Menu

تلخيص كتاب المفكر الماركسي الشهيد د. حسين مروة: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية

المجلد الثاني

الحلقات من (9 – 11)

الفصل الثالث: الفلسفة العربية في تجلياتها الأولى

2 – التصوف:

أ- التصوف السلوكي (الزهد):

اذن نحن القينا نظرة على معركة الاراء والافتراضات الدائرة حول منشأ التصوف الاسلامي بخصوصه، وحول مصدره الأساسي، أو مصادره الأصلية، وجدنا هذه النظرة المثالية، الاحادية الجانب، تسود المعركة بكاملها.

ففي حين يرجع بعضهم أصل هذا التصوف ، بمختلف أشكاله وأطواره ومراحله، إلى المؤثرات الخارجية: المسيحية، أو الزرادشتية، أو الهندية، أو الغنوسطية القديمة، أو الافلاطونية المحدثة، أو إلى هذه جميعاً في وقت معاً، يرجعه بعضهم الآخر إلى "الوحي الاسلامي" نفسه، ويعده "الجانب الجوهري" من هذا "الوحي" ، ويصفه بأنه "قلبه" – أي قلب الوحي الاسلامي- "وبعده الداخلي الباطني"، أو هو –أي التصوف- "حركة تستهدف" تعميق المضامين الروحية".

ومن جهة أخرى ، نجد علماء النفس البرجوازيين "يرون أن المتصوفة صنف من المرضى النفسيين".

ونجد أصحاب المذاهب التجريبية والعقلية "ينكرون ظاهرة التصوف بدعوى انها لا تخضع لمعايير المنطق العقلي واحكامه".

كل أولئك على اختلاف اتجاهاتهم ومنطلقاتهم الفكرية، يلتقون في موضوع التصوف عند نقطة مشتركة، هي رؤية الموضوع من جانب واحد، دون رؤية جوانبه الآخر، ولا سيما الجانب الأساس الذي يربط ظاهرة التصوف، السلوكية والنظرية، بواقع العلاقات الاجتماعية المعينة في ظرفها التاريخي المعين.[1]

التصوف، بمختلف ظاهراته، انما هو – في الاساس- نتاج الواقع الاجتماعي، وليس ظاهرة نفسية منعزلة ، بالمعنى المثالي والميتافيزيقي للظاهرات النفسية والروحية، كما يفهمها علم النفس البرجوازي.

وجدت في "القرن الاول في الاسلام العوامل الكثيرة التي شجعت على ظهور الزهد وانتشاره، كالحروب الأهلية الطويلة الدامية التي وقعت في عهد الصحابة وبني أمية، والتطرف العنيف في الاحزاب السياسية وازدياد التراخي في المسائل الاخلاقية وما عاناه المسلمون من عسف الحكام المستبدين".

هذه العملية صحيح انها، من حيث الاساس، سواء بنشأتها ام بتطورها، نتاج الوضع الاجتماعي، ولكن لها – مع ذلك- منطق حركتها الداخلية الذي هو مستقل، نسبياً، اثناء تفاعلاته المتنوعة: ذلك أن المنطق الداخلي لهذه العملية المعقدة يمكن ان يتحرك احيانا باتجاهات قد لا نجد علاقة ظاهرة بينها وبين الاتجاهات المباشرة للواقع الاجتماعي.

نحن، إذن، لا ننظر إلى الظاهرات هذه نظرة احادية الجانب. ولكنا – في الوقت نفسه- لا نساوي بين مختلف العوامل من حيث تأثيرها في تلك الظاهرات ، بل نضع في الحسبان ان العامل الأساس في التأثير هو الاتجاه العام لحركة العلاقات الاجتماعية في مجال صيرورتها المستمرة.

حركة الزهد: أصولها الاجتماعية والسياسية

بدأت حركة التصوفه وجودها الجنيني ببدء حركة الزهد خلال القرن الأول الهجري (السابع). [2]

فقد ظهر في هذه المرحلة شخصيات مرموقة في المجتمع العربي – الاسلامي سلكت مسلك الزهد بمفهومه السلبي، أي اعتزال مجالات النشاط الاجتماعي والسياسي العام، وحصر طاقاتها في نشاط العبادة لله.

لم يكن ذلك عملا ذاتيا فرديا اختاره أولئك "الزهاد" بملء ارادتهم وبمعزل عن أحداث مجتمعهم وزمنهم. بل كان ذلك نتاج هذه الأحداث نفسها، أي ان هذه الشخصيات الزهدية كانت تمثل ظاهرة اجتماعية تجلت بهذا الشكل المعين تعبيراً عن موقف سياسي سلبي حيال مجمل الأحداث التي كانت تهز المجتمع العربي وهو في ذروة مسيرته نحو التكون والتكامل بسرعة مذهلة.

لكن، ينبغي التفريق بين زهد بعض كبار الصحابة، وبين مسلك أولئك الشخصيات الذي أخذ يبرز منذ برزت آثار الانتفاضة الاجتماعية الأولى التي كان الخليفة الراشدي الثالث، عثمان بن عفان، هدفها المباشر، إلى أن أخذت أثار هذه الانتفاضة تتعاظم فتتحول إلى أحداث دامية.

ان الفرق بين هذين المسلكين يتحدد بأن الأول، أي مسلك الصحابة، يتسم بالطابع الاخلاقي، لانه اقتصر على التزام أسلوب العيش اليومي البسيط المتواضع، دون أن يتجاوز ذلك إلى طابع الظاهرة العامة، ودون أن يحمل موقفاً متميزاً أو نظرة متميزة في الشعائر الاسلامية أو في طبيعة "الميتافيزيقاً" الاسلامية، أو في المسائل الاجتماعية الاساسية ، أو في مسألة المعرفة ومصادرها.

كان هذا المسلك "الزهدي" متأثراً بالنشأة الأولى للاسلام والمسلمين الأولين البسطاء قبل أن تدخل في نظام حياتهم آثار التغيرات الناشئة عن ظروف الفتح خارج شبه الجزيرة.

أما المسلك الآخر، فقد اتسم بطابع مختلف جداً. كان ظاهرة شائعة من ابرز ظاهرات المجتمع الجديد، اتخذت شكلاً دينياً ولكن جوهرها اجتماعي سياسي.

فهي – من حيث الواقع والجوهر- نمط حاد من انماط رد الفعل لمجمل الأحداث الخطيرة الدامية والصراعات السياسية المتلاحقة منذ مصرع الخليفة عثمان. [3]

ان الطبيعة الخاصة لهذا المسلك "الزهدي" هي -بالتحديد- طبيعة الموقف السياسي المعارض، تجاه هذه الاحداث والصراعات. غير أن محتوى المعارضة بدأ محتوى سلبياً عدمياً أول الأمر.

فإن فريقاً من الرجال الاسلاميين البارزين وقفوا من الأحداث الدامية، بعد مقتل عثمان مباشرة، موقف الرفض للقتال دون أن يبادروا إلى المشاركة الايجابية في المعركة، أي دون ابداء الرأي الصريح وتحديد مكان الخطأ أو الباطل ومكان الصواب أو الحق في هذه المعركة، ودون الوقوف إلى جانب الصواب والحق لرد الخطأ ودحض الباطل. بل حملهم الرفض على الوقوف خارج المعركة معتزلين كلا الجانبيين، معتكفين في منازلهم زهداً بممارسة الحياة العامة، وايثاراً للانكماش على النفس في عبادة الله وكفى.

ولكن الموقف السلبي العدمي المتمثل بهذا الفريق من "الزهاد" ، لم يستمر طويلاً ، فقد اخذت ظاهرة الزهد تبرز وتنتشر بشكل آخر في أوساط المثقفين ومن مارسوا اعمالاً سياسية أو ادارية.

أي انها اخذت تبرز بوصف كونها ظاهرة ، مضمونها معارضة الأوضاع الاجتماعية والسياسية القائمة في ظل الاستبداد الأموي وفي ظروف ازدياد التمايز الاجتماعي الفاحش بين اثراء الحاكمين المفرط وافقار الفئات الاجتماعية العريضة، ومنها المثقفون والمجاهدون السابقون في سبيل الاسلام. [4]

فهذا – مثلاً- عبدالله بن عمر نفسه، الذي رأيناه في جملة من اعتزلوا الأحداث اعتزالاً عدمياً بعد مقتل عثمان، كما تقدم، نراه في عهد الحجاج الطاغية يعلن هذه المقولة الصريحة الصارخة: "ما شبعت منذ مقتل عثمان".

ولم يكن عبدالله بن عمر، حين اطلق صرخته هذه، يشكو جوعه هو شخصياً ، وانما كان يريد بذلك اعلان موقف المعارض للمظالم الاجتماعية السائدة عهد الحجاج، بقدر ما كان سلوكه الزهدى نفسه تعبيراً عن هذا الموقف المعارض.

أي ان الزهد، في تلك الحقبة، لم يبق سلوكاً عدمياً يعبر عن موقف "الحياد" والهروب من المعركة السياسية الدائرة، بل دخل المعركة منحازاً إلى صفوف المناهضين للتسلط الاجتماعي – السياسي الجائر.

وقد ظهر في أوساط الزهاد، الذين تكاثروا حينذاك، من حملوا بمسلكهم الزهدي مضمون هذا "الانحياز". بمعنى انه أصبح ظاهراً ، منذ النصف الثاني للقرن الأول للهجرة (السابع)، ان مسلك الزهد في الكوفة أو في البصرة أو في مصر، ليس – كما كان بعد مقتل عثمان مباشرة – هروبا من المعركة ، بل احتجاجاً سلبياً على واقع العلاقات الاجتماعية والسلطات السياسية الممثلة لها، بما تحدثه من ظلم في المجتمع، أي ان الظلم الاجتماعي كان هو الباعث للناس في الكوفة والبصرة على الزهد وهو "الزهد الاتي من الاحداث التي تناوبت (...) من قتل ذريع ومن خيانة ومن نصرة للباطل ومن حسرة على العجز عن رد الظلم".

ومن هنا كان غولد تسيهر على حق اذ نظر في اخبار النسك والزهد التي تنسب إلى أصحاب هذه النزعة حينذاك ممن كانوا ابطالا في الجهاد للاسلام، فاستخلص من هذه الاخبار ان "الليل إلى الزهد كان مرتبطاً بالثورة على السلطة القائمة" وان كثيراً من المسلمين "لجأوا، احتجاجاً عل ما ينكرون من حكومة ونظام، إلى الاعتكاف والزهد".

نجد في الحسن البصري (22 - 110 ه / 642 – 728م) ، وهو الشخصية الفكرية العالية القدر يومئذ، النموذج الأول والابرز لهذا النمط من زهاد القرن الأول الهجري في البصرة. [5]

فقد رأينا معبدا الجهني وعطاء بن يسار يأتيان الحسن البصري، فيقولان له : "يا أبا سعيد، هؤلاء الملوك (المقصود ملوك بني أمية) يسفكون دماء المسلمين، وياخذون اموالهم ، ويقولون: انما تجري اعمالنا على قدر الله تعالى". فيقول لهما الحسن البصري: "كذب اعداء الله".

فها هو ذا الزاهد البصري الأول ينطلق، هنا، بأكثر من ابداء الرأي الصريح في مسألة القدر ، بالرغم من أن هذا الرأي بذاته كان يعد تحديا شديداً ومباشراً للحكام الامويين.

أما خصائص هذا الزهد، في تلك المرحلة، فيمكن رؤيتها – بعدما تقدم – على الصورة التالية:

أولاً، مضمونها الأساسي: وهو موقف الرفض الصريح لمجرى الأوضاع الاجتماعية والسياسية كما تصرفها السلطة الاموية المسيطرة.

ثانياً، اشكال تجلياتها السلوكية، وهي تتلخص: بالانقطاع عن ممارسة كل نشاط في كل مجال من مجالات النشاط الاجتماعي، والتفرغ لممارسة الشعائر الدينية وحدها ، مع قهر النفس على احتمال اشق حالات هذه الممارسة، وحرمانها كل مشتهيات العيش، واستشعار الحزن والقلق الدائم من عواقب "الذنوب".

تظهر هذه المحاولات : اما بشكل ابداء الرأي الصريح في الأحداث والأوضاع الاجتماعية والسياسية الحارية، كما كان الحسن البصري يفعل في مواقفه الاخيرة. واما بشكل التحلق باحدى الانتفاضات المسلحة على نظام الحكم الاموي، كما فعل سعيد بن جبير ، أحد زهاد الكوفة. واما بشكل ثبات بطولي على الولاء لاشد خصوم الامويين إلى حد تعريض النفس للهلاك، كما فعل الكثير من زهاد الشيعة، في عهد الحجاج بالاخص، أمثال كميل بن زياد النخعي. [6]

التصوف الجنيني في حركة الزهد :

كانت حركة الزهد، في الحقبة التاريخية المذكورة، تحمل في احشائها بذور اتجاهات جديدة في النظر إلى الحياة والكون، وفي تأويل النصوص الاسلامية لتحديد موقف جديد تجاه الشريعة وتجاه النبوة والامامة وغيرهما من مفاهيم الاسلام، ولاكتشاف مصدر جديد للمعرفة.

هذه الاتجاهات التي نجد بذورها الجنينية في الزهد، سنجدها جميعاً في التصوف .. ذلك كله اذن جانب فكري، وهذا هو الجانب الذي يربط ظاهرة الزهد، في تلك المرحلة المعينة، بحركة الفكر العربي.

وانطلاقاً من هذا الجانب ذاته سيتحول الزهد، في مسيرة تطوره اللاحق، إلى قطاع واسع من قطاعات الفكر الفلسفي العربي، هو التصوف ، الذي سيؤدي دوراً متميزاً في مجال الصراع الايديولوجي اللاحق.[7]

الاساس النظري للتصوف، كحركة فلسفية، يبدأ من فكرة الوصول إلى المعرفة بطريق "الكشف"، أو "المشاهدة" أو "الاشراق" ، أو "الحدس" (النفساني).. لكن الوسيلة العملية إلى ذلك هي سلوكية تقوم اصلاً على ما يسمى ، باصطلاح الصوفية، بـ"مجاهدة" النفس، أي ترويضها على احتمال اشد الالام وكبح شهوتها عن الملذات والمسرات الحسية (الدنيوية).

وعلى هذا الأصل السلوكي قامت النظم والتقاليد الصوفية كلها، بمختلف اشكالها الطرائقية والمذهبية. ومن هذا الأصل ذاته يبدأ النسب الحقيقي الذي يصل ما بين الزهد، بمعناه التاريخي، والتصوف. [8]

صحيح أن ظاهرة الزهد الأولي لم تكن لها صلة اطلاقاً بمسألة "المعرفة" التي قلنا انه ابتدأ منها الاساس النظري للتصوف، كحركة فلسفية. بل كانت -أي ظاهرة الزهد- عند نشأتها لا تعترف بمصدر للمعرفة (معرفة الله والشريعة) غير المصدر الذي قرره الاسلام (الوحي الالهي على النبي). نقول : صحيح ذلك، ولكن الصفة "النظرية" للزهد تأتيه من جهة أخرى نوضحها في ما يلي:

اذ كانت حركة الزهد الأولى – باصلها وجوهرها – رد فعل سلبياً مباشراً لواقع الأوضاع الاجتماعية والسياسية لعصرها وبيئتها، فقد جاءت كلمة "الزهد" نفسها – بدلالتها اللغوية- تعبيراً عن المضمون الواقعي السلبي المباشر أيضاً لرد الفعل المذكور ، أي تعبيراً عن اعتزال الصراع القائم، وترك كل تعامل نشيط مع شؤون الحياة اليومية للمجتمع. بل ربطوا صحة الزهد بقدر الامعان في كراهية "الدنيا" واحتقارها "لان حب الدنيا رأس كل خطيئة، والزهد في الدنيا رأس كل خير وطاعة" كما يقول الطوسي.

ان هذا الموقف "النظري" العام، قد استدرج زهاد تلك الحقبة إلى اجتهادات خاصة في تفسير نصوص من القرآن والحديث وفقاً لما يستلزمه منهم هذا الموقف.

وبناء على هذه الاجتهادات الخاصة ذهبوا إلى تفضيل العبادة الدينية الخالصة على العمل الاجتماعي وكسب وسائل العيش، وحرموا على أنفسهم ملذات الحياة ومسراتها المشروعة في الاسلام نفسه مثلاً: اطايب الطعام والشراب، اناقة الملبس والمظهر، وكل ما له علاقة برفاهة العيش، بل كاد بعضهم يمتنع عن الوصال الجنسي.

كانت هذه "الاجتهادات" الزهدية الأولى نواة لمنهج "التأويل" الذي اعتمده الصوفية الاسلاميون بعد ذلك، وهو المنهج الذي صدرت عنه تلك المقولة التصوفية المعروفة التي صارت الأساس لاجتهادات أهل التصوف بمختلف طوائفهم وطرائقهم واتجاهاتهم في المجتمع العربي – الاسلامي، منذ القرن الثالث الهجري (التاسع) حتى الآن. [9]

نعني بها مقولة "الظاهر والباطن".. لقد فتحت هذه المقولة امام الصوفية طريقاً عريضة إلى معارضة الفكر الديني الرسمي: عقيدة ، وشريعة.

فعلى اساسها اقاموا الفكرة القائلة بان للقرآن مضمونا "ظاهرياً" هو منطوقه الذي تؤديه الدلالات اللغوية والبيانية المباشرة كما يفهمها عامة الناس، ومضموناً "باطنياً" هو – عندها- المضمون الحقيقي الذي لا يتكشف الا "للراسخين في العلم" ، أي في "العرفان" ، وهم الصوفية "العارفون".

وقد سموا المضمون الأول بـ"الشريعة" ، وسموا المضمون الثاني بـ"الحقيقة" ووصلوا بعد ذلك إلى القول بـ"سقوط الشريعة اذا كشفت الحقيقة"، أي عدم التزام الصوفي باحكام "الشريعة" حين تنكشف له "الحقيقة".

ان التصوف بدأ كينونته الجنينية زهدا مسلكياً عدمياً، ثم تطور إلى موقف فكري يتضمن معارضة ذات وجهين: ديني (التأويل) وسياسي (استنكار الظلم الاجتماعي والاستبداد).

وسنرى – بعد- كيف يتحول في المرحلة العليا لتطوره إلى شكل جديد من أشكال الوعي الفلسفي عند العرب في القرون الوسطى، يتميز من الفلسفة نفسها بمقولاته الخاصة وبمنطق حركته الخاص.

وهذا التحول الاخير يرتبط من حيث مضمونه بتحول التصوف، في مرحلته الاخيرة تلك، إلى كونه تعبيراً عن موقف أيديولوجي، كما سنرى في مجرى البحث. [10]

هذه الخطوط العامة لتطور العلاقة العضوية بين الزهد والتصوف، يؤكدها – في جملة ما يؤكدها- سياق التطور الاصطلاحي لكلمة التصوف.

فإن علاقة التحول من الزهد إلى التصوف، في مجال المضمون، قد سبقتها علاقة تحول مثلها في مجال المصطلح والتسمية.

وما لدينا من المصادر والمراجع المتخصصة في تاريخ التصوف، تكاد تتفق على أن مصطلح "الصوفي" اطلق على كثير من الزهاد، كما اطلق مصطلح "التصوف" على حركة الزهد، قبل أن يتحول الزهد بمفهومه الأولى إلى التصوف بمفهومه النظري الفلسفي. [11]

حدث نوع من التواصل التاريخي بين مصطلحي: الزهد والتصوف خلال زمن يكاد يبلغ القرن (ما بين القرن الأول والقرن الثاني الهجريين)، وان ذلك حدث في الزمن ذاته، على معظم المساحة العمرانية التي كانت تمتد اليها سلطة الدولة العربية- الاسلامية (العباسية).

لكن هذا الواقع لا يعني أن التحول النوعي المنتظر، أي تحول الزهد بمفهومه الأولى البسيط إلى التصوف، بمفهومه النظري الفلسفي، قد حدث بالفعل خلال ذلك التواصل التاريخي بين المصطلحين في القرن الثاني الهجري. [12]

الطابع النوعي لظاهرة الزهد، من حيث المضمون، كان – اذن- خلال القرن الثاني الهجري، لا يزال هو طابع الزهد التقليدي بوجه عام، أي انه لم يبلغ – بعد- مرحلة التحول إلى التصوف النظري، بل يسوده نوع من الركود يمكن تسميته بـ"الاستمرارية التاريخية" التي نقصد بها انقطاع النمو والتطور.

والواقع ان الزهد، من حيث كان موقفاً سياسياً حيال الصراع السياسي الدموي أول الأمر، ثم حيال الاستبداد والظلم الاجتماعيين بعد توطد الحكم الاموي وخلال عهد الحجاج الطاغية بالاخص، بقي- أي الزهد- محافظاً على موقفه ذاك حتى بدايات القرن الثاني الهجري.

وبعد ذلك نجد ظاهرة الزهد قد اخذت تنفصل -نسبياً- عن مصدر وجودها، أي ان بعدها الاجتماعي – السياسي أخذ يتوارى ليظهر بعدها الديني مستمداً من طبيعة شكلها الذي برزت به كظاهرة سلوكية، بمعنى ان الجانب الديني للزهد، الذي هو جانبه الشكلي، أخذ حينذاك يتغلب على جانبه الاجتماعي – السياسي الذي كان أساس وجوده. وذلك حصل – كما نعتقد- بفعل عاملين اثنين: [13]

العامل الأول- ان ظاهرة الزهد، بالرغم من كونها بدأت تعبيراً عن موقف اجتماعي وسياسي لرفض الظاهرات الصراعية المعينة في المجتمع، اتخذت – مع ذلك- شكل عزلة لا عن أحداث الصراع السياسي وحدها، بل عن كل حركة النشاط العملي الاجتماعي بوجه عام. وسلك الزهاد خلال هذه العزلة مسلكاً دينياً خالصاً منقطع الصلة بالواقع الاجتماعي، بل منقطع الصلة حتى بالجانب العملي الدينامي من الاسلام نفسه.

والعامل الثاني، تطور الصراع الاجتماعي والسياسي في المجتمع الاموي. فقد كان هذا الصراع يزداد تطوراً وتعقداً كلما اتسعت قاعدته الاجتماعية، أكثر فأكثر، حتى شملت قطاع القوى المنتجة الاساسية في هذا المجتمع.

نعني جماهير الفلاحين الفقراء الذين كانت ترهقهم فداحة الضرائب وقسوة أنظمة الجباية والجباة، فتدفهم إلى حلبة التناقضات المتصارعة ، وتخلق لديهم الأساس المادي لان يكونوا طرفاً طبقياً، بصورة موضوعية فقط، داخل هذه الحلبة.

ان هذا التطور قد تجاوز ظاهرة الزهد، كموقف اجتماعي، أي ان هذه الظاهرة أصبحت عاجزة عن ان تعبر، في ظروف التطور المذكور، عن موقف اجتماعي يتناسب مع هذه الظروف الجديدة المعقدة.

ذلك لان تطور الصراع على نحو ما وصفناه، أصبح يتطلب انعكاساً أو تعبيراً ، في المستويات الفكرية، أعلى مما كان يتطلبه بروز ظاهرة الزهد في منتصف القرن الأول الهجري. وهذا الانعكاس أو التعبير "الأعلى" المطلوب الان هو "الموقف الايديولوجي".

ولم يكن الزهد – بمفهومه "الميتافيزيقي" الذي انتهى اليه عند بداية القرن الثاني الهجري – مؤهلاً حينذاك لتقديم موقف ايديولوجي بمستوى الحاجة المرحلية، ولكن كان -في الوقت نفسه- يتقدم لسد هذه الحاجة، أسلوب اخر للانعكاس الفكري يتمثل في موقف "القدرية" الذي كان حينذاك يتطور إلى حركة لها ابعادها الاجتماعية واسسها الفكرية، هي حركة "المعتزالة".

على أن السمة المميزة الاساسية لهذه الحركة (المعتزلة) هي اتجاهها "العقلاني"، وهذا الاتجاه يخالف من وجوه عدة اتجاه ظاهرة الزهد التي بدت متحولة – كما قلنا- إلى نوع من "الاغتراب"، وهو -في واقعه- "اغتراب" حتى عن "العقلانية" ذاتها.

ذلك يعني ، بمجمله، ان التيار "العقلاني" خلال القرن الثاني الهجري (الثامن)، هو الذي كان يلبي حاجة التطور الاجتماعي إلى الانعكاسات "الايديولوجية" على الصعيد الفكري، وان التيار الزهدي باتجاهاته التقليدية الصرف قد تخطاه الزمن.

غير اننا نلحظ ، بعد منتصف القرن الثاني الهجري، تحركاً داخلياً، ولكنه خفي وبطيء ، بدأ يتخلل تلك الاستمرارية التاريخية لظاهرة الزهد.

هذا التحرك الداخلي يمكن رؤيته في نموذجين اثنين نجد بينهما بعض اختلاف: يمثل النموذج الأول داود الطائي (- 165ه / 781م) ، ويمثل النموذج الثاني الفضيل بن عياض (187ه / 802م). [14]

اما داود الطائي فقد ظهر في سيرته شيء من مظاهر "التصوف" له بعده الاعمق من الزهد التقليدي، سواء كان ذلك بمسلكه العملي أم بأقواله "التعليمية".

يتجلى ذلك، أولاً، في كون الطائي جعل نفسه مقصداً لبسطاء الناس يتبركون بلقائه ويتلقون كلماته كمنهج لهم. وهذا أمر جديد في سيرة أهل الزهد في عصره، وهو الأمر الذي أصبح -في ما بعد- مسلكاً خاصاً بشيوخ "الصوفية" سنراه، من حيث دلالته الاجتماعية، يحمل جانباً أيديولوجياً، نعني تحول الزهد إلى التصوف النظري كموقف أيديولوجي.

ويتجلى ذلك، ثانياً، في ان داود الطائي كان يطيل التأمل ويقتصد في كلامه اقتصاداً مبالغاً به، فاذا تكلم القي الكلام موجزاً صارماً متزمتاً بلهج تعليمية مسيطرة، كقوله لبعض قاصديه: "صم الدنيا (أي صم طول حياتك"، واجعل فطرك الموت (لا تترك الصوم حتى الموت). فر من الناس فرارك من الأسد، غير طاعن عليهم، ولا تارك لجماعتهم".

هذان المظهران في سيرة داود الطائي يشيران إلى بواكير "تصوفية" كانت تتحفز ، في العصر العباسي الأول، لكي تجتاح – شيئاً فشيئاً- سكونية الزهد التقليدي واستمراريته التاريخية الراكدة، وعجزه اللاحق عن المشاركة في تلبية حاجات تطور الصراع الاجتماعي إلى انعكاسات أيديولوجية على المستويات الفكرية.

ولكن تلك البواكير "التصوفية" عند الطائي كانت لا تزال براعم في زمنه.

وأما الفضيل بن عياض، فقد دخل حياة الزهد بطريقة دراماتيكية طارئة على الحركة الزهدية في عصره.

روى القشيري ان الفضيل "ان يعشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدار اليها سمع تالياً يتلو القرآن: "الم يأن للذين آمنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله" ، فقال -أي الفضيل- : يا رب، قد آن .. فرجع..".

هذه الصورة الدراماتيكية التي وصف بها دخوله حياة الزهد، جعلت سيرة زهده تمضي كلها على هذا النمط الغريب.

فهو -مثلاً- لكي يعبر عن خوفه من "يوم القيامة" ، يختار هذه اللهجة المثيرة، فيقول: "لو خيرت أن اعيش كلباً ولا أرى يوم القيامة، لاخترت أن أعيش كلبا واموت كلباً ولا أرى يوم القيامة".

فهل كانت مسألة مصادفة ان يدخل الفضيل بن عياض حياة الزهد بهذه الطريقة في الفترة التاريخية نفسها التي يدخل فيها حياة الزهد بالطريقة البلخي (- 161 ه / 777م)، وعبد الله بن المبارك (-181ه / 797م) ، وشقيق البلخي (-194 ه / 809 م). [15]

على تخوم التصوف :

عند نهاية القرن الثاني الهجري، يكون الزهد قد أصبح على تخوم التصوف عبر شخصيات بصرية وبغدادية من زهاد ذاك القرن في نصفه الاخير لمعت اسماؤهم بعد ذلك في مؤلفات مؤرخي الصوفية، كشخصية رابعة العدوية (-185 ه / 801 م)، ومعروف الكرخي (-200 ه / 815م).

وحين نذكر هاتين الشخصيتين، في هذا المعرض، ينبغي أولاً أن نسقط من حسابنا الكثير مما تنسبه اليهما كتب الصوفية من اخبار مصنوعة في عصر متأخر عن عصرهما لاحاطتهما بهالة اسطورية.

وبعد اسقاط هذه الاخبار الاسطورية من الحساب هنا، تبقى بأيدينا حقيقة تاريخية تسجل بروز مفهومين من أهم مفاهيم التصوف النظري عن طريق هاتين الشخصيتين ، هما : مفهوم "الحب الالهي" الذي عرفت رابعة العدوية بأنها ابرز شخصية ارتبط اسمها به، ومفهوم "المعرفة" الذي نسب إلى معروف الكرخي انه تصدى له، عملياً، في بعض ممارساته. غير انه من السابق لأوانه أن نزعم كون هذين المفهومين برزا حينذاك بمضمونيهما اللذين عرفا في فلسفة التصوف بعد ذلك. [16]

أما "الحب الآلهي" فقد نسب إلى عدد من زهاد البصرة في عصر رابعة العدوية، ولكن رابعة اشتهرت به وارتبط باسمها أكثر مما ارتبط بهذه الاسماء، لعناية خاصة بها من الصوفية ومؤرخي التصوف، نظراً لكونها امرأة كما يبدو.

