Menu

تلخيص كتاب المفكر الماركسي الشهيد د. حسين مروة: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية الحلقات من (10 – 11)

غازي الصوراني

الفصل الرابع: ظاهرة (اخوان الصفاء)

(اخوان الصفاء)؛ ظاهرة عصر، لا ظاهرة جماعة !

مدخل :

كيف ظهر "اخوان الصفاء" لعصرهم ومجتمعهم، ومتى ظهروا؟. ومن هؤلاء الذين سماهم عصرهم ومجتمعهم ، او سموا أنفسهم "أخوان الصفاء"، وكيف انتظمتهم "جماعة" واحدة بهذا الاسم وتحت هذا الشعار؟ ومن كتب تلك "الموسوعة" الشاملة المنسوبة إلى هذه "الجماعة" بالطريقة التي ظهرت بها "رسائل اخوان الصفاء" في عصر وفي مجتمع لم يعرفا  - من قبل- عملا "موسوعياً" على هذا النحو من الشمول والتنوع؟.

المصادر التاريخية لعصر "اخوان الصفاء" ، أو للعصر القريب منه، لا تقدم للمؤرخ أجوبة واضحة عن شيء من هذه الأسئلة.

ان واحداً[1] من مؤرخي القرن السابع الهجري (الثالث عشر) يقع في حيرة من أمر هذه "الجماعة" وأمر "الموسوعة" المسماة باسمها، فكيف بالمؤرخ المعاصر؟. [2]

أما القرن الرابع الهجري (العاشر) الذي يتبنى المؤرخون والباحثون المحدثون كونه عصر "اخوان الصفاء"، فليس لدينا منه سوى مصدر واحد نجده عند أبي حيان التوحيدي، وهذا المصدر يفيدنا أن "الجماعة" كانت في البصرة، ولها معرفة "بأصناف العلم وأنواع الصناعة"، وانها "تألفت بالعشرة، وتصافت بالصداقة، واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة. فوضعوا مذهباً.. وصنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة علمياً وعملياً، وأفردوا لها فهرساً وسموه رسائل اخوان الصفاء، وكتموا فيها اسماءهم وبثوها في الوراقين، ووهبوها للناس.

نفيد من هذا المصدر أيضاً بعض أسماء أولئك "الجماعة" ، وفقاً لمعلومات التوحيدي وحده، وهم –كما يذكرهم التوحيدي- : "أبو سليمان محمد بن معشر البستي، ويعرف بالمقدسي، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد المهرجاني، والعوفي، وغيرهم".

ونعرف من التوحيدي أيضاً، في هذا المصدر نفسه، أن زيداً بن رفاعة قد صادف هذه " الجماعة" أثناء اقامته "بالبصرة زماناً طويلاً.. فصحبهم وخدمهم".

ولكن هذه الشخصيات التي اخبرنا التوحيدي انها من "الجماعة" ومن مؤلفي رسائلها "الخمسين"، لا نجد تعريفاً لها في أحد من المصادر التي لدينا سوى ما ذكره التوحيدي ، في هذا المصدر نفسه أيضاً ، عن زيد بن وفاعة من ذكاء غالب وذهن متوقد، و"متسع في فنون النظم والنثر"، وبراعة في الحساب والبلاغة والتاريخ، ومن معرفة في المذاهب ، و "تبصر في الاراء والديانات". [3]

ونجد –اضافة إلى ذلك- كلاماً للمستشرق الالماني كارل بروكلمان ورد فيه: "ابو سليمان حمد (وسماه الناس أحمد فتركهم على ذلك) بن محمد بن ابراهيم الخطابي البستي". وأبو سليمان هذا – كما يصفه بروكلمان- "كان محدثاً وشاعراً، وألف في فنون من علم الحديث نقداً وشرحاً، وركن في أواخر حياته للتصوف (..) وتوفي .. سنة 386 ه / 996 وقيل 388 ه / 998 م ".

ولدى المؤرخين والباحثين العرب المعاصرين صورة أخرى لهذا الغموض التاريخي حول هذه "الجماعة" .

ينقل بعضهم الرأي القائل بأن " الرسائل من تأليف الحكيم المجريطي القرطبي. وذلك أنه حمل إلى الاندلس " الرسالة الجامعة" لاخوان الصفاء أنفسهم وأملاها على تلاميذه محاضرات، فظنوا أن المجريطي واضع الرسائل.

ثم الرأي القائل بأن الرسائل من وضع جعفر الصادق. [4]

وفي المقدمة التي وضعها "أحمد زكي باشا" لطبعة "الرسائل" في القاهرة (1347 ه / 1928م)، ينقل عن كتاب باسم "جلاء العينين في محاكمة الاحمدين" تأليف ابن الالوسي البغدادي ، نقلاً عن "كشف الظنون" وعن "شرح عقيدة السفاريني " ان "رسائل اخوان الصفاء" هي أصل مذهب القرامطة، وان نسبتها إلى جعفر الصادق مقصود بها الترويج، وانها "صنفت بعد المئة الثالثة (الهجرية) في دولة بني بويه، أملاها أبو سليمان محمد بن نصر البستي المعروف بالمقدسي، وأبو الحسن على بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد النهرجوري، والعوفي، وزيد بن رفاعة، كلهم حكماء اجتمعوا وصنفوا هذه الرسائل على طريق الفلسفة الخارجة على مسلك الشريعة المطهرة .

ثم ينقل "احمد زكي باشا" عن فتاوى ابن حجر نفيه نسبة "الرسائل" الى جعفر الصادق، وقوله بان مؤلفها مسلمة بن قاسم الاندلسي (-395 ه / 1005م). ومسلمة هذا هو نفسه "المجريطي القرطبي" الذي تقدم ذكره.

وبعد هذا نقرأ لباحث اسماعيلي عربي معاصر رأيا آخر ينسب تأليف "الرسائل" إلى امام الاسماعيليين عبدالله بن محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق.

فاذا علمنا ان الامام عبدالله هذا مات سنة 299 ه / 911 ، كان ذلك يعني أن تاريخ "الرسائل" يرقى إلى النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (التاسع)، في حين أن الرأي السائد، قديماً وحديثاً، انها ألفت في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري (العاشر) ، فاذا أخذنا برأي هذا الباحث الاسماعيلي نكون قد أرجعنا ظهور "رسائل اخوان الصفاء" إلى قرن كامل تقريباً قبل زمنها التاريخي المعروف، وهذا أمر غير مقبول عند النظر إلى طبيعة الظاهرة التي تدل عليها هذه الرسائل.

حيال هذا الاضطراب في المسألة ، يحكم منطق التحقيق التاريخي أن نرجع إلى المصدر الذي هو أقرب المصادر صلة بالعصر المتفق عليه لدى معظم الاراء المتضاربة في المسألة بأنه عصر "اخوان الصفاء" و "رسائلهم" ، أي القرن الرابع الهجري (العاشر).  [5]

نعني بهذا المصدر الذي تتوفر فيه هذه الصفة، ابا حيان التوحيدي ونصه المثبت في كتابه " الامتاع والمؤانسة" كما أشرنا سابقاً.

وقد نقل القفطي هذا النص نفسه كما ورد عند التوحيدي حرفيا. وبناء على هذا المصدر والمصادر التي استندت إليه وهي أيضاً اقرب منا إلى ذلك العصر، لابد لنا أن نفترض حتى الان أن "رسائل إخوان الصفا" ظهرت في القرن الرابع الهجري (العاشر)، وان مؤلفي هذه الرسائل هم أولئك "الجماعة" الذين تلاقوا في البصرة على المبادئ التي تشرحها "موسوعتهم" هذه.

بقي أن نرى العلاقة بين هذه الجماعة  ورسائلهم وبين الاسماعيلية.. فإن الدراسات الحديثة تكاد تتفق على وجود هذه العلاقة.

أحد الباحثين من الاسماعيلية المعاصرين يرى أن "الرسائل" من وضع أمامهم عبدالله بن محمد، فاذا رجعنا إلى "الرسائل" من وضع امامهم عبدالله بن محمد. فاذا رجعنا إلى "الرسائل" نفسها، نبحث في مضموناتها، وجدنا علاقة واضحة بين المبادئ الفلسفية التي تأسس عليها جماعة "اخوان الصفاء" وأصول التنظيم المتبعة لدى الجماعة، وبين مبادئ الاسماعيلية وأصولهم التنظيمية.

ولكننا نجد مجالاً للقول بأن هذه العلاقة لا تبلغ درجة التماثل الكامل بحيث لا يصح النظر إلى "الجماعة" كأنها تنظيم اسماعيلي صرفاً.

فقد كان للاسماعيلية وجود سبق وجود "اخوان الصفاء" بزمن طويل، وكان لها تنظيم متقدم يعمل بنشاط ودقة ودأب منذ ذلك الزمن، ويمارس بذلك تأثيراته في مجالات الكفاح السياسي والايديولوجي على بعض الحركات الثورية التي ظهرت خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين، كحركة القرامطة بالدرجة الأولى.

واذا كانت حركة "الباطنية" قد تمثلت، خلال القرنين المذكورين، في فرق أخرى غير الاسماعيلية، فإن المزايا التنظيمية التي كانت أبرز ما تميزت به الاسماعيلية، قد مكنتها ان تنفرد، دون سائر الفرق "الباطنية"، بحيوية الحركة والتأثير واستمرارية الصمود أكثر من جيلين. وقد كانت هذه المزايا عاملاً من عوامل نجاح الدعوة الفاطمية في الوصول إلى مركز الحكم.

ولكن التفرق الداخلي الذي أصاب الحركة الاسماعيلية، أدى بها إلى التشتت بعد ذلك كحركة منظمة.[6]

ويتبلور استنتاجنا هنا بأن الوجه "الاسماعيلي" الذي يظهر على "اخوان الصفاء" لا يعطي العلاقة بينهم وبين الاسماعيلية أكثر من هذه الصفة الانعكاسية الموضوعية. فان لدينا اقتناعاً بأنه كان لاخوان الصفاء وجود مستقل عن التنظيم الاسماعيلي، رغم ما نراه من نقاط الالتقاء الكثيرة بينهما.

ولكن وجودها المستقل لا ينفي ان يكون لها نوع من الارتباط المبدئي أو المذهبي بأصول اسماعيلية.

ان الدلائل التاريخية كلها ترشدنا ان الوضع التنظيمي "لاخوان الصفاء" لا يتعدى نطاق "الخطة" التنظيمية المكتوبة في "الرسائل" ، أي انه وضع نظري محضاً، رسموه لانفسهم بصورة مجردة كانعكاس للتجربة التنظيمية الاسماعيلية الناجحة.

اما النشاط العملي للاخوان فقد انحصر في العكوف على التأليف الموسوعي الذي يبدو انه استغرق وقتاص طويلاً استنفذ كل طاقاتهم، بحيث لم يتح لهم أن ينصرفوا إلى تحقيق "الخطة" المدونة في "الرسائل" ، والا فلماذا لم تظهر آثار لنشاطهم يتحدث عنها المؤرخون في عصرهم أو العصور القريبة منه، لو أن هذا النشاط كان موجوداً بالفعل؟

لماذا لم يتحدث عنهم الشهرستاني، أو ابن خلدون مثلاً؟ . ولعل النشاط الوحيد الذي نجد من يتحدث عنه في عصرهم، خارج نشاطهم التأليفي، هو ما يذكره أبو حيان التوحيدي في معرض حديثه عنهم، الذي سبقت الاشارة اليه، من انهم "صنفوا خمسين رسالة.. وكتموا فيها أسماءهم ، وبثوها في الوراقين (النساخ)، ووهبوها للناس..".

فهم اذن كانوا يطمحون إلى اشاعة معارفهم الموسوعية في المجتمع بعد أن بذلوا ذلك الجهد العظيم في التدوين والتصنيف، وكان وراء طموحهم هذا هدف مرسوم دون شك .

ولابد انهم بذلوا جهداً آخر "لبث " هذه المعارف عن طريق الوراقين، ثم لا نعرف لهم –كما قلنا- نشاطاً غير هذا لنشرها وتعميمها في جماهير المجتمع.

أما كيف اختاروا لـ"تنظيمهم" اسم "اخوان الصفاء وخلان الوفاء" فقد يكون صحيحاً ان ذلك كان استرشاداً بما ورد في كتاب "كليلة ودمنة" (ترجمة ابن المقفع) من هذا التعبير (اخوان الصفاء) في "باب الحمامة المطوقة".

وقد جاء مضمون هذا الاسم تعبيراً عن الواقع الذي ألف بين أشخاصهم وجمعهم عمل مشترك وعلى هدف لهذا العمل مشترك أيضاً. [7]

عمل "اخوان الصفاء" الموسوعي، في "الرسائل" التي نسمح لأنفسنا أيضاً بأن نصفها وصفاً معاصراً، فنقول أنها عمل "برنامجي" يكاد يكون متكاملاً، رغم افتقاره إلى عنصر التنسيق التأليفي أولاً، وإلى عنصر التدقيق العلمي ثانياً.

ان صفة "العمل البرنامجي" تظهر بجلاء في مجمل التركيب العام "للرسائل" الخمسين و "للرسالة الجامعة" التي تتوج هذا العمل الكبير وتبلغ به النقطة القصوى "لاستراتيجية" الجماعة!.

بل يصح لنا القول بأن الخمسين "رسالة" الأولى استوعبت "الخطة التكتيكية" في حين أن "الرسالة الجامعة" استوعبت ما تضمنته "الرسائل" بجملتها من "الخطة الستراتيجية" الشاملة . فما هي "استراتيجية" الجماعة، أولاً؟

نعود هنا، مرة أخرى، إلى النص السابق لابي حيان التوحيدي المعاصر لتلك الظاهرة العلمية – الفلسفية – الايديولوجية التي سميناها "ظاهرة اخوان الصفاء":

يقول التوحيدي في معرض حديثه عن "الجماعة" : "... وذلك انهم قالوا ان الشريعة قد دنست بالجهالات، واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة ، لانها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية. وزعموا انه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية، فقد حصل الكمال".

هذا الكلام يقوله التوحيدي بعينه، لم يكن ليقوله الا وهو يعلم من أمر "الجماعة" وأمر العصر ما هو واقع، أو ما هو احدى صور هذا الواقع.

وفي "رسائل" الجماعة ما يدعم ذلك ويؤكده، كما سنرى.

"الاخوان" ياخذون بفكرة "الخطيئة الأصلية" لبني الانسان منذ آدم، على نحو ما تصفها الاديان القائلة بها.[8]

ولكنهم يرون – أي "الاخوان" – ان الانسان خرج من ربقة[9] هذه "الخطيئة" بعد توبة آدم وامتثاله لأمر الله الثاني ووصيته الثانية، ثم جرى على ذلك من استخلف في الأرض بأمر الله بعد آدم، وجعل وصية الله هذه، كلمة باقية في عقبه".

وهذه "الكلمة" هي "خلافة النبوة ومملكة الرسالة والامامة .

فمن تعدى هذا الأمر (الالهي) وخالف هذه الوصية ، وطلب أن يكون خليفة الله تعالى ليدبر خلقه بسعيه وحرصه، فانه لا يتم له ، وان تم وقدر عليه فانما هو خليفة ابليس، لانها حيلة ومكيدة وخديعة وتعد وغصب وظلم وعدوان وخذلان وطغيان وعصيان".

فلننظر في هذه الصفات الأخيرة المتلاحقة، (.. غصب، ظلم ، عدوان، خذلان، طغيان ، عصيان).

ليس يحتاج المرء إلى جهد غير عادي، لكي يكتشف مرمى هذا الهجوم، أي من يقصد "الاخوان" بهذه الأوصاف السلبية المثيرة.

فانه لمن الواضح ان الذي تم له ان يكون "خليفة" بتعدي أمر الله ومخالفة وصيته لآدم، فأصبح بذلك "خليفة ابليس" انما هو من يتسمى بـ"الخليفة" في عصر "اخوان الصفاء"، وهو ليس "خليفة" واحداً بعينه، بل هو كل من يتسلم منصب "الخلافة" الرسمية في الدولة الاسلامية المعاصرة لهم (الخلافة العباسية).

يتوضح هذا الهدف لدى "اخوان الصفاء" في أمكنة أخرى من "الرسائل" حين هم يتعرضون للعباسيين بتعابير شفافة، فيصفونهم بأنهم قتلوا "الأولياء وأولاد الانبياء"[10]، وحين هم يكثرون من التعريض بالسلطان الجائر، وينددون بمن ينصب خليفة لله في أرضه، ويملك رقاب الناس ويبسط يديه في البلاد لينصف المظلوم من الظالم، فاذا به يصبح هو الظالم وهو المتعدي على الضعفاء والمساكين.

ثم حين يضعون –بطريقة "التنظير" العلمي الفلكي – قاعدة للتنبؤ بتغير أدوار الدول وفقاً لأدوار الاقتران بين الكواكب السيارة أو التباعد بينها .. فهم بناء على هذه القاعدة تنبأوا بحدوث ما سموه بـ"القران الأوسط" ، وهو الذي يحدث –كما يقررون- حين ينتقل الكوكبان: زحل، والمشتري، من مثلث إلى آخر، وذلك في مئتين وأربعين سنة، فيحدث بحدوثه "تبديل للملوك وينتقل السلطان من دولة إلى آخرى، ومن قوم إلى آخر، ومن بيت إلى بيت ..". [11]

وقد نفهم من "المئتين والأربعين سنة" هذه، في تحديدهم ، انها نهاية العصر العباسي الأول محسوبة منذ قيام الدولة العباسية سنة 132ه.

فذلك اذن "تبشير" بانتقال الخلافة إلى دولة جديدة، في قوم (جماعة) آخرين، وفي بيت (عائلة) غير البيت العباسي. فأية دولة جديدة هذه التي يقصدون، وفي أي قوم هي، وفي أي بيت؟

نجد الاجابة عن هذه الاسئلة في مكان آخر من "الرسالة" نفسها، سابق لهذا المكان الذي تحدثوا فيه عن هذه "النبوءة".

فهناك يتنبأون أيضاً بأن الدور الفلكي سيبلغ برج العقرب، وهو الدور الذي مدته ثلاثمئة وثلاثون سنة وأربعة أشهر ، كما يقرر "الاخوان" ، وحينذاك يصير الحكم لدولة "اخوان الصفاء" التي ستكون مدة حكمها مئة وتسعا وخمسين سنة.

كما نجد ايضاحاً لهذه الاجابة في جزء آخر من "الرسائل" حيث "يبشرون" كذلك بفكرة "دورية" الملك والدولة، وانتقالهما في كل دور من أمة إلى أمة ومن أهل بيت إلى أهل بيت، ومن بلد إلى أهل بلد، ثم يضعون العلامات التي تنطبق على جماعة "اخوان الصفاء" نفسها ومن ينضوي إلى دعوتها، واصفين "دولتهم" المنتظرة بأنها "دولة أهل الخير"، وهي الدولة التي "يبدأ أولها من قوم علماء حكماء، وخيار فضلاء يجتمعون على رأي واحد ويتفقون على مذهب واحد ودين واحد.

ومن الخصائص التي يتميز بها أهل "دولة الخير" هذه "أنهم العلماء بأمور الديانات، العارفون بأسرار النبوات، المتأدبون بالرياضيات الفلسفية". [12]

فاذا كانوا كذلك، فاننا ننتظر أن نفهم منهم أن "الدين الواحد" الذي يتفقون عليه هو غير الدين المتبع في مجتمعهم وعصرهم. وقد كشفوا لنا هم ذلك، بوضوح، في كثير من نصوص "الرسائل"، فهم يعلنون انفتاحهم الكامل على الاديان والمذاهب كلها وعلى العلوم بأسرها، دون تحفظ، ويدعون أصحابهم "ان لا يعادوا علما من العلوم، أو يهجروا كتاباً من الكتب، ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب، لان رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلها ويجمع العلوم كلها" ، ثم يدعون كل "اخ" لهم: "فاجتهد يا اخي ان تبين الحق لكل صاحب دين ومذهب مما هو في يده، أو مما هو متمسك به، وتكشف عنه الشبهة التي دخلت عليه (..) ولا تمسك بما أنت عليه من دينك ومذهبك، واطلب خيرا منه، فان وجدت فلا يسعك الوقوف على الادون، ولكن يجب عليك الاخذ بالاخير الافضل، والانتقال اليه، ولا تشتغلن بذكر عيوب مذاهب الناس، ولكن أنظر: هل لك مذهب بلا عيب؟".

فالدعوة هنا صريحة إلى موقف نقدي من الدين، كل دين، ونبذ للتمسك بالموروث من الأديان والمذاهب دون استثناء.

وهذا الموقف النقدي ينسحب على الشريعة الاسلامية، ولكن بطريقة حذرة محترسة تداور الامر باللجوء إلى مثل ما لجأ اليه الصوفية من تصنيف الشريعة إلى ظاهر وباطن.

فالظاهرة هو الذي يصلح "للعامة" يداوي منها النفوس المريضة الضعيفة. غير أن العقول القوية تتغذى الحكمة العميقة المستمدة من الفلسفة.

فان "الذي يصلح للخواص البالغين في الحكمة، الراسخين في العلوم (...) هو النظر في أسرار الدين، وبواطن الأمور الخفية وأسرارها المكنونة.."

لذلك، فإن العبادة " نوعاً لا ثالث لهما": أحداهما، العبادة الشرعية الناموسية.. وأما الثانية، فهي العبادة الفلسفية الالهية.."

وهكذا ، فكل اعتراف بأحكام الشريعة وقوانينها وطقوسها يصبح اعترافاً ظاهرياً شكلياً، لانه خاضع – آخر الامر- للتأويل "الباطني" الذي يختص به "الراسخون في العلم".

وهنا، كما عند الصوفية، يتحدد "الراسخون في العلم"، وفقاً لمنطلق  "أهل الباطن" ، بحدود المفاهيم المتبعة في التأويل "الباطني" عند هؤلاء أو أولئك . [13]

من هذه المفاهيم، مثلاً، في تأويلات "اخوان الصفاء" ان الحج إلى مكة الذي أقرته الشريعة هو في "الباطن" ليس كما يفهمه غير "الراسخين في العلم" فهما ظاهرياً، وانما "باطنه" و "حقيقته" مثال لطواف الانسان على الأرض، ثم المفهوم "الباطني" عندهم "للنبوة"، انها أثر فلكي. وذلك انه "ينبث من جرم عطارد قوة روحانية تسري في جميع جسم العالم وأجزائه ، بها تكون المعارف، والاحساس في العالم، الخواطر، والالهام ، والوحي والنبوة والعلوم أجمع.

نخلص من هذا العرض التركيبي إلى تصور عام لاستراتيجية "اخوان الصفاء".. ان خلاصة هذا التصور ان "الجماعة" ينطلقون من موقع المعارضة للخلافة العباسية، ولمفهوم الشريعة الذي تتأسس عليه الايديولوجية الرسمية لدولة الخلافة هذه.

ولذلك تتطلع -أي جماعة اخوان الصفاء- إلى بناء دولة جديدة للمجتمع تستند إلى فلسفة جديدة منفتحة على كل مصدر للمعرفة، وعلى الاديان والمذاهب والفلسفات كلها، وعلى مختلف القوميات واللغات والاجناس البشرية.

وتتمثل في فلسفتها هذه ايديولوجية هذا المجتمع على أساس جديد . اما المحتوى الاجتماعي الذي سيكون الاساس لهذه الايديولوجية، فهو موضوع الفقرة التالية :

حددت "الجماعة"، في الوقت نفسه، أسلوب تحركها نحو مهماتها وأهدافها، نعني أنها، حين كانت تضع "برنامجها" ، كانت – في وقت واحد- تنفذ عملا "تكتيكيا" دقيقاً، بل لعله يصح أن نقول: واعياً أيضاً.

ذلك اذ تدرجت بالدعوة من مرحلة إلى مرحلة ، وجعلت لكل مرحلة أسلوباً خاصاً يتناسب مع مستوى المدعو.

بدأت "الرسائل" بمرحلة المداورة والمناورة في التعامل من المدعوين الذين هم في المرتبة الدنيا من استيعاب الدعوة، حذرة معهم كل الحذر، آخذة في الحسبان كل ما هو متكون لديهم من معتقدات موروثة ومن مرتكزات مذهبية وايديولوجية اكتسبوها من طبيعة نظام الحكم الاستبدادي السائد وطبيعة العلاقات الاجتماعية المسيطرة ومن آثار تجهيل جماهير "العامة" وعزلها عن حركة التطور الثقافي التي كانت في اوج نشاطها حينذاك.

ان وعي "الجماعة" لهذا الواقع، حملهم على تضمين عملهم "البرنامجي" شبه "نظام داخلي" تنظيمي، يقضي أول كل شيء باختيار فئة الشبان "للحلقات" الأولى من "التنظيم"، لكون هذه الفئة من الناس "كمثل ورق أبيض نقي لم يكتب فيه شيء". [14]

ان الخطة "التكتيكية" في التعامل مع المدعوين الشبان، تقضي بتقديم المعارف الأولية اليهم عن شؤون الدعوة، وهي المعارف التي تستثير في أذهانهم الشكوك في ما يكون قد وصل اليهم من معتقدات دينية أو مذهبية أو من أصول أيديولوجية "رسمية" ، ثم تستثير في الوقت نفسه فضولاً معرفياً عندهم للاطلاع على ما هو أبعد من تلك المعارف الأولية عن شؤون الدعوة.

وهكذا تتدرج أساليب "التعليم" متصاعدة، مرحلة مرحلة، مع تصاعد مراحل العمر بالمدعوين، حتى تبلغ معهم مرحلة ما بعد الخمسين من اعمارهم ، فيحق لهم حينذاك بلوغ المرتبة الرابعة، وهي العليا، فيرتفع الحذر ، ويصبح "التعليم" صريحاً معهم ، ويمكنهم الاطلاع على أسرار "المنظمة" كاملة.

المحتوى الاجتماعي لايديولوجية "الاخوان"

لكي نستطيع استخلاص هذا المحتوى، نحتاج أن نزيح عنه قدراً ليس باليسير من تراكمات الأوهام الغيبية المختلطة بالفلسفات المثالية (فيثاغورية وافلاطونية وافلاطونية محدثة) وبالرموز "الباطنية" : الاسماعيلية والتصوفية.

ولكن رغم هذه التراكمات المتشابكة، سنجد هذا المحتوى بصورة مختلفة عن المحتوى الايديولوجي للفلسفة الصوفية.

والجديد هنا هو الاقتراب، أكثر فأكثر، من الواقع الاجتماعي. بل الجديد الأكثر أهمية عند "اخوان الصفاء" هو تحديد الاشياء على نحو يضع التفكير التاملي مقترناً، تقريباً، بتصور واضح للظروف المادية للمجتمع.

وهذا الأمر يثير مسألة أساسية لا في موضوعنا فقط، بل في موضوع الفلسفة العربية – الاسلامية على مدى مساحتها الوسيعة، نعني مسألة علاقة التداخل بين هذه الفلسفة والفلسفات القديمة، ولا سيما اليونانية منها. [15]

فنحن نرى هذا التداخل يبرز في فلسفة "اخوان الصفاء" على نحو أكسبها الصفة "الموسوعية" ، بل جعل من شمول هذه العلاقة ومن الصفة "الموسوعية" لفلسفتهم، صفة "مبدئية" عند "الاخوان".

ان تعامل الفلسفة العربية – الاسلامية مع كل من الفلسفات الشرقية، واليونانية الصرف، واليونانية – الرومانية، كان يخضع لواقع الوضع التاريخي الذي كانت تتميز به العلاقات الاجتماعية في المجتمع العربي – الاسلامي خلال العصر الوسيط.

ولذا نلحظ ، مثلا، كيف كانت نظرية الفيض الافلوطينية ، رغم سيطرتها الغالبة على مجمل الفلسفة العربية، تتشكل داخل هذه الفلسفة على نحو آخر يؤدي في نهاية الأمر إلى تغيير في محتواها وفي اتجاهها الأصلي.

فليس أمراً "انتقائياً" اختيارياً أن يظهر في فلسفة "اخوان الصفاء" أو فلسفة الفارابي وابن سينا هذا الميل المادي أو ذاك ، أو يظهر ذلك الاتجاه العام إلى اقتران النظر التأملي بالميل التجريبي، أو إلى ربط التصورات الميتافيزيقية بالظروف المادية للمجتمع، أو أن يكمن في متاهاتها الغيبية محتوى أيديولوجي يرتبط -نسبياً- بمطامح الفئات الاجتماعية الكادحة في الريق والمدينة معارضاً لأيديولوجية النظام الاجتماعي الاستبدادي القائم على أساس علاقات الانتاج الاقطاعية بوجه عام . [16]

ان نظرية الفيض، حين تشكلت في الفلسفة الافلوطينية، كانت تحمل تعبيراً أيديولوجياً يختلف نوعياً، عن هذا المحتوى الايديولوجي في الفلسفة العربية.

فإن فلسفة أفلوطين بذاتها كانت نتاجاً لواقع اجتماعي آخر مختلف جذرياً عن واقع المجتمع الذي ظهرت فيه الفلسفة العربية.

