أيضًا، وفي وقت حصل فيه غياب للمؤسسة العسكرية الوطنية العربية للقيام بدورها السياسي، من خلال تنظيمات الضباط الأحرار، وقد أضحت بشكل ملفت هذه المؤسسة الآن (الجيش)، منحازة للدفاع عن الأنظمة السياسية، بحجة حماية الدولة الوطنية من التفكك والانهيار على أيدي التنظيمات الإرهابية، وذلك بعد أن كانت تقوم في فترة الخمسينات والستينات، بدور الانقلاب العسكري على الأنظمة الاستبدادية، مما فتح الطريق لبروز ظاهرة ما سمي بثورات الربيع العربي التي انطلقت من الشوارع والميادين، وكانت شعبية وعفوية، ولم تفجرها الأحزاب السياسية العربية، ولكن فجرها الشباب العربي الغاضب على حالة البؤس الاجتماعية والسياسية والاقتصادية العربية، وكان انخراط القوى السياسية متأخرًا بها، خاصة التنظيمات التكفيرية وقوى المعارضة المسلحة التي يدعمها الغرب سببًا من أسباب أنحرافها وعدم تحقيق أهدافها في تعميم الديموقراطية، وهذه النتيجة التي آلت إليها ثورات الربيع العربي هي ما تؤكده الأزمة السورية الآن، والتي مضى عليها سنوات طويلة ودون وجود أي أمل قريب في وجود حلولًا لها، بسبب تعدد الأطراف المتصارعة واختلاف مصالحهم، وكذلك الصراع الدائر في اليمن وليبيا وعدم الاستقرار السياسي والأمني في مصر وتونس وتحول المنطقة العربية إلى حالة فوضى سياسية وأمنية وحروب بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية.