المجلد الأول [1]
الحلقات من (7 – 11)
من الكمي إلى الكيفي:
يرشدنا المنهج العلمي إلى حقيقة مهمة في تاريخ تطور المجتمعات البشرية والحضارات، هي ان التراكمات الكمية ضمن مجرى هذا التاريخ يمكن ان تتخذ اشكالاً مختلفة في تحولها الكيفي. يمكن، مثلاً، ان تتحول إلى كيفية سياسية، أو اجتماعية، أو فكرية نظرية، أو إلى نوع من العنف الثوري.
لقد تابع انغلز اشكال المعارضة الثورية لاقطاعية القرون الوسطى كلها، فوجد ان الظروف الزمنية، كانت تظهر هذه المعارضة حيناً في شكل تصوف، وحيناً في شكل هرطقات سافرة، وحيناً في شكل انتفاضات مسلحة.
ان شكل التحول الكيفي في هذا المجتمع أو ذاك، وفي هذا الزمن أو ذاك، انما تحدده طبيعة الظروف الملموسة في الواقع الملموس.
وربما كانت الظروف هذه مؤهلة وناضجة احياناً لحدوث تحولات كيفية مختلفة الاكل في وقت واحد، أي قد تجتمع في ظروف معينة تحولات سياسية واجتماعية وفكرية معاً، قد ترافقها انتفاضات مسلحة، وقد تأتي هذه التحولات تمهيداً لانتفاضات مسلحة، وقد يستغني بها التطور عن أشكال العنف الثوري كلياً.
هذه الحقيقة المهمة، نستطيع ان نرى في ضوئها حركة التراكمات التي كان علم الكلام الشكل الفكري الأكثر تقدماً بين أشكال تحولاتها الكيفية في المجتمع العربي – الاسلامي خلال القرنين السابع والثامن الميلاديين. [2]
بدأت حركة هذه التراكمات الكمية احداثاً متلاحقة بعد موت النبي مباشرة، تجلت أول الأمر صراعاً على منصب الخلافة، ثم تجلت صراعاً على المكاسب المادية التي اتاحها منصب الخلافة في عهد عثمان بن عفان لبني أمية، ثم صراعاً بين علي ومعاوية بعد مقتل عثمان اشعل حربين اثنتين: حرب الجمل، وحرب صفين.
وأعقب ذلك كله قيام أول دولة عربية في القرون الوسطى يتجلى بها مفهوم الدولة بالمعنى الحضاري بالنسبة لعصرها، هي الدولة الاموية.
لقد كانت دولة بني امية هذه أول تحول كيفي لتراكم الاحداث الصراعية التي سبقتها، وهو -بالدرجة الأولى- شكل سياسي لهذا التحول دعمه شكل اقتصادي واجتماعي ثم نشأ عنه شكل فكري.
فمن حيث دخول سلطة الحكم الاموي طرفاً مشاركاً في نظام العلاقات الانتاجية الاقطاعية وحامياً لهذا النظام وعاملاً في تطويره وتجديد قواه المنتجة، في بلاد الشام بالاخص، فان ذلك قد حدد الشكل الاقتصادي لهذا التحول الكيفي، وفي الوقت نفسه حدد الشكل الاجتماعي له، لان توجه الدولة الاموية في اطار علاقات الانتاج الاقطاعية اقتصادياً، قد حدد بالضرورة طابع العلاقات الاجتماعية والنظام الاجتماعي.
ومن حيث ظهور النظريات الثلاث الرئيسة الأولى المتصارعة: نظرية الامويين، ونظرية العلويين، ونظرية الخوارج، في اعقاب التراكم الصراعي السابق ومن خلال حربي الجمل وصفين، فان ذلك قد حدد الشكل الفكري لتحولات ذلك التراكم نفسه.
ولكن وحدة المقولتين: الكمية والكيفية، حين تتحقق بمثل هذا التحول، لا يمكن أن تقف عند هذا الحد، أي لا يمكن أن تتجمد حركة العلاقة الديالكيتكية المتبادلة بين الكمية والكيفية ووحدتهما، فان التغير الدائم هو الجانب الثوري الاساسي لديالكتيك هذه العلاقة.
ومعنى ذلك ان كل كيفية تخضع هي نفسها لتغيرات كمية مستمرة تنتهي إلى تحولات كيفية جديدة وهكذا.
وبالفعل رأينا كيف اخذت تحدث ضمن علاقات الانتاج الاقطاعية، وضمن السيطرة السياسية للدولة الاموية، تناقضات جديدة ذات طوابع جديدة، فلم نصل إلى عهد عبدالملك بن مروان، في دولة الامويين، حتى رأينا هذه التناقضات قد اخذت تحتدم اكثر فأكثر، لكي تتحول تراكماتها الكمية إلى كيفيات جديدة ذات اشكال مختلفة: سياسية، واجتماعية، وفكرية ونظرية، ترافقها انتفاضات مسلحة.
حددنا أبرز السمات لكل من هذه الاشكال، ولكن الشكل الفكري والنظري، الذي هو موضوعنا ، يحتاج في هذه المرحلة من البحث إلى رؤية جديدة تضعه في مكانه من حركة الواقع التاريخي للمجتمع العربي- الاسلامي في العصر الاموي. [3]
"علم الكلام" بدأ أول الأمر "كلاماً" في مسألة القدر، ولم يكن علماً حينذاك، بل كان شكلاً فكرياً من أشكال التحول الكيفي لتراكمات النقمة الاجتماعية، أي نقمة جماعات الموالي وشغيلة الأرض وصغار مالكي الأرض وشراذم من العبيد هنا وهناك يعملون اما في الأرض أو في الخدمات العامة، وعدد كثيف من الفقراء والمعدمين في المدن ومنهم صغار الكسبة ومستخدمو المحلات الحرفية.
ففي الوقت الذي كانت تتفجر فيه الانتفاضات المسلحة بوجه الحكم الاموي في مناطق عدة ومتباعدة من الامبراطورية الوسيعة، كانت مدرسة الحسن البصري ومن تفرع عنها من مثقفين ومفكرين ومن علماء بارزين في علوم العريضة والشريعة، يتخذون شكلاً آخر لمعارضة السيطرة السياسية المطلقة الاموية ولمعارضة ايديولوجيتها الجبرية المطلقة أيضاً.
لقد كان صوت الحسن البصري وواصل بن عطاء ومعبد الجهني وغيلان الدمشقي وامثالهم، اول صوت للفكر العربي – الاسلامي يرتفع ليتحدى الفكر الرسمي، ويتحدى جبرية الفئة المسيطرة اقتصادياً وسياسياً، مجاهراً ان: لا قدر يحكم ارادة الانسان حكماً جبرياً مطلقاً.
في سياق هذه المعارضة الفكرية المرتبطة، أساساً، بالمعارضة الاجتماعية – السياسية، كانت مسائل جديدة تطرحها حركة تطور المجتمع الجديد امام الفكر المعارض كلما تراكمت الاسباب الدافعة للمعارضة من جهة، وظروف التطور الاجتماعي الدافعة لتعميق النظر أكثر فأكثر في هذه المسائل المطروحة، من جهة ثانية.
على أساس مسألة القدر، من حيث علاقتها بقضية حرية الانسان في اختيار افعاله ، وعلاقة هذه القضية بالموقف من السلطة السياسية القائمة حينذاك، تحركت قضايا الصراع الاجتماعي – السياسي كلها، ولكن باشكالها الفكرية ذات الطابع التركيبي الجديد القائم على النظر العقلي التأملي المجرد. [4]
ومن أهم هذه القضايا: حكم مرتكب الكبيرة، العلاقة بين العقل والايمان، مفهوم العدل في الاسلام، الموقف من الحاكم الجائر، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومفهوم تنزيه الله وتوحيده الخ.
لقد بقيت المباحث التي عالجت هذه القضايا وما يدور في اطارها، خلال عشرات السنين منذ اثيرت مسألة القدر أول مرة، مباحث متفرقة ومتوزعة بين مباحث الفقه واصول الفقه، واحياناً مباحث الفلسفة والتصوف وعلوم الطبيعة دون تحديد "لهويتها" العلمية، ودون ترابط بينها، حتى بلغ تطور الفكر العربي مرحلة القدرة على مثل هذا التحديد والتمييز.
حينذاك انتقلت هذه المباحث من وضعها التراكمي الكمي إلى كيفية محددة متميزة بحيث صنفت علما مستقلاً باسم "علم الكلام"، أي انها بذلك دخلت مرحلة التصنيف العلمي التي دخلها الفكر العربي بجملته، وهي مرحلة متقدمة بالفعل، اذ لم تكن قبل ذلك تعرف الفوارق الاساسية بين علم وعلم في الغالب، فكثيراً ما كانت تضيع الحدود ، مثلاً، بين الفقه واصوله واصول الدين، او بين النحو والبلاغة والأدب، أو بين الحديث والتفسير والتاريخ والتراجم.
ذلك لانه لم تكن لكل علم حدوده ومفاهيمه ومولاته المميزة الواضحة، من هنا رأينا اسم "علم الكلام" كمصطلح خاص يتأخر في الظهور ولا يتردد في الكبت والجدل والمعارك الفكرية الا من عصر المأمون، أي بين نهاية القرن الثاني بداءية القرن الثالث الهجريين (القرن التاسع الميلادي).
نرجح ان اسم "علم الكلام" كمصطلح خاص يدل على هذا العلم الذي استقل بموضوعاته ومقولاته ومفاهيمه وضوابطه، قد اطلق تثبيتا و"تكريساً" لتعبير عام كانوا يستخدمونه، عفوياً، حين يتحدثون عن بحث مسألة من هذه المسائل التي أصبح ينتظمها هذا العلم.
اظهرت لنا الادلة التاريخية ان حركة التدوين والتأليف عند العرب بدأت في القرن الأول الهجري (=السابع). ان هذا يعني ان حركة التأليف في المسائل الكلامية بدأت منذ ذلك العهد. [5]
لان أهم المسائل الفكرية التي كان يدور عليها الجدل وتشتد حولها المعارك المذهبية والايديولوجية منذ النصف الثاني لذلك القرن، هي تلك المسائل التي اثيرت حول حرية اختيار الانسان افعاله وما تلاها من مسائل العدل والصفات ومفهوم الايمان وعلاقته بالعقل ومرتكب الكبيرة الخ.. وهذه جميعاً هي مسائل العلم الذي صار اسمه بعد ذلك "علم الكلام".
غير انه من المثير للاسف ان يكون ما ألف في ذلك العهد من مسائل الكلام ومن مؤلفات المعتزلة بالاخص، لم يصل حتى إلى العصر الذي جاء بعد عصره مباشرة، أي العباسي، والا لوصلنا بطريق العصر العباسي شيء من مؤلفات الكلام والمنطق في العهد الاموي.
هذا الواقع التاريخي يثير التساؤل المشروع عن سبب ضياع هذه المؤلفات. ونرجح ان يكون السبب هو كون الفكر المعتزلي، في ذلك العهد، اخصب نتاجاً وأكثر انتشاراً واجتذاباً لناس مجتمعه، لانه أكثر تحدياً للفكر الرسمي الاموي.
ولذا نرى انه ليس ببعيد ان تكون السلطة السياسية السائدة يومئذ والفئات الفكرية الموالية لها، قد تعاونت على طمس نتاج هذا الفكر، بل اعدامه كما يظهر، بحيث لم نستطع ان نتعرف عليه الا من مؤلفات خصومه بالاغلب.
أما ما بعد منتصف القرن الثاني الهجري (الامن الميلادي)، ومنذ خلافة المأمون بخاصة، فقد نشطت حركة التأليف في علم الكلام إلى حد يكاد يصح معه القول ان مؤلفات هذا العلم والمعارك الفكرية التي تثيرها هذه المؤلفات أصبحت الظاهرة الأكثر بروزاً لمجمل الحركة الفكرية حينذاك.
وبقي الأمر كذلك حتى ظهور الفلسفة كعلم منفصل عن علم الكلام، بل كطرف مقابل له، وكسلاح ايديولوجي من نوع جديد أكثر تقدماً منه.