ان ظاهرة فصل الفكر عن الواقع ، أو فصل عالم السماء عن عالم الأرض فصلاً صارماً ، مع احتقار العالم المادي، كما يفكر أفلوطين، كانت تعبيراً عن واقع الفصل الكامل بين طبقة "الاسياد"، في المجتمع العبودي اليوناني المحتضر حينذاك ، وبين طبقة "العبيد" التي كانت، في هذا المجتمع محرومة كل حقوق الانسان فضلاً عن حق ممارسة التفكير وشؤون الثقافة.

ذلك أن أفلوطين كان المعبر الأيديولوجي عن طبقة "الاسياد"، لارتباطه الوثيق بالامبراطور جورديانو، كما هو معروف تاريخياً ، وعلى أساس هذ الارتباط تمكن أفلوطين أن يصحب امبراطوره هذا في حملته الفاشلة على بلاد فارس عام 242.

وبحكم موقعه الاجتماعي – السياسي هذا، كانت أفكاره عن الضرورة الجبرية الميتافيزيقية التي تحكم العالم وعن "الانسجام الكامل" في النظام الواحد الذي يسود الحياة، انعكاساً لموقفه التبريري تجاه النظام الاجتماعي الاستبدادي العبودي المتمثل في امبراطوره العتيد.

هذا كله يختلف عن موقف الفلسفة العربية والفلاسفة العرب، ومنهم "اخوان الصفاء".

فقد ظهرت الفلسفة العربية في ظروف علاقات اجتماعية اقطاعية باتجاهها العام، تنمو خلالها في المدن فئات تجارية وفئات حرفية كانت لديها الظروف الاجتماعية الموضوعية للتطور النسبي. هذا من جهة.

وكان ممثلو هذه الفلسفة – من جهة ثانية- ينشأون من أوساط فلاحية أو من أوساط فئات تجارية أو حرفية أو من أوساط الفقراء المعدمين. أي أن ممارسة التفكير لم تبق كما كانت في المجتمع العبودي وقفاً على أوساط "الاسياد" والاريستوقراطيين، بل بالعكس : أصبح معظم الذين يمارسون التفكير من أوساط شعبية.

ومن جهة ثالثة: كان تاريخ البشرية قد عبر اكثر من ستة قرون منذ أفلوطين حتى عصر الفلسفة العربية في القرون الوسطى، وخلال هذه القرون الطوال كانت معارف الانسان عن العالم تتقدم، شيئاً فشيئاً، في محاولة فهم هذا العالم واكتشاف بعض قوانين الطبيعة والمجتمع، بصرف النظر عن كون هذا الفهم أو هذا الاكتشاف مطابقاً أو غير مطابق للحقيقة المطلقة الموضوعية.

يضاف إلى ذلك ان معظم الفلاسفة العرب، في تلك العصور، كانوا يجمعون بين النظر الفلسفي التأملي وممارسة العلوم الطبيعية بوسائل التجربة والممارسة العملية، وكانت وسائلهم هذه تتطور خلال هذه الممارسة فتساعد – بصورة ديالكتيكية- على تطوير المعارف العلمية واكتشاف قوانين جديدة في مجال الطبيعة، على قدر ما تسمح الظروف التاريخية بذلك.

ان منطق هذه الحقائق كلها يفترض – بحق- ان تتغير نظرة الفلاسفة العرب حينذاك إلى العالم عن نظرة أفلوطين، وعن نظرات الفلاسفة اليونانيين الذين سبقوه.

من هنا كان أمرا موضوعياً، لا ذاتياً ارادياً، ان تجيء الفلسفة العربية ، في عصرها ذاك، نتاج التمازج الحتمي بين حصيلتين: حصيلة المعارف البشرية في عصور سابقة، وحصيلة الوضع التاريخي للمعرفة وللمجتمع في عصر النهضة الثقافية العربية، خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين بالأخص.

في ضوء تحليلنا واستنتاجنا السابقين، يتيسر لنا الان ان نكتشف مصدر ذلك التغير في المحتوى الايديولوجي لفلسفة "اخوان الصفاء" بالقياس إلى المحتوى الايديولوجي لفلسفة التصوف. [17]

وينبغي ان نذكر أولاً ان هناك عنصراً مشتركاً بين المحتويين، هو التأويل "الباطني" للشريعة، الذي رأينا انه ينتهي إلى نتيجة واحدة مشتركة، نعني بها رفض الأساس النظري لايديولوجية النظام الاجتماعي لدولة الخلافة .

والشريعة – في مفهوم الدولة- هي ذلك الأساس النظري نفسه. أي كون هذه الشريعة هي الوسيط الوحيد الثابت بين الله والانسان.

وقد رفض كل من الصوفية و"اخوان الصفا" وحدة الوساطة هذه وثباتها.

أما "اخوان الصفاء" فان موقفهم في هذه المسألة يتجلى في أكثر من جانب واحد من فلسفتهم، يتجلى :

أولاً، في رفضهم التقليد المطلق لظاهر الشريعة، وطلبهم "البحث والكشف بالبراهين" عما فيها "من الاسرار والاشارات المكنونة" ، وذلك كشأن "المتوسطين في كل علم وصناعة لا يرضون بالتقليد اذ يمكنهم البحث والكشف عنه بالبراهين.

ثانياً، في تفسيرهم النبوة تفسيراً ينطلق من تصور مادي، فهي عندهم أثر فلكي، آت من جرم الكوكب عطارد كما أشرنا قبل. وهذا التصور ينسف التصور "الرسمي" للشريعة والنبوة من الأساس.

ثالثاً، في قولهم بتجدد الشريعة والدين بصورة دورية ترتبط بحركة الاجرام الفلكية من حيث التقارب والتباعد بين هذه الاجرام .

رابعاً، في نظرية "الامامة" عندهم، فان "الامام" في نظريتهم ينبغي ان تجتمع فيه ست وأربعون من الصفات ، وهي بمجموعها تضع الامام في منزلة النبوة، أو فوق هذه المنزلة. ثم يقررون انه "ان لم يتفق ان تجتمع تلك الخصال في واحد، لكن تكون متفرقة في جماعتهم ، اجتمعت تلك الجماعة على رأي واحد ، وائتلفت قلوبهم على محبة بعضهم بعضاً.. فإن كنت (الخطاب إلى كل أخ من من اخوانهم) عازماً على طلب صلاح الدين والدنيا، فهلم بنا نجتمع مع جماعة اخوان فضلاء..".

وهذا يعني ، بوضوح، ان جماعتهم ذاتها تمثل منصب الامام، ولذلك قالوا بأن الامام المنتظر ليس مختفياً ، بل ظاهر بين الناس.

فعلى هذا ، اذن، يتبين ان "اخوان الصفاء" يضعون أنفسهم في موضع المواجهة المباشرة لنظام حكم الخلافة العباسية، لا أيديولوجيا فقط، بل سياسياً كذلك، أي أنهم يرمون إلى هدم هذا النظام لاقامة نظامهم هم مكانه، واعتبارهم هم أنفسهم ذوي الامامة الشرعية.

هذا اذا اخذنا لفظ "الامامة" بمعناه الظاهر المألوف، والا فهو رمز فقط يقصدون به هدفهم السياسي.

الجوانب الاجتماعية في فلسفة "الاخوان":

النقاط الثلاث الأولى السابقة تمثل العنصر المشترك للمحتوى الأيديولوجي في فلسفة كل من الصوفية و "اخوان الصفاء".

لكن "الاخوان" يتفردون بعنصر يعبرون به عن تقدم ملحوظ على الصوفية في مجال الصراع الايديولوجي لعصرهم.

ذلك هو ارتباطهم الواضح بالواقع الاجتماعي الذي خرج بهذا الصراع عندهم من اطاره الفكري المجرد ليكتسب محتوى اجتماعياً مباشراً. [18]

أما المحتوى الاجتماعي لفكر "اخوان الصفاء" فيتجلى في الجوانب التالية من فلسفتهم:

1- انهم يرفضون فكرة السعي لنقاء الانسان وسعادته الاخروية منعزلة عن نشاطه الاجتماعي لخير حياته الدنيوية، بل هم يضعون هذا النشاط في أساس ذلك السعي.

2- انهم، اذ يؤكدون الطابع الاجتماعي لنشاط الانسان، يؤكدون قيمة العمل والطابع الاجتماعي أيضاً لأهداف العمل.

لذلك هم يضعون تقسيم العمل في المجتمع كأساس لتقدم المجتمع وهنائه، ويضعون الحوافز المادية كأساس لانجاز العمل واتقانه .

وفي مجال الحوافز المادية للعمل يقولون في السياق نفسه: "واما ما اصطلحوا عليه من الكيل والوزن والثمن والاجرة، فان ذلك حكمة وسياسة، ليكون حثاً لهم على الاجتهاد في اعمالهم وصنائعهم ومعاوناتهم، حتى يستحق كل انسان من الأجرة بحسب اجتهاده في العمل ونشاطه في الصنائع.

ان لهذا النص مدلولاً اجتماعياً آخر مرتبطاً بالوضع التاريخي لقضية العمل، وبه يظهر وجه الاختلاف الذي سبقت الاشارة اليه بين المجتمع اليوناني العبودي الذي تمثله الفلسفة اليونانية، وفلسفة أفلوطين بوجه خاص، وبين المجتمع الاقطاعي – التجاري الذي تمثله الفلسفة العربية، منها فلسفة "اخوان الصفاء". [19]

نعني بهذا المدلول زوال نظرة الاحتقار إلى العمل اليدوي والانتاجي وإلى الفئات الاجتماعية التي تمارس هذا العمل. تلك النظرية المرتبطة بالمجتمع العبودي. بل نجد عند "الاخوان" نظرة معاكسة تضع هذه الفئات الاجتماعية في مستوى واحد مع الفئات السياسية والعلمية والتعليمية.