ولعله بسبب من هذه النظرة اضفوا عليها نوعاً من القداسة الاسطورية. [17]

هناك كثير من النقاط الغامضة في سيرة حياة رابعة العدوية. كيف عاشت رابعة العدوية حياتها الأولى، كيف وقعت في الرق، وكيف تحررت من رق ذاك "السيد" الذي تصفه روايات الصوفية بأنه كان فظاً شديد القسوة عليها، وإلى أين اتجهت وماذا عملت بعد تحررها، وما الظروف التي دفعتها إلى حياة الزهد والعزلة المطبقة والانقطاع إلى مناجاة "الحبيب الأعلى".

ولكن الصورة التي تتحصل لدينا من كل ما امكننا الاطلاع عليه من اخبار رابعة، تنبئنا ان وراء "زهدها" المتطرف وانكفائها إلى ذاتها على النحو الاسطوري الذي يتفنن بتصويره مؤرخو الصوفية، ووراء "العشق الالهي" الذي ينسبونه اليها، تكمن قصة شخصية مأسوية عنيفة. وهي -كما نستنتج- قصة مأساة مزدوجة لعب فيها الفقر الوحشي والحب المسحوق دورين متداخلين انتهيا برابعة إلى "الكهف" الداخلي العميق من ذاتها، وخلقا لها "العشيق الالهي" تجد به عوضاً وهمياً عن الحرمان المادي الذي افترس شبابها.

ولنقرأ الان – بتأمل بالغ – هذه الكلمات :

"حكي عن رابعة العدوية رحمها الله انها كانت اذا صلت العشاء قامت على سطح لها وشدت عليها درعها وخمارها ، ثم قالت "الهي! انارت النجوم، ونامت العيون، وغلقت الملوك أبوابها، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك.."

ان كل كلمة في هذه النجوى المرتعشة تشعرنا انها تحتوي "انساناً" يحترق الماً وظمأ إلى الحب البشري الطبيعي، حب الانسان " للانسان الآخر".

اما هذا الذي يسميه الصوفية بـ"الحب الآلهي" في مسلك رابعة وفي مناجاتها، فلم يكن سوى الحساسية العاطفية التي تبلغ – لثقل وطأة الحرمان المادي، او صدمه الفشل الحادة – مبلغاً عالياً من رهافة الخيال وطاقة التجريد.

نقصد من كل ذلك ان نقول انه ينبغي النظر من هذه الزاوية "البشرية" في موقف رابعة، وانه قد حان لنا في هذا العصر ان نعيد النظر في فهم هذه الشخصية التاريخية انطلاقاً من زاوية جديدة، وبرؤية "انسانية" جديدة، لا من تلك الزاوية الصوفية المذهبية، وبتلك الرؤية "الروحية" الغيبية. [18]

ب- التصوف (النظري): موقف ايديولوجي ..

1- عصر حاسم..

نعبر الآن من المرحلة الأولى للتصوف إلى مرحلته الثانية، فقد تركنا التصوف، في الفقرة السابقة، وهو لا يزال زهداً يحاول، في اخريات القرن الثاني الهجري، ان يتخطى نفسه، أي أن يخرج من اطاره السلوكي الصرف إلى اطار يتعامل فيه السلوك والنظرية . ولكن المحاولة لم تكن قد نضجت بعد.

ونحن الآن ، في هذا الجزء من البحث، نتابع سير المحاولة نضجها، أي في المرحلة التي نرى فيها التصوف وقد اخذت الأسباب تتكامل لتتحول به تحولاً نوعياً كاملاً.

والتحول النوعي الكامل هنا هو ان يحدث للتصوف انعطاف في جانبين أساسيين منه:

أولاً، جانبه الفكري من حيث هو أحد أشكال الوعي الاجتماعي في ظروف وخصائص تاريخية معينة، وسيعني انعطافه في هذا الجانب أن تتكون له أسسه النظرية ومفاهيمه الخاصة، بحيث يقف، على صعيد واحد، في موازاة الفلسفة التي يكون لها – بدورها- أسسها النظرية ومفاهيمها الخاصة ومنطق حركتها الذاتية المتمتع أيضاً بنوع من الاستقلال النسبي.

ثانياً، جانبه الاجتماعي من حيث هو شكل خاص من أشكال انعكاس الواقع في الوعي.

وسيعني انعطاف التصوف في هذا الجانب الآخر ان يصبح تعبيراً عن موقف أيديولوجي، بعد ان كان في أوائل مرحلته الزهدية تعبيراً عن موقف سياسي وحسب. [19]

وبهذا الانعطاف الاخير يدخل التصوف جزءاً نشيطاً في العملية الجارية حينئذ لاعادة بناء أيديولوجية المجتمع على أساس المعارضة لأيديولوجية الدولة الثيوقراطية.

ان التصوف، إذن، يبلغ في مرحلته الثانية هذه دوراً تحولياً في كلا جانبيه: الفكري والاجتماعي، من البسيط إلى المركب والمعقد، ثم هو – بذلك أيضاً- يبلغ نقطة التساوق والانسجام مع مستوى العصر العباسي الأول، الذي يتحدد في اصطلاح المؤرخين بالحقبة التي بين سنتي 132 – 232 ه (=749 – 846 م) .

وهي الحقبة التي تنتهي بانتهاء خلافة الواثق وابتداء خلافة المتوكل العباسيين .

قامت الدولة العباسية نتيجة لثورة اشتركت فيها عناصر علوية (نسبة لعلي بن أبي طالب)، وعناصر سياسية فارسية، وجماهير من بسطاء الناس العرب وغير العرب.

ذلك ان هذه الثورة استفادت من آثار الصراع الاموي – العلوي التقليدي أولاً- واستفادت ثانياً من اثار الحقد "القومي" لدى الاقوام غير العربية، ولا سيما الفرس، على الامويين لاعتمادهم مبدأ "العصبية" العربية أساساً لمجمل سياسة الدولة.

واستفادت، ثالثاً، من الحقد الاجتماعي لدى فئات جماهيرية واسعة على الامويين ايضاً لقسوة حكمهم ولاطلاق الحرية لولاتهم على الامصار والاقاليم في تشديد ابتزازهم الخيرات المادية من أيدي هذه الفئات اشباعاً لمطامح هؤلاء الولاة في الحصول على أقصى ما يمكنهم من الثراء.

لذلك كان أبرز ما تميزت به الدولة العباسية التي انتجتها تلك الثورة انها: أولاً، قضت على مبدأ "العصبية" الأموي كأساس لسياسة الحكم تجاه "رعايا" الدولة.

وثانياً، اتخذت من انتساب مؤسسيها لسلالة النبي العربي القرشي ذريعة لتوطيد مركزها "الديني" ، فجعلت سيطرتها السياسية ذات طابع ثيوقراطي كامل يضع الخليفة موضع المسيطر "الروحي" الواجب الطاعة على كل "الرعية" كممثل لسلطان الشريعة، من حيث هو "خليفة الله في أرضه".[20]

فقد كان "خلفاء الله في أرضه" فئة حاكمة، بالأساس والجوهر، تقوم على رأس الطبقة الاجتماعية المسيطرة اقتصادياً وسياسياً، ولم تكن الصفة "التيوقراطية" سوى الشكل التاريخي الأيديولوجي لهذه السيطرة.

لذا كان من الطبيعي أن يضطرهم ذلك لان يحيوا حياتهم العامة وحياتهم الخاصة بشخصيتين متناقضتين: شخصية ظاهرة، هي شخصية "الائمة" (الروحيين) الاتقياء القيمين على دين الله وشريعته.. وشخصية "مستورة" ، هي شخصية "الملوك" المثرين المترفين المدفوعين اجتماعياً، وموضوعياً، لان يستمتعوا بكل ما تحت ايديهم من الخيرات المادية التي تجبي لهم من جهد الاخرين.. ولكي يلائموا بين صفتهم (الروحية) وصفتهم الاجتماعية الموضوعية كانوا يصطنعون حجاباً يفصل بين حياتهم العامة وحياتهم الخاصة.

وكان من أشكال هذا الحجاب المصطنع انهم اتخذوا لانفسهم بطانتين: بطانة خارجية من الفقهاء ورجال الدين المنتفعين، وبطانة داخلية من الندمان والجواري والمهرجين، فضلاً عن البطانة السياسية المرتبطة بهم طبقيا والمشاركة اياهم معايشة الحياتين النقيضتين.

غير أن هذا الحجاب، بمختلف اشكاله لم يكن قادراً على اخفاء ما وراءه من افراط في البذخ والترف الاسطوريين عن الجماهير العريضة من فئات اجتماعية كانت تقاسي الفقر، بل المجاعات.

وهذه الجماهير هي بنفسها كانت تكشف الستار عن ذلك التناقض في حياة الفئات الحاكمة وبطاناتها بصفتها الدينية والسياسية.

وهذا الواقع لم يكن يقتصر اثره على ارهاق الجماهير الكادحة فيعرقل تطور قواها وطاقاتها الانتاجية وحسب، بل كان ينتهي – بالطبع- إلى تعطيل تطور العملية الانتاجية ذاتها (الزراعة بالاخص).

وقد بدأت نتائج هذا الواقع تظهر، بصورة ملموسة، بعد خلافة المأمون، ثم ازدادت وضوحاً وتأثيراً منذ خلافة المتوكل (232-247ه / 846-861م).

اما الفرق هذا بين زمانين، في تاريخ الدولة العباسية، فيرجع إلى ان الدولة، قبل خلافة المتوكل، كانت تغطي المحتوى الاجتماعي الاستبدادي لنظاماً "الثيوقراطي" بغطائين: سياسي، واقتصادي: يتجلى أولهما في النظام الاداري "المركزي" ، أي حصر السلطة، بصورة صارمة، في أيدي الاجهزة السياسية والادارية "المركزية" المرتبطة برأس الهرم الذي هو "الخليفة".

فكان ذلك يقيد عملاء الدولة في الاقاليم عن ان يتصرفوا تصرف "الاقطاعيين" بصورة مطلقة، في خدمة مصالحهم الخاصة على حساب مصالح الدولة ومصالح سكان الاقاليم. [21]

ولكن هذه "المركزية" تحولت في خلافة المتوكل إلى وضع قد يصح ان نسميه بوضع "الاقطاعية اللامركزية"، اذ أصبح عملاء الدولة يتمتعون في اقاليمهم باستقلالية واسعة الحدود اتاحت لهم ان يصبحوا في المرتبة الأولى بين طبقة ملاكي الأرض، وان يقدموا الرشاوي إلى النافذين في "المركز" لابقائهم في مناصبهم واقطاعاتهم ، وهذه الرشاوي كانت تفرض على الفلاحين وشغيلة الأرض ان يتحملوها هم بشكل ضرائب فادحة ومتنوعة، مع قسوة في جباية هذه الضرائب.

واما الغطاء الاقتصادي فقد تجلى في العناية بتطوير الانتاج الزراعي وقواه المنتجة، كما فعل المنصور والمأمون بخاصة. وذلك أولا، بانشاء أجهزة الري في شبكة من القنوات وتجفيف المستنقعات. وثانياً بخفض الضرائب عن الفلاحين.

أما في خلافة المتوكل ومن جاء بعده، فقد اضمحلت هذه العناية تدريجا، حتى استفحلت عوامل تقهقر الزراعة وضعف القوى المنتجة الزراعية.

من هنا أخذ الواقع الاستبدادي للنظام الاجتماعي والسياسي الذي تقوم عليه الدولة "التيوقراطية" ، يتكشف على حقيقته وبكل محتواه، واخذت جماهير المحكومين بهذا النظام تهتدي ، بثورية عفوية، إلى أشكال متنوعة لتصعيد مقاومتها اياه، على صعيد المقاومة المباشرة، ومنها العنفية، ومنها التخريبية السلبية، ثم على الصعيد الفكري والايديولوجي. [22]

2- أيديولوجية دولة الخلافة .. ما مقوماتها؟

والآن، يرد هذا السؤال: ما المقومات الأساسية لايديولوجية دولة الخلافة؟.

منذ قامت مؤسسة الخلافة الاسلامية على أساس كونها "دولة" بالمفهوم "الحقوقي" القديم للدولة ، اتخذت من صبغتها الاسلامية صفة الممثلة للاسلام، كدين الهي منزل من عند الله.

ومنذ اتخاذ "الدولة" هذه الصفة التمثيلية للاسلام –الشريعة، تحددت صورة العلاقة بينها وبين المجتمع الاسلامي. ولكن الصورة الواقعية لهذه العلاقة كانت السبب – لا النتيجة – لتلك الصفة التمثيلية.

وبتعبير آخر: كانت الصفة التمثيلية انعكاساً لواقع تلك العلاقة، بمعنى ان "الدولة" اتخذت لنفسها صفة الممثلة للشريعة الاسلامية، لكي تجعل منها المستند "النظري" لنظام الحكم "الملكي" المطلق الذي حددت به نوع علاقتها بالمجتمع.

وهذا النوع من العلاقة يجد صورته الدينية في فكرة الله الواحد الأحد الذي "ليس كمثله شيء".

ففي هذه الصورة (وحدانية الله وتنزيهه عن كل مماثلة وكل مشابهة) تبرز علاقة الانفصال الكلي بين الله والانسان، وهي الصورة التي تمثل علاقة الانفصال بين "خليفة الله في أرضه" وبين الناس الاخرين على هذه الأرض. و"الناس الاخرون" هنا هم خارج الجماعة الحاكمة، بكاملها، لا خارج "شخص" الخليفة وحده. [23]

ورغم ان العلاقة الواقعة بين "الخليفة والمجتمع هي الاصل – لا الفرع- في صفته التمثيلية للاسلام، فقد استخدم "الخليفة" هذه الصفة لفرض سلطته المطلقة على هذا المجتمع باسم "الإرادة الالهية" ، فهو –اذن- يحكم الناس بحتمية (جبرية) مستمدة من قضاء الله وقدره المحتوم.. وذلك يعني – بصورة مباشرة- الغاء إرادة أولئك الناس الغاء كلياً في علاقتهم بالدولة، فليس لهم أي اختيار لا في نصب الخليفة، ولا في عزله ، ولا في شان اخر من شؤون سلطته: تشريعية كانت ام تنفيذية أم قضائية . لان هذه السلطات كلها محددة في الشريعة ذات المصدر الالهي الأوحد، التي "يمثلها" الخليفة.

هذا جانب من مقومات ايديولوجية دولة الخلافة، وهناك جانب آخر يتجلى في ان هذه الدولة – بحكم كونها "ممثلة" لدين "الوحي الالهي" – جعلت لنفسها الحق في ان تكون لها السلطة على أفكار الناس، وعلى طرق تحصيلهم المعرفة، وعلى المصادر التي يعتمدونها في تحصيل المعرفة، بل لها السلطة حتى على اختيارهم نوع المعرفة.

وهذا الجانب "المعرفي" من أيديولوجية الحكم الرسمية، ليس منفصلاً –طبعاً- عن الجانب الأول، بل هو متفرع عنه، وهو بعد "منطقي" من ابعاده. فان الدولة التي "تمثل الوحي الالهي، كمصدر للشريعة، عليها ان تحمي مكانتها "التمثيلية" هذه بأن تحصر المعرفة في ما جاء به "الوحي".

