لا يخرج الفلاسفة من الارض كما تخرج النباتات الفطرية ، وإنما هم ثمار عصرهم وشعبهم ، وهم العصارة الارفع شانا ، والاثمن ، والأبعد عن ان ترى، والمعبرة عن نفسها بالأفكار الفلسفية ، وان الروح الذي يبني الأنظمة الفلسفية بعقول الفلاسفة ، هو نفسة الروح الذي يبني السكك الحديدية بايدي العمال٠ فليست الفلسفة خارجة عن العالم ، كما ان الدماغ - وان لم يكن في المعدة - ليس خارجا عن الانسان[1].
كارل ماركس
القسم الثالث: المرحلة الفلسفية
الفصل الأول: استقلال الفلسفة
مقدمات حاسمة لاستقلال الفلسفة:
حين يكاد ينتصف القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) يكون قد مضى نحو قرن وأكثر من ربع قرن منذ بدأت المباحث الكلامية المعتزلية تؤدي دورها التاريخي الضخم، وهو حضانتها لبذور الفكر الفلسفي ضمن فعل القوانين العامة لحركة التطور التي خضع لها المجتمع العربي – الاسلامي وفق ظروفه التاريخية الخاصة.
وقد وضح، ان دور متكلمي المعتزلة هذا قد حمل طابعين متلازمين متداخلين: طابعه الفكري النظري، وطابعه الأيديولوجي.
خلال النصف الأول من القرن الثالث، كان يبدو أن الفكر الفلسفي يوشك ان يتجاوز دور الحضانة الذي عاشه تحت جناحي علم الكلام المعتزلى، أي انه يوشك أن يتخذ لنفسه مساراً مستقلاً عن علم الكلام هذا، بمعنى ان الفكر الفلسفي كان قد بلغ في نموه، ضمن الاطار الكلامي حدا اذا هو لم يتجاوزه كان لا بد –بالضرورة- ان يصبح هذا الاطار نفسه عائقاً دون نموه وتطوره، ان لم يصبح اليد التي تخنقه وتقضي عليه.
وذلك يرجع إلى أن علم الكلام هو، في بنيته الأساسية، فلسفة لاهوتية تقوم على وحدانية الحقيقة الدينية المتمثلة في الشريعة، والمرتبطة بالمصدر الالهي الأوحد، في حين ان الفكر الفلسفي ينزع إلى نشدان الحقيقة التي يكون منطق العقل البشري هو طريق الوصول إليها دون المصادر الغيبية.
هذا أحد وجهي المسألة، أما وجهها الآخر، فهو أن ظروف تطور الصراع الاجتماعي والأيديولوجي، في المجتمع العباسي، خلال القرن الثالث الهجري الحافل بأخصب أنواع التناقضات والمفارقات التاريخية، كانت ظروفاً بالغة التعقيد بحيث كانت تتطلب شكلاً أعلى من الشكل الكلامي اللاهوتي للتعبير عن كل من الوعي النظري والصراع الايديولوجي في ذلك المجتمع. [2]
لقد حفل القرن الهجري الثالث بانتفاضات جماهيرية وحركات ثورية عدة حدثت في العراق و مصر وبعض مناطق شبه الجزيرة العربية وفي الاقاليم الاسيوية البعيدة التابعة يومئذ لدولة الخلافة.
هذه الانتفاضات والثورات شارك فيها فئات اجتماعية واسعة من الكادحين والمستضعفين، لا سيما الفلاحون.
وإذا كان بعض هذه الثورات والانتفاضات اصطبغ بصبغات مذهبية أو دينية أو نزعات فلسفية، فإن الدراسة التاريخية العلمية تكشف أن الدافع الاجتماعي كان هو المحرك الغالب لمعظم الانتفاضات والثورات التي شهدها القرن الثالث، والتي امتد بعضها منه إلى القرن الرابع الهجري.
يكفي ان نذكر منها هذه النماذج الثلاثة: ثورة الزنج، وثورة القرامطة، والثورة البابكية الخرمية.
فقد كان لهذه الثورات الثلاث من الدلالات الاجتماعية ما يساوي الخطر الذي هددت به النظام الاجتماعي لدولة الخلافة من أساسه.
لا يمكن القول ان المصادفة وحدها جمعت الثورات الثلاث على صعيد القرن الثالث بعينه، بل هناك الظروف الاقتصادية – الاجتماعية التي هيأت هذا القرن لأن يستقبل في مستهله ثورة البابكيين (201 – 223ه / 817 – 838م ) في جبال قرطاغ على حدود اذربيجان ، ثم يستقبل في مطلع نصفه الثاني ثورة الزنج (255-270ه / 869 – 883 م) في البصرة ، ثم لا ينقضي نحو عشر سنين بعد اشتعال ثورة الزنج هذه حتى تبدأ حركة القرامطة تلقي بذور ثورتها في سواد الكوفة (264 ه / 877) لكي تنمو وتنتشر طوال النصف الثاني من القرن نفسه، في العراق وسورية و البحرين ، إلى ان تبسط ظلالها على القرن الرابع الهجري وما بعده.[3]
أما الظروف الاقتصادية – الاجتماعية التي نعنيها هنا فإنما هي الامتداد الكمي للآثار والظاهرات التي كان يخلقها النظام الاجتماعي القائمة على أساسه دولة الخلافة الإسلامية، أموية كانت أم عباسية.
وهذا النظام يتميز، منذ قيام الدولة الأموية، باقتصاده الزراعي – التجاري المتداخل، وبالسمة الأساسية لعلاقاته الانتاجية: أي الملكية الاقطاعية والاستثمار الاقطاعي، متمثلاً كل ذلك مباشرة برؤوس الفئة الحاكمة حكماً مطلقاً باسم الاسلام.
ان آثار هذا النظام وظاهراته كانت تمتد، بصورة كمية، على مدى القرنين الهجريين الأولين، فلما جاء القرن الثالث كان قد بلغ الامتداد الكمي حدا يؤذن بمثل تلك الانفجارات النوعية التي كانت الثورة البابكية وثورة الزنج وحركة القرامطة، أبرز نماذجها في ذلك القرن المتفجر.
بدأت علاقات الانتاج الاقطاعية في دولة الاسلام – زمن معاوية الأول بخاصة وفي بلاد الشام أولاً ثم العراق- بداية حيوية جددت شباب الاقطاعية الرومانية والساسانية التي كانت قبل دولة الاسلام تعاني مرحلة انحدار وتناقض حاد مع قوى الانتاج البشرية (العبيد والاحرار معاً).
غير أن الفئة الحاكمة الاسلامية دخلت طرفاً مباشراً في عملية الانتاج الزراعي، أي أنها دخلت العملية، لا بوصف كونها سلطة سياسية ممثلة لفئة الاقطاعيين وحسب، بل كذلك بصفتها المالك الأكبر للأرض والمستثمر الاقطاعي الأكبر.