3- ان "اخوان الصفاء" وضعوا معارفهم "الموسوعية" المدونة في "رسائلهم" الاحدى والخمسين، لتكون هذه المعارف كلها، بمختلف انواعها ومستوياتها، في متناول مختلف فئات المجتمع دون تمييز بينها، وحاولوا نشرها في أوسع الجماهير، ورتبوا في الرسائل نفسها وسائل ايصال هذه المعارف إلى الناس كافة، بوساطة مجالس منظمة بأعدادها وبمواعيد اجتماعاتها.

نستنتج من ذلك أن تثقيف الجماهير العريضة بالمعارف العلمية المحض كان هدفاً من أهداف "الاخوان" إلى جانب الهدف السياسي.

ان محاولة التثقيف الجماهيري، حتى بالموضوعات الدعائية ذات الطابع المذهبي والسياسي، هي بذاتها محاولة ذات مدلول ايديولوجي له محتواه الاجتماعي الصريح وان تعميم المعارف العلمية في المجتمع كله عن الطبيعة والانسان والدين والمجتمع والدولة، بمفاهيم متحررة من المفاهيم الرسمية، هو عمل ايديولوجي يقف في مواجهة ايديولوجية نظام الحكم المسيطر حينذاك، ليحاربها من جهتين: من جهة كونها، أولاً، أداة لحجب المعارف العلمية عن جماهير " العامة"، وحصرها في الفئات العليا من المجتمع وفي الفئات الأخرى الموالية للدولة ونظامها الاجتماعي المسيطر. [20]

ومن جهة كونها، ثانياً، تقوم على توطيد استبدادية هذا النظام وتأبيد سيطرته المطلقة غير القابلة للاعتراض والنقاش، وتحريم الافكار المتحررة من مفاهيم الفكر "الرسمي" ومسلماته النظرية ، وشهر تهمة "الزندقة" أو "الهرطقة" أو "الكفر" سلاحاً لارهاب ذوي الافكار المتحررة هذه واضطهادهم حتى بالابادة الجسدية.

ان التاريخ يقدم لنا "اخوان الصفاء" كأحد أظهر الامثلة الملموسة على ذلك، بوضعهم السري الغامض، وبالصيغ الحذرة منتهى الحذر التي صاغوا بها "رسائلهم" حتى برزت أفكارهم ملفعة بالرموز والمعميات حيناً. وبالشعارات الدينية الشائعة المحمولة على عدة اوجه حيناً آخر، مدفوعين إلى ذلك كله بعامل الخوف على حياتهم وحياة أفكارهم من جهة، وبعامل الحرص على فتح الطريق امام أيديولوجيتهم ومعارفهم إلى أذهان أوسع الجماهير من جهة ثانية.

وقد نفذ المستشرق "دي بور" إلى هذا الجانب من قضية "الاخوان" اذ استنتج من آرائهم "أنها تبدو مذهب جماعة مضطهدة تطل النزعات السياسية منه بين حين وآخر، ونرى من خلاله بعض ما عاناه أصحاب هذه الرسائل من آلام، وما قاموا به من كفاح ، وما استهدفوا له هم وأسلافهم من جور..".

4- ان "الاخوان" ينطلقون، موضوعياً، في فلسفتهم الاجتماعية من نظرة طبقية عفوية. ولعل تحديد موقعهم الطبقي ليس عسيراً اذا أخذنا الوضع التاريخي بالحسبان.

نعني به الوضع التاريخي للوعي في العصور الوسطى، وفي مجتمع يحكمه نظام اجتماعي تسيطر ايديولوجيته اللاهوتية سيطرة مطلقة على وعي مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية، ولا يسلم من سيطرتها حتى المفكرون المناهضون لهذا النظام ولايديولوجيته.

فاذا نحن لم نلحظ هذا الوضع التاريخي لصورة الوعي العام في تلك العصور، لم نستطع أن نحدد الموقع الطبقي لاخوان الصفا من خلال فلسفتهم الاجتماعية المعروضة في "الرسائل"، بل ربما وقعنا في خطأ الاستنتاج أن هناك تناقضاً بين نظرتهم الطبقية والمحتوى الايديولوجي لمجمل افكارهم الفلسفية ولخط اتجاههم "الستراتيجي". [21]

قلنا انهم ينطلقون في فلسفتهم الاجتماعية من نظرة طبقية، وهذا أمر طبيعي ما دمنا نتحدث عن موقف ايديولوجي لهم ونبرهن على وجود هذا الموقف.

وانه لأمر طبيعي كذلك – للسبب نفسه- ان يكون للوضع الطبقي لمجتمعهم انعكاس ما في مجمل فلسفتهم ومجمل موقفهم الايديولوجي .

ولكن المسألة أن ظاهر النصوص التي ينعكس فيها هذا الوضع الطبقي، يوحي بانهم يسايرون هذا الوضع ويقرونه ويؤكدون صورته التي تلائم أيديولوجية النظام الاجتماعي المسيطر، رغم كونهم – وفق استنتاجاتنا السابقة- يفكرون ويعملون لهدم هذا النظام ونسف الأسس النظرية لأيديولوجيته، ويريدون اقامة نظام آخر له أيديولوجية مخالفة.

فهم ، مثلاً، حين يتصورون المجتمع الامثل "لمدينتهم" التي يفترض أن تبنى عليها "دولة الخير" ، يتصورون تركيبه الطبقي على الوجه التالي: يتألف من أربع مراتب (ولنقل: أربع طبقات أو فئات اجتماعية): "أحداها، مرتبة أرباب الأركان الأربعة ذوي الصنايع. والثانية، مرتبة ذوي الرياسات. والثالثة، مرتبة الملوك ذوي الأمر والنهي. والرابعة، مرتبة الالهيين ذوي المشيئة والارادة.

فهذا هو التركيب الطبقي نفسه لمجتمع الدولة التي يعارضونها ، زائداً الطبقة الرابعة، التي هي مرتبة الالهيين (الحكماء الفلاسفة).

وهذا هو سلم الترتيب الهرمي التقليدي لطبقات هذا المجتمع: ذوو الصناعات (القوى المنتجة) في القاعدة، ثم ذوو الرياسات (حكام الاقاليم والمحافظات والبلديات وسائر الاداريين)، ثم "الملوك ذوو الأمر والنهي". وأخيراً: الالهيون ذوو "المشيئة والارادة".

فاذن، يقر "الاخوان" الحكم الملكي، ويجعلون له الأمر والنهي، كما في ظاهر النص. بماذا تتميز "دولة أهل الخير" (دولة الاخوان) اذن، من الوجهة الطبقية؟. هذا أولاً وأين الموقع الطبقي للاخوان ، ثانياً؟..

الجواب عن المسألة الأولى أن نعود إلى الوضع التاريخي، لكي نقول انه ليس مطلوباً، ولا يمكن أن يكون مطلوباً من "الاخوان"، أو من مفكرين آخرين، ان يخرجوا على عصرهم أو يتجاوزوا حدود وضعه التاريخي.

فمجتمعات عصرهم مجتمعات طبقية. والصورة التاريخية للتركيب الطبقي لهذه المجتمعات هي الصورة نفسها التي يعكسها "الاخوان" ولا يمكن أن نطلب منهم أيضاً صورة غيرها، والنظام السياسي القائم على الملكية، هو جزء لا ينفصل من الصورة ذاتها والوضع التاريخي ذاته، ولا يمكن – مرة أخرى- أن نطلب منهم تصور نظام سياسي آخر لم يكن داخلاً في هاجس تلك العصور بعد. [22]

أما الأمر الذي تتميز به الصورة الطبقية، بل الايديولوجية كذلك، في نظام "الاخوان" ، فهو نفسه الأمر الذي يمكن أن نحدد به موقعهم الطبقي. وهذا يتمثل في جانبين من الصورة:

الجانب الأول، هو المركز الذي يحتله الملوك في سلم النظام الاجتماعي وسلطته السياسية. فقد رأينا هذا المركز يقع في مرتبة تحت مرتبة "الالهيين"، ورأينا فوق سلطة "الأمر والنهي" التي للملوك، سلطة أعلى منها هي "المشيئة والارادة" التي أسندها "الاخوان" إلى "الالهيين" (الفلاسفة).

فهنا اذن خطوة ثورية، أيديولوجية تسترعي الانتباه الجدي. لاننا هنا نفاجأ بانتزاع السلطة المطلقة من أيدي "ملوك" العصر الاسلامي الوسيط، ووضع المشيئة الأولى والارادة الأولى بأيدي الفلاسفة والحكماء، بحيث تكون لهم الرقابة النافذة على تصرف "الملوك" (نقرأ هنا : الخلفاء). ان ذلك مرتبط، اذن، بالمواجهة الايديولوجية التي أشرنا اليها.

الجانب الثاني، هو الموقف من "ذوي الصنائع" (القاعدة الطبقية للمجتمع = القوى البشرية المنتجة). نلحظ هنا أولاً قولهم أثناء تصنيف مراتب فئات المجتمع: "... أحداها مرتبة أرباب الاركان الأربعة ذوي الصنائع".

ماذا يعنون بـ"أرباب الاركان الأربعة"؟. نفهم ذلك حين نتابع هذا النص لنرى كيف يفسرون العلاقات بين "مراتب أهل المدينة" (طبقات المجتمع). فلنقرأ النص التالي:

"وينبغي أن يكون تدبير ذوي الصنائع سارياً في المرؤوسين كسريان الضوء في الهواء، وكسريان القوى النامية في الأركان الأربعة التي هي: النار، والهواء، والماء، والأرض.