ان مصدر هذا النشاط الملحوظ لحركة التأليف الكلامي في تلك المرحلة، هو احتدام المعركة فيها بين المعسكرين الرئيسين اللذين احتلا ساحة علم الكلام كلها تقريباً: معسكر المعتزلة، معسكر الاشاعرة. [6]
مع تعريفات علم الكلام:
ما حقيقة علم الكلام؟. ما مقوماته ومنهجه؟. ما مقولاته المميزة ومبادئه الأولية؟. ثم من "المتكلمون" في الاسلام: هل هم المعتزلة وحدهم؟، هل هم الاشاعرة وحدهم؟، هل هم المعتزلة والاشاعرة معاً دون غيرهم، ام يضاف اليهم الشيعة والخوارج والمرجئة وغيرهم؟.
كيف نجيب عن هذه الاسئلة إجابة علمية تسندها الوثائق والمصادر التاريخية؟
أول ما يبدو في ذهن الباحث، وهو يحاول ان يشق طريقه إلى هذه الاجابة، هو ان يرجع إلى تعريفات هذا العلم كما وردت في مؤلفات العلماء المنتسبين اليه أو الذين ارخوا له، أو الباحثين فيه، من القدماء والمتأخرين، ذلك ان المفترض في تعريف كل علم ان يكون مرجعاً صالحاً للكشف عن "هويته" بدقة، لان تعريف العلم هو الصيغة الأكثر تركيزاً ودقة في تحديد الخطوط الأساسية لحقيقته.
اقدم ما وصل الينا من تعريفات هذا العلم، وهو لابي نصر الفارابي كل ما يقوله الفارابي في تعريف "صناعة الكلام" ان هذه الصناعة "ملكة يقتدر بها الانسان على الآراء والافعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة، وتزييف كل ما خالفها بالاقاويل".
هذا الكلام لا يفيدنا شيئاً في الاجابة عن الاسئلة التي تواجهنا.. فهو كلام لا يحدد سوى الغاية من علم الكلام، وهي نصرة الآراء والافعال المصرح بها عند صاحب الشريعة. اما مقومات هذا العلم، وأسسه ومبادئه العامة فليس في هذا التعريف اشارة اليها اطلاقاً.
ولكن الفارابي يعقب على هذا العريف مباشرة بأمرين: اولهما، التفريق بين علم الفقه وعلم الكلام، وثانيهما: عرض "الوجوه والآراء التي ينبغي ان تنصر بها الملل".[7]
وخلاصة الفرق من العلمين عند الفارابي ان مهمة "الفقيه" هي آخذ آراء صاحب الشريعة وافعاله أموراً مسلما بها ليجعلها اصولاً يستنبط منها ما ينبغي استنباطه، في حين ان مهمة "المتكلم" مجرد نصرة الاشياء التي استعملها "الفقيه" أصولاً للاستنباط.
أما كيف تكون نصرتها فذلك ما أوضحه في الأمر الثاني. ولكن الفارابي لم يضع منهجاً معيناً، بل اكتفى بوصف أربعة "مناهج" كان قد استخدمها أربعة فرقاء من المتكلمين دون أن يقول رأيه فيها:
أولهما، منهج الذين يرفضون العقل طريقاً لنصرة عقائد الدين.
وثانيها: منهج الذين يقارونون هذه العقائد بـ"المحسوسات والمشهورات والمعقولات"، فان وجدوها مطابقة لها استخدموها في نصرة العقائد، وان وجدوا بين هذه وتلك تناقضاً حاولوا تأويل الالفاظ المعبرة عن العقائد تأويلاً يرفع التناقض، فان هي قبلت هذا التأويل فعلوه، وان لم يمكن التأويل حاولوا "تزييف" المحسوسات أو المشهورات أو المعقولات، أي حملها على وجه تتوافق به مع العقائد، فان امكنهم ذلك فعلوه، وان كان هناك تضاد بين المحسوسات أو المشهورات أو المعقولات نفسها اخذوا منها بما يكون متوافقاً مع العقائد واطرحوا الاخر.
اما المنهج الثالث، فهو الذي ياخذ اصحابه بأسلوب تتبع كل "شنيعة" في العقائد الاخرى لمهاجمتها وفضحها. وبذلك ينصرون عقائد ملتهم!
والمنهج الرابع، هو طريق من ينصرون ملتهم بتحسينهاعند الاخرين مهما اتفق الأمر، أي حتى أو اقتضى ذلك استعمال "الكذب والمغالطة والبهت والمكابرة).
اذن، لا نجد عند الفارابي سوى هذا الوصف العام الغائم الذي لا يحدد شيئاً.. هذا من جهة، ثم هو -من جهة اخرى- يضع مسألة المنهج الكلامي على نحو لا نرى به المعتزلة في مكانهم الحقيقي بين المتكلمين: اين هم المعتزلة في منظور الفارابي؟
لعلنا نجدهم بين اصحاب المنهج الثاني، ولكن الصوروة هنا مهتزة لا تنعكس فيها ملامح مذهبهم العقلي كاملة وواضحة. [8]
وبعكس ما وجدنا عند الفارابي، نجد في التعريفات الاخرى حصراً لعلم الكلام في الاشاعرة، أو في المعتزلة، والواقع ان النصوص المعتزلية الاصلية التي وصلتنا لهم مباشرة، قليلة، بل نادرة، وفي هذا الموضوع لم نحصل على غير نص واحد للخياط يقول فيه: "لتعلم ان الكلام لهم (يقصد المعتزلة) دون سواهم".
اما بقية التعريفات فهي اشعرية، وفيها كلها نرى علم الكلام علما اشعرياً خالصاً، كان لم يكن للمعتزلة به صلة قط، وكان لم يكن لغير أهل السنة مشاركة في هذا العلم اطلاقاً.
فلننظر، مثلاً، في تعريف الغزالي أبي حامد وهو يوضح "مقصود علم الكلام" قائلاً: ".. وانما مقصودة حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها عن تشويش أهل البدعة. (...) ثم القى الشيطان في وساوس المبتدعة أموراً مخالفة للسنة، فلهجوا بها وكادوا يشوشون عقيدة الحق على أهلها، فانشاء الله طائفة المتكلمين وحرك دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتب يكشف عن تلبيسات أهل البدعة المحدثة على خلاف أهل السنة المأثورة ومنه نشأ علم الكلام واهله، الخ..".
فاذا أخذنا بكلام الغزالي هذا، بدلالته الواضحة، كان معنى ذلك ان تاريخ علم الكلام يبدأ من حيث بدأ ابو الحسن الاشعري مذهبه المناهض لمذهب الاعتزال، وان كل ما عالجه المعتزلة من مباحث كلامية قبل هذا التاريخ يجب ان نمحوه من تاريخ علم الكلام. وعلى مجرى الغزالي هذا جرى ابن خلدون في تعريفه علم الكلام. فهو يبدأ التعريف هكذا:
"علم الكلام هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الايمانية بالادلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف واهل السنة".
ثم نتتبع شرحه لهذا الكلام، فاذا به يعني بـ"المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة" كلا من المشبهة والجسم والمعتزلة والامامية. [9]
مرحلتان نقيضتان:
اذن، علينا ان نترك ادعاء كل من المعتزلة والاشاعرة حصر علم الكلام في اطار خاص محدود بحدود هذا المذهب أو ذاك، وان ننظر للتاريخ وللحقيقة التاريخية في حكتهما الواقعية بمختلف ابعادها.
اذا نحن فعلنا ذلك وتابعنا علم الكلام في مسيرته الطويلة، من عهد مؤسس مذهب الاعتزال واصل بن عطاء (- 131ه / 748م)، حتى عهد اشهر المتكلمين السلفيين المتأخرين ابن تيمية (661 – 728ه / القرن الرابع عشر الميلادي)، فاننا يمكن ان نستخلص امرين أساسيين:
أولاً- ان علم الكلام ينتظم جملة المسائل ذات الشكل الديني – العقائدي التي اثارتها أنواع الصراع الاجتماعي – السياسي في المجتمع العربي – الاسلامي منذ عهد الخلفاء الراشدين، ثم تحولت إلى مركبات من الافكار عن عالم ما وراء الطبيعة حتى كادت تحتجب ابعادها الاجتماعية وراء ضباب من التجريدات، مضافة إلى نظرات ذات اتجاه فلسفي عن العلم الطبيعي من زاوية نظر لاهوتية.
وقد تعددت الفرق والمذاهب الكلامية على مدى تلك المسيرة الطويلة لهذا العلم ولكن المسائل التي تعالجها هذه الفرق والمذاهب، أو تختلف عليها، بقيت هي ذاتها مدار المعالجة والخلاف.
على ان المنطلقات الاساسية لاختلاف الآراء في كل من هذه المسائل، او في بعضها ، أو في مجموعها، كانت دائماً – اذا نظرنا إلى أبعد من الظاهرات الشكلية للافكار – منطلقات واقعية اجتماعية ، أي انها ناشئة، بأبعد جذورها، عن مواقع اصحاب هذه الافكار في التركيب الاجتماعي العام لمجتمعهم.
ثانياً- ان علم الكلام قطع مرحلتين رئيستين خلال تلك المسيرة التي استغرقت نحو ستة قرون: مرحلة علم الكلام المعتزلي، ومرحلة علم الكلام الاشعري.
ونحن لا ننسى، في هذا التصنيف، انه كانت هناك نزعات وافكار ومعالجات كلامية ليست معتزلية، وليست اشعرية، وهي التي ظهرت، مثلاً، عند فرق الشيعة الامامية في مسائل الامامة بالاخص، أو عند الخوارج أو المرجئة أو الجبريين الجهميين، أو عند المشبهة والمجسمة والحلوليين، أو عند أصحاب النزعة السلفية كابن تيمية وامثاله.
غير ان التصنيف إلى المرحلتين المذكورتين انما بنيناه على مراعاة الاتجاه العام والأساسي لعلم الكلام في تاريخه كله.
ان دراسة علم الكلام على اساس الاتجاه الفكري والايديولوجي لا بد ان تصل بنا إلى هذا الاستنتاج، أي رؤية اتجاهين رئيسين تقاسماً تاريخ هذا العلم إلى مرحلتين متعاقبتين ومتعارضتين بقدر ما بين اتجاه الفكر المعتزلي من تعارض مع اتجاه الفكر الاشعري. [10]
مرحلة علم الكلام المعتزلي:
في منهج "الكلام" المعتزلي:
حركة المعتزلة قد اتسمت، منذ بداءتها وعلى مدى مراحل تطورها، بسمتين بارزتين: سمة المعارضة للفكر وللايديولوجية السلفيين، وسمتها الثانية ليست سوى المنهج الذي استخدمته هذه المعارضة.
ان هذا المنهج بذاته هو الجانب الثوري للمعارضة، نعني به المنهج العقلاني الذي كان اتجاهه البارز "عقلنة" مسائل ميتافيزيقاً الاسلام كلها، ووضع العقل البشري في المكانة الأولى من قضية المعرفة.
غير أن هذا الاتجاه كان ينطلق أساساً من قضية اخرى لعلها، في ظروفها التاريخية، كانت أكثر ارتباطاً بالواقع الاجتماعي، هي قضية حرية العقل في التفكير دون ان يقيده قدر سابق.
وذلك لتوكيد حرية ارادة الانسان في التنفيذ دون ان تقيدها ارادة سابقة.
ان النظر إلى حركة المعتزلة من هذه الزوايا المتصلة بعضها ببعض، جدلياً، كفيلة بأن تكشف الوجه الثوري التاريخي لهذه الحركة.
صحيح ان المعتزلة كانوا يعالجون المسائل الكلامية بطريقة عقلية تأملية مجردة غالباً، وان هذه الطريقة كانت تسيطر على مباحثهم اكثر فأكثر كلما ازدادوا اتصالاً بالفكر الفلسفي اليوناني، وكلما تعددت وتنوعت وتعمقت المسائل المطروحة امامهم.
وصحيح ايضاً ان الصبغة "اللاهوتية" طبعت مادة الفكر المعتزلي بطابعها المعروف حتى ما كان منه بحثاً في عالم الطبيعة، كمسألة الجهر الفرد، أو "المسألة الذرية" -نقول: صحيح ذلك كله، ولكنه، أولاً، كان هو طابع الظروف التاريخية نفسها، أي ظروف سيطرة المعارف الدينية وتأثيرات فعل الاسلام في المجتمع.