وهذا الواقع اخذ يحدث – تدريجاً- تأثيرات سلبية في تطور العلاقات الاقطاعية وتطور القوى المنتجة العاملة في الأرض، اذ أخذت السلطة، بصفتيها معا: الاقتصادية والسياسية، ترهق هذه القوى (الفلاحين والشغيلة الزراعيين) بالعمل وبالمزيد من الضرائب وسوء جبايتها، فتعرقل نموها، بل تضعف حيويتها، وتدفعها أخيراً إلى التخلي عن العمل في الأرض والهجرة عنها إلى العمل في المدن، أو إلى البطالة.
ثم دخل عملية الانتاج الزراعي عنصر آخر، عند ازدهار التجارة في العصر العباسي الأول، هو توظيف حاصل المرابح التجارية باستثمار الأرض.
هذا العنصر الجديد دخل العملية بطريق استملاك كبار التجار أراضي صغار الفلاحين وترك هؤلاء فقراء معدمين.
وهناك عنصر ثالث كان بالغ التأثير على القوى المنتجة الزراعية، هو اضطرار الكثير من مالكي الأرض، هرباً من وطأة الضرائب وقسوة الجباة، إلى تسجيل أراضيهم، في ديوان الخراج، بأسماء بعض رجال السلطة النافذين لقاء جزء من نتاج الأرض يدفعه المالك الأصلي لرجل السلطة نفسه الذي "رضي" أن تسجل باسمه!
كان التجار الكبار، فضلاً عن الصغار يحسبون – من حيث المكانة الاجتماعية- جزءاً من طبقة "العامة" في نظر الريستقراطية الاقطاعية الحاكمة. ذلك بالرغم من أن موقع التجار في البنية الاقتصادية للمجتمع كان موقعاً أساسياً. [4]
حركة القرامطة :
هذه حركة ذات جانب ثوري كانت لها نظريتها وأيديولوجيتها، ووضعت لنفسها خطة وبرنامجاً يتفقان مع نظريتها وأيديولوجيتها.
ان هذه الظاهرة بذاتها هي من الدلائل على كون هذه الحركة كانت في الموقع المعارض لايديولوجية الدولة الرسمية ومن تمثلهم الدولة من الاقطاعيين، وكذلك رجال الدين من المحافظين.
بشأن علاقة القرامطة بالاسماعيلية، ثم حدثت فجوات بينهما نرجح أن مصدرها عملي سلوكي وسياسي أكثر منه فكرياً أو ايديولوجياً أو مذهبياً .
دخلت حركة القرامطة حياة جماعات كبيرة من صغار الفلاحين وسائر كادحي الريف والحرفيين وغيرهم من الكادحين والمعدمين من سكان المدن في منطقة واسعة بين البصرة والكوفة من العراق، وفي منطقة البحرين، وبعض مناطق بلاد الشام ، بل بعض نواحي اليمن في جنوب الجزيرة.
اجتذبت الحركة هؤلاء الناس المستضعفين والمضطهدين، وجعلت منهم جيشاً مسلحاً يقاتل بحماسة جيوش الخلافة العباسية هنا وهناك، واقامت لهم جمهورية في البحرين كانت تعبيراً عن احلامهم الطبقية المبهمة الحدود يومئذ ، وعاشت هذه الجمهورية مستقلة عشرات السنين كتجربة تاريخية فريدة من حيث موقعها المكاني والزماني ومن حيث مضمونها الثوري. [5]
كان لها تنظيم دقيق يعمل سراً بمهارة وداب، وكان دعاتها على صلة مستمرة بالاعضاء والمنظمات وفق خطط منسقة للاطلاع على شؤونهم وسير الدعوة بينهم.
لقد ظهرت براعة حمدان قرمط التنظيمية في هذا المجال يعاونه اثنا عشر نقيباً اختارهم من بين الدعاة على نحو ما كانت تعمل الاسماعيلية.
هذا الأسلوب التنظيمي الدقيق رافقه تنظيم مالي ساعد في توسيع مجال الدعوة بين جماهير الفلاحين الفقراء وكادحي الريف والحرفيين الصغار في العراق.
يقوم التنظيم المالي هذا، أولاً، على فرض ضرائب معينة على الاتباع، ويقوم ثانياً، على توزيع الأموال المتجمعة من الضرائب والممتلكات التي تنازل عنها اصحابها لمصلحة الدعوة توزيعا بين الاتباع حسب حاجاتهم.
كما أمكن الاستفادة من هذه الاموال ببناء قلعة حصينة لهم قرب الكوفة سنة 277ه سميت "دار الهجرة" وبتسليح الاتباع تقوية لحركتهم ولفرض هيبتها في نفوس الناس واستعداداً للثورة.
ولكن دولة الخلافة لم تبد اهتماماً يذكر بهذه الحركة الا منذ عام 287ه 900م واثناء خلافة المعتضد العباسي (279 – 289 ه / 892 – 901م).
فقد بدأت الدولة منذ ذلك الحين تشتد في مطاردة القرامطة إذ أحست بخطر حركتهم اجتماعياً وأيديولوجياً، فضلاً عن خطرها على السلطة السياسية للخلافة. [6]
تتابعت الحركات المسلحة للقرامطة في العراق، دون أن تستطيع جيوش الخلافة العباسية القضاء على حركتهم.
ثم زاد خطر هذه الحركة في مواجهة النظام الاجتماعي لدولة الخلافة، حين نجح احد الدعاة القرمطيين الذي أرسله حمدان قرمط إلى البحرين داعيا للحركة.
فقد وجد أبو سعيد الجنابي في البحرين استجابة واسعة للدعوة بين سكان المدن هناك وسكان البادية أيضاً، إذ نشر فيهم فكرة المؤاخاة الشاملة بين الناس، مهما اختلفت انتماءاتهم الدينية والعرقية والجغرافية.
واثار فيهم كذلك احلام السعادة في الحياة على هذه الأرض دون انتظار السعادة الاخروية الموعودين بها في الأديان.
ظلت قوى هذه الجبهة القرمطية تتعاظم ويستعصي على جيوش الخلافة اخضاعها حتى انسلخت منطقة البحرين عن سلطة الخلافة، واستقلت دولة البحرين القرمطية في عهد سليمان أبي ظاهر أحد ابناء أبي سعيد الجنابي . وذلك اثناء عشرينات القرن الرابع، وحينئذ نشات أول جمهورية عربية في العصر الوسيط، بل في تاريخ العرب كله، لها نظريتها وأيديولوجيتها وبرنامجها الاجتماعي – الاقتصادي- السياسي.