ويكون سريان سياسة ذوي الرياسات سارياً في أرباب ذوي الصنائع كسريان الالوان في الضياء ، أو كسريان القوة الحيوانية في القوة النامية. [23]

ويكون نفاذ أمر الملوك ذوي السلطان سارياً في الرؤساء ذوي السياسة كسريان القوة الباصرة في إدراك الالوان، وكسريان القوة الناطقة في القوة الحيوانية. ويكون سريان مشيئة الالهيين ذوي الارادة سارياً في الملوك ذوي السلطان كسريان العقل في المعقولات، أو كسريان القوة الملكية[24] في القوة الناطقة، فاذا انتظم أمر المدينة على هذه الشرائط، فهي السيرة الكريمة الحسنة التي يتعامل بها أهل المدينة فيما بينهم".

نستنتج من هذا النص، أولاً، ان وصف "ذوي الصنائع" بـ"أرباب الاركان الأربعة" مصدره نظرة "الاخوان" إلى منتجي الخيرات المادية (ذوي الصنائع) كنظرتهم إلى العناصر الأربعة (النار والهواء والماء والأرض) من حيث كون هذه العناصر هي الأصول الأولى الأساسية للحياة في الكائنات المادية.

ونستنتج –تبعاً لذلك- أن "الاخوان" يناظرون بين مراتب طبقات المجتمع ومراتب "تطور" الكائنات المادية.

فكما تكون هذه الكائنات في المرحلة الأولى من "تطورها" عبارة عن "القوة النامية" (القوة النباتية) المتكونة بفعل العناصر الطبيعة الاساسية، ثم "يتطور" إلى "القوة الحيوانية"، فالى "القوة الناطقة" (الانسانية)، فالى "القوة الملكية" (الملائكة) – هكذا تتصنف مراتب الفئات الاجتماعية من الأدنى إلى الأعلى: من "ذوي الصنائع" ، إلى "ذوي الرياسات" ، فإلى "الالهيين" (الحكماء، الفلاسفة).

إذا صرفنا النظر عن الطابع الميكانيكي لهذا التناظر بين المراتب الاجتماعية الطبقية وبين مراتب "تطور" الاحياء في نظرية "الاخوان"، أمكن ان نستخلص منه نظرة ذات وجهين:

الوجه الأول، كون "ذوي الصنائع" في المرتبة الدنيا من المجتمع. وهذا هو الوضع التاريخي الذي قلنا –قبل- انه ينبغي أن يؤخذ بالحسبان عند تحديد موقع "الاخوان" الطبقي.

ان هذا واقع تاريخي ينعكس عندهم بالضرورة انعكاساً واقعياً، وليس منتظراً أن يتجاوزوه، وما كان ممكنا ذلك. وهو في التاريخ حتى عصر الاشتراكية، وسيبقى ممتداً إلى أن يسود المجتمع اللاطبقي عالمنا كله. [25]

أما الوجه الثاني، فهو كون "الاخوان" ينظرون إلى الفئات الاجتماعية التي تخلق للمجتمع حاجاته المادية، نظرتهم إلى قوة أساسية تصنع للمجتمع قاعدة صيرورته مجتمعاً بالفعل، أو إلى شرط أساسي لانتظام "أمر المدينة" (المجتمع) وفقاً لتعبيرهم ونظريتهم.

اننا نحتاج هنا إلى التنسيق بين هذه النظرة إلى مكانة "ذوي الصنائع"، كما استنتجناها من النصوص الأخيرة، وبين نظرتهم الاخرى إلى الطابع الاجتماعي لنشاط الانسان، والطابع الاجتماعي لأهداف العمل، ونظرتهم إلى تقسيم العمل كأساس لتقدم المجتمع وهنائه، وإلى استحقاق كل انسان من الأجرة بحسب اجتهاده في العمل، كما استخلصنا ذلك سابقاً.

ان التنسيق بين هذه المواقف النظرية كلها، يوصلنا إلى رؤية ما وراء هذه المواقف من منطلق أيديولوجي يتحدد – في رأينا- بأنه أحد التعبيرات التاريخية عن أيديولوجية الفئات الاجتماعية المستمثرة والمضطهدة في ظل النظام الاجتماعي لدولة الخلافة العباسية.

ولكي يكون "الاخوان" من المعبرين عن أيديولوجية هذه الفئات الاجتماعية الواسعة المتنوعة طبقياً، ينبغي ان يكون لهم أساس انتماء إلى فئة أو أكثر من هذه الفئات، وان كانوا وقت وضع موسوعتهم الفلسفية قد أصبحوا، كمثقفين، في مكان من المجتمع ربما أبعدهم – بحكم انصرافهم الفكري- عن صفوف الطبقة أو الفئة الاجتماعية التي انحدروا منها.

ولكن المسألة لا تتوقف على استمرار وجودهم الفعلي في صفوف طبقتهم أو فئتهم الاجتماعية الاصلية، بقدر ما تتوقف على استمرار انحيازهم الايديولوجي اليها، وعدم تحولهم إلى صف طبقة جديدة لها أيديولوجيتها المعاكسة.

مسألة القدر والإرادة :

في فلسفة "الاخوان" كوجه من الوجوه التي يتجلى فيها موقفهم الايديولوجي . فهم يتابعون موقف المعتزلة في مسألة القدر، ويرفضون موقف الجبرية صراحة في "الرسالة الجامعة". [26]

وفي رسالتهم الخاصة "بالجسمانيات الطبيعيات" يدحضون رأي بعض أهل الجدل بان الافعال كلها من الله، ثم يقرون أن الافعال والحوادث الطبيعية وأفعال الانسان جميعاً ، هي "أفعال الانفس الجزئية".

و"النفس الجزئية" في تعبير "الاخوان" هي ذات الوجود المتشخص في موجود عيني في العالم الخارجي (المادي).

فهم، اذن، يرجعون أفعال الطبيعة إلى قوانين الحركة الطبيعية مباشرة، وأفعال الانسان إلى الانسان نفسه مباشرة أيضاً، بالرغم من أنهم يرجعون ذلك، بصورة غير مباشرة ، إلى النفس الكلية الفلكية. فالنتيجة أن مرد أحداث العالم كلها إلى الطبيعة في نهاية الأمر. فهذا إذن موقف ينبغي أن يسجل كمنطلق لنزعة مادية في فلسفة "اخوان الصفاء" ، بالاضافة إلى كونه ينسجم مع موقفهم الايديولوجي. بل هم يتجاوزن ذلك ليفرضوا الموقف نفسه على "واضع الشريعة".

ففي الرسالة السادسة من مجموعة الرسائل الخاصة بالعلوم "الناموسية والشرعية" يشترطون في واضع الشريعة أن يعتقد أموراً ومبادئ معينة، منها المبدأ الخامس الذي يوجب على واضع الشريعة "ان يرى أن كل واحدة من الموجودات منفردة بذاتها، لا يصلحها ولا يفسدها الا ما يتعلق بها من سوء أعمالها أو فساد آرائها أو رداءة أخلاقها أو تراكم جهالاتها".

ثم نجد "السادس" بين هذه المبادئ يقضي على واضع الشريعة "ان يرى ان الباري تعالى اذا أمر الناس امراً أمكنهم منه، وأزاح عللهم فيه، فمنهم طائع لأمره ، ومنهم راكب نهيه". [27]

ليس يعنينا الشرط "السادس" هذا كثيراً، فهو توكيد لما سبق عرضه. وانما يعنينا الان، باهتمام خاص، الشرط الخامس. ذلك ان هذا الشرط يقدم لنا الفكرة بصيغة جديدة لها محتواها الجريء. فهو يرفض التدخل الخارجي الغيبي في تصرفات الانسان. ويقرر استقلاليته في ما يعمل وفي ما لا يعمل، وان اصلاحه أو افساده انما يأتيه من قبل ارادته واختياره المستقلين.

فلا بد أن يكون قصدهم هنا متوجها – بالخصوص- إلى نفي تدخل الارادة الالهية في أفعال الانسان وتصرفاته واختياراته . فهذا هو القصد باستقلالية الانسان. ولكن لا يجرؤ "الاخوان" على قول هذا بصيغة أكثر صراحة من صيغتهم هذه التي نعدها جريئة نسبياً.

الموقف من العقل:

موقفهم من العقل يؤخذ من مصدرين:

1- تصريحهم النصي في اعتماد العقل.

2- مجمل طريقتهم المنهجية في معالجة القضايا المطروحة في "الرسائل".  [28]

عند النظر في المصدر الأول نجدهم يضعون العقل في مكان "الرئيس" لجماعتهم، ما دام لابد لكل جماعة "تريد أن يجري أمرها على السواد وتكون سيرتها على الرشاد" من "رئيس يرئسها، ليجمع شملها ويحفظ نظام أمرها..". لذا هم قد رضوا بالعقل رئيساً على جماعة اخوانهم، وجعلوه الحكم بينهم، فهو "الذي جعله الله تعالى رئيساً على الفضلاء من خلقه".

وحرصاً منهم على الاستسماك بموجبات هذه الرئاسة للعقل، يؤكدون انه "من لم يرض بشرائط العقل وموجبات قضاياه (..) فعقوبته في ذلك أن نخرج من صداقته، ونتبرأ من ولايته، ولا نستعين به في أمورنا، ولا نعاشره في معاملتنا، ولا نكلمه في علومنا ، ونطوي دونه أسرارنا ، ونوصي بمجانبته اخواننا.

ان لدينا هنا وثيقة صريحة تضع حكم العقل في منزلة المرجع الأول للجماعة. وليس من مجال، في نص كلامهم هذا، لقول قائل بان القصد بالعقل هو "العقل الأول" أو "العقل الفعال" الذي يبنون عليه "عملية" الخلق أو الصدور. فان كلامهم كله ينصب على العقل الانساني. لذا قالوا: "..اذا انضاف إلى عقولهم .." ثم ينبغي ان نتنبه إلى مغزى تلك الكلمات الاخيرة في هذا النص: "..فليس يحتاجون إلى رئيس يرئسهم..إلخ". اليس فيها الماح شفاف إلى اكتفائهم بأحكام العقل عن أحكام الشريعة، أو بـ"العبادة الفلسفية" عن "العبادة الشرعية الناموسية"؟ المسألة –كما نرى- واضحة.