والشريعة، أو النظام الاجتماعي الذي حددته الشريعة، هي من معطيات الوحي، وعلى الدولة –تبعا لذلك- أن تحصر مصدر المعرفة أيضاً في المصدر الالهي هذا نفسه، أي الوحي.

ونتيجة ذلك –بالضرورة- ان كل من يتجاوز حدود تلك المعرفة، أو حدود ذلك المصدر، محكوم عليه بأنه تجاوز حدود السلطة القيمة عليهما بارادة الله . أي انه يعد خارجاً على ارادة الله ذاتها.

تلك هي المقومات الأساسية لأيديولوجية دولة الخلافة. وقد كان على هذه الدولة، لكي تحافظ على سلطتها المطلقة وعلى استمراريتها و "تخليدها"، ان تحافظ –حتماً- على هذه المقومات بكل ما لديها من ممكنات. [24]

3- مقدمة أخرى نحو التصوف:

وضعنا هذه المقدمات التاريخية التحليلية حتى الان، لكي ترسم لنا الطريق، بوضوح، نحو الهدف الأساسي من دراستنا "للتصوف الاسلامي".

فنحن لا ندرس هذا القطاع من الفكر العربي لهدف تاريخي، أي لدراسة تاريخ التصوف لذاته، ولا لهدف فلسفي كذلك، وانما هدفنا الأساسي من كل ذلك، هو محاولة وضع هذا التصوف في مكانه من عملية بناء أيديولوجية المجتمع العربي – الاسلامي في الظروف التاريخية التي أخذت تنضج فيها مقتضيات هذه العملية.

بناء على ذلك يصبح هدفنا الأساسي من دراسة التصوف ان نتعرف مكانه أيضاً من العملية الجارية في حاضرنا نفسه، لإعادة بناء أيديولوجية مجتمعنا العربي المعاصر. [25]

التصوف: فلسفياً :

رأينا، كيف ان الفكر الفلسفي العربي ، حين أخذ طريقه إلى الاستقلال عن علم الكلام، وبدأ تجلياته الاستقلالية الأولى، سجل ظاهرتين يجمعهما اطار عام واحد، هو الاطار الفلسفي، ولكنهما – في الوقت نفسه – ظاهرتان مختلفتان إلى حد التناقض، من حيث التوجه النظري الأساسي لكل منهما . نعني –بخاصة- توجه كل منهما في نظرية المعرفة. والظاهرتان هما:

ظاهرة الفلسفة بمعناها الخاص، كعلم يعتمد النظر العقلي في تحصيل المعرفة، مستخدماً أسلوب المنطق الصوري. وقد كان أبو يوسف يعقوب بن اسحاق الكندي هو الممثل الأول لهذه الظاهرة الأولى.

ظاهرة التصوف النظري، كعلم يعتمد الكشف الذاتي، مستخدماً أسلوب الكبت النفسي والجسدي، أي الأسلوب السلوكي نفسه الذي اتبعه زهاد ما قبل المئتين للهجرة.

فالتصوف، إذن، جزء من الحركة الفلسفية العربية المستقلة. فهو – في شكله النظري- يتعامل مع المقولات والمفاهيم، أي المجردات، كما هو شان الفلسفة بمعناها الخاص، وان كانت مقولات التصوف ومفاهيمه تختلف عن مقولات الفلسفة العقلانية ومفاهيمها. [26]

انطلاقاً من هذا المنهج سنحاول في الكلام على الأسس النظرية لفلسفة التصوف، ان نحصر البحث في نطاق ما هو جوهري من هذه الأسس.

أما الجوهري منها في بحثنا وهدفنا فيتناول القضايا التالية: نظرية المعرفة، الظاهر والباطن ، الموقف من الشريعة، الاشراق، وحدة الوجود.

أولا- نظرية المعرفة :

أول ما تجب الاشارة اليه هنا، ان مسألة المعرفة تحتوي رابطا مشتركاً بين مختلف ظاهرات الفكر العربي- الاسلامي وتجلياته (علم الكلام ، الفلسفة العقلية، التصوف.. والفقه وأصول الفقه) بالاضافة إلى مات تحتويه من خصائص تنفرد بها كل ظاهرة عن غيرها في اطار هذا الرابط المشترك نفسه.

نعني به، أولاً، ان الموضوع الاساسي للمعرفة هو الله. ثانياً، ان مركز الدائرة لهذا الموضوع هو وحدانية الله (فكرة التوحيد). وثالثاً، ان حقيقة الله ، أي ما هيته، ليست في متناول ادراك الانسان، وانما يدرك الانسان منه انه موجود، وانه واحد، وانه بوحدانيته منزه عن المثيل والشبيه تنزيها مطلقاً.

هذا الرابط المشترك ، بعناصره الثلاثة، هو الأرض اللاهوتية التي تنطلق منها مسألة المعرفة في الفكر الاسلامي كله، الذي هو أساس الفكر العربي منذ الاسلام.

لذلك رأينا التصوف، حين بدأ انطلاقته الأولى لينفرد بخصائص يستقل بها عن غيره، قد انطلق من هذه الأرض ذاتها ايضاً، فلم يخرج من اطارها العام المشترك.

اما عناصر "خصوصيته"، فهي تتكون من الطريقة التي تفرد بها الصوفية في "تفسير" عناصر الرابط العام المشترك، لا في "رفضها" ، وان كانت طريقته "التفسيرية" هذه، تنتهي إلى نوع من "الرفض" من حيث الجوهر، كما سنوضح هذه الفكرة بعد. [27]

فما محتوى هذه "النظرية" ، ثم ما علاقتها بالواقع الاجتماعي الذي نشير اليه؟

نبدأ ، الان، الاجابة عن السؤال الأول بالرجوع إلى المصادر الاصلية للفكر الصوفي.

واول من نفكر به هنا: ذو النون المصري (-245ه/ 859)، فهو من أوائل المعبرين عن الفكر الصوفي الفلسفي في القرن الثالث الهجري، ومن واضعي الخطوط الأولى لمفهوم "المعرفة" عند الصوفية[28]. [29]

ونستخلص أيضاً من الصورة التي يقدمها ذو النون المصري، ان المعرفة الصوفية تقتصر على "معرفة صفات التوحيد"، أي صفات الله، دون "حقيقته".

ونجد توكيداً لهذا الاستنتاج عند أحد الذين شاركوا في صياغة " النظرية" الصوفية فلسفياً خلال القرن الرابع الهجري، وهو احمد بن عطاء (-369ه / 979). فهو يقول: "المعرفة معرفتان : معرفة حق، ومعرفة حقيقة. فمعرفة الحق معرفة وحدانيته على ما أبرز للخلق من الاسامي والصفات. ومعرفة الحقيقة على أن لا سبيل اليها، لامتناع الصمدية وتحقيق الربوبية" . ثم يستشهد أحمد بن عطاء على امتناع "معرفة الحقيقة". بالآية: "ولا يحيطون به علما". [30]

ثانياً: الظاهر والباطن (التأويل) :

مسألة الظاهر والباطن هي فرع لنظرية "المعرفة" الصوفية" ، أو هي نتيجة كان لا بد ان ينتهي اليها منطق هذه "النظرية".

فان الصوفية حين اخذوا بمفهومهم الخاص "للمعرفة" على انها اتصال بالله مباشرة دون وسائط، وحين خصوا انفسهم بهذا النوع من "المعرفة" بادعاء انهم "أولياء الله خاصة" ، وان الله – بحكم هذه "الولاية" – "يظهر لهم ما لم يظهره لأحد من العالمين" – أصبح من الحتم ان يقودهم منطق "الاشياء" هذه إلى ادعاء كون "الفهم" الذي يفيض عليهم من "عين الجود" الالهي مباشرة، من شأنه ان يمنح معرفتهم "الذوقية تفرداً في "رؤيا" "صفات الوحدانية" (مفهوم التوحيد) على نحو "يعجز" عنه الاخرون من فلاسفة عقلانيين ومتكلمين ومن فقهاء وأصوليين.

غير أن الصوفية كانوا محكومين، مع ذلك، بواقع لا يمكنهم الانفلات من حكمه، هو انهم مسلمون، وان الاسلام هو المنطلق والاطار معا لتفكيرهم ولسلوكهم.

فكيف يمكنهم، اذن، ان يتفردوا، او يظهروا تفردهم "بالفهم" و "الذوق" و "الرؤيا" لامور تدخل في أسس النظام الاسلامي السائد.

وكيف يحددون موقفهم ، اذن، من القرآن بوصف انه وحي آلهي نزل على النبي ليكون وسيطا بين الله و "العالمين"، ثم بوصف انه نصوص مقدسة تسجل "وثائق" الشريعة أو "الدستور" للنظام الاجتماعي المتمثل بدولة الخلافة، أي الدولة التي تعتبر نظامها الاجتماعي – السياسي نظاماً آلهياً له قداسة النصوص الدينية نفسها، وله قداسة الشريعة التي تحتويها هذه النصوص؟.

كان على الصوفية ان يواجهوا مضمون هذه الاسئلة بنوع من المواجهة لا يخرج بهم عن ذلك الواقع الذي هم محكومون به موضوعياً .

وقد وجدوا هذا النوع بالفعل، حين لجأوا إلى استخدام مفهومي: الظاهر، والباطن ليتمكنوا بذلك من البقاء ضمن هذا الواقع، ومن الثورة عليه في وقت واحد.

وهذه هي العملية المركزية في كل التجربة الصوفية من حيث التقويم الفكري والايديولوجي معاً لهذه التجربة في العصر الوسيط.

فهي التي تنفح نظرية المعرفة الصوفية بالعنصر الثوري وسط ذلك الركام الهائل من ترهات التصوف واستحالاته، بل ان من اغرب المفارقات ان يأتي العنصر الثوري من هذه الاستحالات نفسها.

استخدم الصوفية مفهومي: الظاهر، والباطن، في التعامل مع نصوص الاسلام ذات الصفة المقدسة عند المسلمين (القرآن والسنة)، لاخضاع هذه النصوص للمضمون المتناقض مع نظرية المعرفة الاسلامية.

وذلك بدعوى ان هذه النصوص تحمل وجهين من المعاني: فهناك الوجه الظاهر، وهو يتوجه إلى العامة من المسلمين، والوجه الباطن .. وهو يتوجه إلى الخاصة منهم.

و "الخاصة" هنا، في نظر الصوفية، هم الصوفية انفسهم، افليسوا هم -في دعواهم- "خاصة أهل الله الذين منحهم اسرار العلم الباطن المودع في القرآن الحديث". [31]

اذن، فهذا باب واسع امامهم للخروج من حرج الموقف حيال نصوص الاسلام.

من هذا الباب ، يتاح لهم -من جهة- ان يقروها كنصوص جاهزة يأخذ بها المسلمون جميعاً، وياخذون بها هم -أي الصوفية- كسائر المسلمين.

ويتاح لهم من جهة ثانية، أن يتصرفوا بها وفق طريقتهم بتأويل ظاهرها إلى "باطنهم" ما دام مجال تأويل "الباطن" مفتوحاً دون حدود، كما سنرى.

ومما ساعد الصوفية في هذه "العملية" ان تصنيف معاني القرآن والحديث إلى ظاهر وباطن لم يكن دعوى منهم دون أساس، ولا كان التأويل المفتوح بدعة ابتدعوها دون سابقات فعلية.

بل كان الأساس قائماً على طريق الصيرورة في اطار الفكر الاسلامي ذاته، وكان للتأويل سابقات نراها حتى في عهد صدر الاسلام.

فاذا صح ما نسب إلى النبي من أحاديث تقول بأن للقرآن ظهراً وبطناً، وان لبطنه سبعة أبطن، أو سبعين بطناً، كان ذلك شاهداً على أن مسألة الظاهر والباطن في مدلولات القرآن، موجودة منذ فجر الاسلام .

يضاف إلى ذلك أن المصادر الشيعية، كالمصادر الصوفية، تنسب إلى علي بن أبي طالب، الامام الأول للشيعة، كلاماً يقول انه "ما من آية (في القرآن) الا ولها أربعة معان : ظاهر ، وباطن، وحد، ومطلع".[32]

ولكن، ما التأويل، أولاً؟ ومن الذين يحق لهم التأويل، ثانياً؟

نجد في القرآن اشارات إلى الجواب عن السؤال الأول، كما في مثل الآية: "وكذلك يجتبيك ربك. ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك.. الخ". فهنا يبدو أن للتأويل مفهوماً "معرفياً" خاصا غير المدلول اللغوي المعجمي الظاهر للفظ "التأويل" ، وهو التفسير.

أما من يحق لهم هذا التأويل، فذلك ما قالته الآية الأولى السابق ذكرها: "وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم".

ولكن لا يزال لنا ان نسأل : من هم الراسخون في العلم؟. الا ان يقال بأن تحديد ذلك جاء في آية أخرى تقول: "يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم. فان تنازعتم في شي فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. ذلك خير واحسن تأويلاً".

فهذه الآية ظاهرة بحصر حق التأويل في الله والرسول. ولكن بما أن الآية نفسها عطفت اطاعة "أولى الأمر" على اطاعة الرسول مباشرة، فمعنى ذلك أن الرجوع إلى "أولي الأمر" هؤلاء للفصل في ما يتنازع فيه المسلمون، هو كالرجوع إلى الرسول، اذ منحتهم الآية منزلة تمثيله في المسلمين وأوجبت اطاعتهم بدرجة اطاعة الله والرسول. لكن من هم "أولو الأمر" هؤلاء؟

الشيعة قالوا : انهم الائمة من أهل البيت . والسنة قالوا: هم الخلفاء القائمون على رأس النظام الاجتماعي الذي يدعي تمثيل الشريعة، "كممثلين" لله ورسوله.

ولكي لا يسد هذا الحصر باب التأويل بوجه الصوفية، وسعوا مفهوم "أولى الأمر" بحيث يشمل أهل "الولاية" منهم، اسوة بما فهل الشيعة في مفهوم ولاية الائمة. من هنا -كما نرى- وجدت فكرة "الولاية" الصوفية .

كل ذلك يضع الأساس "النظري" الاسلامي للتأويل في أيدي الصوفية دون أن يجدوا حرجاً من جهة النصوص الدينية اذا هم استخدموا التأويل "الباطني" وفق طريقتهم الخاصة.

فقد رأينا كيف ان هذه النصوص لا تعين بالتحديد القاطع من هم "الراسخون في العلم".

وهذا مما اتاح للصوفية ان يدعوا انهم هم من الراسخين في العلم"، أي العلم الذاتي (القلبي) الذي يصلون اليه "بمجاهدة" النفس. [33]

ثالثاً – الموقف من الشريعة:

يتحدد موقف التصوف الفلسفي من الشريعة بموقفه في نظرية المعرفة ذاتها. فهو بعد ان اتخذ مفهوماً للمعرفة (معرفة الله ووحدانيته) يصل بين الله والانسان مباشرة بطريق (المشاهدة) الباطنية، الغى بذلك كل وساطة بينها ، حتى وساطة الوحي والنبوة، وخرج على فكرة التجريد المطلق لمعنى التوحيد التي يأخذ بها الاسلام الرسمي، والتي تفصل الله عن الانسان فصلاً حاسماً بتنزيهه المطلق عن ان تكون للانسان ارادة مع ارادته، او ان تكون للانسان قدرة على ادراك وحدانيته.