وثانياً لم يكن ممكناً لاية حركة فكرية ثورية حينذاك ان تتجلى ثوريتها بغير هذ الشكل وبغير هذه الطريقة.
وثالثاً انه ما كان شيء من ذلك كله مستطيعاً ان يخفي الطابع الاخر للفكر المعتزلي، وهو طابع المعارضة للنظر الايماني الغيبي المطلق ولفكرة تقديم الايمان على العقل ولفكرة سيطرة الحتمية القدرية المطلقة على حركة الفرد والمجتمع وخيارات الفعل البشري.
وينبغي هنا ان نسجل ملاحظة ذات شأن تتعلق بالمركز الاجتماعي للمعتزلة ، هي انهم لم يكونوا يؤلفون ، بوصف كونهم معتزلة، فئة اجتماعية مستقلة منفردة، لا في المجتمع الاموي ولا في المجتمع العباسي. وانما كانوا جزءاً من تلك الفئة الكبيرة التي نشأت في المجتمع العربي – الاسلامي خلال تطوره الاجتماعي والثقافي، نعني بها فئة أهل الفقه والحديث والتفسير وما يدور حولها من علوم العربية والمنطق.
فقد كان كل واحد من علماء الكلام المعتزلي كغيرهم من الشيعة والخوارج والمرجئة وأهل السنة، معدوداً من الفقهاء او المحدثين أو المفسرين أو النحويين، او معدوداً من هؤلاء جميعاً.
وهذه الفئة الكبيرة، بالرغم من انها لم تكن منفصلة عن الاحزاب موازية لها، بل كانت الجزء الدينامي فيها، كانت مع ذلك متميزة ضمن الاحزاب بكونها ذات تأثير خاص في الرأي العام، وقد اكسبها هذه المركز امكانية التجاوب والتفاعل مع الحركات الاجتماعية والسياسية، على اختلاف نزعاتها، داخل صفوف الرأي العام.
من هنا كان الصراع الايديولوجي لا يقل احتداماً عن الصراع السياسي المباشر، ومن هنا أيضاً يظهر لنا اليوم كم كانت مواقف المعتزلة، في المعركة الايديولوجية التي خاضوها، حاجة تاريخية وعاملاً من عوامل التطور في تلك المرحلة.
ان هذا الدور التاريخي للمعتزلة يمثل، في الواقع، المرحلة الايجابية الثورية لمباحثهم الكلامية، لا من حيث قيمتها بذاتها، بل من حيث الفعل التاريخي الذي احدثته، بفضل ما كان يتميز به الوضع الاجتماعي العام من قابلية التجاوب مع الفكر المعارض لايديولوجية النظام القائم أولاً، وبفضل الجاذبية الخاصة التي يتميز بها علم الكلام المعتزلي ثانياً.
وجاذبيته هذه ناشئة من كونه يتعرض لجذور المبادئ والمسائل التي تقوم عليها ايديولوجية الخلافة أساساً، وقد كان تأثيره في زعزعة هذه الجذور أشد من حروب الخوارج ، رغم عنفها، بل ربما بسبب من عنفها، كما يمكن القول. [11]
اذا كنا رأينا، في ما سبق، وجها ثوريا لعلم الكلام المعتزلي يتمثل في منهجه، ذاته، أي في جانبه "العقلاني"، فان ذلك ينبغي ان لا يحجب عنا جانبه الاخر الذي يضع علم الكلام المعتزلي ضمن الاطار العام للايديولوجية اللاهوتية الرسمية، دون ان يخرج عليها.
ان الفكر المعتزلي يقوم على مبدا التنزيه المطلق للذات الالهية، وهو مفهوم التوحيد "الرسمي". وهذا يتضمن وحدانية الحقيقة. وهي الحقيقة الدينية، أي الشريعة ذات المصدر الالهي الأوحد: وهذا هو الأساس لايديولوجية الطبقة الحاكمة في دولة الخلافة الاسلامية.
ذلك ان دولة الخلافة، من حيث كونها دولة الاسلام، تضع نفسها في مكان الممثل الشرعي الوحيد للنظام الاجتماعي الذي تحدده الشريعة الالهية.
على هذا الاساس تترتب معادلة ذات صورة منطقية تنتج المستند "النظري" الاسلامي لمفهوم "الحق الالهي" في الحكم المطلق. وهذه المعادلة تأتي على الوجه التالي:
النظام الاجتماعي الذي تؤيده الشريعة هو نفسه نظام دولة الخلافة. هذا أولاً. والشريعة التي تؤيد هذا النظام شريعة الهية، فهي مقدسة اذن. هذا ثانياً. والنتيجة "المنطقية" لهذا وذاك، ان نظام حكم الخلافة نفسه نظام مقدس.. واضفاء طابع القداسة الدينية على حكم دولة الخلافة، يمنح الطبقة الحاكمة في مجتمع الخلافة حق السيطرة المطلقة، التي تعني ان الاعتراض عليها او الخروج عن طاعتها، فضلاً عن الثورة بها، ليس له من مدلول "حقوقي" في تشريع هذا الحكم سوى "الهرطقة" الدينية، فهو اعتراض على حكم الله، وهو خروج عن طاعة "أولى الامر" التي فرضها الله، فكيف اذا تطور ذلك إلى ثورة؟.
شاء المعتزلة هذه المعادلة ونتيجتها "المنطقية" تلك ام لم يشاؤوا.. فكروا فيها ام لم يفكروا .. فالمسألة ليست منوطة بمشيئتهم اياها أو عدم مشيئتهم ، ولا في تفكيرهم فيها أو عدم تفكيرهم، وليست منوطة ايضاً بأن هذا المضمون للفكر المعتزلي صحيح أو غير صحيح .
فلسنا بصدد الحكم في صحة ذلك أو عدم صحته. وانما المسألة التي نحن بصددها هي ان علم الكلام المعتزلي من حيث دلالته الايديولوجية ومن حيث علاقة هذه الدلالة بأيديولوجية سلطة النظام القائم لدولة الخلافة، اذا نظرنا اليه من خلال منهجه العقلاني بذاته كان تقدمياً بالقياس إلى موقعه التاريخي. واذا نظرنا اليه من خلال مضمونه الايديولوجي كان مؤيداً وسنداً "نظرياً" لتلك الايديولوجية. غير ان المنهج العقلاني الذي كان هو الامر الجديد المسيطر في اتجاه علم الكلام. المعتزلي، يبقى له وجهه التقدمي الغالب عليه، لانه كان الصدمة المؤذية للايديولوجية السلفية في عصره. [12]
علاقة المعتزلة بالمأمون:
تعترضنا، في هذا المجال، مسألة جديرة بالبحث الجدي. هي مسألة العلاقة بين المعتزلة وسلطة الخلافة في عهد المأمون العباسي.
فان الجالس على عرش السلطة الرسمية حينذاك قد احتضن مذهب المعتزلة إلى حد انه أصبح المذهب الرسمي لدولة الخلافة مدى عهود ثلاثة من الخلفاء العباسيين.
ان هذا امر يدعو للشك في صحة ما زعمناه لعلم الكلام المعتزلي من انه كان يحمل راية المعارضة الفكرية والايديولوجية لسلطة الدولة.
وربما يؤيد هذا الشك ان خصوم المعتزلة هم الذين حملوا راية المعارضة هذه خلال أكثر من ستة عشر عاماً، في حين كان المعتزلة يدفعون سلطة الدولة لاضطهاد خصومهم حتى جسدياً.. فهل ذلك يعني تغييراً في أيديولوجية الدولة، ام يعني تغييراً في ايديولوجية المعتزلة؟.
منهجنا العلمي يحذر من وضع الآراء والاحكام بصورة مطلقة. ذلك بأن الاطلاق، أساسا، موقف سكوني ميتافيزيقي يناقض المنهج الدياليكتيكي وحركية الحياة الدينامية نفسها.
وعلى هذا نقول انه ليس بالضرورة ان تكون كل معارضة للسلطة معارضة تقدمية، او ثورية بوجه مطلق. وليس بالضرورة كذلك ان تكون كل سلطة قائمة للدولة هي سلطة رجعية بوجه مطلق.
ذلك من حيث المبدأ، أما مسألة هذه العلاقة التاريخية المتميزة التي اتفق حدوثها بين المعتزلة وسلطة الدولة العباسية في خلافة المأمون، واستمرت في خلافتي المعتصم والواثق، فهي مسألة بقيت حتى الان تدرس على اساس نظرة مثالية ذاتية، دون أن يتوجه احد من الباحثين لكشف ما يكمن وراءها من عوامل اقتصادية – اجتماعية في العصر العباسي الأول.
يقال في الدراسات المعاصرة، مثلاً، ان المامون لانه مثقف ثقافة واسعة وعميقة، وله شغف بالبحث العلمي والادبي، وعقله عقل فلسفي، وحر التفكير، كان الاعتزال اقرب المذاهب إلى نفسه، من حيث انه اكثر المذاهب حرية واعتماداً على العقل، فقرب – أي المأمون- المعتزلة منه، واصبحوا ذوي نفوذ في القصر. [13]
اذا كان هذا هو تفسير المسألة في عهد المأمون، فما تفسير امتدادها بعده نحو ستة عشر عاماً في خلافتي المعتصم والواثق، وليس لواحد منهما شيء من مزايا المأمون وثقافته وحرية تفكيره؟
لا يمكن الرفض المطلق لدور المأمون من حيث هو رئيس دولة مثقف مستنير العقل متحرر التفكير اخذت الدولة، عهد حكمه، بوجهة نظر المعتزلة في المسألة الكلامية الشهيرة المعروفة بمسألة خلق القرآن.
ولكن الذي يصح فضه، هو ان يكون هذا الدور عاملاً اساسياً، أو عاملاً وحيداً، لا عاملاً مساعداً، في اقدام المأمون على تلك الحركة الجريئة، أي اعلانه رسمياً تبني دولة الخلافة وجهة نظر المعتزلة في مسألة خلق القرآن، رغم معارضة الرأي العام المحافظ ولا سيما الفقهاء والمحدثين والمفسرين من أهل السنة، واتخاذ مذهب المعتزلة، ككل، مذهباً للدولة تعاقب مخالفيه بمختلف اشكال العقاب حتى الجسدي منها.
ينبغي ان نبحث عن العامل الاساسي لهذه الظاهرة، في الظروف التاريخية بمجملها التي استقرت فيها للمأمون سلطته على عرش الخلافة العباسية في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الهجريين (القرن التاسع الميلادي).
ان أول ما يلفت النظر من تلك الظروف مجيء المامون إلى سدة الخلافة بعد صراع دموي بين زعامات القوى الاقطاعية وامرائها التي كانت تؤيد اخاه الأمين وبين القوى الاخرى الممثلة لاقتصاد المدينة ومجتمعها التجاري، الربوي، الحرفي، بالاضافة إلى حملة الافكار الحرة من مثقفيها. قوى المدينة هذه كانت تساند المأمون في سبيل اعتلائه عرش السلطة المطلقة.
لقد انتعشت الحركة التجارية في دولة الخلافة العباسية، خلال عصرها الأول، لان العراق مذ أصبح مركز الخلافة هذه، أصبح ملتقى الطرق التجارية العالمية، فأدى ذلك إلى ازدهار التجارة واندفاع الكثيرين من سكان المدن إلى الاشتغال بها باغراء وفرة الارباح وارتفاع المكانة الاجتماعية لفئة التجار. [14]
هذا الوضع انعش بالطبع في المدن، وفي العاصمة بالاخص، تلك الفئات الاجتماعية التي تنمو وتتطور ويبدأ دورها يبرز للتأثير في الأحداث السياسية، في المجتمعات الاقطاعية، على حساب دور كبار الاقطاعيين واغنياء الريف، كلما توفر المناخ الملائم لازدهار الفاعلية التجارية، بالارتباط مع توفر انتظام وسائل المواصلات والنقل ونشاط السوق الخارجية. وهذا هو المناخ نفسه الذي كان قائماً بالفعل حينذاك.