فهي دولة من طراز جديد كل الجدة في عصرها، لا تقوم على الدين، بل هي أقرب إلى العلمانية بمفهومها المعاصر.
صحيح ان الدعوة القرمطية رفعت، اثناء كفاحها في العراق، شعارات ذات وجه ديني مذهبي، لا سيما شعار الطاعة للأمام الخفي المنتظر. لكن ظهر ، بعد قيام جمهورية البحرين، ان فكرة الامام هذه ليست أبعد من كونها فكرة اجتماعية في شكل ديني.
لكن أعمال التخريب وسفك الدماء التي ارتكبتها الجمهورية القرمطية، بفظاظة، تجاه الكعبة والحجاج المسلمين، كانت تعبيراً غير موفق عن مكافحة ما يعتقده القرامطة "وثنية" ، من جهة وتعبيراً -من جهة ثانية- عن محاولتهم اضعاف هيبة دولة الخلافة باظهارها لدى الرأي العام الاسلامي انها عاجزة عن حماية اقدس الاماكن والشعائر الاسلامية وعن تحقيق سلامة حجاج هذه الاماكن المسلمين، وكذلك شأن الهجمات الفظيعة التي اقترفها قرامطة البحرين حيال مدينتي الكوفة والبصرة أكثر من مرة.[7]
ولسنا نعتقد ان النهب والقتل كانا مقصودين لذاتيهما ، بل وسيلتين للجمهورية القرمطية استغلهما المحافظون وممثلو الايديولوجية الرسمية لاضفاء الطابع الهمجي على حركة القرامطة بذاتها.
كل ما يمكن قوله، بشأن عقيدة مؤسسي جمهورية البحرين القرمطية، انه كانت لهم فلسفة، ولم تكن لهم عقيدة بالمعنى الديني.
تتمثل هذه الفلسفة بفكرة "تأليه" العقل، أو "عقلنة" الله.
فهم يقولون بـ"العقل الأعلى" الذي هو الله، أو الحكمة العليا.
لقد الغوا الطقوس والشعائر الدينية كليا، ولكن ذلك لم يمنع ان يرى ناصر خسرو في الاحساء، اثناء زيارته جمهورية القرامطة سنة 1052م، مسجدا بناه أحد الفرس السنيين هناك، وأن يشهد لهم هذا الرحالة الفارسي بأنهم "لا يمنعون احدا من اقامة الصلاة، اما هم فلا يقيمونها".
لقد كان البغدادي على حق، اذن، بقوله عنهم انهم "ينكرون الرسل والشرائع كلها" اذا كان القصد بالشرائع لاهوتيات الأديان.
أما النظام السياسي لجمهورية البحرين، فقد كان يختلف ، جوهرياً، عن الأنظمة السياسية الأولغارشية السائدة في العصر الوسيط، إذ كان للجمهورية شكل من القيادة الجماعية.
فهناك حكومة يرئسها ستة أشخاص يؤلفون ما كانوا يسمونه مجلس "العقدانية"، الذي كان ينتخب مواطنو الجمهورية اعضاءه من أسرة سليمان ابي طاهر واعوانه المقربين أو غيرهم ممن يثقون بهم من ذوي الدرجات العالية في منظمة الحركة، وهناك ستة وكلاء لاعضاء "العقدانية" يجلسون على تخت وراءهم، أو يجلسون على مقاعدهم حين يغيبون عن الجلسات.
ومجلس "العقدانية" هذا يصدر مقرراته في شؤون الجمهورية بالاجماع .
ويبدو ان هذا الشكل من النظام السياسي ظل متبعا في جمهورية البحرين حتى الزمن الذي زار فيه ناصر خسرو هذه الجمهورية (سنة 1052م). [8]
ومما وصل الينا من تشريعات "العقدانية" الباكرة الغاء ضرائب الأراضي ، والغاء الرسوم، وسن نظام ضرائبي لا يرهق المواطن المكلف، مثل وضع ضريبة على المراكب التي تمر في الخليج، وضريبة على أهل مقاطعة عمان وضريبة على الحجاج الذين يقصدون مكة والمدينة كل عام، وضريبة على صيادي اللؤلؤ في مياه البحرين والخليج. بالإضافة إلى موارد الثروة الداخلية من ثمرات أرض البحرين وعمان التي كانت من اخصب أراضي جزيرة العرب.
أما نوعية ملكية الأرض فليس لدينا حتى الآن من المصادر ما يوضح هذه القضية، ولكن يمكن ان نفهم من ناصر خسرو ما يلقي عليها بعض الضوء، فهو يخبرنا ان هناك ثلاثين الفاً من السودان يشتغلون في الحقول والبساتين على حساب "العقدانية" وهي الحقول والبساتين التي اشترتها بمال الأمة، وان الشعب هناك لا يؤدي لحكومته ضرائب ولا اعشاراً ، وانه حين يصيب أحدهم فقر، أو يقع تحت دين لا يستطيع وفاءه ، تسلفه "العقدانية" ما يحتاج اليه دون فائدة، وان حكومة الجمهورية كانت اذا دخل الاحساء غريب ذو حرفة تسلفه ثمن أدوات العمل حتى يعمل في حرفته ويكسب عيشه ويسدد السلفة دون فائدة، وانه كان اذا أصابت صاحب بيت أو طاحون مصيبة وكان ضعيفاً امدته "العقدانية" بالشغيلة لترميم بيته أو طاحونه.
ذلك بالاضافة إلى قوله بأن في الاحساء طواحين للحكومة تطحن للناس قمحهم دون اجرة، وانه لم يبق في البلاد فقير ، ثم بالإضافة إلى ان التجارة الداخلية والخارجية كانت في يد الحكومة، وان ارباحها تنفق على المصالح العامة وتحسين اعمال المزارعين والشغيلة.
ان هذه الواقعات تكشف ان شكلاً من "القطاع العام" في جمهورية البحرين كان هو الطابع الغالب للمؤسسات الاقتصادية – الاجتماعية.
وهذا هو الوجه الثوري الأساسي لهذه التجربة الفريدة في تلك العصور.
ومن هنا بالذات تنبع قوة الصمود التي صانت هذه التجربة عشرات السنين رغم كونها محاطة بالقوى المعادية لها طبقياً وأيديولوجياً، وكانت تعمل بكل جهد لخنقها قبل أن تصبح مثالاً خطرا على النظام الاجتماعي العام لدولة الخلافة. [9]
وحين لم تستطع خنقها شوهت تاريخها وطمست ايجابياتها ولم تدع ما يبرز منها للتاريخ سوى سلبياتها واخطائها التي كانت اخطاء فادحة بالفعل.
