يشهدُ التاريخُ لحظاتٍ يتوقف فيها الزّمن، ويخجل فيها الموتُ من نفسه ويتبرأ مما فعل، ويقف أمامها اللّامستحيل عاجزاً، هكذا هو رحيل الثائرين موجعًا حد الجحيم، فكيف إن كان رحيلُ قائدٍ بحجم المسافات ما بين السماء والأرض، رحيل قائد بحجم جورج حبش .
يوم رحيله انتحبت فلسطين، بكته المدن والشوارع والأزقّة، معلنةً حداداً لن ينتهي إلّا باندحار سرطان الاحتلال والتحرر من براثن العدو الصهيوني، الذي مقته جورج حبش وأقام المعجزات في سبيل اقتلاعه من أرضنا.
في الذكرى الرّابعة عشر لرحيل هذه القامة الوطنية العظيمة، أجرت الهدف مقابلةً مع المناضل الفلسطيني القائد صلاح صلاح، أحد أبرز مؤسسي الجبهة الشعبية، ومن أوائل الملتحقين بصفوف حركة القوميين العرب، الذي أكّد خلال حديثه معنا على أهم النقاط التي استند عليها القائد الرّاحل جورج حبش في إطار العمل الوطني والتي تمثلت في بناء حزبي قوي، واتخاذ الفعل المسلح وسيلة رئيسية في مواجهة العدو، إلى جانب تحقيق الوحدة الوطنية والتعبئة الجماهيرية.
اللّقاء الأوّل
وقال صلاح: "التقيت في الحكيم جورج حبش لأوّل مرة عام 1952، ويكاد يكون الرجل الوحيد الذي أذكر جيداً تاريخ لقائي به، نظراً لارتباطه بصورة لن تغادر ذهني أبدًا، حيث جاء الحكيم في زيارة من الأردن لتشكيل أول هيئة لحركة القومين العرب في الجنوب اللبناني في "صيدا"، وليتَفقد الوحدات الحزبية التي تشكلت بعد مغادرته".
وأضاف "هذا اللّقاء كان له أثر كبير في نفسي، حيث كنت شاب صغير في مقتبل العمر يلتقي مع شخص متواضع تسيطر على وجهه كل ملامح الطيبة والجدية في العمل ويمتلك قدر عالي من التفاؤل، وأضاف، "لقد كان لدى الحكيم قدرة هائلة على بث أجواء عالية من التفاؤل فيمن حوله، حتى بتنا نشعر وكأن تحرير فلسطين على الأبواب".
وأفاد بأنه تعرّف على الحكيم بشكل أعمق خلال فترة عمله، في مجلة الرأي التي كانت تعد مركزاً سياسياً وأيديولوجياً وفكرياً لحركة القوميين العرب، وأشار إلى أنه لمس في الحكيم قدرةً استثنائية على العمل، "حيث كنا نذهب إلى مجلة الرأي، ليكون أول المتواجدين ليشرف على إصدار المجلة وتحضير المادة، والإشراف على التوزيع والنشر".
سمات قيادية
ولفت صلاح إلى أنّ الحكيم كان قمّة في العطاء، ويرهق نفسه بالعمل، كما كان شديد التواضع مع رفاقه والعاملين معه، وامتاز ببساطته الشديدة التي لم تنتقص من هيبته شيئاً، "ولديه قدرة عالية على الإقناع، وأفكاره كانت تصل العقل والقلب في الوقت ذاته".
ونوّه إلى أنّ "الحكيم هو الرجل الذي يمكن أن تعطيه كل الثقة والاحترام والتقدير، وأنّ هذا التكوين لصورة الحكيم لم يأتي صدفة، بل جاء نتاجاً لمجموعة كبيرة من الصفات والمؤهلات الفكرية العظيمة التي امتلكها هذا الرّجل".