ان هذه الفئات الاجتماعية النامية في المدن، كانت متنوعة طبقياً وقومياً في مدن العراق، لم تقتصر على كبار التجار واصحاب الاموال التجارية، بل كانت تشمل قطاعات من المجتمع: (أصحاب الاموال النقدية – الربوية والمصرفية، اصحاب الصناعات الحرفية وشغيلتها المهرة، وصغار التجار واصحاب الحوانيت والبيوعات البسيطة..) وكل قطاع من هذه القطاعات كان مزيجاً من العرب وسائر الاقوام التي كانت تحتويها الامبراطورية العباسية. واكثر ما تتجلى هذه الظاهرة في طبقة "العامة" (أي جماهير الكادحين والفقراء) اذ كانوا خليطاً من اجناس مختلفة (العرب، الفرس، الترك ، الزنوج، الديلم، الروم، النبط ، الارمن، الكرج، (الجورجيون) ، السلاف، الاكراد، والبربر) – تربطهم جميعاً اللغة المشتركة (العربية) المسيطرة.
ان هذه الظاهرة كانت تشمل مدن العراق بوجه عام، ويبدو ان لتمايز بين الاجناس كان ذائباً تقريباً في هذا المزيج البشري.
ويستنتج من ذلك ان الموقع الطبقي في مجتمع القرن الثالث الهجري كان يستطيع ان يحدد، إلى قدر ما، بعض المواقف السياسية في ذلك المجتمع.
وقد ظهر ذلك في مساندة مختلف تلك الفئات الاجتماعية في المدينة لفكرة ايصال المأمون إلى عرش الخلافة العباسية، اعتماداً على ما ظهر من مساندة الامراء واصحاب الاقطاعات لاخيه الامين، لان هؤلاء الامراء والزعماء كانوا ياملون ان يستفيدوا من ضعف شخصيته ومن نزوعه إلى التفرغ لحياة اللهو وعدم مبالاته بالشؤون العامة للدولة، فيحققوا بذلك مطامحهم إلى السلطة وربما إلى الاستقلال الذاتي في هذا الاقليم أو ذاك من اقاليم الامبراطورية. [15]
لقد جاء المأمون إلى السلطة العليا للدولة مؤيداً من الفئات الاجتماعية المتناقضة مصالحها، طبقياً، مع مصالح الفئات المرتبطة بالاقطاعات الريفية. فكان لابد ان يتخذ التناقض بين هذه وتلك، خلال عهد المأمون، تحركا جديداً في الموقف من العناصر التي تساند الامين وممثليها في القطاع الفكري من الفقهاء والمحدثين والمفسرين المحافظين.
وعلى هذا الاساس – كما يتراءى لنا – ارتفعت في عهد المأمون راية الفكر الحر المتمثل بعلم الكلام المعتزلي. وقد بقيت هذه الراية بفضل تلك العوامل وبقوة الاستمرار، مرتفعة في عهد اخيه المعتصم وعهد الواثق بن المعتصم.
حرص المامون على ان لا تنكس هذه الراية بعده. لذلك كتب في وصيته إلى المعتصم قوله: ".. وخذ بسيرة اخيك في القرآن" (يقصد مسألة "خلق القرآن" المعتزلية).
وقد أمكن ان يبقى مذهب المعتزلة مذهب الدولة في عهدي المعتصم والواثق بفضل كون الظروف التي سبق شرحها ظلت قائمة، بمعنى ان القوى الاجتماعية التي ساندت المأمون حافظت على مكانها في مركز القوة إلى نهاية عهد الواثق.
اما في عهد المتوكل فقد ازيحت هذه القوى عن مراكزها وحلت محلها قوى اخرى ساندت الفكر المحافظ.[16]
مرحلة علم الكلام الاشعري :
انعطاف سلفي:
حصل "انعطاف" سلفي بعد موت الواثق. فان هذا الخليفة قد رفض ان تكون الخلافة العباسية بعده لولده محمد. فأتاح ذلك فرصة لاخيه المتوكل ان يرتقي هو منصب الخلافة (232 ه / 847) بتأييد من كل العناصر المعادية للمكتسبات الايجابية التي تحققت منذ عهد المأمون. ولا شك ان حركة نقل العلوم إلى اللغة العربية، وإلى الفكر العربي – الاسلامي، أي إلى المجتمع العربي – الاسلامي، كانت من اعظم تلك المكتسبات، من حيث القيمة الحضارية وكونها شكلت عامل دفع للتطور الاجتماعي والعلمي.
صادف ان كان المتوكل – على حد تعبير احد الباحثين المعاصرين- "اول من سبق الخلفاء العباسيين إلى حب الترف". فاستغلت تلك العناصر من رجال الاقطاعات وبطالة دار الخلافة وممثليهم الفكريين المحافظين، مكان الضعف هذا في شخصية المتوكل، واصبحت اداة ضاغطة عليه في توجيه سياسته جهة مصالحها تفكيرها. [17]
وكانت قضية علم الكلام المعتزلي، ومسألة خلق القرآن خصوصاً، وارتباطهما بمذهب الدولة، منذ عام 218ه، أي منذ اعلن المأمون رسمياً هذا الارتباط – هدفاً لمعارضة القوى المسيطرة في العهد المتوكلي بقصد الغاء ما احدثه المأمون في هذا المجال، حتى الغاه المتوكل بالفعل (عام 234ه) ، أي بعد عامين من توليه الخلافة، فكان ابتهاج القوى المحافظة بذلك عظيما حتى وضعوا المتوكل، بفضل عمله هذا، في مرتبة الخليفة الراشدي الأول ابي بكر ومرتبة عمر بن عبد العزيز الاموي، فقد قالوا يومئذ: "الخلفاء ثلاثة: ابو بكر الصديق يوم الردة، وعمر بن عبد العزيز في رده للمظالم، والمتوكل في احياء السنة".
وينبغي القول، هنا، ان الاضطهاد الذي عومل به خصوم المعتزلة وخصوم فكرة "خلق القرآن"، اثناء سيطرة المأمون والمعتصم والواثق، قد افاد هؤلاء الخصوم اكثر مما افاد المعتزلة ومذهبهم، اذ استغل المحافظون هذا الاضطهاد إلى اقصى حدود الاستغلال لدى الرأي العام، وجعلوا منه حجة و "مبرراً" للاضطهاد المعاكس الذي اخذ يعانيه المعتزلة ومذهب الاعتزال منذ ذلك الحين إلى زمن طويل.
ولذلك نرى ان "عملية" الاضطهاد من البداية كانت خطأ تاريخياً ساعد القوى المحافظة في ذلك العصر على القيام بردة فعل شديدة انهت مرحلة علم الكلام المعتزلي قبل ان تستنفذ طاقاتها، وقبل ان تستكمل مهماتها التاريخية في سياق تطور الفكر العربي نحو الفلسفة والعلوم الطبيعة.
فقد تغير اتجاه تطور النزعة العقلانية المعتزلية لعلم الكلام، واخذ هذا العلم يتحول إلى المرحلة الثانية التي سيقودها، بعد نحو نصف قرن من نهاية المرحلة المعتزلية، مفكر كبير من أهل السنة أوجد أول صياغة نظرية جديدة لايديولوجية القوى المحافظة، التي أصبحت – بعد ذلك أيديولوجية السلطة الرسمية للدولة عدة اجيال. نعني ابا الحسن الاشعري (260 – 330ه / 873 – 941). [18]
كيف نفهم سر قوة المذهب الاشعري وسيطرته ، منذ أواخر القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، لا على اتجاهات علم الكلام وحسب، بل على الفكر الاسلامي السني بوجه عام؟
لم يكن لابي الحسن الاشعري ان يعود إلى مذهب أهل السنة دون ان يحمل إلى هذا المذهب حاصل العملية التاريخية التي جهت الفكر العربي بجملته – وعلم الكلام احدى ظاهراته- توجيها عقلانياً كان للمعتزلة فضل قيادته منذ اواخر القرن السابع وطوال القرن الثامن والثلث الأول من القرن التاسع الميلادي.
من هنا كان طبيعياً ان يظهر ابو الحسن الاشعري في ساحة المعركة، حين ظهر لحرب الفكر المعتزلي، مسلحاً بسلاح المعتزلة نفسه، أي بسلاح المنهج العقلاني ، ولكن بعد ان احدث تغييراً اساسياً في هذا المنهج افقده معناه وافرغه من عقلانيته الجوهرية. [19]
قد يقال ان التزام الاشعري بالمنهج العقلاني – وان شكلياً- يرجع إلى نشاته. فالمعروف انه تخرج على المعتزلة في علم الكلام اذ كان تلميذاً لاحد اشياخهم في البصرة ابي على الجبائي (- 303ه / 915م) وبقي معتزلياً حتى حوالي عام 300 ه اذ خرج عليهم واعلن من على منبر المسجد في البصرة انه تاب واقلع عما كان يجاري به المعتزلة.
اننا نستبعد ان تكون النشأة المعتزلية هي المرجع في ظهور المنهج العقلاني، بشكل ما، في علم الكلام الاشعري واستمراره عند مفكري الاشاعرة منذ ابي بكر الباقلاني، ثم الغزالي بعده، حتى يومنا هذا.
نستبعد ذلك:
أولاً، لان هذا المفكر الكبير – الاشعري- كان من الوعي لكل ما يفعل بحيث كان يبذل الكثير من الجهد لمراقبة تأثيرات مرحلته المعتزلية على تفكيره في ما بعد كيما تنتصر حربه "المقدسة" التي اعلنها على مذهب الاعتزال دون هوادة.
وثانياً، لو ان النشاة المعتزلية هي مرجع ما نراه عند الاشعري من التظاهر باتباع المنهج العقلاني، لرأينا هذه الظاهرة تزول عند اتباعه من بعده، في حين ان الأمر جرى على العكس، فقد رأينا بين كبار علماء الكلام الاشعريين، بعد صاحبهم أبي الحسن ، من طور المنهج حتى ادخل في مذهبه الكلامي مسائل جديدة تتصل بذلك المنهج أكثر مما تتصل بمناهج أهل السنة قبل المعتزلة امثال القاضي أي بكر الباقلاني (- 403ه /1012م) الذي "هذب" الطريقة "ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الادلة والانظار. [20]
لذلك كله نحن نزعم ان الاشعري حين استخدم شكليات المنهج العقلاني في مذهبه الكلامي المناوئ لعلم الكلام المعتزلي، كان يدرك انه لم يبق في زمنه مجال لمحاربة الفكر المعتزلي بفكر متخلف عنه، أي بمنهج سلفي خالص كانت قد تجاوزته العملية التاريخية نهائياً.. وهذا الكلام نفسه يجري على الغزالي كلياً، حين اعلنها أيضاً حربا ايديولوجية "مقدسة" على الفكر الفلسفي المتحرر من اللاهونية التقليدية.
من هنا رأينا علم الكلام الاشعري يستخدم الاستدلال المنطقي، وشعار حكم العقل، ويرفض القول صراحة بالجبر في مسألة افعال الانسان ويتكلم بالجوهر والعرض وبالمذهب الذري، بل تكلم بالعلة كذلك.
هذا هو الهيكل العام للمنهج الاشعري الذي يوهم انه منهج "عقلاني" لكي يجد لنفسه "مبرراً" للوجود في عصر كان المنهج العقلاني المعتزلي قد فرض فيه سيطرته المباشرة وغير المباشرة معا.
ولكن ما قيمة هذه "العقلانية" الاشعرية؟
- صحيح أن الاشعري لم يتخل عن طريقة الاستدلال المنطقي، غير المنطلقات العقلية عند الاشاعرة تنحصر في مضامين النصوص الدينية، ولا شيء غيرها.
- وصحيح انهم يذكرون العقل في معرض الكلام على وجود الله أو على خلق العالم أو حدوثه، ولكن المعروف من مبادئ المذهب ان العقل ليس المصدر الحقيقي للمعرفة، فليست معرفة العقل هنا سوى ارشادية ثانوية لا يعتمد عليها، والمرجع الوحيد هو الوحي الالهي.
- صحيح ايضاً انهم – أي الاشاعرة- رفضوا موقف أهل الجبر بأن الله خالق افعال الانسان بوجه مطلق.