اهتزاز أيديولوجية الخلافة :
انعكس هذا الاهتزاز والتصدع على الأجهزة العسكرية وأنظمتها المالية عجزاً عن اداء دورها في خدمة أهداف النظام، بل عجزا عن حماية النظام – بالدرجة الأولى- من الحركات الاجتماعية والانتفاضات الجماهيرية المسلحة وغير المسلحة.
فإن الواقع الذي لحظناه من استفحال الثورات الثلاث المذكورة وغيرها ، لم يكن ناشئاً – بالأساس- عن الضعف المتمكن في جيوش الدولة وأوضاعها المالية بقدر ما كان هذا الضعف نفسه ناشئاً عن علل النظام وضعفه وعجزه.
يتحدث المؤرخون كثيراً عن الاثار السلبية لتغلغل نفوذ الاتراك في مختلف مرافق الدولة، وعن نقمة الجماهير الشعبية من تفاقم هذا النفوذ إلى حد التصرف لا بوصول الخليفة أو ذاك إلى سدة الخلافة فقط، بل حد التصرف كذلك بحياة الخلفاء، أي بقتلهم جسدياً. [10]
لكن المؤرِّخين هؤلاء لم يحاولوا ان ينفذوا إلى ما وراء هذه الظاهرة في الواقع المادي الملموس.
ان العلة الكامنة وراء الظاهرة هذه تبدأ، حقيقة، بنشوء ما قد يصح أن نسميه بالاقطاعية "اللامركزية".
نعني بها الاستقلالية الواسعة الحدود التي كان يتمتع بها ممثلو السلطة في مختلف اقاليم الدولة العباسية، فأتاح لهم ذلك ان يتحولوا في الاقاليم التي يعملون فيها إلى اقطاعيين يحتلون المرتبة الأولى بين ملاكي الأرض، وان يرشوا مركز السلطة في دار الخلافة بالوافر من الاموال للابقاء على مراكزهم واقطاعاتهم، وهذا كان يقتضيهم ان يثقلوا الفلاحين وجماهير الكادحين في الاقاليم بأثقال الضرائب واسوأ اشكال الجباية تغذية لحاجات الترف الاسطوري الذي كان منغمساً فيه سكان قصور الخلافة في المركز.
ذلك مما ادخل عوامل الضعف والعجز في علاقات الانتاج الاقطاعية نفسها من جهة، لانه ادخل الوهن والعجز عن التطور لدى القوى المنتجة العاملة في الأرض، ولدى الأرض نفسها.
ومن جهة ثانية، أوجدت عوامل الانحلال والتفكك في روابط المؤسسة السياسية التي هي "الدولة"، فأصبح القائمون على رأس هذه المؤسسة عاجزين عن الرقابة على تطبيق التشريعات والقوانين والأنظمة وأوامر الدولة، وعاجزين في الوقت نفسه عن تقديم أبسط الخدمات الاجتماعية، بأبسط مفهوماتها في ذلك العصر، إلى جماهير المواطنين "الرعايا".
من هنا حدث ما يسميه بعض الباحثين "فقدان ثقة" الخلفاء العباسيين، منذ المعتصم، بالفرس والعرب، واضطرارهم لاصطناع الاتراك في اجهزة الجيش أولاً، ثم الإدارة من قاعدتها إلى القمة، ثم تحول الاتراك هؤلاء إلى اداة تخريب جديدة، واداة تنكيل بالخلفاء الذين لا يسلسون لمطامعهم ورغباتهم ، ثم تحولهم – أي الاتراك- إلى اقطاعيين أشد تخريباً لعلاقات الانتاج الاقطاعية من سابقيهم.
لكن، ليست هي مسألة "ثقة" بهؤلاء القوم وأولئك أو عدم ثقة. وانما هي مسألة نظام اقتصادي – اجتماعي بلغ مرحلة العجز عن تطوير نفسه أولا والعجز ثانياً عن حماية مؤسساته من الانهيار ومن نقمة الجماهير المستثمرة المضطهدة والبائسة. [11]
لذلك أخذ يتخبط بعلله وأمراضه ، وأخذ يعمق الهوة بين الحاكمين وجماهير المواطنين، وبعمق اعتمال النقمة في هذه الجماهير بحيث أصبحت تستجيب لكل دعوة للثورة، ولكل تمرد على الدولة، ولكل حركة تقوم على أي نوع من الفكر يعارض فكر السلطة العليا.
ثم ان المسألة ليست أيضاً مسألة فرس وعرب وترك وديلم الخ.. أي انها ليست مسألة "قوميات"، رغم اننا لا ننكر ان مشاعر العصبيات لم تكن بعيدة عن حوافز بعض الحركات التي ظهرت في هذا الاقليم أو ذاك بقيادة شخصيات تنتمي، اصلاً، إلى بعض "القوميات" غير العربية في بلاد دولة الخلافة.
ولكن هذه الحوافز – اذا كانت موجودة بالفعل- انما كانت تنحصر في الشخصيات القائدة، أو الشخص الواحد القائد لهذه الحركة أو تلك.
غير أن الملحوظ ، تاريخياً، انه ما من قائد لاية ثورة او انتفاضة نهضت في وجه الخلافة العباسية، رفع اية شعارات قومية صريحة في المناطق غير العربية، بل الذي نعرفه ان قيادات هذه الثورات والانتفاضات كانت مضطرة، لكي تجتذب الجماهير اليها، ان ترفع شعارات أو تعلن برامج، تتصل بمطالب هذه الجماهير الاقتصادية والاجتماعية، اما مباشرة، واما بوساطة افكار ذات اطار ديني أو فلسفي لا يحجب المضمون الواقعي لهذه المطالب، كما نلحظ ذلك في الحركات القائمة على فكرة الامام المنتظر.
هذا واقع تاريخي، وليس افتراضاً نظرياً، وهو يعني بوضوح: أولاً – ان الجماهير لم تكن قط في عزلة عماً تجريه رياح الأحداث داخل مقاصير الحكم واهل النظام القائم حينذاك ، ولم تكن مستسلمة لمجاري رياح الأحداث هذه دون مقاومة، مهما يكن شكل المقاومة.
وثانياً – ان هذه الجماهير لم تكن تتحرك للدفاع عن قضية أو أيديولوجية غير القضية أو الأيديولوجية المعبرة عن مصالحها الطبقية بوجه ما.
لا نزعم – بالطبع- انها كانت ذات وعي طبقي بالمفهوم العلمي لهذا الوعي. ذلك زعم لا يمكن القول به بالنسبة للظروف التاريخية للعصر الوسيط. وانما الذي نعنيه هنا ان الحافز الطبقي العفوي هو الذي كان لدى هذه الجماهير في ذلك العصر، يحركها من وراء كل حاجز تقليدي أو لاهوتي يمنع عنها حضور الوعي الصحيح للحدود الطبقية التي تميزها في عملية انتاج الخيرات المادية للمجتمع.