فكان مؤدى خروج التصوف على فكرة الوسائط، أو على فكرة التجريد المطلق لمعنى التوحيد، خروجاً – بالضرورة- على الشريعة أو الغاء لها، كوسيط بين الله والانسان ، لان التجربة الصوفية من شأنها ان تلغي الحاجة إلى هذا الوسيط ما دامت هي بذاتها وبجوهرها -كما يعني مفهومها للمعرفة- تجربة اتصال مباشر. فما حاجتها إلى الوسيط اذن؟.

على انه يبدو ان هناك تناقضاً في موقف الصوفية من الشريعة، فهم – من حيث مؤدى نظريتهم في المعرفة- يرفضون الشريعة كوسيط لعلاقة الانسان مع الله، في حين هم يعترفون بها اذ يعترفون بالنصوص التي تتضمنها ويجهدون في تأويل هذه النصوص نفسها.

فليس من معنى للعمل بالتأويل اذا لم يكن اعترافاً بالنص الذي يعالجه التأويل.

هذا التناقض قائم بالفعل، ولكن سبق ان فسرنا ذلك بأن الصوفية كانوا محكومين، موضوعياً، بواقع لا يمكنهم الانفلات منه، هو كون الاسلام منطلقاً واطاراً لتفكيرهم ولسلوكهم معاً.

وهذا ما حملهم على اتخاذ التأويل وسيلة للتعبير عن رفض الشريعة عبر الاعتراف بها.

وذلك –بالنتيجة- تناقض شكلي، لان مفهوم التأويل عند الصوفية هو بذاته مفهوم نظرية المعرفة عندهم، فهو قائم على ثنائية شكلية أيضاً، هي ثنائية الظاهر والباطن، التي تعني ثنائية الشريعة والحقيقة: الظاهر هو الشريعة، والباطن هو الحقيقة.

وما دام الصوفية ياخذون بالباطن دون الظاهر، فمعنى ذلك انهم لا يعترفون بغير "الحقيقة" التي هي الأصل للشريعة، وهذه "الحقيقة" هي الله.

فعملية الدخول في ثنائية الظاهر والباطن، أي ثنائية الحقيقة والشريعة ، لم تكن الا طريقاً هم محكومون به موضوعياً، لرفض هذه "الثنائية".

فليست المسألة، إذن – عند الصوفية – هي الحاجة أو عدم الحاجة إلى الظاهر، أي الشريعة ، بل المسألة ، بجوهرها، مسألة رفض للاساس الذي قام عليه مفهوم الوحدانية في الاسلام "الرسمي" نفسه والذي حدد طبيعة العلاقة بين الله والانسان بكونها علاقة انفصال مطلق. ([34]

ذلك بان تحديد هذه العلاقة على هذا النحو كان تحديداً لطبيعة الاسلام "الرسمي" نفسه بأنه هو الظاهر وحسب، أي الشريعة، كوسيط بين منفصلين، وهذا يؤدي إلى أن ما يمكن أن يسمى "باطناً" في الاسلام الرسمي، انما هو "باطن" للشريعة نفسها، أي ان "تأويله" يجب أن يخضع لاحكامها أولاً وأخيراً.

لقد كان الصوفية. اذن، يحاولون هدم الجدار "الرسمي" الفاصل بين الله والانسان. وبما ان الشريعة هي ذلك الجدار الفاصل بشكل قاطع، فقد كانت هي المستهدف الحقيقي لهم ، لانها هي نفسها ذلك الاساس الذي قام عليه المفهوم "الرسمي" للتوحيد، ليكون هو المحدد لطبيعة الاسلام، أي كونه شريعة تنظم العلاقة بين رأس الدولة (الخليفة) والمجتمع الذي يحكمه، على مثال العلاقة بين الله والانسان.

فكما هي، بمفهومها الميتافيزيقي التنزيهي المطلق في نظرية الالوهية ، هي هكذا بالمفهوم نفسه في نظرية الخلافة، فالخليفة من حيث هو "ظل الله في الأرض" ، يتمتع بالوحدانية المنزهة اطلاقاً في سلطته وارادته المفترضة الطاعة على المجتمع الاسلامي بشكل مطلق، على مثال التصور المفترض عن وحدانية الله وتنزيهه دون حدود.

وان كان العكس هو الاساس في الواقع، أي أن تصور الوحدانية الالهية المتعالية كلياً عن الانسان والكون، جاء على مثال الواقع الاجتماعي في نظام مجتمع الخلافة.

وننقل الصورة من هذا الواقع إلى عالم "الميتافيزيقا" قد جعل النظام الاجتماعي "الخلافي" يتمتع بالحصانة الدينية الرادعة للشبهات الفكرية وللانتفاضات والثورات الاجتماعية.

فالصوفية – بناء على ذلك- حين اخذوا بنظرية المعرفة على الطريقة "العرفانية" (معرفة الله مباشرة دون وساطة Gnosis) كان ذلك هو الوجه الفلسفي لمحاولتهم هدم الجدار الفاصل بين الله والانسان. ولكن هذا لم يكن هدفاً لذاته، وانما الهدف الابعد، أو الدافع الكامن في أساس المحاولة، هو هدم الجدار الفاصل بين الانسان والانسان، أي بين ارادة الحاكم المطلق (الخليفة) وارادة الناس المحكومين.

وهذا الجدار هو النظام الاجتماعي المتمثل بالشريعة. فهذا هو الذي منح الحاكم ارادته المطلقة وحاطه بحصانة الهية تمتنع امتناعاً مطلقاً على ارادة المحكومين ومداركهم.

وقد لجأ الصوفية – في سبيل هذا الهدف- إلى وضع مفهوم اخر للوحدانية . ولكنه مفهوم يؤدي بهم – من حيث ارادوا ام لم يريدوا- إلى هدم الوحدانية نفسها، لانه يقوم على ايصال التجربة الصوفية إلى غاية، هي واحدة من حيث الجوهر عند مختلف مذاهب التصوف، وان اختلفت هذه المذاهب في تصورها وتسميتها.

فهي "اتحاد"[35] الانسان بالله عند بعضهم ، و "حلول"[36] الله في الانسان عند اخرين، و "وحدة وجود"[37] بين الله والعالم عند غيرهم، وهي تقتصر ، عند اوائل أهل التصوف الفلسفي الاسلاميين، على المرتبة التي يشترك الجميع في تصورها، نعني مرتبة "الفناء" بالله[38]. وهذا مرتبة ترتقي عند هؤلاء إلى مرحلة يدعونها مرحلة "البقاء" أي استمرارية "الفناء".

فمهما تعددت تصوراتهم لهذه الغاية واختلفت بعضها عن بعض، فانها تبقى واحدة -كما قلنا- من حيث جوهرها. وذلك ان "القاسم المشترك" بينها جميعاً هو: خرق مبدأ الانفصال المطلق بين الله والانسان، ووضع التجربة "العرفانية" بكلا عنصريها المتلازمين: النظري والسلوكي، موضع التحدي لذلك المبدأ.

وكان التحدي له، الذي حاولته التجربة، انها استبدلت به المبدأ الاخر النقيض، وهو الاتصال المباشر بين الله والانسان على صورة "الفناء" الذي هو -بمضمون الصورة عندهم- "فناء" متبادل بينهما (فناء الله في الانسان، وفناء الانسان بالله). [39]

ان دراستنا التصوف الاشراقي ستحاول النظر في "اشراقية" الاسماعيلية، ومذهب السهروردي القتيل، والكشف عن الاساس المادي للاشراقية بوجه عام، وتلمس العنصر الثوري فيها:

ألف - الصيغة الاسماعيلية للاشراق

في مجرى التحولات الصوفية :

لقد حصلت تحولات في المفاهيم الصوفية منذ ظهرت في التصوف الفلسفي الاسلامي حركة اشراقية وجدت في السهوردي المقتول[40] منظماً لنظريتها المتكاملة، بعد أن ترددت معانيها واتجاهاتها، بأشكال مختلفة، في بعض المقالات والمذاهب، لا سيما الاسماعيلية[41].

فبعد ان كانت الصوفية، في مدى القرنين: الثالث والرابع للهجرة، تنتظم صورة العلاقة بين الله والانسان على أساس "الكشف" دون وساطة، أخذت تنعقد صلات متلاحمة من المعاني والاتجاهات تربط العلاقة مع الله بوسائط من الاشراقات ترتقي بـ"العارفين" ، في سلسلة مراتب تصاعدية، إلى "المعرفة" بمفهومها الصوفي.

ثم ظهر هذا الشكل من التسلسل عند الاسماعيلية، متمثلاً بصورتين: صورة بشرية قوامها سبعة من الأئمة واثنا عشر من الحجج، وصورة فلكية مقابلة لتلك، قوامها سبعة أفلاك واثنا عشر برجا من الابراج الفلكية. [42]

هذه الصيغة الاسماعيلية المركبة تبدو نتاج تلاقح بين الفكرة الفيتاغورية القديمة بشأن تقديس العدد-7، والفكرة الاسلامية الشيعية بشأن الامامة. لقد قالت الاسماعيلية بانتقال الامامة من اسماعيل إلى ابنه محمد، وسمته بـ"الامام السابع التام" بوصف كونه متمما دور الائمة السبعة.

من هنا سميت الاسماعيلية بـ"السبعية" أيضاً. وقد بنت "سبعيتها" على النظر إلى "عدد أيام الأسبوع وعدد السماوات السبع، وعدد الكواكب السبعة.

وفي سبيل تنظيم العلاقة بين عالم الانسان هذا وعالم الكائنات العلوية قال الاسماعيلية بفكرة التجليات الالهية على الأرض في الائمة وفقاً للصورة الاتية:

اذا كان في العالم العلوي عقل كلي. ونفس كلية. فقد وجب ان يكون في عالم الانسان عقل مشخص. ونفس مشخصة.

وهذا العقل (المشخص) هو كل – أي نوع- فهو اذن بحكم الشخص البالغ درجة الكمال. ويسمونه "الناطق". وهو يتمثل بالنبي.

أما النفس (الانسانية) ويسمونها "الاساس". وهي تتمثل بالوصي (الامام). وهذه النفس تبلغ كمالها حين تبلغ درجة العقل وتتحد به. وذلك بتأثير من الحركات الفلكية.

تخطيط انتولوجي وابستمولوجي:

عرضنا هذه الصورة الاسماعيلية، لكي تتضح لنا رؤية التحولات الجارية في الحركة "العرفانية" (العرفان: Gnosticisme) التي بدأت تظهر في حركة "التصوف الاسلامي".[43]

باء - اشراقية السهروردي:

تمثل النظريات الاشراقية عند يحيى شهاب الدين السهروردي المقتول (549-587ه / 1153-1191) نموذجاً حياً للتداخل بين الفلسفة العقلانية (المشائية بالأخص) وبين فلسفة التصوف، بالاضافة إلى مصادر الفكر الاشراقي المتعددة (الزرادشتية، والفيثاغورية، والافلاطونية، والهرمسية).

على ان الاسلام هو الاطار العام الذي يجري ضمنه هذا التداخل بين مختلف التيارات الفلسفية والاشراقية في نظريات السهروردي. [44]

ان مسألة قدم العالم (أزليته) مسألة مادية اصلا، فهي تعني قدم المادة، وتنفي فكرة "الخلق".

فأي موقف فلسفي يحكم بأن العالم قديم، هو – بحد ذاته، موضوعياً – موقف مادي، وان صدر ضمن شكل مثالي، أو كان نتاج مواقف اخرى ذات توجه مثالي.

لكنه يبقى، في الحالين، موقفاً مادياً جزئياً، بمعنى انه لا يغير من طبيعة الكل الذي يرتبط به.

هكذا الشأن في الفلسفة الاشراقية كما صاغها السهروردي. غير أن الأمر الجدير بالانتباه هنا أن السهروردي كان على وعي لموقفه في هذه المسألة. فلم يترك لنا أن نكتشف هذا الموقف عنده اكتشافاً، بل كشفه هو بنفسه اذ وضع له قاعدته النظرية الفلسفية على أساس مقولة التلازم الحتمي – بحكم العقل- بين العلة ومعلولها. فلننظر اذن في صياغته هذا الموقف:

يبدأ السهروردي صياغة موقفه هنا بتحديد مفهومه عن "العالم". فهو يحدد العالم، أولاً، بأنه ما سوى الله.

ثم يقسم هذا العالم الـ"ما سوى الله" إلى قسمين : قديم، وحادث. فالأول (القديم) يشمل: العقول، والافلاك، ونفوس الافلاك، وكليات العناصر ولازمها الأولية، أي الملازمة لها بالضرورة من الحركة السرمدية والزمان.

والثاني (الحادث) ما عدا ذلك. وهذا يشمل العناصر نفسها، أو المجودات الجزئية، أي أشياء العالم المادي المشخصة.

لكن حدوث هذا القسم الثاني من العالم ليس مطلقاً، وانما هو حدوث نسبي، أي أن الموجودات الجزئية (المادية) حادثة بالنسبة إلى القسم الأول من العالم لكونه "أعلى" منها في مراتب التصنيف الاشراقي.

ومعنى حدوثها النسبي انها قديمة أيضاً، بحكم تبعيتها للعالم "الأعلى" ، أي بحكم كونها مشمولة بنظام الأنوار الاشراقية الازلية. فانه ما دام فيض هذه الانوار أزلياً أبدياً، فكل ما يصله شيء من هذا الفيض – مهما كان ضئيلاً- فهو أزلي أبدي كذلك.

واذا استخدمنا التعبير المعاصر، وفق المادية الدياليكتية، أمكن القول بأن ما لحظه السهروردي من الحدوث النسبي في العناصر، مع كونها أزلية أبدية بالنتيجة، ربما كان تعبيراً تاريخياً عن حركة التغير والصيرورة فيها.

وقد دعم السهروردي موقفه من أزلية العالم، بموقفه من أزلية الحركة والزمان، وبذلك اقترب خطوة أخرى من النزعة المادية. [45]

وبالاجمال ، من الممكن تحليل موقف السهروردي هنا على الوجه الآتي:

لقد تصور نظامه الاشراقي، من حيث الحركة، وفقاً للصورة التي انطبعت في أدراكه الفلسفي عن عالم الوجوود الواقعي وحركته التي هي شكل هذا الوجود.

لذلك كانت الحركة عماد النظام الاشراقي، لا وجود له الا بها، ولا استمرارية له الا باستمراريتها، "فدام تجدد الاشراقات بتجدد الحركات، ودام تجدد الحركات بتجدد الاشراقات".