ولكن وقفوا فيها موقفاً وسطاً بين الجبرية والمعتزلة، اذ قالوا بأن افعال الانسان مخلوقة لله ولا يقدر الانسان ان يخلق منها شيئاً، غير ان الانسان ان لم يستطع خلق عمله فهو قادر على كسبه، ولكن ابن حزم الظاهري الاندلسي (-456 ه) يرى -بحق- ان هذا الموقف لا يختلف جوهرياً، عن الجبر، لانه لا يثبت للانسان الاختيار بتعبير صريح .
- وحين تحدثوا عن العلة، قالوا ان الله هو العلة المباشرة لكل تغير يطرأ على الجواهر والاعراض، وانه ليس هنا علة أخرى في الكون غير العلة المباشرة، وهي الله.
ان هذه الموضوعة الاشعرية تؤدي مباشرة إلى نتيجة لا عقلانية، هي نفي قوانين الطبيعة والمجتمع كلياً والغاء كل اساس لبناء كيان علمي لكل علم.
ومؤدى هذه النتيجة اخيراً هو القضاء على أحد الأسس الضرورية لتطور المجتمع.
وهنا تتجلى ، أوضح فأوضح، مؤشرات المعركة الايديولوجية في الحركة التي انتهى إلى قيادة ابي الحسن الاشعري في نهاية القرن الثالث الهجري، ثم إلى قيادة الغزالي في أواخر القرن الخامس الهجري. [21]
ولعل من ظاهرات هذه المعركة الايديولوجية ما هو معروف عن الغزالي من انه ألف كتابه الشهير "فضائح الباطنية" تلبية لطلب الخليفة العباسي المستظهر (487ه / 1094م) حتى لقد سمى الغزالي كتابه هذا "فضائح الباطنية أو المستظهري".
وذلك شكل من أشكال الولاء القائم بين أهل علم الكلام الاشعري والفكر الرسمي السني، أو السلطة الرسمية، كجبهة تقابلها في المعركة الايديولوجية جبهة عريضة تحتوي مزيجاً من القوى الاجتماعية والفكرية المعادية، أو المعارضة -بالاقل- لاتجاهات السلطة المسيطرة.
مكان الشيعة في علم الكلام:
للشيعة دورهم البارز في نشاة علم الكلام ، ولكن الحديث عن الشيعة في مجالنا هذا لا يمكن أن يشمل كل من اطلق عليهم اسم الشيعة في التاريخ الاسلامي، فاننا اذا دخلنا في نطاق الدلالة الوسيعة لكلمة "الشيعة" بمعناها التاريخي وبكل شمولها، كنا كمن دخل متاهة لا يدري كيف ومتى يخرج منها.
سنقتصر، اذن، على اظهر دلالة لهذه الكلمة، أي على الشيعة الامامية الاثني عشرية.
هناك جانبان لدور الشيعة الامامية في علم الكلام: الجانب المذهبي الصرف، ثم الجانب الذي يتمثل بجمهرة من علماء الكلام المنتمين إلى مذهب الامامية، الذي كانت لهم مشاركة ملحوظة في تطوير المباحث الكلامية خلال مختلف المراحل من تاريخ هذا العلم .
الجانب المذهبي:
يمكن القول، من حيث الجانب المذهب الصرف، ان المبادئ والاصول التي يقوم عليها كيان مذهب الامامية هي بذاتها تؤلف شطراً كبيراً من مباحث علم الكلام، سواء منها المباحث التي تتصل اتصالاً مباشراً بالقضايا السياسية الكبرى التي كانت مدار الصراع السياسي الأول منذ عهد الراشدين، كقضية الخلافة وما نشأ عن مقتل الخليفة الراشدي الثالث عثمان من مسألة مرتكب الكبيرة، ومسأل الموقف من الحاكم الجائز، ومسألة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها.. اما المباحث الكلامية الاخرة التي اثيرت بعد ذلك امتداد تصاعدياً لذلك الصراع وتحديداً للمواقف الايديولوجية باشكال فكرية جديدة متطورة، كمباحث القضاء والقدر وحرية الانسان ومفاهيم التوحيد والعدل والايمان، ومسألة المعرفة والموقف من العقل. [22]
في كل هذه القضايا والمسائل التي اشتد عليها الخلاف كان للامامية آراؤهم ومواقفهم التي يتكون منها نظام المذهب الشيعي ونظام علم الكلام الشيعي في وقت واحد.
وبنظرة عامة، في علم الكلام الشيعي، نجد للامامية الاثني عشرية مواقف يتفردون بها، كموقفهم في مسألة الخلافة، فهم وحدهم – دون الاشاعرة والمعتزلة – يرونها حقاً الاهياً لمن يختاره الله لها، ويرون هذا الحق الالاهي لعلي بن ابي طالب وابنائه من ولد زوجه فاطمة بنت النبي بالتسلسل العمودي حتى الامام الثاني عشر محمد بن الحسن، وان الامام صاحب هذا الحق معصوم من الخطا.
ونجد لهم مواقف يلتقون بها مع الاشاعرة دون المعتزلة، كموقفهم في مسألة مرتكب الكبيرة. فهم -كالاشاعرة- يقولون بانه مؤمن فاسق، أي انه يبقى على ايمانه ولكنه مذنب يستحق العقاب على قدر ذنبه، فيحين يقول المعتزلة انه ليس بؤمن ولا كافر، بل هو منزلة بين الايمان والكفر، ويوقل الخوارج انه كافر.
وكموقفهم كذلك في مسألة تأويل النصوص الدينية (القرآن والسنة) حين يكون ظاهرهاً على خلاف حكم العقل. فهم -كالاشاعرة- يقبلون بالتأويل حين يكون ظاهر هذه النصوص مخالفاً لأوليات حكم العقل، ولا يقبلن به في غير هذه الحال، ويقولون بأن علم الدين هو المرجع في الأساس، لا حكم العقل.
تبقى قضية حرية اختيار الانسان افعاله. ما موقف الشيعة منها؟. في هذه المسألة الخطيرة يتحدد موقفهم على أساس النص المأثور عن الامام السادس من ائمتهم الاثنى عشر، وهو الامام جعفر الصادق.
يقول النص: لا جبر، ولا تفويض ، بل امر بين امرين.
يفسر الشيعة ذلك بأن ينبغي النظر إلى افعال الانسان من وجهتين: وجهة اسبابها القريبة، ووجهة اسبابها البعيدة. [23]
فاذا نظرنا إليها من الوجهة الأولى، رأينا الانسان هو السبب المباشر لافعاله، وهي تصدر عنه باختياره. وبهذا الاعتبار يكون مسؤولاً عن خيرها وشرها، واذا نظرنا من وجهة اسبابها البعيدة، رأينا تلك الأسباب خارجة عن ارادته واختياره فهي اضطرارية، لا تصح نسبة الافعال اليه بهذا الاعتبار .
ويقول الشيعة في تفسيرهم هذا ان قدرة الانسان على مباشرة افعاله هي من الاسباب البعيدة، هذه القدرة هي مما خلقه الله فيه، أي ان افعال الانسان مخلوقة لله باعتبار ان القدرة على مباشرتها مخلوقة لله، وهي أيضاً مخلوقة للانسان باعتبار كونه الفاعل المباشر لها بارادته.
وهكذا يكون الامر "وسطا بين الاشاعرة القائلين بان الانسان لا يملك اعماله ومصيره، وبين المعتزلة القائلين بأنه هو الذي يقرر المصير دون ان يكون للخالق أي تأثير في افعاله.
والملحوظ، بوجه عام، اننا نجد الشيعة غالباً في الموقف الوسط بين الاشاعرة والمعتزلة على صعيد علم الكلام.
ولعل هذه "الوسطية" ترجع، في أسبابها العميقة، إلى الوضع التاريخي الصعب الذي عاناه الشيعة عدة قرون، فقد فرض عليهم هذا الوضع ان يواجهوا انواعاً شتى من الصراع المأسوي، فواجهوها حيناً بصلابة، وحيناً "بالتقية" مع المجانبة، وحيناً بالتقية مع المعارضة في الخفاء. وبين ذلك كله تعرضوا لاشد الكوارث، حتى كوارث الابادة الجسدية.
ان البحث عن الجانب الايديولوجي في نظرية التشيع ذاتها، ككل، يضع الباحث في اطار مقفل من التناقضات، وابرز التناقضات هنا يتجلى، مثلاً، في موقفين للشيعة: موقفهم في نظرية الامامة، أي قولهم بان الخلافة حق الهي محضاً ونفي حق الناس في اختيار الخليفة، وقولهم بكون الامام معصوماً من الخطأ، وحصرهم مصدر المعرفة بالامام بعد النبي، هذا من جهة، وموقفهم ، من جهة أخرى، في مسألة حرية اختيار الانسان لافعاله، ومسألة الحسن والقبح العقليين. [24]
يمكن الاستنتاج: ان الموقف الأول للشيعة، هو الأصل في نظرية المذهب. واما الموقف الثاني، فقد حصل بعد ذلك بتأثير الوضع التاريخي الذي اشرنا إليه منذ قليل.
ان هذا الوضع ربط الموقف العملي للشيعة، منذ استقر الامويون على رأس السلطة السياسية لدولة الاسلام، بحركة المعارضة للسلطة القائمة، سواء في العصر الاموي ام العصر العباسي.
اقصد ان معارضتهم تلك، والاضطهاد الذي كان يلاحقهم، احدثا تغييراً "ايديولوجياً" في بعض المبادئ التي تقوم عليها نظرية التشيع.
من هنا نلحظ ان المسائل التي التقوا بها مع المعتزلة هي المسائل المهمة ذات الطابع الايديولوجي الذي يميز المعتزلة من الاشاعرة.
لذلك يمكن ان نصل إلى الاستنتاج الاخير التالي:
اذا شئنا البحث عن طابع الايديولوجية الشيعية، فعلينا ان نبحث عنه لا في نظرية التشيع ذاتها، بل في المعالجات الكلامية التي يلتقي فيها الشيعة مع المعتزلة، او يقتربون بها اليهم.
لان هذه المعالجات لا تعكس نظرية التشيع كما نشأت في ظروفها التاريخية الاسلامية الأولى، بل تعكس الوضع التاريخي العملي الذي واجهه الشيعة منذ استشهاد الامام الأول علي بن أبي طالب، ثم المصرع الفاجع للامام الثالث الحسين بن علي في كربلاء. [25]
ما حدود العلاقة بين علم الكلام والفلسفة؟
قلنا أن كل واحد منهما كان مرحلة، مستقلة نسبياً، في طريق تطور الفكر العربي – الاسلامي. وهذا الواقع – بالضبط- هو الذي يقرر حدود العلاقة بينهما بصورة أولية.
ولكن الذي يقرر هذه الحدود بصورة علمية هو كون علم الكلام مارس التفكير الفلسفي كوسيلة لبحث القضايا المثارة في المجتمع العربي بعد الاسلام، متخذا شكل البحث الديني في العقائد.
ذلك في حين ان الفلسفة ظهرت في المجتمع العربي – الاسلامي، بعد ان استوفى علم الكلام نضجه، لتبحث قضايا الوجود والطبيعة والمجتمع والتفكير، كمفاهيم، منعكساً فيها العالم المادي بصفة مجتمع معين بظروفه وخصائصه التاريخية المعينة واشكال علاقاته الاجتماعية المعينة انعكاساً غير مباشرة.. أي ان الفلسفة تميزت من علم الكلام بامرين اساسيين:
أولا، بأنها انطلقت من المفاهيم، لا من القضايا المثارة في المجتمع بصورة مباشرة.
ثانياً، بأنها لم تتخذ من عقائد الاسلام قاعدة للبحث، وان حاولت ان تخفي التناقض بين النتائج التي يصل اليها البحث الفلسفي وبين العقائد الايمانية الاسلامية. ومحاولاتها هذه هي التي سميت "توفيقاً" بين الفلسفة والدين، تسمية غير صحيحة.
التناقض بين علم الكلام والفلسفة:
كان لابد ان يحتوي دياليكتيك العلاقة بين الكلام والفلسفة تناقضات جدية بينهما، منذ بدأت تظهر ضرورات الاستقلال النسبي لكل منهما عن الآخر عند منتصف القرن الثالث الهجري (بعد منتصف التاسع الميلادي).