أما المصدر الثاني لتحديد موقفهم من العقل، وهو منجهم في "الرسائل"، فاننا نجد له تجليات عدة يتجلى فيها، ونذكر – على سبيل المثال- بعضاً من هذه التجليات: [29]

أولاً، تعريفهم "العقل الانساني" بانه "التمييز الذي يخص كل واحد من أشخاص الانسان.

فما دام العقل هو الخاصة الاساسية المميزة للانسان . فهل لمن يعترف بذلك، بلهجة التحديد والتعميم، أن يهمله جانباً، فلا يجعله الدليل إلى المعرفة وكشف المجهول واستطلاع حقائق الوجود؟.

ثانياً: انكارهم المعجزات. والعقل هو المستند في انكارها. فهو الذي يستكشف قانون العلاقة السببية بين الاشياء والأحداث وبين أسبابها الموضوعية.

وهو الذي اعتمده "الاخوان" في ادراكهم معنى "العلة" وعلاقتها بـ"المعلول" فححدوهما في رسالة "الحدود والرسوم" التي هي الدليل الاصطلاحي المنهجي لهم في عملهم "الموسوعي" (الرسائل)، اذ قالوا بأن "العلة هي سبب لكون كل شيء آخر ايجاداً" ، وأن "المعلول: هو الذي لوجوده سبب من الاسباب".

وعلى هذا الاساس – بالطبع- تأولوا ما ورد في الكتب الدينية من اخبار المعجزات، فأخضعوها لأحكام العلاقة السببية، وجردوها من الهالة "العجائبية" اللاهوتية.

تأولوا ، مثلاً، قصة احياء المسيح الموتي بأن الموت هنا هو الجهل، واحياء "ميت" الجهل يكون بالمعرفة، وقصة شفائه الاعمى بأن العمى هنا هو عمى القلب عن الحق ، وشفاؤه بالهداية إلى الحق.

ثالثاً: رفضهم التقليد في الدين ما لم تقم البراهين على صحة ما يرثه الوارثون من كل دين.

رابعاً: انهم في مجال نظرية المعرفة، بعد اعترافهم بقيمة المعرفة الحسية يرون أن الاحكام التي يستخرجها العقل الانساني من المبادئ العقلية هي أسمى أنواع المعرفة. [30]

خامساً: أن معظم عملهم الموسوعي في تفسير العالم، يستند إلى مباحثهم في العلوم الرياضية الطبيعية أكثر مما يستند إلى المعارف اللاهوتية.

نظرية المعرفة في فلسفة "الاخوان" :

نعود بالذاكرة، هنا، قليلاً إلى عصر الكندي ، حين ظهرت التجليات الأولى للفلسفة العربية- الاسلامية بتيارها العقلاني.

ذلك لكي نقيس مدى تطور نظرية المعرفة في هذه الفلسفة، منذ ممثلها الأول (الكندي) حتى عصر "اخوان الصفاء"، أي خلال نحو قرن.

فقد لحظنا هناك أن موضوع المعرفة أخذ ينكسر عنه طوق الحصار داخل الفكر اللاهوتي، منذ اوسع الكندي مجال هذا الموضوع إلى ما وراء الحصار ذاك.

فانه بعد أن كان محصوراً ، حتى القرن الثالث الهجري (التاسع) ، في معرفة الله، وفي معرفة العلاقة بين الله والعالم، أصبح يشمل – إلى ذلك- في فلسفة الكندي، معرفة العالم لذاته، أي مستقلة عن المعرفة اللاهوتية.

فاذا انتقلنا إلى ما بعد منتصف القرن الرابع الهجري (العاشر)، وجدنا هذا المجال يتسع إلى أبعاد جديدة في فلسفة "اخوان الصفاء" ، وفلسفة الفارابي وسائر الفلاسفة العلماء في هذا العصر، بل وجدنا له أبعاداً جديدة عمقياً، لا أفيقاً فقط. [31]

وليس الشكل "الموسوعي" الذي ظهرت به رسائل "اخوان الصفاء" سوى تعبير عن هذه الظاهرة في عصرها.

بعد هذه المقدمة العامة، علينا الان أن نرى بالتعيين حدود موضوع المعرفة في موسوعة "الاخوان" ، ثم ان نرى المصادر المعتمدة عندهم للمعرفة، والاصول والمقاييس التي يأخذون بها.

أما الموضوع فنرى حدوده تتجه وجهتين أساساً: الأولى، نحو معرفة الله وعلاقته بالعالم. والثانية، نحو العالم ذاته ولذاته بنوع من الاستقلال عن الوجهة الأولى .

وباختلاف الوجهتين تختلف حدود المعرفة نفسها، وإن لم تختلف المصادر والأصول والمقاييس الا قليلاً.

لننظر أولاً في مسألة معرفة الله:

يقرر "الاخوان" هنا أن هذا النوع من المعرفة، هو "أشرف العلوم وأجل المعارف". ولا نتوقع أن يقرروا غير ذلك، سواء من حيث علاقتهم بالعصر التاريخي، أم من حيث علاقتهم بظروف المجتمع الذي يتوجهون بمعارفهم اليه.

وأول نقطة في المنهج أنه لا يقاس طلب هذه المعرفة على طلب معرفة "الاشياء الجزئية المحسوسة".

والنقطة الثانية في المنهج، هي استخدام المقولات في ايضاح الفرق بين هذين النوعين من المعرفة. فان معرفة كل من المحسوسات والكليات المذكورة تطلب للاجابة عن أحد الاسئلة المتعلقة بهوية الشيء، أو ما هيته، او كميته، أو كيفيته، أو وضعه، او مكانه، او زمانه، أو علته، أو مميزاته. [32]

أما معرفة الله فتطلب للاجابة عن سؤالين ليس غير من هذه الاسئلة، هما :هل هو؟ من هو؟ أي عن هويته، وعن صفاته.

يستنتج من ذلك أن معرفة الانسان عن الله لا تتناول ماهيته، لا لان هذه المعرفة فوق قدرة العقل البشري – فهذا أمر لم يقولوه، وانما قالوا ما يفهم منه العكس – بل لان الذين طلبوا هذه المعرفة من "العلماء" كما يعبر "الاخوان" – لم يصلوا اليها، لا بسبب من خفاء سر الله، وانما بسبب "من شدة ظهوره وجلالة نوره".

"فالاخوان" لا ينظرون في المسألة اذن على الأساس التقليدي، أي على أساس الحكم بعجز العقل البشري عن معرفة ماهية الله، بل أن المسألة في نظرهم تتصل بأمر آخر، هو أنه لا يسأل عن ماهية الله، لانه هو مبدع الماهيات، كما لا يسأل عنه من حيث الكم والكيف والمكان والزمان والعلة، لانه هو مبدع الكميات والكيفيات والامكنة والازمنة والعلل كلها.

فهذه المقولات لا تنطبق على ذات الله، لانه منزه عن الجسمية وحالاتها وأعراضها مطلقاً.

ولننظر – ثانياً- في الجانب الاخر، أي في موضوع المعرفة خارج عالم اللاهوت.

نعني موضوعها في العالم المادي. ولنسأل، في البدء: هل العالم المادي هذا يكون موضوعاً للمعرفة في فلسفة "اخوان الصفاء"؟.

هذا السؤال ينحل –في الواقع- إلى سؤال آخر هو الأساس هنا: هل "اخوان الصفاء" يعترفون بالوجود الموضوعي للعالم الخارجي (المادي)؟.

يمكننا القول، منذ الآن: نعم. انهم يعترفون له بهذا الوجود فمن الطبيعي – اذن- ان يكون موضوعاً[33]

أما مصادر المعرفة التي يعتمدها "الاخوان"، فان الاساس فيها هو ما يخضع لتيار النزعة العقلانية في الغالب. فانهم حتى في مجال ما يسمونه بـ"العلوم الالهية" لا يبتعدون عن هذا الاساس.

غير ان هذا الأصل لا يبقى وحده دائماً مصدراً لمعرفة "العالم الروحاني". فان التحفظ والحذر اللذين يسيطران، في معظم "الرسائل" ، على تفكير "الجماعة" يدفعانهم أحياناً إلى اضفاء ستار غيبي على استنتاجاتهم ذات النزعة العقلانية والمادية.

ومن هنا يشتد الالتباس في نصوصهم لدى الباحثين ، فيجد المثاليون منهم في هذا الالتباس مجالاً لطمس تلك النزعة، أو لعدم رؤيتها كامنة وراء ذلك الستار الغيبي الذي يكون حيناً كثيفاً وحيناً شفافاً يكشف ما وراءه.[34]

اذا  كانت معرفة الله و"العالم الروحاني" بأسره، تستند إلى العقل والمعارف العقلية والعلمية، كما اتضح في ما سبق، فبالأولى أن تستند معرفة "العالم الجسماني" إلى هذه الوسائل نفسها.

بل نرى هنا عملية التفكير بكاملها تنكشف ، في نصوص "الاخوان" ، عن ميل مادي عندهم ينطلق من نظرة تطبيقية مقاربة للواقع.

"اخوان الصفاء" عند تفسيرهم عملية التفكير، يضعون في البدء قاعدة انطلاق الانسان إلى المعرفة.

وهي ذات أركان ثلاثة مترتبة من الأدنى إلى الأعلى: أولها الحواس الخمس ثم العقل. والعقل هنا معناه الادراك العام للمبادئ العقلية الأولية، أي بدهيات الأمور، أو المسماة في الفلسفة القديمة بـ"المبادئ الأولى" كإدراك أن النقيضين لا يجتمعان.