اما من حيث البعد الاجتماعي لهذا النظام، فقد جاء التناقض الداخلي بين بنيته الاشراقية الغيبية الفوقية بين أساسها الواقعي المادي، مظهراً – مباشراً أو غير مباشر- للتناقض القائم في داخل المجتمع، ونتيجة للاهتزاز القيم الاجتماعية والفكرية الذي كان نتاج التأزم البالغ في تناقضات هذا المجتمع. [46]

(وحدة الوجود) ومذهب ابن عربي ..

في المصطلح ، والتاريخ :

فكرة "وحدة الوجود" تقترن، في تاريخ "التصوف الاسلامي"، باسم محيي الدين بن عربي أحد كبار الصوفية العرب ذوي الشهرة الأوسع والتأثير الأعمق في الفكر الصوفي الفلسفي خلال الزمن المتأخر من العصور الوسطى[47].

هذه الفكرة اقترنت باسمه مصطلحاً ومضموناً معاً. فان مصطلح "وحدة الوجود"، بالرغم من تردده في المذاهب الصوفية التي سبقت مذهبه، لم يستقر كمصطلح صوفي معترف به يعبر عن اتجاه محدد في تفسير "التوحيد" في الفهم الصوفي، الا في مذهب ابن عربي، الذي اكسب هذا المصطلح مضموناً جديداً يمكننا أن نرى فيه محاولة جديدة عند المتصوفة الاسلاميين لمعالجة محالية الجمع بين الوحدة المطلقة للذات الالهية وعدم انفصالها عن العالم. [48]

نقول: انها محاولة جديدة، وجريئة ايضاً، وربما كانت جراءتها بالذات مصدر تأثيرها القوي في أدبيات الصوفية الاسلاميين منذ عصر ابن عربي حتى الازمنة الاخيرة.

فلماذا هي جريئة؟ انها كذلك، لان فكرة "وحدة الوجود" كانت دائماً، قبل ابن عربي، تتردد في الفكر الصوفي الصوفي باحتراس شديد وبحذر بالغ، بل بالرفض احياناً.

ولعل مصدر الاحتراس والحذر، أو الرفض: أما الخضوع لمبدأ "التقية"، أو التأثيرات الايديولوجية اللاهوتية، واما افتقار الفكرة نفسها إلى التبلور في صيغة فلسفية صوفية كالتي انتهى اليها ابن عربي.

ولعل هذه الأسباب مجتمعة هي مصدر ذلك الاحتراس والحذر، وذلك الرفض.

وربما صح القول ان السبب الاقوى هو تلك المواجهة الحادة التي برزت، أو بلغت ذروتها، في عصر ابن رشد وابن عربي، بين اتجاهي الفكر العربي – الاسلامي الرئيسين: الاتجاه العقلاني، الذي تخلص عند ابن رشد من النزعة الصوفية نهائياً .. والاتجاه الحدسي الصوفي، الذي اعتمد "الرؤيا" الغيبية، عند ابن عربي، كأساس للمعرفة.

ولعل المفهوم المغرق في التجريد الذي اتخذته فكرة "وحدة الوجود" في مذهب ابن عربي، كان التجلي الابرز لتلك المواجهة الحادة بين هذين الاتجاهين. [49]

ابن عربي يحمل دلالة غير مباشرة – لكنها واضحة- على اعترافه بأن العالم قديم (أزلي). انه هناك يضع مسألة الوجود، على نحو قاطع، بأن تحققه – أي الوجود- مرتبط بمشيئة الله في أن يرى نفسه متجلية في مرآة العالم.

ومن المسلم به عند الصوفية الاسلاميين ، ان هذه المشيئة قديمة، فالتجلي الالهي، أي تحقق الوجود، قديم اذن بالضرورة. [50]

استنتاجات عامة من بحث التصوف ..

"الجبرية" الصوفية :

لاحظ "آدم متز" -بحق- أن مذاهب الصوفية تأثرت بمذاهب المتكلمين المعتزلة، وان هذا التأثر يتمثل في كون "الصوفية أخذوا المسائل والمناهج من المعتزلة".

ولكن "متز" عند شرح موضوعته هذه اقتصر من الأمر كله على مسألة واحدة وجد فريقي المعتزلة والصوفية قد اتفقا على معالجتها، هي مسألة القدر.

ثم وجد الصوفية يقفون من هذه المسألة موقفا معاكساً لموقف المعتزلة، اذ قالوا – أي الصوفية- "بالجبر على نحو لا اضطراب فيه"، على حد تعبيره. [51]

موقف الصوفية في مسألة "الولاية". فهذه -أي الولاية- مرتبة متقدمة في مراتب التصوف من يبلغها منهم يبلغ مرحلة القدرة على تجاوز قوانين الطبيعة، أي الاتيان بالحوادث الخارقة على نحو المعجزات التي تنسبنا الاديان للانبياء.

كانت "الولاية"، في البدء، خاصة بأئمة الشيعة من "أهل البيت" . غير أن الصوفية جعلوها شاملة يستحقها كل مسلم جمع الشروط المطلوبة عندهم في "الولي".

ولكي يظلوا منسجمين مع العرف الاسلامي، ولكي لا يظهروا خارجين على اعراف المسلمين، وسعوا مضمون مصطلح "أهل البيت" ونسبوا إلى النبي محمد أنه سئل: "من آل محمد؟" فاجاب : "كل تقي".[52]

وبذلك اخرجوا هذا المصطلح من دلالته على النسب العائلي المحدود إلى دلالة على النسب الديني الشامل. فكلمة "الال" أصبحت تعني: المسلمين بعامة. و"البيت" تعني : الاسلام. فجعلوا شمول "أهل البيت" لسائر المسلمين من فعل النبي، لا من فعلهم هم. وتمسكوا في تثبيت هذا الشمول بحديث منسوب إلى النبي أيضاً يقول فيه عن سلمان الفارسي: "سلمان منا، أهل البيت".

هكذا نفذ الصوفية من أبواب الاسلام نفسها، إلى فكرة توسيع القاعدة البشرية لحق "الولاية"، واخراج هذا "الحق" من قاعدته الضيقة المحدودة "بأهل البيت" التي كانت تحمل فكرة تمييز ولا "امتياز".

وقد عبر ابن عربي عن رأي الصوفية في شيوع هذا "الحق" بتعبير يحس فيه المرء حرارة الاحتجاج على من يحصره في "اسرة" معينة. يقول في أحد "الأولياء" الصوفيين من اهل المغرب انه "وان لم يكن من بيت النبي، فقد شاركه في النسب العلوي (نسبة إلى العلو، لا إلى علي). فهو راجع إلى بيته (أي بيت الله) الاعلى، لا إلى بيته الأدنى .

وبمثل حرارة الاحتجاج هذه يقول ابن عربي أيضاً عن سلالة عقيل بن أبي طالب وسلالة سلمان الفارسي: ".. فأرجو أن يكون عقب عقيل وسلمان تلحقهم هذه العناية، كما لحقت أولاد الحسن والحسين وعقبهم، وموالي أهل البيت. فإن رحمة الله واسعة، يا ولي.

ونجد للحلاج مثل هذا الموقف المشحون بحرارة الاحتجاج ايضاً، رافضاً "احتكار" الانتساب إلى النبي، اذ يقول: "ما كان محمد أبا أحد". [53]

وهناك علاقة ليس يصح لهذا البحث تجاهلها. وهي ذات صلة بالمشاعر "القومية" التي قد تتداخل وتتلاحم، في ظروف تاريخية معينة، مع المشاعر الطبقية غير المستكملة شروط الوعي الطبقي.

يمكن أن نرى هذه العلامة في الحركة الصوفية، حين ننظر في البيئات التي انتشرت فيها هذه الحركة أكثر من البيئات الأخرى للمجتمع العربي – الاسلامي.

فنحن نرى، خلال المصادر التاريخية، أن كثرة الصوفية الاسلاميين ينتمون في وقت اوحد إلى شعب غير عربي، كالشعب الفارسي في الاغلب ، وإلى فئات اجتماعية تجارية وحرفية من الشعب نفسه.

على أن صورة الفقر كانت تلازم الصوفية في كل بيئة من بيئات ذلك المجتمع، ولكن فقرهم لم يكن بسبب من تصوفهم، بل العكس هو الواقع، أي أن الفقر لم يكن نتيجة بل سببا للتصوف، اذ كان الفقر ظاهرة اجتماعية تشمل مختلف فئات المجتمع الدنيا والوسطى في مختلف البيئات والاقاليم.

فليس لقائل ان يقول ان الصوفية كانوا فقراء بحكم اختيارهم حياة الزهد والتقشف، ابتعاداً عن "شرور" الدنيا و"أرجاس" المادة، وتعبيراً عن موقف ديني أو فلسفي.. قد ينطبق هذا القول على فئة قليلة، أو أفراد قلة من الصوفية، ولا ينطبق على الكثرة الغالبة، التي تتكون منها الظاهرة الاجتماعية العامة.

فان التاريخ يحدثنا عن ظاهرات القلق الاجتماعي، خلال القرنين: الثالث والرابع الهجريين (التاسع – العاشر)، لدى جماهير العامة من سكان المدن. وتشمل هذه الجماهير فئات الحرفيين والباعة المتجولين واصحاب الحوانيت الصغيرة والفقراء المعدمين العاطلين عن العمل. [54]

أما الذي يعنينا الان من ذكر هذه الظاهرات الاجتماعية، فهو البحث عن الصلة بينها وبين ما هو معروف، تاريخياً، من اشتداد نشاط الحركة الصوفية في الفترة الزمنية ذاتها التي استفحلت فيها تلك الظاهرات.

ولسنا ننفرد في رؤية الصلة هذه. فهذا باحث عربي بارز معاصر يرى انه "ربما كان لهذه الأوضاع أثرها في نشاط التصوف". والواقع ان هذا النشاط المحلوظ بصورة بارزة في تلك الفترة هو شكل آخر من أشكال التنظيمات الاجتماعية التي اشرنا اليها، أي انه نوع من التجمع لفئة من الفقراء المعدمين تؤلف بينهم – عدا رابطة الفقر- رابطة أخرى ربما كانت فكرية، أو رابطة الميل الذاتي إلى التواكل والاسترخاء عن الجهد المرهق في طلب العيش. [55]

على ان هناك مظاهر أخرة عرفت في صوفية القرنين الثالث والرابع الهجريين، تزيدنا اقتناعاً بأن انتشار التصوف حينذاك كان أحد أشكال التشرد الاجتماعي الناشيء عن تفشي الفقر والبطالة والحرمان.. ومن هذه المظاهر انتشار آفة الشذوذ الجنسي في صفوفهم وممارستهم الكدية.

نريد من هذا العرض التاريخي ان نقول بان العامل الاجتماعي الموضوعي، دون العامل الذاتي الإرادي، كان هو المحدد الحاسم لاتساع حركة التصوف في المرحلة التي نتحدث عنها.

ومع ذلك لا نزعم ان الصوفية وحدهم يمثلون ايديولوجية تلك الفئات العريضة المتنوعة في مجتمعهم ضد سلطة النظام الاجتماعي الذي كانوا يعانون آثار استبداده وطغيانه الطبقي.

ولكن، نزعم ان الصوفية وحدهم تصاعدوا بالمضمون الايديولوجي لحركتهم إلى مستوى نظري وقف وجها لوجه امام المستوى الذي تمارس منه ايديولوجية هذا النظام تأثيرها وسيطرتها على المجتمع بأسره حتى على الفئات الاجتماعية التي كانت هذه الأيديولوجية "الرسمية" أصل شقائها المادي والروحي، بل تقول: خصوصاً هذه الفئات؟

ننطلق الآن إلى الجهة الثانية من هذه الفقرة الخاصة بمسألة اضطهاد الصوفية، أي إلى تفسير الواقعات المتصلة بمواقف مختلف الجبهات الاجتماعية من حركة التصوف في الاسلام.

من جهة موقف نظام الحكم :

أصبح الان من السهل علينا تفسير ما هو معروف في التاريخ الاسلامي من أساليب الاضطهاد التي مارستها سلطات نظام الخلافة الاستبدادي في مواجهة حركة التصوف.

نحتاج إلى ذكر بعض نماذج هذا الاضطاد، توكيداً للموضوعة الاساسية التي يقوم عليها بحثنا هذا في التصوف. وهي أن الشكل الصوفي الذي تجلت فيه الفلسفة العربية – الاسلامية، مقابل شكلها الاخر العقلاني، كان -بجوهر مضمونه- احدى ظاهرات الصراع الايديولوجي في العصر الوسيط. [56]

ولو ان الحركة الصوفية لم تكن تحمل هذا المضمون، لما رأيناها "عرضة للمحاربة والانتقام". وليس من أساس واقعي لتفسير اضطهادها بدوافع دينية خالصة.

فإن تاريخ العصور الوسطى الاسلامية حافل بالمخالفات الفاضحة لأحكام الاسلام وشرائعة من قبل الخلفاء العباسيين بالاخص وبطاناتهم، فكيف لم تكن المشاعر الدينية رادعة لهذه المخالفات ، وكيف لم يقف منها الفقهاء موقف الحماة للدين فينكرونها، أو يؤلبون الجماهير على مرتكبيها كما كانوا يؤلبونها على فلاسفة الصوفية بوجه أخص؟

ولماذا "أجمع أهل السنة على انكار التصوف"، في حين كان المذهب السني الدعامة المذهبية والأيديولوجية لسلطة الخلافة العباسية دائماً، عدا فترة خلافة المامون؟. الجواب عن هذا كله يشير اليه قول المستشرق كلود كاهن: "ومن النادر أن يسلك الاسلام سلوك التعصب في الحالات التي لا تتدخل فيها السياسة".

"وكان أولو الأمر في العهد العباسي وكذلك أتباع السنة الرسمية لا يميلون كثيراً إلى هؤلاء المتصوفة الذين استهانوا بالمراتب العليا ورذلوا الانحطاط الخلقي لدى أفراد الحاشية.. لكن الشعب عامة اجل هؤلاء الناس، لانهم كانوا يلومون الاغنياء، ويصغون إلى شكاوي المعذبين في الأرض(..) وكانت الظروف السائدة في البلاد توجه الافكار باتجاه التصوف. [57]

ففي عام 309 ه / 921 م قتل الحسين بن منصور الحلاج قتلة شنيعة، فضرب ألف سوط، وقطعت يداه ورجلاه ، وأحرق بالنار..".

وهكذا أثر الصوفيون أثراً قوياً على الجماهير الخاضعة لنفوذهم .

في نهاية القرن التاسع الميلادي، عندما غلبت على بغداد الروح السنية المتعصبة، تعرض كثير من مشاهير الصوفية للمطاردة والاضطهاد على أسلوب محاكم التفتيش".