ولعل أهم مصدر لهذه التناقضات هو ان علم الكلام حينما بلغ نضجه في مرحلته المعتزلية، وهو متوافق مع الفكر الفلسفي من حيث فسحه للعقل مجالات التفكير وتحصيل المعرفة حتى في ما وراء الطبيعة، كان من الطبيعي – وفقاً لقوانين التطور العامة- ان يتخلى علم الكلام للفلسفة عن مكانه في حركة تطور الفكر العربي- الاسلامي بناء على كونه -أي علم الكلام- قد استوفى حاجة وجوده واستنفذ مهماته التاريخية وحان الوقت لان يتحول إلى كيكفية فلسفية خالصة.
ولكن "ردة الفعل" المحافظة لمواجهة الفكر المعتزلي في عهد الخليفة العباسي المتوكل، ثم ظهور المذهب الكلامي الاشعري الذي كان تجلياً من نوع جديد لردة الفعل هذه، كان لهما نتيجة مختلفة عما كان منتظراً.. كانت هذه النتيجة ان مكان علم الكلام المعتزلي احتله علم الكلام الاشعري من جهة، والحركة الفلسفية المنفصلة عن علم الكلام ككل من جهة ثانية. أي ان التحول كان تحولاً تناقضياً من بدايته. [26]
بمعنى أن هذا التحول تحقق عملياً بحدوث طرفين تناقضيين: الفلسفة، وعلم الكلام الاشعري.
من هنا رأينا تلك الظاهرات التاريخية التي برزت بأشكال من العداء والخصومات العنيفة بين علم الكلام "المابعد المعتزلة" والحركة الفلسفية بمختلف مذاهبها منذ حركة "اخوان الصفاء" حتى فلسفة ابن رشد.
فالتناقض العدائي بينهما، اذن، قائم على أساس ايديولوجي من حيث أسباب نشوئه ذاتها. اذ- كما رأينا- بدأ علم الكلام الاشعري بشكل عودة إلى السلفية السنية بهدف هدم البنيان العقلاني الذي شيده الفكر المعتزلي، وان حاول الاشعريون الظهور بمظهر "عقلاني" لم يتجاوز النطاق الشكلي المحض.
ومنذ ذلك الوقت صار واضحاً ان الصراع بين علم الكلام والفلسفة هو -في الواقع- صراع أيديولوجي بالدرجة الأولى: صار علم الكلام معبراً عن الايديولوجية "الرسمية" ، وصارت الفلسفة – بالإضافة إلى التصوف- معبرة عن أيديولوجية مختلف الفئات الاجتماعية المعارضة للسلطة الحاكمة المركزية. بدليل ان الاضطهاد ، المختلف الاشكال، الذي عانته الفلسفة طوال قرون كان يبدأ اضطهاداً فكرياً في مؤلفات المتكلمين، ثم يتحول إلى اضطهاد مادي وجسدي من قبل السلطات المسيطرة.
لماذا، مثلاً، طولب الوراقون (نساخو الكتب) في بغداد عام 277ه ، ان يقسموا الايمان، بان لا ينسخوا كتاباً في الفلسفة حتى ادى ذلك إلى هجر النساخ حرفتهم.
ومعلوم ان هجر النساخ للحرفة يعادل في عصرنا تعطيل الطباعة.
ولماذا أصبح العداء للفلسفة يوميذ شاملاً لكل ما يدخل في مجال العلم بمعناه الواسع؟
روى لنا "الاغاني" ان ابا زيد البلخي اتهم بالالحاد لمجرد انه كان "قائماً بجمع العلوم القديمة والحديثة، يسلك في مصنفاته طريقة الفلاسفة.
"وكانت الاهيات ارسطو – اولا وبالذات- محط السخط عند أهل السنة. اذ اعتبروا مقدماتها ونتائجها متعارضة كل التعاررض مع مقتضيات عقائد الاسلام. وتجاوز سخطهم ذلك حتى شمل العلوم الرياضية لانها تمهد للدراسات الفلسفية، وكانت الهندسة مثالاً للشك عند أهل السنة، وكانت الاشكال الهندسية تثير قلقهم وتدين صاحبها بالزندقة . [27]
وقد تحدث ابو الحسن بن فارس في كتابه "الصحابي في فقه اللغة وسند العرب في كلامها" عن خطر الهندسة على الدين مع قلة نفعها. وانتهى إلى ان الخوض في الرياضيات يؤدي إلى الانخلاع من الدين".
من هذه الصورة يصبح واضحاً انه لم يكن مصادفة في أوروبة القرون الوسطى ان تتخذ الرجعية اللاهوتية هناك من اراء الغزالي الكلامية الاشعرية المعادية للفلسفة، سلاحاً لها في محاربة الفلسفة المعارضة للفلسفة اللاهوتية.
كما فعل -مثلاً- ريموندمارتن R.Martin المعاصر لتوما الاكويني، في كتابه "الدفاع عن الايمان" الذي الفه بطلب من ريموند بونيافورت Raymond Puniaforte رئيس هيئة الدومينيكيين، وادخل فيه كثيراً من آراء الغزالي.
ليس هذا مصادفة، بل هو أحد المظاهر التي تجلى بها انتقال المعركة الأيديولوجية في اواخر القرن الرابع عشر الميلادي، من ميدانها في الشرق إلى ميدان جديد في أوروبة، بعد أن اخذ المجتمع العربي – الاسلامي ينهار اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً، واخذت بذور النهضة الأوروبية تتحرك للنماء في مناخ التقدم التكنيكي الذي كانت طلائعه تظهر عند نهايات القرون الوسطى . [28]
كانت مرحلة علم الكلام المعتزلي مرحلة تحضير لولادة الفلسفة العربية، حين كادت تبلغ هذه المرحلة نهايتها ليتخلى علم الكلام عن مكانه في حركة تطور الفكر العربي للفلسفة وحدها، جاءت ردة الفعل المحافظة تلك هي محل الفلسفة.
لكن هذا لم يكن ممكنا، لان التحضير لولادة الفلسفة كان قد نضج وكان لا بد من ولادتها.
لذلك رأينا مكان علم الكلام المعتزلي يحتله طرفان متناقضان: من جهة، علم الكلام الاشعري المحافظ الذي حاول ان يقطع تطور الفكر العربي ليعود به إلى طريقة اهل السنة.. ومن جهة أخرى، الفلسفة التي كانت هي التحول الكيفي الطبيعي لتراكمات التطور.
كان المظهر الملموس لهذا التناقض يتجلى في حملات الارهاب الفكري حينا والمادي حيناً ضد الفلسفة والفلاسفة بل ضد العلوم الطبيعية والرياضية كذلك.
وقد لعب الغزالي الدور الاهم والاشد تأثيراً في عملية الارهاب هذه، حتى اتخذت الفلسفة اللاهوتية في القرون الوسطى من افكاره سلاحاً ضد خصومها في أوروبة حينذاك. [29]
الفصل السابع: المنطق
منطق أرسطو:
ان التراث المنطقي لأرسطو كان يتصدر حركة النقل والترجمة للعلوم الفلسفية والطبيعية والرياضية في عصر المأمون العباسي، كما هو معروف في كتب المؤرخين لهذه الحركة.
فهل يدل ذلك على ان الفكر العربي – الاسلامي اختار يومئذ منطق أرسطو ليكون هو ذلك المنهج الذي كانت حاجة التطور تدعو إلى الأخذ به دليلاً في تنسيق مختلف العمليات الفكرية وفي سبيل الحصول على القوانين التي وصفها الفارابي بأنها "القوانين التي شانها ان تقوم العقل وتسدد الانسان نحو طريق الصواب ونحو الحق في كل ما يمكن ان يغلط فيه من المعقولات، والقوانين التي تخفظه وتحوطه من الخطأ والزلل والغلط في المعقولات ، والقوانين التي يمتحن بها في المعقولات ما ليس يومن ان يكون قط غلط فيه غالط.
ليس من السهل الاجابة عن هذا السؤال اجابة حاسمة، صحيح اننا لا نشك في ان منطق ارسطو كان له دور عميق التأثير في مسار تطور الفكر العربي – الاسلامي خلال حركة انتقاله إلى مرحلة الوعي الفلسفي، ثم خلال مرحلة بناء عمارته الفلسفية ذاتها.
ولكن لا نشك -مع ذلك- في ان مفكري المجتمع العربي- الاسلامي آنذاك ولا سيما الذين عملوا منهم في حقول الفلسفة والعلوم الطبيعية والرياضية قد اخضعوا نظام هذا المنطق إلى عمليات تكييف مستمرة وفقاً لمواقف كل فريق منهم حيال القضايا التي كانت تضعها امامهم ظروف هذا المجتمع الجديد المعقد التركيب، ووفقاً للمواقع الاجتماعية التي تحدد تلك المواقف. [30]
مواقف مختلفة من منطق أرسطو:
لم تكن تلك النواحي الايجابية في منطق ارسطو لتخفي على أي من الاتجاهات والتيارات الفكرية والايديولوجية حينذاك.
ولذلك اختلفت المواقف منه وفقاً لاختلاف هذه الاتجاهات والتيارات، على نحو ما نرى في ما يلي:
موقف الاتجاه السلفي المتطرف: هذا الاتجاه اتخذ موقف العداء لمنطق ارسطو وفلسفته، انطلاقاً من المواقع الدينية والاجتماعية.
فقد حاربه بشدة، واضطهد المشتغلين به، أو حرض على اضطهادهم باسم الدين.
واذا كانت موجة العداء للمنطق الارسطي والفلسفة بدأت تظهر بعد وصول الخليفة العباسي المتوكل إلى مركز السلطة (232 ه / 846م) عبر اضطهاد المعتزلة ومذهب الاعتزال، فإن الموجة الكبرى من العداء للفكر الفلسفي والمنطق ظهرت مع الحملة الارهابية الفكرية التي اثارها علماء الكلام الاشاعرة، مسلحين بأسلوب المنطق ذاته (ولكن بوجهه الشكلي الصرف، الجامد، الميت) والتي كان اشهر علماء الاشعرية واعظمهم تأثيراً في الرأي العام الديني: ابو حامد الغزالي (1059- 1111م) هو حامل رايتها، وظل فكره يرهب الفلسفة والفلاسفة مدى اجيال لاحقة، وقد شمل ارهابه كل قطر يتحرك فيه نبض للفكر العربي -الاسلامي، في المشرق والمغرب على السواء. [31]
ولكن ظله كان في المغرب أشد ثقلاً وتأثيراً منه في المشرق، ولعل ذلك يرجع إلى سيطرة المذهب الفقهي المالكي هناك، وهو المذهب المنطبع بالطابع السلفي الاكثر محافظة والاكثر التزاماً للنصوص المأثورة.
وقد استغل ملوك الطوائف والامراء وسائر الحكام تأثير رجال اللاهوت الاسلامي في الاندلس وشمال افريقية، فاستخدموهم في سبيل الحفاظ على مناصبهم وامتيازاتهم المطلقة، وكان هؤلاء الحكام محتاجين لتأييد اللاهوتيين المسيطرين فكرياً على الرأي العام، فتساند الفريقان على محاربة الفكر الحر، المتمثل بالفلسفة والمنطق يومئذ.
فكم من مرة احرقت كتب ومكتبات، وكم من مفكر سجن ونفي واضطهد أو رجم بالحجارة بسبب من تحريض الفقهاء المتزمتين والرجعيين للحكام والرأي العام على كل من يتحسسون منه الخروج على طريقتهم السلفية في التفكير لاشتغاله بالفلسفة والمنطق.
لم تهدأ موجة الارهاب الغزالي الا بعض الوقت حين ظهر فكر ابن رشد، فيلسوف المغرب العربي العظيم، مدافعاً عن الفلسفة، مهاجماً فكر الغزالي المعادي للفلسفة.
