في زمن الانتفاضة الأولى ـ الضفة الغربية ـ دارت الأحداث التي استوحاها سعد الله ونوس من مسرحية «الحياة المزدوجة للطبيب بالمي» الاسبانية التي كتبت عن حكم الديكتاتور فرانكو. جاءت مسرحية «الاغتصاب» (إخراج جواد الأسدي) عنوانا للتعذيب الوحشي وآثاره النفسية على كلّ من الطرفين وصولاً إلى العجز الجنسي. جندي شارك بأعمال وحشية على معتقل فلسطيني، وكان شاهدا عليها، من هنا بدأت رحلة الفضفضة للدكتور منوحين. تعود الفنانة اللبنانية سحر عساف لتنقل لنا صورة المجتمع الإسرائيلي والفلسطيني على خشبة مسرح ايروين، في الجامعة اللبنانية الأميركية، عبر نص من إعدادها مع روبرت مايرز، وترجمة ندى صعب وروبرت مايرز.
كلّ شيء بارد وقاتم على الخشبة. سينوغرافيا تبعت سجون وغرف التعذيب الزرقاء بإضاءة النيون المتلبد، وأجواء بيوت عائلتين حالكتي الأحوال. عائلة اسماعيل واسحق. لا أمل سوى وجود عربة الاطفال، للطفل وعد الفلسطيني المعتقل الأهل. في بيت العائلة الاسرائيلية عربة مماثلة. طفلان جمعتهما عربة وفرقهما الاغتصاب. قد يكون الموضوع حساسا خصوصا انه يطرح المشاكل التي يعاني منها شعب الاحتلال ضد «المخربين» (كما يسمونهم) وشعب الشهداء ضدّ المحتلين، خصوصا انّ ونوس اكّد عدم وجوب تقديم صورة الاسرائيلي بشكل هزلي وهذا فعلا ما احترمته سحر. كيف كل منهم يربي أطفاله، المعتقدات، ضخ الأفكار، وهنا فعلا تبدأ المعاداة بين الشعبين، وكيف أن إخصاء شاب فلسطيني أصاب بالعجز الجنسي الإسرائيلي الشاهد على تعذيبه، كلها حالات نفسية تمرّ على عيادة الدكتور منوحين ( بشارة عطا لله). حتى داخل العائلة الفلسطينية وجدنا طرح موضوع الفلسطيني العامل لدى العدو في أعمال البناء. وهذا انقسام صادق في معالجته لانه واقع مفروض على بعض اهالي الاراضي المحتلة حيث لا نعلم جيدا او لا يسلط الضوء بشكل كافٍ على حجم معاناتهم. سحر حاولت ان تمشي بين ألغام هذه العلاقات الشائكة. حاولت ان تقدم العائلة الفلسطينية والاسرائيلية بطريقة واقعية جدا. وهذا فعلا ما وصلنا. الاجواء جعلتنا نشعر بالتوتر حتى في مناغاة النساء لأطفالهم وكأنه أمل مفتوح بتصدير أعداء جدد. أحببنا النص ولم نشعر بغربته جدا بالرغم من ان اللغة الانكليزية لا تحمل الانفعالات المعبرة في مواقف مماثلة بعكس ذلك لو أنها قيلت بالعربية، لكن احيانا التشديد على اللفظ بطريقة الاسرائيليين بدت مزعجة على المدى الطويل. اما الاداء فمن الواضح انّ هناك من تمكن من الممثلين من إمساك الشخصية كسارة الام والفارعة والدكتور والمأمور، والشاب السادي الاسرائيلي، اما الآخرون فقدموا اداء باهتا ولم يغوصوا في شخصياتهم كما يجب. المبالغة التي تقترن عادة بالقضية الفلسطينية بدت موجودة في بعض المواقف، لكن سحر اجتهدت لحبك المشاهد خصوصا ان أغلبها قام على الكلام والمواجهات، حتى الايقاع تصاعد ببطء، لكن المخرجة من شدة لعبها على شحن الاجواء والنظرات ولحظات الصمت كانت تتدارك الفلتات الفارغة لتعود الاحداث وتندفع من جديد. برغم تفاوت بنية المشاهد والقاء الممثلين وبرغم طول بعض المواقف، قدمت المخرجة صورة صحيحة وواقعية جدا بصدق كبير.