"ومن الشواهد على أن التصوف كان، عند الصفوة والاخيار، ثورة على حكام الجور والطبقة المستغلة.. ان هارون الرشيد كان يسير وبين يديه الامحال والخدم والعبيد، فصاح به صوفي، قائلاً: يا هارون! أتعبت الناس والبهائم . وقال له صوفي آخر: ان كل واحد من الناس مسؤول عن نفسه، وأنت مسؤول عن جميع الناس.. وكان الصوفية يسلكون في تقريع الحكام تأنيبهم شتى الطرق والأساليب (...) وحاول الساسة أن يشتروا من الصوفية دينهم وضمائرهم، وأن يدفعوا ثمن السكوت عن ظلمهم ومساوئهم بالغاً ما بلغ.

لذلك كله قيل بأن تعاليم الصوفية "ضمت .. بصورتها الشعبية جموعاً غفيرة من المسلمين.." و "جعل الناس يتمسكون بالصوفية ويتبركون بهم".

ولهذا أيضاً رأينا الوزير "أبا حامد" يخشى غضب الجماهير بعد الانتهاء من محاكمة الحلاج، فحاول ان يتنصل من تبعة اعدامه ويلقي بهذه التبعة على عاتق الجميع، فجمع الشهود والفقهاء الذين وافقوا على اعدامه.. وأوعز اليهم أن يجتمعوا حول المكان الذي صلب فيه الحلاج، ويصيح الجميع: "نعم! اقتله، ففي قتله صلاح المسلمين".

ذلك هو موقف السلطة، وموقف جماهير الفئات الاجتماعية الدنيا والوسطى من الصوفية. ان كلا الموقفين ينطلق، ببعده الاجتماعي الحقيقي، من موقع طبقي، سواء كان ذلك بوعي أم لم يكن.[58]

فإن البعد الطبقي أمر موضوعي، ولا يغير من موضوعيته شيئا ان يغيب عنه الوعي الطبقي.

ان جماهير "العامة" كان لديها ما ربما يصح تسميته "بالحدس" الطبقي تجاه سلطة النظام الاجتماعي الذي كان يمعن في قهرها وافقارها دون حدود. ولعله بدافع من هذا "الحدس" الطبقي استطاعت هذه الجماهير ان تدرك إلى أين تنحاز في جبهة الصراع بين السلطة والصوفية، وان ظل انحيازها ضعيف الاثر، لانه كان محدود الحجم.

اما لماذا كان انحياز هذه الجماهير ضعيفاً هكذا، فمرجع ذلك إلى عاملين: الوضع المتخلف الذي كانت عليه "عامة" الشعب اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، من جهة، وعجز الفكر الصوفي نفسه – من جهة ثانية- عن أن يصوغ مضمونه الايديولوجي صياغة واقعية تجعله ممكن التحقق، ليصبح – بذلك- معبراً عن أيديولوجية تلك الجماهير في حدود الوضع التاريخي آنذاك.[59]

وأخيراً ، علينا أن نشير إلى أن دراستنا هذه للتصوف الاسلامي، والاحكام والاستنتاجات التي استخلصناها في هذه الدراسة ، انما تختص بالجانب الفلسفي منها.

ولذا صح لنا أن ننظر إلى التصوف كشكل من أشكال الوعي الفلسفي العربي – الاسلامي في العصر الوسيط. غير أن للتصوف جانباً آخر هو الجانب العملي السلوكي. كان هذا الجانب يرافق الجانب النظري الفلسفي في تلك المراحل دون ان يطغى عليه.

ولكن التصوف أخذ بعد ذلك يتحول إلى حركة وحيدة الجانب، بدأ هذا التحول بطغيان الأساليب الالية الجسدية على أساليب النظر الفلسفي، ثم انتهى إلى نظم وتقاليد وطقوس شكلية خالصة، فانقسمت حركة التصوف إلى "طرق" و "مشيخات" على أساس هذه الشكليات "البهلوانية" وحدها.

وبذلك فرغت الحركة نهائياً من مضمونها الايديولوجي ، بل انقلبت إلى حركة رجعية طفيلية لعبت دوراً خطيراً في "عملية" التخدير الاجتماعي وفي خدمة أيديولوجية الطبقات الرجعية. [60]

حصيلة الفصل الثالث

خلاصة، ومنطق الخلاصة:

نرى من بروز ظاهرة الزهد، حوالي منتصف القرن الأول الهجري، كأثر من آثار الصراع المتفجر في المجتمع الجديد، أن لهذه الظاهرة علاقة بما كان وراء هذا التفجر الفوقي من تحرك بذور صراع طبقي في العمق الاجتماعي.

فإن الصراعات السياسية الدموية كانت تعبيراً فوقياً عما كان يتجمع في قاعدة المجتمع من عوامل التناقض الطبقي (تضخم ثراء الامراء الامويين منذ كانوا بطانة الخليفة عثمان وممثليه في الاقاليم). ثم وجدت هذه الصراعات الفوقية والعميقة انعكاساتها على الصعيد الفكري (حركة الزهد، حركة القدرية، حركة الجبرية، الصراع بين أهل الرأي وأهل الحديث في التشريع الخ..).

من هنا يمكن وصف حركة الزهد بأنها ذات وجوه اجتماعية وسياسية وفكرية، والنظر اليها من كل وجوهها يكشف عما يكمن فيها من بذور الوجود الجنيني. الذي ستلده الظروف التاريخية اللاحقة باسم "التصوف".[61]

على تخوم التصوف:

عند نهاية القرن الثاني الهجري (الثامن)، أصبح الزهد على تخوم التصوف. فقد رأينا شخصيات زهدية جديدة، بالاضافة إلى الخراسانيين، تظهر في هذه المرحلة، فيظهر معها أشكال جديدة في حركة الزهد ، هي إلى طبيعة التصوف أقرب.

نذكر هنا شخصيتين رئيسيتين : رابعة العدودية، ومعروف الكرخي. لقد أسقطنا من حسابنا الهالات الاسطورية التي احاط المؤرخون بها هاتين الشخصيتين ، وأخذنا بجوهر المسألة. [62]

نسبوا إلى رابعة، وشخصيات معاصرة لها، انها ادخلت فكرة "الحب الالهي" في الزهد. ونسبوا لها أقوالاً ومواقف تضعها موضع الشك، لانها لا تتفق مع ظروف العصر الذي عاشت فيه، ولا مع ظروفها هي بخاصة.

ان نقاطاً كثيرة غامضة في حياة رابعة لا يركن الباحث إلى تفسير المؤرخين والصوفيين لها، لانها صيغت بطريقة أسطورية مبالغ بها.

واذا أخذنا بما يمكن تصديقه من أخبار حياتها، خرجنا باستنتاج أن رابعة عاشت سنوات شبابها في فقر وحشي وتشرد وانتهت إلى العبودية وعاشت عند "سيد" امتلكها بالاسر كان فظاً في معاملتها.

ثم تنقطع عنا حلقة مهمة من تاريخ حياتها فلا ندري كيف خلصت من العبودية، وكيف انتقلت إلى عيش الوحدة والعبادة؟

ان الاقوال المنسوبة اليها تدل انها تنطوي على قصة مأساة وقصة حب، غامضة.. ونحن نستخلص من كل ذلك ان ما يسمونه "الحب الالهي" ليس هو الا نوعاً من الحساسية المفرطة الناشئة عن شدة الحرمان وقسوة العيش وعن صدمة نفسية حادة أصابتها مع ذلك في علاقة عاطفية مع انسان آخر، فتحول ذلك كله إلى رهافة في الخيال وطاقة تجريد ذهني عالية (المعطيات والمراجع).

وبالاجمال: هناك حقيقة تاريخية، هي انه عبر شخصية رابعة العدوية وأمثالها – في النصف الاخير من القرن الثاني الهجري- برز أحد أهم مفاهيم التصوف اللاحق: مفهوم "الحب الالهي". لكن ، نشك في نسبة هذا المفهوم إلى تلك الفترة التاريخية ذاتها.

واما معروف الكرخي ، فقد نسب إليه مؤرخو التصوف الاسلامي انه تكلم في "المعرفة" على الطريقة الصوفية، وانه كان "فائزاً بالعلم اللدني". مات معروف سنة 200 ه (= 815) .

و"المعرفة" مفهومها الصوفي لم تظهر على النحو الذي ينسبونه إلى الكرخي قبل منتصف القرن الثالث الهجري (التاسع). هذا من جهة، ثم من جهة ثانية كانت نزعة العقلانية في حركة القدرية هي المسيطرة في زمن الكرخي، وهي التي كانت تتقدم لتسد حاجة التطور الاجتماعي حينذاك إلى شكل من المواقف الفكرية – الايديولوجية المعارضة.

وهناك معطيات عن معروف الكرخي تدل انه لم يكن هو شخصياً مؤهلاً لاداء المهمة التي ينسبونها إليه إلا على نحو أسطوري نرفضه أساساً. [63]

ونحن – أخيراً- لا ننفي بعض العلامات المرتبطة بهذه الشخصية ، وهي -مجتمعة- تضع مؤشراً تاريخياً وفكرياً وأيديولوجياً نستطيع أن نتبين خلاله كيف وضع التاريخ شخصية هذا الزاهد الكبير بين اهم شخصيات الزهد، في النصف الأخير للقرن الثاني الهجري، على التخوم بين مرحلتين للتصوف: مرحلة الزهد، ومرحلة "علم المعرفة الذوقية" (التصوف الفلسفي).

التصوف (النظري) : موقف أيديولوجي :

عصر حسام: نعني به العصر العباسي الأول، في هذا العصر نعبر من المرحلة الأولى للتصوف السلوكية = الزهد: الموقف السياسي، إلى مرحلته الثانية (التعامل مع الفكر النظري = محاولة أيديولوجية). حدث في هذا العصر تحول نوعي للتصوف من جانبين : الجانب الفكري. كشكل خاص من أشكال انعكاس الواقع في الوعي.

تحوله الفكري: يعني ان يؤسس نظريته ومفاهيمه الفلسفية الخاصة، وتحوله الاجتماعي: يعني أن يصبح تعبيراً عن موقف أيديولوجي.

وهو بذلك يرتفع إلى مستوى "العصر الحاسم". هذا العصر يتحدد زمنياً بما بين عامي 132 – 232ه (749 – 847 )، وصفناه بالعصر الحاسم، لانه يبدو كتاريخ متميز متكامل امتد تأثيره في القرون اللاحقة. وتميزه ياتي من كونه العصر الذي انتصرت فيه الثورة العباسية على الدولة الاموية، واحدث انتصارها، بقيام دولة العباسيين أمرين أساسيين:

أولهما، القضاء على مبدأ "العصبية" الاموية في معاملة الجماعات غير العربية.

وثانيهما، توطيد المركز الديني للدولة الاسلامية فأصبحت دولة "تيوقراطية" كلياً اعتماداً على انتساب العباسيين لأسرة النبي (العباس عم النبي).

وهذا الشكل للدولة وضع الخليفة العباسي موضع المسيطر الروحي الواجب الطاعة على المسلمين، كممثل لسلطة الشريعة ، وكخليفة لله على الأرض.

هاتان الميزتان للدولة لهما انعكاسات على الصعيد الفكري، وعلى الصعيد الايديولوجي.

أولاً: على الصعيد الفكري – في هذا المجال ساعد زوال مبدأ "العصبية" من سياسة الدولة على فتح الطريق واسعة أمام مختلف التيارات الفكرية والمذهبية والعقائد الشرقية، القديمة والمعاصرة للاسلام، لا سيما الفارسية منها، فنشطت كلها بكثير من الحرية طوال العصر العباسي الأول تقريباً.

ورغم المواجهة الحادة، خلال هذا العصر، بين العصبيتين الرئيسيتين في مجتمع دولة الخلافة: العصبية العربية، والعصبية الفارسية، ثم بين الثقافتين الرئيستين: الثقافة العربية، والثقافة الفارسية ذات التراث الغني العريق – نقول: رغم ذلك، كان هناك فرق بين نوعي المواجهة.

ففي حين كانت المواجهة تناحرية بين العصبيتين ، كانت تعايشية – تفاعلية بين الثقافتين. [64]

واتفق انه كلما كانت تزداد المواجهة الأولى حدة كانت صفة التعايش التفاعلي تزداد عمقاً واتساعاً بين الثقافتين. وقد نتجت عن ذلك ترجمات كثيرة متنوعة من التراث الثقافي الفارسي إلى العربية، وحصل من هذه الحركة انصهار فكري في علاقة الثقافتين.

ثانياً: على الصعيد الايديولوجي ، بالطبع لا نضع فاصلاً بين الجانب الفكري والجانب الايديولوجي ، لذلك نقول ان التعايش والتفاعل بين الثقافتين كان لهما اثرهما على الصعيد الايديولوجي ، وان كان العامل الحاسم هنا ينطلق من طبيعة استبدادية نظام الحكم وتيوقراطيته ذاتها، وكان التفاعل الثقافي عاملاً مساعداً له.

ان الميزة الثانية للدولة العباسية، أي توطيدها الحكم التيوقراطي المطلق، قد أوجدت نقيضها بنفسها.

فقد كان أسلوب حكمها الاستبدادي المعادي لمصالح القوى المنتجة في المجتمع وسائر الفئات الدنيا والوسطى منه يتكشف، على نحو ما، لدى هذه القوى والفئات الاجتماعية، كلما ازداد ضغطه على مصالح عيشهم وحرياتهم.

لذلك كانت محاولة الطبقة الحاكمة ترسيخ طابع تيوقراطية نظامها، محاولة فاشلة في تثبيت أيديولوجيتها الدينية، اذ كانت محركة للعوامل التي تدفع عملية بناء ايديولوجية جديدة للمجتمع معارضة لايديولوجية الدولة، أي الطبقة الحاكمة، وكان هذا الواقع يحدث الاهتزاز والتصدع في هذه الايديولوجية الرسمية.

ايديولوجية دولة الخلافة ، ما هي ؟

اتخذت الخلافة الاسلامية، كسلطة سياسية للنظام الاجتماعي، منذ تأسست كدولة بمفهومها "الحقوقي"، صفة كونها ممثلة للاسلام كدين الهي.

وبذلك حددت علاقتها بالمجتمع بأنها تحكمه بسلطة "الهية" غير قابلة للاعتراض فضلاً عن الرفض، ولا التغيير فضلاً عن الزوال.

ومن الواضح أن صفة التمثيل الالهي، كانت انعكاساً لواقع السلطة الاستبدادية المطلقة، دون العكس.

وكانت الشريعة الاسلامية هي المستند النظري لهذا الواقع ونظرية الشريعة تقوم على فكرة "التوحيد" (الله الواحد الذي لا شريك له ولا شبيه له). ان هذه الفكرة هي قوام أيديولوجية دولة الخلافة.

فإن وحدانية الله المطلقة المنفصلة انفصالاً مطلقاً عن الموجودات كلها، هي الصورة التي تنعكس فيها "أوحدية" الحاكم المطلق (الخليفة)، او "وحدانية" الفئة الحاكمة التي لا شريك لها في السلطة بين فئات المجتمع. كما أن الشريعة تمثل الصلة الوحيدة بين الانسان والله. [65]

ومعنى ذلك أن أيديولوجية الدولة تقضي بأن تكون هي – أي الدولة- هي المرجع الوحيد لهذه الصلة الوحيدة.