فقد وضع ابن رشد كتابه "تهافت التهافت" رداً عل كتاب "تهافت الفلاسفة" للغزالي. ولكن ابن رشد لم يستطع ان يرفع ذل الظل الاسود من الارهاب عن الفكر الفلسفي الا وقتاً قصيراً، فسرعان ما عاد الظل الاسود هذا يطبق على ابن رشد نفسه رغم مكانته العلمية والاجتماعية العالية في الاندلس والمغرب كله.
اذ اثار علماء اللاهوت الاسلاميون غضب حاكم البلاد على ابن رشد بحجة انه كتب مقالات تدل على فساد دينه ومعتقده، فحوكم الفيلسوف العظيم في مجلس الامير الحاكم بحضور كبار اللاهوتيين المسيطرين على تفكير الجماهير الاسلامية، وحكموه بالنفي، وعاقبوا معه جماعة من مفكري عصره المتحررين، ثم لم يرفع عنه العقاب الا قبيل موته بقليل سنة 1198، وهي السنة التي مات فيها. [32]
بعد ابن رشد عادت موجة ارهاب الفكر الغزالي تسيطر من جديد على الفكر الفلسفي بصورة شاملة مطبقة ، فركدت حركته المبدعة.
وخلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر اشتدت وطأة الارهاب، أكثر فأكثر، اذ كان العداء للفلسفة والمنطق احدى السمات السائدة لتلك المرحلة.
فانه بعد قتل الشاب الفيلسوف المتصوف شهاب الدين السهروردي، في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي (587ه / 1191م) متهماً بالتفلسف والالحاد، ظهر زعيمان من زعماء الفكر الديني السلفي المتعصب، عبرا عن عداء القوى المحافظة للمنطق والفلسفة بأسلوب تحريضي شديد الاثارة: احدهما، ابو عمر تقي الدين الشهرزوري المعروف بابن الصلاح (- 643 ه / حوالي 1244م)، والثاني هو المعروف بشيخ الاسلام ابن تيمية (-728 ه / 1328).
اما الأول فهو صاحب الفتوى المعروفة في التاريخ باسم "فتوى ابن الصلاح" في تحريم الاشتغال بالمنطق والفلسفة، تعليماً وتعلماً . وفيها يقول ابن الصلاح: " واما المنطق فهو مدخل الفلسفة ، ومدخل الشر شر". وينتهي من هذه المقدمات إلى تحبيذ الضرب على أيدي المشتغلين بهما، داعياً إلى اضطهادهم في كل شيء حتى قطع أسباب العيش عنهم وسلبهم الحياة.
اما ابن تيمية فقد شهر حرباً على الفكر الفلسفي بالطريقة نفسها، أي بتحريم قراءة كتب الفلاسفة والمناطقة، ورمي ابن سينا بالالحاد في "مجموعة الرسائل الكبرى" (طبعة القاهرة ص138)، وكتب رسالة خاصة في تفنيد آراء علماء الكلام والمنطق والفلسفة والتصوف.
وفي القرن الرابع عشر الميلادي ايضاً برز الزعيم الديني المعروف بالامام الذهبي، فجرى هذا المجرى مصرحاً بأن ليس من "دواء" لعلوم الفلسفة "وعلمائها القائمين بها، علما وعملا، الا التحريق والاعدام من الوجود".
ليس التعصب المذهبي والجمود الفكري وحدهما مصدر هذه المواقف العدائية تجاه المنطق، بل ينبغي ان نرى وراء التعصب والجمود امرا اخر هو الاصل في ذلك.
ينبغي ان نرى الموقع الاجتماعي لهؤلاء المتعصبين، وان نبحث عن المنطق الايديولوجي لهذه المواقف.
ان القوى المحافظة من الفقهاء كانت – دون شك- تدرك مدى تأثير منطق ارسطو في توطيد مواقع الفكر الفلسفي وابراز المواقف المادية لدى بعض ممثلي الفكر الفلسفي. [33]
مسألة قانون العلية: في منطق ارسطو ان قانون العلية من أوليات المقدمات البرهانية، فان الارتباط بين العلة والمعلول، او بين السبب والمسبب، في وجود الاشياء والاحداث والاشخاص، هو ارتباط ضروري بدهي بحكم العقل.. وعلى أساس هذه الضرورة والبداهة العقلية تقوم صحة البراهين المنطقية أو عدم صحتها.
في هذه المسألة وقف الاشاعرة وبعض المعتزلة من علماء الكلام موقفاً معارضاً ينكر قانون العلية من الأساس، وهو يخالف بذلك موقف اشهر الفلاسفة العرب الذين اعتمدوا قانون العلية والسببية في دراساتهم بالمنطق والفلسفة. مثلاً، يقول ابن رشد: "ان من رفع الأسباب فقد رفع العقل. وصناعة المنطق تضع وضعاً ان ها هنا أسباباً ومسببات وان المعرفة بتلك المسببات لا تكون على التمام الا بمعرفة اسبابها. فرفع هذه الاشياء هو مبطل للعلم ورفع له". [34]
ان الاختلاف في هذه المسألة ليس هو ، في الواقع، اختلافاً نظرياً وحسب، بل هو يتضمن اختلافاً ايديولوجياً بالأساس. فان انكار قانون العلية هو شكل من أشكال انكار العقل، كما قال ابن رشد، وانكار دوره في تطور العلم. وذلك يعني – بالنتيجة- انكار تطور المجتمع .
ان الاشاعر، بوجه عام، وجدوا ان الالتزام بمبدأ العلية، كقانون عقلي منطقي، يحمل خطراً على فكرتهم القائلة بأن الله يخلق افعال الانسان واحداث الطبيعة واشياءها بصورة متجددة باستمرار في كل لحظة.
بمعنى ان هذه الافعال تنقسم اجزاء ينفصل بعضها عن بعض ، لا ترابط بينها بسببية مطلقاً، يخلق الله كل جزء خلقاً مستقلاً على انفراد.
وهم يقلون في شرح فكرتهم هذه ان ما يتراءى لنا انه تسلسل منطقي بين هذه الاجزاء ليس هو تسلسلاً منطقياً، أي انه ليس من باب الترابط السببي، وانما هو ظاهرة "صدفية"، .. فهو نوع من المصادفة.
ومعلوم ان انكار العلاقات السببية بين ظاهرات العالم المادي هو موقف مثالي انطلق منه مختلف الفلاسفة المثاليين في مختلف عصور الفلسفة. وفي عصر الفلسفة الحديثة وجد امثال مالبرانش (1638- 1715م)، وبريكلي (1685 – 1753م)، ودافيد هيوم (1711 – 1776م). الأول فسر علاقة الجسم بالروح بمثل تفسيره اتفاق ساعتين على توقيت واحد بان الله يحرك الساعتين معاً في كل لحظة في وقت واحد. [35]
فليس اذن في الكون ، عند مالبرانش، ترابط ضروري ولا علة حقيقة، بل هناك علة حقيقة واحدة هي الله، ان هذا الحضور الالهي في افعال الكائنات شبيه بالخلق المتجدد المستمر عند الاشاعرة.
وبريكلي يفسر العلاقات السببية بين ظاهرات الوجود انطلاقاً من الموقف المثالي الذاتي نفسه، قائلاً ان الالم الذي احسه عند ملامستي النار ليست النار سبباً له، بل السبب هو اشارة الاهية تنذرني بامكانية الالم.
ثم يتساءل: لماذا النار يارفقها الالم والاحتراق؟.. ويجيب: ان ذلك يحدث لان الله يفعله على أساس القواعد الصامة الدائمة، وهي القواعد التي نسميها قوانين طبيعية ، في حين انها قوانين الله.
وعند هيوم تقوم مسألة السببية بدور كبير في نظامه الفلسفي. انه يتساءل مثلاً: ما هي العلاقة السببية للظواهر، او ما هي الضرورة؟. يقول هيوم في الجواب: اننا نلاحظ مراراً تطابق ظاهرتين وتتابعهما فنتعود ان نتوقع حدوث هذا التطابق وهذا التتابع دائماً.
ومن هنا يصل هيوم إلى الرأي بأن الشيء الواقعي الوحيد الذي لا شك فيه هو تتابع ادراكين مرارا، وهذا يخلق لدينا شعوراً يقينياً بان هذا التتابع سيكون مستمراً، وهذا اليقين هو ما يسمى بـ"القانون" ، وانه هنا يلعب التخيل دوره ايضاً، وان الاضافة التي يأتي بها التخيل هي ما نسميه بـ"السببية". وفي ما بعد برهن هيوم على الطابع الافتراضي لقانون السببية. [36]
ان هذا التشابه النسبي بين الاشاعرة وامثال هؤلاء الفلاسفة في تفسيرهم علاقات الظواهر الكونية، انما ينطلق من التشابه النسبي ايضاً في المواقف المثالية الذاتية والمواقف الميتافيزيقية عند هؤلاء واولئك .. واخيراً يمكن ان نستخلص مما تقدم ان الاشاعرة ، وفي طليعتهم الغزالي، انتهوا إلى ما يشبه الموقف الذي انتهى اليه هيوم من اعتباره الضرورة القائمة موضوعياً بين العلة والمعلول ضرورة تجيبية فقط، وليست ضرورة منطقية.
اسم "المنطق" ودلالته النظرية:
ان تسمية هذا العلم في اللغة العربية بـ"المنطق" تشير إلى ادراك سليم للعلاقة بين المدلول اللغوي والمدلول الفكري لكلمة "منطق" العربية.
ذلك يعني ان واضعي هذه التسمية العربية لا بد كانوا يدركون، بوجه ما، جوهر العلاقة الانتولوجية والدياليكتيكية بين اللغة والفكر، من حيث كون اللغة هي الصيغة المنطوق بها للفكر، وكون الفكر هو المحتوى الذي تعبر عنه اللغة بهذه الصيغة، ثم كون كل من اللغة والفكر- لذلك- مؤثراً ومتأثراً بالاخر بعملية دياليكتيكة ولكن ذلك لا يعني اننا نستبعد ان تكون هناك صلة بين تسمية العرب لعلم "المنطق" وبين التسمية الاتية بالاصل من اليونانية لهذا العلم Logic.
بل ربما كان واضعو التسمية العربية على علم بالدلالة الاشتقاقبة لكلمة Logic ، أي كونها مأخوذة من Logiche بمعنى الكلام، اشتقاقا من كلمة "Logos" اليونانية أي "لب الفكر وجوهره". [37]
ولذلك لا نستبعد ان يكونوا قد استوحوا هذه الدلالة الاشتقاقية في اطلاق كلمة "المنطق" على هذا العلم.
غير ان ذلك لا ينفي انهم كانوا مدركين ما تنطوي عليه هذه التسمية في كلتا اللغتين من دلالة جد دقيقة على تلك العلاقة الانتولوجية الديالكتيكية بين الفكر واللغة، بل الامر بالعكس، فان مباحث المنطق عند العرب تنبئ انهم كانوا يدرون هذه العلاقة بعمق، دليلنا على ذلك:
أولاً- شرحهم لهذه العلاقة ذاتها بالنص الصريح في ادبياتهم المنطقية.
ونعتقد ان أوفى نص واوضحه وادقه تعبيراً، في هذه المسألة، ما كتبه ابو نصر الفارابي في فصل خاص بالمنطق تحدث فيه عن موضوعات هذا العلم قائلاً ان موضوعاته هي: "المعقولات من حيث تدل عليها الالفاظ ، والالفاظ من حيث هي دالة على المعقولات"، وقائلاً في هذا السياق: ".. فلذلك نضطر إلى قوانين تحوطنا في المعقولات وفي العبارة عنها (يقصد: في التعبير عنها)، وتحرسنا من الغلط فيها. وكلتا هاتين، اعني المعقولات والاقاويل التي بها تكون العبارة، يسميها القدماء "النطق والقول" فيسمون المعقولات القول.
والنطق الداخل المركوز في النفس والذي يعبر به عنها القول، والنطق الخارج بالصوت والذي يصحح به الانسان الرأي عند نفسه، هو القول المركوز في النفس. والذي يصححه به عند غيره هو القول الخارج بالصوت.
فالقول الذي شأنه ان يصحح رأياً ما يسميه القدماء "القياس"، كان قولاً مركوزاً في النفس أو خارجاً بالصوت".