من هذا العرض التركيبي لابرز الظاهرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السائدة مجتمع الخلافة العباسية خلال القرن الثالث الهجري، نفيد حقيقة مهمة كنا نحاول بهذا العرض ان نصل اليها في ضوء الواقعات التاريخية. [12]
هذه الحقيقة هي ان تلك الظاهرات بجملتها ، وبما كانت تثيره في المجتمع من انتفاضات وثورات وغيرها من أشكال الرفض والمقاومة، قد جعلت أسس النظام الاجتماعي القائم حينذاك عرضة للاهتزاز والاختلال، واخذت تحدث انواعاً من التصدع في أهم مرتكزاته ومسلماته الفكرية والحقوقية.
وذلك يعني أن التصدع كان يتسرب وقتئذ إلى أيديولوجية هذا النظام ذاتها، وقد كانت الأيديولوجية الدينية هي السند الحقوقي الأساس لسلطة الخلافة وسيطرتها السياسية، أي سلطة المنتفعين بالنظام الاجتماعي، نظام علاقات الانتاج القائمة، والذين كانوا يتخذون من المفهوم الروحي للخلافة ومن أيديولوجيتها الدينية حصنا لهم وسلاحاً لمحاربة الأفكار والحركات والانتفاضات ذات المضمون الاجتماعي الثوري. [13]
هناك، إذن، تصدع في أيديولوجية دولة الخلافة من جهة، وتمثل كياني – من جهة ثانية- للثقافة العلمية: الطبيعية والفلسفية، كان من تأثيراته ان الفكر العقلاني أخذ يتبلور عند جملة العلماء والمفكرين باتجاه يحاول ان يتخطى التفكير التأملي الصرف الخاضع لسيطرة التوجيه اللاهوتي الخفي والظاهر معاً.
في هذا المناخ العام المتفجر، بمقوماته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي القينا عليها تلك الاضواء كلها – نقول: في هذا المناخ ذاته ما كان يمكن للفكر الفلسفي، بعد ان ظل ينمو ويترعرع في حضانة علم الكلام المعتزلي منذ عهد واصل بن عطاء (- 131ه / 748م)، ان يبقى قيد تلك الحضانة حتى في ظروف تصدع الايديولوجية الرسمية وعجزها عن فرض سيطرتها، أو سيطرة اطارها اللاهوتي، على مجمل الحركة الناشطة لثقافة المجتمع، وفي ظروف تبلور الفكر العقلاني باتجاه تخطى المعارف الغيبية.
نعتقد أن هذه الظروف التاريخية التي عرضناها، كانت هي المقدمات المادية الحاسمة لاستقلال الفلسفة، أي لانتزاعها من ذلك الاطار اللاهوتي المعتزلي (علم الكلام) الذي احتضنها طوال نحو قرن وثلث قرن تقريباً، برعاية مستمدة من طبيعة القوانين العامة للتطور، بالاتساق مع الظروف الخاصة للمجتمع العربي – الاسلامي خلال القرنين الثاني والثالث الهجريين (الثامن والتاسع الميلاديين). [14]
المفهوم الحقيقي الواقعي لاستقلال الفلسفة، في تلك المرحلة التاريخية ، هو انها – أي الفلسفة- أصبحت، في معالجاتها لتلك القضايا نفسها المطروحة امامها، تنطلق من منطقها الخاص لا من منطق المسلمات الدينية، سالكة في البحث والمعالجة منهجاً تستمده من النظر في الوجود بمعناه الاشمل، نظراً مستقلاً عن المقولات اللاهوتية، معتمداً المقولات التي يستنبطها العقل من دياليكتيك العلاقات مع الوجود الواقعي.
أو يمكن القول – بتعبير آخر- ان معنى استقلال الفلسفة عن علم الكلام، في تلك المرحلة من تاريخ تطور المجتمع العربي – الاسلامي، هو انتقالها (أي الفلسفة) من الموقع الذي كانت تحل فيه مشكلة المعرفة – مثلاً- حلاً عقلياً لاهوتياً، مزدوجاً، إلى موقع تملك فيه الحق بان تحل فيه مثل هذه المشكلة حلاً فلسفياً محضاً منقصلاً عن سيطرة النظرة اللاهوتية التي كانت من مستلزمات علم الكلام.
لكن، هل أمكن الفلسفة أن تحقق بالفعل استقلالها بهذا المعنى ، آنئذ؟
الواقع التاريخي يجيبنا: لا. فقد كان من طبائع الأمور ان لا تستطيع الفلسفة التخلص من علاقاتها البنيوية مع علم الكلام تخلصاً كاملاً.
لذا بقي استقلالها عنه نسبياً إلى وقت رببما يصح القول انه امتد حتى بداية مرحلة الفلسفة السينوية.
ذلك ان النزعة اللاهوتية ظلت توجه – من موقع خفي- بعض الاستنتاجات الفلسفية في العهد الأول من استقلال الفلسفة، كالاستنتاج المتعلق بموضوع قدم العالم مثلاً، أو الاستنتاج المتعلق بموضوع خلق العالم من العدم ، أو غيرهما .
فلم يكن بوقت المعقول -بالطبع- وليس معقولاً اطلاقاً، ان تخفي هذه النزعة فجأة، أو بوقت قصير، ولا أن يحدث الاستقلال بصورة حاسمة دون تداخل بين مرحلتين إلى زمن ما.
هذا من جهة أولى. ثم انه – من جهة ثانية- لم تكن قد نشات في الثقافة العربية، يومئذ تقاليد فلسفية سابقة خارج اللاهوتية الاسلامية (علم الكلام).
لذا كان لابد من مرور مرحلة غير قصيرة كيما تنشأ هذه التقاليد وتتوطد، بعد استقلال الفكر الفلسفي ، وكيما تتحول هذه التقاليد إلى نوعية جديدة يصبح بها استقلال الفلسفة كاملاً، أي بعيداً عن فلك السيطرة اللاهوتية. [15]
الفصل الثاني : الفلسفة العربية في تجلياتها الأولى
1- الكندي:
كيف تجلت الفلسفة العربية بأشكالها الأولى التي سجلت استقلالهما النسبي؟
ذلك أمر ليس من اليسير تحديده بدقة. لكن تاريخ تطور الفكر الفلسفي العربي يسجل ظاهرتين يمكن أن نرى، بشيء من الوضوح، كيف برزت، عبرهما، أولى تجليات الفلسفة العربية بصورتها المستقلة عن علم الكلام. هما:
أولاً، ظاهرة أبي يوسف يعقوب بن اسحاق الكندي، من حيث كونه ممثلاً لأول حركة فلسفية باللغة العربية انفصلت عن الحركة الكلامية المعتزلية.