مرتكزات مفصلية
وأشار صلاح إلى وجود مرتكزات أساسية ومفصلية عند الحكيم جورج حبش -في إطار العمل الوطني والقومي-، أبرزها إيمانه المطلق ببنية الحزب الذي كان يرى فيه الضّمانة للمستقبل ولتحقيق الانتصارات وكان يرى بأنّه لا يمكن الانتصار بدون حزب قوي ومتماسك، معطاء وتضحوي تمثله قيادة تمتلك المقومات التي تؤهلها للاستمرار بالنضال وتمارس دور فاعل لاتخاذ القرارات الصائبة والمناسبة.
وتابع القول: كان الحكيم يقول "عندما تتعقد الأمور وتتشعب علينا التركيز على الوضع التنظيمي للجبهة الشعبية؛ فالتنظيم القوي والحزب المتين الفاعل ميدانياً، هو المدخل لمعالجة القضايا والأزمات الأخرى التي يبدو من الصّعب التغلب عليها".
وأوضح بأنّ المرتَكز الثاني لدى الحكيم كان "التعبئة الجماهيرية"، والاهتمام في قضايا المواطنين وكسب ثقتهم، حيث كان يرى بأنّ تشكيل حزب طليعي قادر على قيادة الجماهير لا يمكن أن يتم من خلف المكاتب، وهذا ما تمثل في سلوكه حيث دائماً ما كان يطالب بالالتقاء مع الجماهير والاختلاط معهم ومتابعة قضاياهم.
ولفت إلى أنّ الحكيم تميّز بوعيّه وإدراكه لطبيعة العدو الصهيوني على اعتباره عدو إحلالي توسعي لا داعي عدالة، "هذا الوعي الذي تشكّل عند الحكيم جعله يرى في العمل العسكري المسلح الوسيلة الأنجع والأمثل لمواجهة العدو الصهيوني، فلا سلام ولا اتفاقات يمكن أن تحدث معه، إيمان الحكيم كان أنّ العدو لا يمكن مواجهته إلا من خلال العمل العسكري والكفاحي".
وحول رؤية الحكيم للوحدة الوطنية رأى الحكيم أنّ تحقيقها لا يتم من خلال تمني ذلك فحسب بل تتحقق عندما يكون لديك حزب فاعل وقوي وله تأثير وقدرة على تحريك الجماهير وفاعلية بمواجهة العدو الصهيوني فعندما يكون هناك حزب قوي وفاعل سيتمكّن من أن يشكل مركز استقطاب للقوى الأخرى وتشكيل وحدة وطنية.
وتابع صلاح: " كان الحكيم يؤمن بتحقيق الوحدة الوطنية ولكن ليس مع كل فصائل العمل الوطني، حيث أنّ القيادات الفلسطينية التي تقيم علاقات مع قيادات "إسرائيلية" وتريد الاستمرار في المفاوضات وفي النّهج التفريطي، انتقلت إلى مربع الأعداء ولا يمكن طرح وحدة وطنية معها".
وأفاد صلاح بأنّ الفكر الثابت والأساسي لدى الحكيم هو تحرير كامل التراب الوطن الفلسطيني من النّهر إلى البحر دون التنازل عن أي شبر ولا ذرة تراب واحدة من أرض الوطن.
خسارة كبيرة
وأكّد صلاح على أنّ فلسطين برحيل حكيمها الدكتور جورج حبش، خسِرَت الرجل الموجّه والضابط لحركة مسيرة النضال الفلسطيني، كما خسرت العقل المفكر الذي يرى مخارج من الصعوبات التي تشهدها الساحة الفلسطينية والتي تعيش الآن أزمة حقيقية في العلاقات الفلسطينية، وأزمة في مواجهة عدونا ضمن التطورات على الصعيدين العربي والدولي.
وفي نهايةِ حديثه، أكّد صلاح على أنّ فلسطين بأمس الحاجة لـ "جورج حبش" جديد، وفكر شامل منفتح عميق قادر على قراءة الأحداث بشكل صحيح يساعدنا على الخروج من هذه الأزمة التي نعاني منها ومن هذا المأزق المهول الذي نعيشه.
حكيمنا جورج حبش، قائدنا وملهمنا، في ذكرى رحيلك سلامٌ لروحك الشامخة التي ما هانت ولا ضعفت يوماً، سلامٌ عليك في كل وقت وحين، يا ابن اللّد ويا ملجأَ الثائرين.