حرصنا على نقل هذا النص هكذا لقوة دلالته الصريحة البالغة الدقة على ما يتمتع به الفارابي من ادراك لجوهر العلاقة بين الفكر وللغة .
ولابي حيان التوحيدي فصل ممتع في موضوع العلاقة بين علم المنطقو علم النحو، وهي شكل من أشكال العلاقة بين الفكر واللغة، يقول التوحيدي في هذا الفصل هذه العبارة الموجزة البارعة: "النحو منطق عربي، والمنطق نحو عقلي". [38]
ثانياً: اضاف العرب إلى المنطق الارسطي، في باب التصورات، مباحث جديدة هي التي سموها "مباحث الالفاظ".
فقد رأوا ان التصور، بمعناه المنطقي هو ادراك المفرد. ولما كان المفرد لفظاً، فقد رأوا ان يبحثوا شؤون اللفظ من حيث دلالته على معنى، لا من حيث هو بذاته.
من هنا نشات تلك المباحث اللفظية التي زادت في ما يعرفه منطق ارسطو من هذه المباحث.
وأصبحت مباحث التصورات في المؤلفات المنطقية العربية تغتني بتقسيمات متنوعة للالفاظ بقدر تنوع العلاقات التعبيرية التي تشتمل عليها. فهناك تقسيم للفظ من حيث دلالته على المعنى، وتقسيم له من حيث عموم المعنى وخصوصه، وتقسيم له من حيث الافراد والتركيب، وتقسيم من حيث اللفظ نفسه، وتقسيم من حيث نسبته إلى معناه، وتقسيمات اخرى عدة.
صحيح ان الظاهر من هذه المباحث كونها ذات طابع لغوي محضاً ، ولكن المناطقة العرب اضفوا عليها الطابع المنطقي انطلاقاً من ذلك الادراك السليم للعلاقة الدياليكتيكية الواقعية بين الفكر واللغة.
اننا بهذا نعرض، اذن، موقفاً اخر في الفكر العربي – الاسلامي تجاه منطق ارسطو. ولكنه هذه المرة موقف بناء طور بعض العلاقات اللفظية في هذا المنطق، واغناه بمباحث اكتسبها الفكر المنطقي بقدر ما اكتسبت منها العلوم العربية – الاسلامية آفاقاً نظرية كعلوم اصول الفقه والكلام وتفسير القرآن والنحو وفقه اللغة وعلوم البلاغة. [39]
الفلسفة – كما نعرف جميعاً – أعلى أشكال التجريد، الذي هو لغة المفاهيم (الكليات، أو الماهيات). وليس يمكن التعبير بلغة المفاهيم، أي لغة التجريد ، الا باستخدام المقولات التي هي محور مباحث المنطق.
ذلك ان المقولات ليست سوى تعبير عن الأنواع والاجناس المتراتبة في دلالة العموم، تصاعدياً، حتى تنتهي إلى جنس الاجناس، أي اعم الموجودات واشملها.
فالمقولات هي، اذن، عبارة عن الموجودات في صورة مفاهيم مجردة او كليات، او انواع واجناس. وابو المنطق، ارسطو، وضع كون الاجناس العالية، من حيث عموميتها، عشرة، وهي المقولات ذاتها.
وفي رأس هذه المقولات ومرجعها كلها، عند ارسطو، مقولة الجوهر التي هي الموضوع الاساس في "الميتافيزيك" الارسطي أو "الفلسفة الأولى" الارسطية. اما سائر المقولات التسع فهي الكم، الكيف النسبة، المكان ، الزمان، الوضع ، الحال، الفعل، ثم الانفعال.
لقد عالج ارسطو المقولات على أساس انها صفات عامة كلية (مفهومية) للموضوعات (الموجودات) داخلة في مقوماتها، أي انها انواع أو اجناس للموجودات.
ومن هنا تسمى المقولات احياناً، عند ارسطو، بأنواع الوجود كما تسمى بالاجناس العامة. [40]
ان هذا الاساس في مبحث المقولات يحدد، كونها ذات مضمون واقعي ويكشف ارتباطها، اصلاً، باشياء الوجود الخارجي، أي دلالتها المادية.
وعلى هذا الاساس ذاته، ووفقاً لهذه الدلالة ذاتها، عالج المناطقة والفلاسفة العرب مسألة المقولات.
يدل على ذلك انه حين وقع الخلاف عندهم في ان المقولات: هل هي منطقية ام ميتافيزيقية، لم يكن لهذا الخلاف من أثر عملي في معالجة محتوى المقولات.
فهم جميعاً – تقريباً- عالجوها في المنطق حتى من كان يرى فيها جانباً ميتافيزيقياً.
وابن سينا نفسه، رغم كونه يرى انها من مباحث الميتافيزيق، قد وضعها في كتاب المنطق من "الشفاء"، بل يعد بحث طبيعة الاحكام، او المقولات المنطقية، من المباحث القيمة عند ابن سينا.
والواقع ان قيمة منطق ابن سينا بجملتها تظهر في كونه عالج محتوى المقولات المنطقية، وهذا من اصعب المعالجات في الفلسفة.
لقد كانت احدى المسائل الرئيسة في المنطق والفلسفة، منذ عهد ارسطو ، مسألة تركيب المفهوم، وتركيب الحكم، وتركيب الحكم، الاستنتاج.
وابن سينا يعالج مسألة الحكم قبل كل شيء، وهو يرى ان الحكم اقامة الصلة بين موضوعين، وهذا مقولة منطقية.
فالحكم اذن هو تحديد موضوع معين، وحين نريد تحديد موضوع نستخلص الجنس الذي ينتمي اليه، ثم نضيف اليه خصائص المنفرد.
والجنس نفسه الذي نحدد به الموضوع هو مقولة منطقية، والحكم يصنف حسب المقولة المنطقية التي يستند اليها.
والمقولات عند ابن سينا عشر كما هي عند ارسطو، ولذا هو يميز عشرة انواع من الحكم بناء على ما قلناه من ان كل حكم يستند إلى مقولة منطقية. ومن انواع الاحكام هذه : الحكم القطعي وهو يستند إلى مقولة الماهية، والحكم الفرضي وهو يستند إلى مقولة السبب، والحكم اليقيني وهو يستند إلى مقولة الضرورة.
اما ابن رشد فلم يتردد قط في ان المقولات منطقية وليست ميتافيزيقية، ولذا عدها في منطق ارسطو، ولم يعدها في ميتافيزيقا، ثم عالجها بوصف كونها منطقية ليس غير. [41]
ولكن، هناك مقولات افلوطين كما جاءت في الفصل السابع من التاسوعات، وهي عشر ايضاً ، غير انه وضعها على نحو آخر ينفق مع النظرة الافلاطونية الجديدة المثالية، اذ قسمها على قسمين :
اولهما ، خمس هي مقولات عالم المعقول.
وثانيهما، خمس هي مقولات عالم المحسوس، الخمس الأولى هي: الجوهر ، والسكون، والحركة، والموافقة، والمخالفة.
والخمس الثانية هي: الجوهر ، والاضافة، والكم، والحركة والكيف.
ثم ارجع افلوطين، المقولات الثلاث الاخيرة إلى الاضافة ، فهل تأثر المناطقة أو المتكملون او الفلاسفة العرب بهذا التصنيف الافلوطيني للمقولات؟.
ليس لدينا من المصادر ما يدل على ذلك صراحة سوى ما ذكره التهانوي من ان بعضهم جعل المقولات اربعاً، وهي الجوهر ، والكم، والكيف، النسبة (الملكية) الشاملة للمقولات السبع الباقية من العشر. [42]
حصيلة الفصل السابع:
المرحلة الزمنية التي بدأت فيها الصلة الفعلية بين الفكر العربي – الاسلامي ومنطق ارسطو، او المنطق اليوناني بوجه عام.
هناك علامات تاريخية تصلح للاستنتاج ، منها ان هذه الصلة بدأت في القرن الأول الهجري (السابع الميلادي) اي في العصر الاموي. ومن هذه العلامات:
اتساع مجالات الاحتكاك الفكري بين ممثلي الفكر العربي في العصر الاموي وممثلي المدارس الدينية غير الاسلامية في بلاد الشام وما بين النهرين، وهي مدارس اليعاقبة والنساطرة والصابئة، التي تمارس تدريس المنطق الارسطي مع سائر تراث الفلسفة اليوانية. [43]
ولكن اذا كانت هذه العلامات التاريخية تشهد بأن صلة العرب بالمنطق بدات منذ العصر الاموي، فان المعروف لدى المؤرخين ان المنطق لم يترجم إلى العربية الا في عصر الدولة العباسية.
هنا كان علينا ان نتساءل: هل كان منطق أرسطو وحده هو الذي اختاره الفكر العربي منهجا له؟ ظهر لنا خلال بحث هذه المسألة انه بالرغم من الدور الكبير الذي لعبه منطق ارسطو في حركة تطور الفكر العربي، لا يمكن القول بأن هذا المنطق بقي ارسطيا تماما دون أن يخضع لتغيرات تلائم ظروف مجتمع جديد عصر جديد يختلفان عن مجتمع ارسطو وعصره من حيث تغيير العلاقات الاجتماعية اولا، ومن حيث تطور المعارف البشرية.
وقد رأينا بالفعل ان منطق ارسطو خضع لعمليات تكيييف متنوعة بقدر تنوع المواقف الفكرية المنطلقة من نوعيات المواقع الاجتماعية والايديولوجية.
ولكن رأينا- مع ذلك- أن عمليات التكيييف هذه لم تحدث تغييرا في القوانين العامة الأولية أو في البنية الاساسية لنظام المنطق الارسطي.
وقبل تحديد تلك المواقف المختلفة تجاه منطق ارسطو في الفكر العربي، حاولنا ايضا الطابع الايجابي التقدمي لدور هذا المنطق في هذا الفكر. ان أول مظاهر طابعه الايجابي هو ان منطق ارسطو كان وسيلة نظرية تطبيقية لدى المفكرين العقلانيين لتوسيخ فكرة الاعتماد على دور العقل البشري في تحصيل المعرفة، ولمعارضة حصر مصادر المعرفة في مصدر وحيد.
وذلك يرجع إلى كون منطق ارسطو لم يكن منطقيا شكليا حسب، بل منطقاً شموليا يعالج قوانين الفكر في علاقاتها الشكلية والمضمونية معاً.
وقلنا ان ارسطو لم يحصر نظام المنطق في تكتيك استعمال المصطلحات، بل حلل مع ذلك اشكال التفكر وحاول دائماً في منطقة اقامة العلاقة بين هذه الاشكال وبين الصلات الطبيعية التي تنعكس في التفكير.
وقد اضاف ارسطو إلى ذلك انه حاول ايجاد مبادئ للارتفاع إلى المعرفة العلمية.
وبفضل مزاياه هذه وجد مكانه المؤثر تأثيراً ايجابياً في الفكر العربي – الاسلامي ، اثناء حركة نهوضه وتطوره في القرون الثلاثة : الثامن والتاسع والعاشر الميلادية. ان فكرة ارسطو بشأن موضوع المعرفة ودور الموضوعات المادية الخارجية في تحصيل المعرفة، قد لعبت دوراً مهما في بعض التجليات المادية في الفكر العربي – الاسلامي ، وفي الفلسفة بخاصة. [44]
[1] حسين مروة – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الأول– دار الفارابي – بيروت – الطبعة الأولى 1978 .
[2] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص837
[3] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص838
[4] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص839
[5] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص840-841
[6] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص842
[7] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص843
[8] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص844
[9] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص846
[10] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص848
[11] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص852
[12] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص856-857
[13] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص853
[14] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص854
[15] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص855
[16] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص856
[17] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 861
[18] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص862
[19] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص863
[20] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص864
[21] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص866
[22] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص867
[23] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص868
[24] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص869
[25] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص870
[26] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص874
[27] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص875
[28] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص876
[29] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص887
[30] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص900-901
[31] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص904
[32] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص905
[33] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص906
[34] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص911
[35] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص912
[36] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص913
[37] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص914
[38] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص915
[39] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص916
[40] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص917
[41] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص918
[42] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص919
[43] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص925
[44] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص929