وثانياً، ظاهرة التصوف، من حيث هو الشكل الاخر الجديد للفلسفة العربية لدى خروجها أول مرة من اطار البحث الكلامي، نعني الشكل المختلف نوعياً عن شكلها الذي يتجلى في منظومة الفكر الفلسفي للكندي. [16]
الشخص والظاهرة :
لا ندرس الكندي هنا بوصف كونه "مؤسس" الفلسفة العربية، كما يصفونه عادة في تاريخ هذه الفلسفة. لانه لم يكن هو "المؤسس" حقيقة.
ان أساس الفلسفة العربية قد بني قبل الكندي في زمن يمتد أكثر من قرن على أيدي مفكري المعتزلة.
بناء هذا الأساس لم يخضع، إذن، لمصادفة خارج فعل القوانين العامة للتطور، أو – بتعبير ماركس- "لم يخرج من الأرض كما تخرج النباتات الفطرية".
اننا لا ننفي – طبعاً- ان الفكر اليوناني، أو الفلسفة اليونانية بالتحديد، من أهم الأصول الثقافية التي اعتمدتها الفلسفة العربية – الإسلامية عند نشأتها الأولى على أيدي مفكري المعتزلة، وعند استقلالها أول مرة على يد الفيلسوف العربي الأول الكندي، ثم بقيت هكذا طوال عصور نشاطها وحيويتها حتى بلغت، في ابن رشد، قمة هذا النشاط وهذه الحيوية – نقول: لا ننفي هذه الحقيقة بالطبع، بل نؤكدها. [17]
لكن الذي ننفيه ان تكون الفلسفة العربية وليد هذه الأصول وحدها، دون الأصل – الام، أي المجتمع العربي- الاسلامي الذي منه ولد فلاسفة العرب، ومنه ولدت فلسفتهم، وفيه عاشت -من جديد- تلك "الأصول الثقافية" اليونانية نفسها، مع مشكلات انسانية جديدة وقضايا فكرية جديدة في اطار علاقات اجتماعية جديدة، هي علاقات المجتمع الاقطاعي ذي الخصائص المتميزة، لا علاقات المجتمع العبودي اليوناني القديم.
ثم ان الذي ننفيه – تبعاً لذلك- ان يكون الكندي، مثلاً، قد خرج فجأة إلى مجتمعه العباسي فيلسوفاً، لمجرد كونه أطلع على ذلك "المزيج" من الفلسفة الافلاطونية والفلسفة الارسطاطاليسية بالشكل الذي وصل إليه هذا "المزيج" مترجماً عن اليونانية أو السريانية.
ان زعماً كهذا ينفيه العلم كما قلنا، كما انه يثير التساؤل: لماذا لم يخرج المترجمون أنفسهم، الذين ترجموا هذا "المزيج" الفلسفي، فلاسفة مثل الكندي مع انهم اطلعوا عليه حين ترجموه كما اطلع عليه الكندي، ولماذا لم يكن المعتزلة فلاسفة كالكندي، مع انه من الثابت تاريخياً انهم قرأوا الفلسفة اليونانية بالشكل نفسه الذي وصلت به إلى الكندي، أي مزيجاً من الأفلاطونية والأرسطاطاليسية!؟
ان الجواب عن هذين السؤالين: أولاً، ان الاطلاع وحده، وبحد ذاته، على فلسفة ما لا ينتج فيلسوفاً، بل لا بد من عناصر شخصية لدى المطلع تتكون من مؤهلات ثقافية واسعة وعميقة، ومن طاقات ذهنية غير عادية قادرة على استيعاب عصرها ومجتمعها بالتفاعل الحي معهما بحيث يكون ظهور الفيلسوف حينئذ ، انعكاساً غير مباشر لابرز السمات المميزة لعصره ومجتمعه.
وثانياً، انه حتى كل هذه العناصر مجتمعة لا تكفي لاخراج فيلسوف له صفة الفيلسوف الحق اذا لم تكن ظروف عصره ومجتمعه ناضجة لاتخاذ الفلسفة المستقلة عن الطابع اللاهوتي شكلاً من أشكال التعبير، المباشر أو غير المباشر، عن ابرز سمات هذا العصر وهذا المجتمع.
قلنا، في البدء، اننا لا ندرس الكندي هنا بوصف كونه "المؤسس" للفلسفة العربية، ونضيف الان القول بأننا لا ندرسه أيضاً بوصف كونه شخصاً فرداً بعينه وبحدوده الفردية، بل الذي تعنينا دراسته في الكندي كونه ظهر في النصف الأول من القرن الثالث الهجري تعبيراً عن ظاهرة تاريخية جديدة في المجتمع العباسي وفي تلك الحدود الزمنية بخصوصها. [18]
ونعني بها – اجمالاً- ظاهرة الاهتزاز والتصدع في ايديولوجية دولة الخلافة بفعل عوامل اقتصادية -اجتماعية متضافرة، امكنت الفكر الفلسفي العربي ان يتخلص، نسبياً، من اشكاله اللاهوتية للتعبير المستقل، غير المباشر، عن الواقع، بأشكال جديدة ارفع وعياً وتطوراً .
ولكن العناية بدراسة الكندي من حيث هو ظاهرة ليست تعني – اطلاقاً- اهمال الجانب الشخصي، أي الكندي – الفرد.
بل الأمر -عندنا- بالعكس: بمعنى ان البحث عن الصفات الشخصية للفيلسوف، مثلاً، يساعد في وضع ايدينا على المفاتيح الحقيقية لفهم فلسفته.
الواقع ان الضرورة التاريخية لاستقلال الفلسفة، قد كان لها أن تحقق فعلها -حينذاك- مقترنة بهذه المصادفة التي اختارت أبا يوسف يعقوب الكندي ذاته لهذه المهمة.
ومعنى ذلك ان قانون الضرورة وشكل المصادفة الذي تجلى به هذا القانون، قد حملا الكندي مهمة شاقة بقدر كونها مهمة تاريخية عظيمة، فهي اذن كانت تحتاج إلى شخصية قادرة على حملها بجدارة. فهل كان الرجل هذه الشخصية المطلوبة؟
يمكن الجواب؟ بكثير من الاطمئنان العلمي، انه كان كذلك بالفعل.
فقد اجتمعت في شخصه قدرات متنوعة امكنته ان يستوعب الكثير من معارف عصره بأعلى ما وصلت اليه المعارف البشرية في ذلك العصر من مستوى في التطور. [19]
ذلك يعني أنه كان مؤهلاً، بالفعل، لاداء مهمته العظيمة، وهي الاستجابة لدواعي الضرورة التاريخية التي كانت تقضي بانتقال الفكر الفلسفي عند العرب من مرحلة الارتباط بالفكر اللاهوتي إلى مرحلة الاستقلال.
