"يا أسامة.. يمّا يا أسامة..."، لا مُجيب سوى رائحة الضمائر التي تعفّنت من الاستكانة، أسامة السرسك طفلٌ يبلغ من العمر (14 عاماً) وكان يقطن في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة قبل أن يجدوه مدفونًا في مكب النفايات المركزي في منطقة جحر الديك مساء يوم الخميس الماضي.
أسامة ابنٌ لعائلةٍ يأكلها الفقر كما آلاف العائلات في القطاع، حيث كانت تستند على مُخصّصات الشؤون الاجتماعيّة التي صُرفت لمرّة واحدة طوال العام الماضي 2021 بعد تقليصها إلى 750 شيكل من أصل 1800 شيكل من قِبل وزارة التنمية الاجتماعية التابعة للسلطة الفلسطينيّة في رام الله، لكنّ أسامة لم يحتمل البرد القارس وذهب باحثًا عن أسلاكٍ نحاسيّةٍ أو قطعٍ بلاستيكيّة لبيعها وشراء "ترينج" ليحميه من هذا البرد.
والدة أسامة المكلومة عبَّرت عن وجعها في مقطع فيديو نُشر على مواقع التواصل، إذ أكَّدت أنّ أسامة "دهسته جرّافة البلدية في مكب النفايات ومزّقته تمزيقًا أثناء بحثه عن شيء يُباع بين أكوام القمامة"، لافتةً إلى أنّه "كان يشعر ببردٍ شديد ويُحوّش -يدّخر- الشيكل على الشيكل ليشتري ملابس شتويّة في ظل هذه الأجواء الباردة جدًا".
فور سماع خبر الوفاة، ركضت الأم مسرعةً نحو مكب النفايات وأخذت تفتّش بين القمامة وأكياس النفايات وتصرخ بأعلى صوتها: "أسامة.. يمّا يا أسامة.. وينك يمّا يا حبيبي رد عليا.. إذا سامعني ارفع ايدك يمّا عشان أشوفك.. ولا مُجيب"، قد يكون أسامة شعر بدفء صوتها في محيطه، لكن الأوان قد فات، رحل أسامة حاملاً برده وملامحه إلى مكانٍ آخر، ولتبدأ بعد ذلك -كما العادة- جوقة التصريحات والبيانات، إمّا بالإدانة، أو بالإعلان عن فتح لجنة تحقيق.
والد الطفل أسامة، أفاد بأنّه كان يساعده في جمع الخردة من مكب نفايات منطقة جحر الديك، ليفقد أثره داخل المكب، ويتم العثور عليه مطمورًا في المكب بعد عمليات بحث استمرت عدّة ساعات، وهذا أيضًا ما أعلنته المصادر الطبية في مستشفى شهداء الأقصى في المحافظة الوسطى، حيث أكَّدت وصول جثة الطفل أسامة عرفات إبراهيم السرسك (14 عاماً)، وبحسب الطب الشرعي، فإنّ سبب الوفاة هو "الاختناق الإصابي".
العائلة وفي بيانٍ رسمي، قالت إنّ سبب وفاة الطفل هو اختناقه إثر سقوط كتلة كبيرة من القمامة عليه أثناء تواجده في مكب النفايات، موضحةً أنّ أسامة كان يعمل مع والده في جمع النحاس والألمنيوم والبلاستيك، ولدى استخراج جثته تبيّن أنّها ممزّقة "بشكلٍ لا يتخيله عقل"، والظاهر أنّ جرافة البلدية هي من قامت بدهسه وتركت تلك الآثار الواضحة على جسده.
وشدّدت العائلة على أنّها "لن تستلم الجثّة، حتى يقف كل مسؤول عند حدود مسؤوليّاته والوقوف على أسباب الوفاة وحيثياتها بشكلٍ كاملٍ وعادل".
وعلى إثر ذلك، طالب مركز الميزان لحقوق الإنسان النيابة العامة بفتح تحقيقٍ عاجل في ظروف وملابسات حادثة الوفاة، ونشر نتائج التحقيق على الملأ، بينما طالبت الهيئة المستقلة جهات الاختصاص بضرورة التحقيق في ظروف وملابسات وفاة الطفل السرسك، داعيةً إلى تحديد المسؤوليات الناتجة عن تلك الحادثة، ونشر نتائج التحقيق على الملأ.
صباح اليوم السبت، أكَّد النائب العام في قطاع غزّة أنّ التحقيقات ما زالت مستمرة للوقوف على كافة ظروف وملابسات واقعة الوفاة واتخاذ المقتضى على ضوء ما تسفر عنه نتائج التحقيق، داعيًا "المواطنين للاعتماد عمَّا ينتج عن المصادر الرسمية من معلومات"، فيما حذّر من "نشر وتداول الأخبار غير الصحيحة والمنافية للحقائق".
يُشار إلى أنّ عدم صرف مستحقات الشؤون الاجتماعية ألقى بتداعياته السلبيّة على الفقراء والعمال ومحدودي الدخل والأشخاص ذوي الإعاقة في قطاع غزّة، بسبب تدهور الأوضاع المعيشية بعد العدوان الصهيوني الذي شنته قوات الاحتلال في شهر مايو الماضي، واستمرار الحصار المفروض على القطاع منذ 16 عامًا وتداعياته الكارثية، وبسبب القيود المفروضة للحد من انتشار فيروس "كورونا"، وبسبب الانقسام الفلسطيني الداخلي المُستمر، حسبما يؤكّد المركز الفلسطيني لحقوق الانسان.
كل ذلك أيضًا، تسبّب في رفع نسبة البطالة وانتشار الفقر وانعدام الأمن الغذائي، حيث يُعاني سكّان القطاع ارتفاعًا خطيرًا في معدلات البطالة، بلغت 45%، بواقع 217.100 عامل عاطلين عن العمل، بينما بلغت نسبة انتشار الفقر بين سكان القطاع 53%، ويُصنف 62.2% من سكّان القطاع غير آمنين غذائيًا وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانيّة، فمكب النفايات لم يكن أبدًا مكانًا للتنزّه، ولكنّ أسامة كابد الصِعاب وذهب ليبحث عن دفئه في أكوام القمامة.