وبهذا جعلت الدولة لنفسها الحق في التسلط على أفكار الناس وفي تحديد مصادر المعرفة لهم. من هنا تأتي اهمية الدور الأيديولوجي والسياسي للمفكرين الذين كانوا يحاولون، بنوع من العفوية، صياغة أيديولوجية جديدة لمجتمعهم حينذاك، تواجه أيديولوجية الدولة المسيطرة.

كانت هذه المحاولة تظهر في وقت حدوث تطور اجتماعي يسمح بظهورها، أي حالما يكون التطور الفكري متساوقاً مع التطور الاجتماعي.

وفي العصر العباسي الأول – كما أشرنا- كان التحرك الفكري في نشاط بالغ الحيوية. وبذلك كان الوضع الفكري العام مؤهلاً لأداء مهمة أيديولوجية بشكل ما.

فما هي الأسس النظرية لفلسفة التصوف هذه ؟

في ما يلي نستعرض ما هو جوهري من هذه الأسس:

- نظرية المعرفة :

ان الرابط المشترك بين مختلف ظاهرات الفكر العربي – الاسلامي (علم الكلام، الفلسفة ، التصوف، الفقه وأصول الفقه) هو اتفاق هذه الظاهرات جمعاء على أن موضوع المعرفة هو الله، وأن مركز الدائرة لهذا الموضوع هو وحدانية الله (التوحيد) وأن حقيقة الله، أي ماهيته، لا يصل اليها إدراك الانسان، وانما يستطيع الانسان أن يدرك ان الله موجود، وانه واحد، وانه بوحدانيته منزه عن المثيل والشبيه تنزيها مطلقاً.

من هذه الأرض اللاهوتية انطلق التصوف مثل غيره من أشكال الفكر العربي الاخرى في مسألة المعرفة – ولكنه انفرد بطريقته الخاصة في تفسير عناصر ذلك الرابط المشترك.

وكان الظاهر من ذلك انه لا يرفض هذه العناصر، لكن طريقته التفسيرية لها كانت تؤدي بالنتيجة إلى رفضها.

غير أن "نظرية المعرفة" الصوفية لا تقتصر على الصلة بتلك الجذور اللاهوتية، بل ترجع بالأصل إلى أرض الواقع الاجتماعي الذي نبتت فيه تلك الجذور اللاهوتية نفسها. اذن، فما محتوى هذه النظرية، وما درجة علاقتها بالواقع الاجتماعي ذاك؟

نبدأ في وضع محتواها من أول صوفي تصدى للتعبير عن الفكر الفلسفي للتصوف، وهو ذو النون المصري (-245 ه / 859) ، ووضع الحدود الفاصلة بين ثلاثة أنواع للمعرفة: المعرفة الايمانية الصرف، والمعرفة العقلية البرهانية، والمعرفة الصوفية التي وصفها بأنها "خاصة بأهل ولاية الله المخلصين الذين يشاهدون الله بقلوبهم حتى يظهر الحق (الله) لهم ما لم يظهره لأحد من العالمين".

من حيث الاتجاه الفلسفي الأساسي نرى الاطار العام للمعرفة الصوفية بهذا الوضع، هو الاتجاه المثالي.

فهي – كما نرى – معرفة قلبية تحصل "بمشاهدة" الله مباشرة، ولا تستند إلى العقل ولا إلى الحسن.

من هنا تبدأ مسألة المعرفة الصوفية. ولكن نرى خصائص أخرى في هذه المعرفة هي التي ستحدد مضمونها الايديولوجي :

أولاً، أصحاب هذه المعرفة هم من "أهل الولاية".

وثانياً، "أهل الولاية" ذوو "كرامات" عند الصوفية، أي أنهم يجترحون خوارق الطبيعة، أي كما يفعل الانبياء المعجزات في نظر الأديان.

ثالثاً، "أهل الولاية" يظهر الله لهم ما لم يظهره لأحد من العالمين ، أي حتى الانبياء، فهم اذن يتفوقون على الانبياء .. هذه الخصائص مهمة جداً في موضوعنا.

انها تضع العلاقة بين الانسان والله وضعاً جديداً. انها تضع الانسان في علاقة مباشرة مع الله.

وهنا نبدأ في رؤية الموقف الايديولوجي . فقد سبق ان حددنا أيديولوجية الدولة الرسمية بأنها تحصر العلاقة بين الله والانسان في الشريعة، فالشريعة، حسب الايديولوجية الرسمية، هي الواسطة الوحيدة الى الله.. في حين ان المعرفة الصوفية تتخطى هذه الواسطة لتجعل صلتها مع الله مباشرة، دون واسطة. [66]

الخاتمة:

في هذه الخاتمة تسجيل لبعض الاستنتاجات العامة من بحث التصوف، هوهي تتناول ثلاث مسائل:

1- الجبرية الصوفية: اذا نظرنا في هذه المسألة من خلال مذاهب التصوف الفلسفي، لا من خلال سلوك أهل الزهد والمتصوفين الأوائل و "الدراويش"، وجدنا الاتجاه العام لدى هذه المذاهب يتجه نحو احلال الانسان في علاقته مع الله محلاً سامياً يكسبه صفة "الهية"، أو يكسب الله صفة "انسانية" ، حتى تتداخل الحدود بين الله والانسان.

فاذا أضفنا إلى ذلك استنتاجنا الاخير في الفقرة السابقة عن قضية الانسان في الفكر الصوفي، واضفنا أيضاً ما رأيناه عند ابن عربي من شمول صفات "الانسان الكامل" للانسان الواقعي، امكننا ان نستنتج ما يلي: اتفاق الصوفية مع المعتزلة في تقدير إرادة الانسان، لكن بمنهج آخر.

ان الصوفية يصلون إلى موقف المعتزلة بشأن إرادة الانسان عن طريق الصفة "الالهية" للانسان. لان هذه الصفة تمنحه ارادة فاعلة حتى في انشاء "البناء الكوني" وفي مصير العالم، "فلا يزال العالم موجوداً ما دام فيه هذا الانسان الكامل" (ابن عربي). أن "الولي" و "القطب" الصوفيين ليسا كائنين روحانيين يعيشان في السماء، وانما هما كائنان بشريان يعيشان على الأرض بلحم ودم بشريين.

ان هذا الاستنتاج اذا صح –ونعتقد انه صحيح- ينفي عن التصوف الفلسفي مذهبية الجبر الفلسفية التي ينسبها اليهم بعض المستشرقين والباحثين المعاصرين.

2- النظر العقلي في فلسفة التصوف: بالرغم من التناقض في هذا العنوان، تكشف الدراسة المتعمقة للفكر الصوفي انه أمر واقع.

صحيح أن المنهج الصوفي يتناقض مع منهج النظر العقلي، ولكن الواقع أن الصوفية استخدموا النظر العقلي بالفعل.

فاذا كان في المسألة تناقض فهو تناقض الصوفية أنفسهم. فقد رأيناهم في كل مذهب يبنونه، يستندون إلى أسس نظرية من المبادئ العقلية ذاتها التي يستند إليها أهل النظر العقلي في عصور الفلسفة الكلاسيكية.

من هذه المبادئ ، مثلاً: مبدأ "الواحد لا يصدر عنه الا واحد" الذي عالجوا به مشكلة التناقض بين "وحدانية" الله وكثرة الموجودات وتنوعها.

والمقولات الكلاسيكية الارسطية العشر استخدمها السهروردي في بناء النظام الاشراقي مع تعديل في عددها فقط.

واستخدم الصوفية مقولتي "الواجب" و "الممكن" اللتين اعتمدهما الفلاسفة الاسلاميون.

وقد تنبه الغزالي إلى هذه المناقصة عند "الباطنية" فكشفها، ولكنه وقع فيها نفسها حين أراد أن يبطل أحكام العقل بالادلة العقلية (كتابه: فضائح الباطنية). [67]

 

 

[1] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص145-146

[2] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص149

[3] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص150

[4] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص151

[5] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص152

[6] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص154-155

[7] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص156

[8] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص159

[9] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص160-161

[10] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص162-163

[11] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص164

[12] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص166

[13] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص169

[14] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص171

[15] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص172-173

[16] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص179

[17] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص180

[18] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص182

[19] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص193

[20] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص194

[21] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص198

[22] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص199

[23] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص200

[24] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص201

[25] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص202

[26] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص204

[27] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص205

ابو الفيض ذو النون المصري، واسمه ثوبان بن ابراهيم، وابوه كان نوبيا (من بلاد النوبة). ويقول عنه نيكلسون انه "المؤسس الحقيقي للتصوف. وعند فيليب حتى انه "مؤسس العقيدة الصوفية" (تاريخ العرب "مطول" ج2. ويرى البير نصري نادر ان ذا النون المصري "أول من جعل الفلسفة جزءاً من التصوف".

[29] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص207

[30] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص209

[31] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص211

[32] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص212

[33] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص214

[34] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص218

[35] الاتحاد، عند الصوفية، هو أن يبلغ "الاتصال" بالله حدا "يتلاشى فيه الازدواج بين المحب والمحبوب، اذ يصبحان شيئاً واحداً في الجوهر والفعل ... وحينما يتحقق الاتحاد تختفي الاشارة إلى كل "من الصوفي والله" (ابو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي في الاسلام، ص296-297). قد عبر أبو يزيد البسطامي (-261هـ / 874) عن هذا "الاتحاد" في "شطحاته" المعروفة، بمثل قوله : "اني انا الله ، لا اله الا انا فاعبدوني" (الشيبي: الصلة بين التصوف والتشيع، ص394- نقلاً عن تذكرة الاولياء (فريد الدين العطار) – بالفارسية ، ج1 ، ص116).

[36] الحلول: incarnation. ويمثله الحلاج، الحسين بن منصور (244-309هـ/ 858-921). وقد عبر الحلاج عن فكرة الحلول بمثل قوله شعراً:

سبحان من اظهر ماسوته سر سنا لاهوته الثاقب

ثم بدا لخلقه ظاهراً في صورة الآكل والشارب

حتى لقد عاينه خلقه كلحظة الحاجب للحاجب

(ديوان الحلاج ، تحقيق ماسينيون، باريس 1955، ص37)

[37] يمثل يحيى الدين بن عربي (560-638 / 1164 – 1240) مذهب وحدة الوجود Pantheisme في التصوف الاسلامي. وهو يرى أن الوجود كله واحد: الله هو الوجود الحقيقي. اما العالم فهو مرآة يتجلى فيها الوجود الالهي (راجع ابن عربي: فصوص الحكم، تحقيق ابو العلاء عفيفي – نص حكمة الهية في كلمة آدمية") وراجع فقرة "وحدة الوجود" في ما سيأتي من هذا الفصل.

[38] "الفناء" و "البقاء" ناحيتان مرحلة واحدة في التجربة الصوفية. وقد وصف القشيري مراتب الفناء والبقاء بقوله: "... فناء عن نفسه (يقصد الصوفي) وصفاته، ببقائه بصفات الحق (الله)، ثم فناؤه عن صفات الحق، ثم فناؤه عن شهود فنائه باستهلاكه في وجود الحق" (الرسالة القشيرية، ص37). وعبر السري السقطي عن وضع الصوفي وهو في درجة "الفناء" بانه "لو ضرب بالسيف لما احس به" اللمع ص192).

[39] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص220-221

[40] تثبت المصادر المعتمدة اسم السهروردي هكذا: يحيى شهاب الدين السهروردي المقتول. ولقب "المقتول" لحق اسمه، تاريخياً، بعد مصرعه على يد سلطة الحكم الايوبي في حلب سنة 587هـ (=1191م) استجابة لفتوى فقهاء حلب الاسلاميين السنيين بكفره، عقب مناقشة بينه وبينهم في مجلس "السلطان الملك" الظاهر بن صلاح الدين الايوبي. وكانت المسألة الاساسية التي استندوا اليها في الحكم بكفره هي قوله، خلال هذه المناقشة وبعد استدراجه عمدا، بان الله قادر ان يخلق نبياً بعد النبي محمد . (راجع أبو ريان: أصول الفلسفة الاشراقية، ط1 ، القاهرة 1959، ص17-18).

[41] يرجع اسم الاسماعيلية إلى أصل تاريخي يبدأ بالانتساب إلى اسماعيل بن جعفر الصادق الامام السادس عند الشيعة الإمامية. ورغم ان اسماعيل مات قبل موت والده، قالت احدى فرق الامامية بأماته، أي اسماعيلل ، وانكرت موته قائلة انه لا يموت حتى يملك الأرض (النوبختي: فرق الشيعة، ص58). ثم قالت فرقة أخرى بامامة محمد بن اسماعيل نفسه. لكن اسم "الاسماعيلية" أصبح، بعد ذلك، يطلق على عدة فرق باطنية. أما الاسم المقصود في بحثنا هذا، فيطلق على أهل المذهب الفلسفي الباطني الذي يمنح أئمته صفات الهية، ويستخدم الرمز بالاعداد، شأن الفيتاغورية القديمة، لتصنيف مراتب العالم الميتافيزيقي كما يتصوره المذهب. وذلك انعكاس للتنظيمات المذهبية للدعاة والاتباع، ثم لمراتب التنظيم الهرمي أثناء حكم الفاطميين. فالاسماعيلية هي العقيدة الرسمية للدولة الفاطمية (297 – 567هـ/ 909-1171م) – راجع كلود كاهن: تاريخ العرب والشعوب الاسلامية، ص314- وراجع الشيبي: الصلة بين التصوف والتشيع ، ص910، نقلاً عن ناصر خسرو: جامع الحكمتين، ص296 (بالفارسية).

[42] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص229

[43] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص231

[44] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص237

[45] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص255

[46] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص258

[47] هو أبو بكر محمد بن عربي الطائي (نسبة إلى قبيلة طيء العربية). ولد في بلدة مرسبة بالاندلس (560 هـ / 1164م)، عاش في موطنه الاندلس نحو 38 سنة، وعاش بقية عمره في المشرق. مات في دمشق 638 هـ / 1240. لقب بـ"محيي الدين" وبـ "سلطان العارفين" تعبيراً عن منزلته الصوفية و "العرفانية". وفي المشرق كتب أهم مؤلفاته الصوفية التي تشرح فكرة "وحدة الوجود"، لا سيما كتاباه : "الفتوحات المكية" و "فصوص الحكم". اجتمع وابن رشد في عصر واحد، والتقيا في قرطبة ، وكتب ابن عربي فصلاً ممتعاً عن هذا اللقاء في "الفتوحات المكية" (ج1 ، ص153 – 154، ط. القاهرة 1329).

[48] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص271

[49] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص272

[50] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص287

[51] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص299

[52] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص306

[53] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص307

[54] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص308-309

[55] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص310

[56] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص311

[57] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص312

[58] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص313

[59] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص314

[60] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص315

[61] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص326

[62] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص328

[63] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص329

[64] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص330

[65] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص331

[66] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص333-334

[67] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص351-352