وقد كان على الكندي ان يرسي بذلك أساساً متماسكاً للتقاليد الفلسفية المستقلة التي سيشيدها الفلاسفة العرب الاتون بعده.
فاذا كان من الثابت ان للتفكير الاعتزالي تأثيراً عميقاً في تكوين هذه الشخصية – وهو كذلك بالفعل- فإن من الثابت أيضاً- دون شك- تأثر الكندي بجملة من العوامل والمؤثرات التكوينية التي لا تقل شأناً عن ذاك، ان لم تكن -مجتمعة- أقوى فاعلية في توجيه نزعته الفلسفية توجيها مستقلاً عن الفكر الاعتزالي.
فإن التاريخ عرف الكندي رياضياً وفلكياً، وطبيباً، وكيميائياً، وفيزيائياً، وموسيقياً، كما عرفه فيلسوفاً ومتكلماً، وإذا راجعنا فهارس مؤلفاته في العلوم الرياضية والطبيعية والطب والموسيقى، فسنجد عددها ضعف عدد مؤلفاته في الكلام والجدل والفلسفة. [20]
وعلينا – من وجه آخر- ان ناخذ بالحسبان أيضاً ما سبق أن قلناه من أن الكندي كان تعبيراً عن ظاهرة اجتماعية، لا تعبيراً عن حالة فردية منعزلة.
ولهذا نقول انه كان من طبائع الأمور كذلك ان تنعكس في فلسفته، بنظامها العام المتكامل، ظاهرة التداخل الطبيعي بين مرحلة علم الكلام المعتزلي، أو الفلسفة ذات الشكل اللاهوتي، وبين مرحلة الفلسفة ذات الوجه المستقل، وان يعطي هذا الانعكاس معناه التاريخي، وهو تداخل مرحلتين للتطور الاجتماعي نفسه:
الأولى، مرحلة ازدهار علاقات الانتاج الاقطاعية التي كانت فيها سلطة الخلفاء قوية، فكانت أيديولوجيتها اللاهوتية قوية كذلك. [21]
والثانية، مرحلة انحدار هذه العلاقات وضعف دولة الخلافة واهتزاز أيديولوجيتها تلك وتصدعها، مع ظهور الكفاح الجماهيري وظهور الأيديولوجيات ذات الابعاد الطبقية غير الواضحة المعالم في ذلك الحين.
هاتان مرحلتان لم يحدث ان انفصلت احداهما عن الأخرى حينذاك، بل بقيت ظاهرات التداخل قائمة بينهما زمناً طويلاً.
لقد كان الكندي، كظاهرة فلسفية، تجسيداً لهذا التداخل بوجهيه: الاجتماعي والفكري. من هنا تلاقت في فلسفته اتجاهات متداخلة بكل تناقضاتها.
وكان التعبير الواضح عن ذلك أسلوب "الجمع" أو ما سموه "التوفيق" الذي افتتح به الكندي عهد استقلال الفلسفة العربية (الجمع بين الدين والفلسفة، بين الايمان والعقل، بين المعرفة المستمدة من الوحي الالهي والمعرفة العقلية والنظرية، بين ارسطو وافلاطون الخ..).
فيلسوف العرب:
أهل العصر الذي ظهر فيه الكندي، هم الذين اطلقوا عليه لقب "فيلسوف العرب" أو "فيلسوف الاسلام". فهو لقب قديم لم يخلعه عليه المؤرخون المتأخرون عن عصره.
لان اللقب – كما تدل نصوص المصادر- جاء بصيغتين (فيلسوف العرب، فيلسوف الاسلام).
فهو من حيث الدلالة التاريخية لا يعني سوى ظهور الكندي، كفيلسوف، في وقت لهم يكن قد ظهر فيه بين العرب والمسلمين، من له وجه فلسفي صريح المعالم غيره، فلم يكن القصد، اذن ، من هذا اللقب للكندي تمييزه من الفلاسفة الاسلاميين الاخرين غير العرب. [22]
واما الدلالة المسلكية لهذا الاسم، فهي تعني ان الكندي، رغم تنوع المعارف لديه ، ورغم ممارساته الابداعية في مختلف العلوم الطبيعية والرياضية والطب، ورغم صلته الفكرية الوطيدة بمتكلمي المعتزلة – رغم كل ذلك، غلبت النزعة الفلسفية عنده على سائر النزعات والمؤثرات وسلك المسلك الفلسفي الذي انطبع به تفكيره بوجه عام، بحيث كانت جوانبه الفكرية والعلمية الاخرى تخدم مسلكه الفلسفي وتحدد منهجيته الفلسفية وتشارك في بناء نظامه الفلسفي على الشكل الذي ظهر به تاريخياً وظهرت به الفلسفة العربية في أول تجلياتها خارج اطار علم اللاهوت. [23]
حصيلة الفصل الثاني :
كيف تجلت الفلسفة العربية بأشكالها الأولى المستقلة عن الفكر اللاهوتي؟
هناك ظاهرتان مختلفتان نوعياً برزت فيهما التجليات الأولى للفلسفة العربية بصورتها المستقلة:
الأولى، ظاهرة الكندي الموصوف تاريخياً بانه "فيلسوف العرب الأول"، كممثل لاول حركة فلسفية منفصلة نسبياً عن حركة علم الكلام المعتزلي.
والثانية، ظاهرة التصوف، كشكل اخر لهذه الحركة تعارض، جوهرياً، المنهج العقلاني لعلم الكلام المعتزلي.
بدأ بحثنا في الكندي بمعارضة فكرة ان هذا الفيلسوف العربي الأول هو "مؤسس" الفلسفة العربية، بالمعنى الدقيق للكلمة، لأننا اعتبرنا أساس هذه الفلسفة قد بني خلال مرحلة سابقة على أيدي المعتزلة مؤسسي علم الكلام، ولكن أهمية الكندي انه كان ممثلاً لتيار فكري جديد نابع من ظروف مرحلته الاجتماعية التاريخية، ومعبراً عن اتجاه الفكر الفلسفي العربي، في تلك المرحلة، نحو الانفصال عن اللاهوتية الاسلامية. [24]
كان تقسيم المعرفة عنده حسب موضوعها، وبما ان الموضوع نفسه ينقسم عنده إلى حسي، وعقلي، و "الهي" ، فقد جعل الكدي اقسام المعرفة كذلك: فهي معرفة حسية ، ومعرفة عقلية، ومعرفة "الهية" يسميها" علم الربوبية" ، وهي التي يكون موضوعها الله والشريعة.
فالكندي يرى أن هناك مصدرين للمعرفة: المصدر الالهي (المعرفة التي تصلنا عن طريق الانبياء والرسل)، والمصدر البشري.
فهناك اذن: علم الهي، وعلم بشري هو ما يحصل عليه الانسان من "علم الاشياء بحقائقها بقدر استطاعته".
لكن الكندي لا يحصر "العلم الالهي" بالانبياء والرسل، بل يرى أن علم الانبياء والرسل هو احد الطرق الموصلة إلى "المعرفة الالهية"، ويرى أن الفلسفة أيضاً من هذه الطرق.
لذا سمى الفلسفة التي تبحث في "العلة الأولى" للوجود باسم "الفلسفة الأولى" وفقاً لأرسطو ، لكونها "أشرف الفلسفة واعلاها مرتبة".
بناء على ذلك، يمكن أن يستنتج من تقسيمات الكندي المذكورة انه ليس من حدود يقف عندها عقل الانسان في طلب المعرفة:
فالكندي أول من وضع "علم الربوبية" ، أي علم ما وراء الطبيعة، على أساس فلسفي ، متجاوزاً الأساس اللاهوتي الذي وضعه علم الكلام قبله.
العلاقة بين الدين والفلسفة: كانت هذه المسألة احدى أهم مشكلات المجتمع والفلسفة معاً في عصر الكندي، أذ اتخذت الشكل الجديد لمشكلة العلاقة بين الايمان والعقل. [25]
وهي في الواقع انعكاس -بشكل ما- لقضية الصراع الايديولوجي الذي اخذ يحتدم في ذلك الحين.
اما موقف الكندي في هذه المسألة فيتميز بالتردد وعدم الحسم، وهذا الموقف الحائر يعكس موقفه الايديولوجي المتردد أيضاً ، فهو على رغم ما رأيناه من اصالة نزعته الفلسفية ومن دفاعه الجريء الصريح عن الفلسفة قبالة خصومها المحافظين ، ظل محافظاً على ارتباطه الوجداني بالمسلمات اللاهوتية، الذي تحول إلى نوع من الارتباط الفلسفي بها تبريراً لسيطرتها الوجدانية عليه.
لم يستطع الكندي، ان يحل مشكلة العلاقة بين الدين والفلسفة، رغم محاولاته المسيطرة على مجمل اعماله الفلسفية. [26]
كيف يجيب الكندي عن السؤال الكبير القديم للفلسفة: هل عالمنا المادي حادث أم قديم، أي هل هو مخلوق أم غير مخلوق.. واذا كان مخلوقاً، هل خلق من وجود ام من عدم (من شيء ام لا من شيء)؟
مقارنة مع أرسطو :
يجيب الكندي عن السؤال هكذا: العالم حادث، مخلوق من عدم.
وبهذا الجوب يبدأ اختلافه عن أرسطو من حيث الجوهر، وان كان حتى في نقاط اختلافه معه، يستعمل المقولات والمصطلحات الارسطية ذاتها ولكن بمضامين غير ارسطية. كما يستعمل ، مثلاً، اطلاح "المحرك الأول" واصطلاح "العلل" الاربع، دون ان يأخذ بالمضمون الارسطي لهذين الاصطلاحين.
ان أساس الاختلاف بين الكندي وارسطو هنا هو اختلاف منطلق كل منهما عن منطلق الآخر في تحديد مفهوم الله: ارسطو ينطلق من نظرة عقلانية، ويعالج القضية بطريقة عقلانية، فالله عنده عقل نظري وليس هو "الله" الديني العادي، هو عقل صاف محضاً ، على حين ان الكندي ينطلق ، بمفهومه عن الله، انطلاقاً مباشراً، من المسلمات الدينية المحض، فموقفه هنا اذن موقف ديني أكثر منه فلسفياً. اما الجانب الفلسفي منه فيقتصر على اشكال الاستدلال. [27]
مقارنة مع أفلاطون:
وكما كان الكندي، في مفهومه عن العالم والله، مختلفاً عن أرسطو، كان مختلفاً كذلك عن افلاطون في وضعه قضية العلاقة بين الله والعالم.
ذلك ان الكندي لا يعترف بوجود حقيقي ازلي غير وجود الله الواحد خالق كل شيء من لا شيء.
اما افلاطون فيقول، حسب نظرية "المثل"، بوجودات حقيقية ازلية متكثرة بقدر كثرة الانواع والاجناس والاشياء في العالم الحسي التي هي ظلال أو اشباح لـ"المثل" الازلية القائمة في عالم "الافكار".
معنى ذلك ان الوضع الافلاطوني لقضية الوجود الحقيقي يختلف اختلافاً أساسياً عن وضع الكندي للقضية من عدة جهات:
- من جهة تعدد الوجودات الازلية عند افلاطون ، ووحدانيتها عند الكندي.
- من جهة عدم الاعتراف بوجود حقيقي في العالم الحسي عند افلاطون، والاعتراف بوجود حقيقي موضوعي لهذا العالم عند الكندي.
- من جهة انه لا شيء في العالم الحسي مخلوق من لا شيء عند افلاطون، ما دامت اشياء هذا العالم وانواعه ليست سوى انعكاسات لما يطابقها في عالم "الافكار" ، فهي اذن ناشئة عن "الافكار" وليست ناشئة من لا شيء. اما عند الكندي، فكل شيء في عالمنا من لا شيء.
- من جهة ان سبب وجود الاشياء في عالمنا متعدد عند افلاطون لان لكل منها سببا هو "المثال" المطابق لها في عالم "الافكار". في حين ان سبب كل شيء في هذا العالم، واحد أحد هو الله، عند الكندي.
- من جهة ان الله ("الفكرة") عند افلاطون جوهر العالم. فالعالم اذن ليس خارج الله، والله ليس مفارقاً للعالم، أي أن افلاطون ينتهي بذلك إلى القول بالوهية العالم، وينفي الازدواجية بين الله والطبيعة. اما عند الكندي، فإن الله – بما أنه خالق العالم- هو خارج العالم مفارق له، أي هناك ازدواجية بين الله والعالم. [28]
[1] من مقالة كتبها ماركس في ملحق "الجريدة الرينية" ، العدد 195 ، 14 تموز (يوليو) 1842.
[2] حسين مروة – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الثاني – دار الفارابي – بيروت 1985 ص 11
[3] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص12
[4] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص13-14
[5] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص18
[6] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص19
[7] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص20
[8] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص21
[9] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص22
[10] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص23
[11] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص24
[12] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص26
[13] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص27
[14] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص28
[15] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص30
[16] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص45
[17] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص46
[18] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص47
[19] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص48
[20] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص50
[21] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص52
[22] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص53
[23] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص54
[24] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص123
[25] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص126
[26] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص128
[27] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص130
[28] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص131