لذا هم يعتبرون هذا الادراك اداة للمعرفة مشتركة بين الناس البالغين جميعاً، لان العقل ، بهذا المعنى العام، غير موصول وحده إلى العلم ، فلا بد اذن من مرحلة أعلى منه للوصول إلى العلم. وهذه هي مرحلة الركن الثالث: البرهان. [35]

فالمعرفة العلمية -بناء على ذلك – تحتاج إلى الاركان الثلاثة معاً وفق ترتيبها السابق: الحس، والعقل، والبرهان.

وهم –أي "الاخوان" – يرون أن البرهان، لكي تكتمل به المعرفة العلمية لابد أن يتأسس على النظر في الرياضيات والهندسة والمنطق. هذه هي الوسائل لتحصيل المعرفة بمختلف مراتبها.

ان قراءة التفاصيل في نصوصها الاصلية في "الرسائل" ، تضع أمامنا بعض الاستنتاجات البالغة الأهمية في نظرنا:

  1. ادراك "الجماعة" حقيقة الترابط المادي العضوي بين كل من عملية الحياة وعملية الاحساس وعملية التفكير.
  2. ان ادراك الترابط العضوي بين العمليات الثلاث لدى "اخوان الصفاء"، كما لدى غيرهم من فلاسفة العرب الاسلاميين في عصرهم، أمر تنطق به نصوصهم جميعاً، أي أن هذا الادراك، هو من الظاهرات المعرفية للعصر بكامله.

ولكن ، ينبغي الفصل بين هذا الموقف الفلسفي المادي هنا والموقف الفلسفي المثالي في مسألة النفس، حيث يفترض "الاخوان" ثنائية النفس والجسد.

فالانسان –حسب فرضيتهم المثالية- "جملة مجموعة من جسد جسماني ونفس روحانية، وهما جوهران متباينان في الصفات ، متضادان في الاحوال ، ومشتركان في الاعمال العارضة والصفات الزائلة.

  1. الاستنتاج الثالث، ان وصفهم عملية التفكير، بمختلف مراحلها واجهزتها، ينكشف، خلال النصوص نفسها، عن توصلهم إلى رؤية الاساس المادي لهذه العملية، بل رؤية حركتها الداخلية مرتبطة باجهزة الحياة والاحساس العضوية في الجسم، رغم كون هذه الرؤية ظلت قاصرة عن جعل الاساس المادي هذا منطلقاً إلى رفض فكرة "روحانية" النفس البشرية. [36]

ولكن، ما منهج "اخوان الصفاء" في الاستدلال: هل هو المنهج الارسطي المبني على القياس المنطقي، أي استنتاج المعرفة من آلية التركيب الشكلي للمقدمات، ام هو المنهج الاستقرائي المبني على استخلاص المعرفة من حركة الواقع نفسه؟

ان ما وصلنا اليه حتى الان في هذا البحث يسمح لنا بالقول إن منهجهم استقرائي يتجاوز المنهج الارسطي.

ذلك بأن ما عرفناه من ارتباط المعرفة العقلية عندهم بالمعرفة الحسية، ومن نظرتهم إلى التغيرات الكمية كمؤثرة في التغيرات الكيفية، ومن ربطهم بين النشاط الفكري والنشاط العملي، قد وضعهم بعيداً عن الطريقة الارسطية القائمة على النظر إلى الكيفيات كأوضاع سكونية ثابتة لا تتاثر بحركة التغير في الكميات.

ومما له دلالته هنا انهم اضافوا إلى المقومات الخمسة التقليدية للحد أو التعريف، كما جاءت في منطلق القدماء، مقوماً سادساً سموه "الشخص"، فصارت ستة، وهي: الجنس ، والنوع ، والشخص، والفصل ، والعرض الخاص، والعرض العام.

ويعني "الشخص" ، في كلامهم، الاشياء المشخصة، أي الموجودات المحسوسة، أو الجزئيات التي منها تكون الاجناس والانواع.

ان هذه الاضافة ذات دلالة كما قلنا. ودلالتها هي نظرة هؤلاء الموسوعيين إلى التعريف مرتبطاً بحركة الوجود الواقعي، ومتحركاً بها ، لا منحصراً في نطاق المفاهيم الثابتة. [37]

خاتمة:

لم يكن "اخوان الصفاء" ممثلين مذهبيين محدودين، أي تابعين فقط لمذهب الاسماعيلية.

انهم –في الواقع- ممثلون لاحدى ظاهرات عصرهم ومجتمعهم البارزة، وهي ظاهرة البحث الموسوعي بشموليته، مع عناية خاصة ببحث أوسع المعلومات عن الطبيعة بالمستوى الذي بلغته صيغة هذه المعلومات في مباحث الفلاسفة – العلماء العرب آنذاك.

المعارف التي تحتويها مجموعة "اخوان الصفاء"، متحولة من كونها "معارف هلينية" أصلاً، إلى كونها معارف العصر والمجتمع اللذين يعبر عنهما "اخوان الصفاء" ، ولان الاتجاه العام لهذه المعارف يستجيب لمصالح الكثرة العريضة من فئات هذا المجتمع، وهو – لذلك- يعد تعبيراً أيديولوجياً أيضاً عن هذه الفئات العريضة نفسها.

بقدر ما كانت –أي المجموعة- بمثابة تعميم لمعارف عصرها عن قوانين الطبيعة، وبقدر ما كان ذلك بمثابة تعبير عن مصالح الفئات الاجتماعية المستغلة والمضطهدة (بالفتح)، كانت تحمل الميل الجدي إلى المعرفة الموضوعية عن الطبيعة والمجتمع.

يتجلى هذا الميل لا في منهج البحث وفي الاستنتاجات التي يتوصل اليها البحث فحسب، بل يتجلى كذلك بالتعبير الصريح المباشر عنه حين يوصي مؤلفو المجموعة اخوانهم "أن لا يعادوا علما من العلوم، أو يهجروا كتاباً من الكتب، ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب.

ان تركيز اهتمامنا على هذه الحقائق، لا يعني أننا نقصد إلى اغفال الجوانب الاخرى من فلسفة "اخوان الصفاء"، التي يبرز فيها وجههم المثالي. [38]

 

حصيلة الفصل الرابع : (إخوان الصفا)

الفرق بين الصوفية واخوان الصفاء، ان هؤلاء الاخيرين متقدمون على الصوفية في مجال الصراع الايديولوجي، من حيث انهم أكثر ارتباطاً بالواقع الاجتماعي، في حين ظل الصوفية بعيدين عن هذا الواقع، وظل موقفهم الايديولوجي منحصراً في المدلول الفلسفي لتجربتهم الداخلية.

من مظاهر ارتباط اخوان الصفاء بالواقع الاجتماعي:

أولاً، انهم يضعون النشاط الاجتماعي في أساس سعي الانسان إلى السعادة.

ثانياً، انهم يؤكدون قيمة العمل الجسدي وأهدافه الجتماعية.

ثالثاً، انهم وضعوا معارفهم عن الطبيعة والمجتمع في متناول الجماهير، واجتهدوا في نشرها بين مختلف الفئات الاجتماعية.

رابعاً، انهم ينطلقون في فلسفتهم الاجتماعية من نظرة ذات أبعاد طبقية.

أما منهج العقلي فيتجلى في المسائل التالية :

أولاً، تعريفهم العقل البشري بأنه "التمييز الذي يخص كل واحد من أشخاصه دون سائر الحيوانات".

ثانياً، انكارهم المعجزات.

ثالثاً، رفضهم التقليد في الدين ما لم تقم البراهين.

رابعاً، اعتبارهم الاحكام الذي يستخرجها العقل البشري من المبادئ العقلية، اسمى انواع المعرفة، مع اعترافهم بقيمة المعرفة الحسية، كطريق إلى المعرفة العقلية.

خامساً، ان معظم الأصول التي يعتمدون عليها في تفسير العالم مستمدة من العلوم الرياضية والطبيعية.

وفي مسألة معرفة الله لا يحكم اخوان الصفاء على العقل بالعجز هنا، وانما يرون انه بسبب كون الله منزها عن الجسمية، لا يُّعرف بوساطة المقولات نفسها التي يعرف بها العالم الخارجي. [39]

بالمقارنة مع أفلاطون، وجدنا لنظرية "المثُل" أهلاً في فلسفتهم، لكنهم وجهوها توجيهاً ذا نزعة مادية. فهم يرون لكل من العقل الفعال، والنفس الكلية، والهيولي الأولي، مثلاً ونظيراً في العالم المادي، ولكن الفرق بين "المثل" الافلاطونية وهذه "الامثال والنظائر" من عدة جهات:

  • "مثل افلاطون أسباب للواقع الحسي، وهذا يعني تكثر "الأرباب" (الآلهة)، و "الاخوان" لا يعتبرونها أسباباً وآلهة، لان الاله واحد (التوحيد).
  • "مثُل" افلاطون متوازية لا علاقة للواحد منها بالآخر، والقوى الروحانية عندهم (العقل، النفس الكلية، الهيولي الأولى) متسلسلة متراتبة بعضها يأخذ من بعض.
  • "مُثل" أفلاطون هي وحدها ذات وجود حقيقي، وعند اخوان الصفاء "الامثال والنظائر" التي تقابل القوى الروحانية، لها وجود حقيقي (موضوعي).

لذلك يسمونها "الامثال والنظائر" ولا يسمونها "المثل". ومعنى "المثل" و "النظير" : المساوي لمثيله ونظيره ، والتساوي هنا بالوجود، فكل من الكائن الروحي ومثيله المادي له وجوده المستقبل.

بالمقارنة مع أفلوطين، وجدنا فكرة صدور العالم عن الله بطريق الفيض، فكرة أفلوطينية دون شك، ولكن صورتها تغيرت في فلسفة "الاخوان" من حيث الشكل ومن حيث الجوهر. في الشكل تغيرت مراتب الصدور واعدادها وعلاقاتها بعضها ببعض ومصطلحاتها، وأما الجوهر فيختلف من حيث انكار وجود العالم المادي عند أفلوطين، والاعتراف به عند "الاخوان"، ومن حيث انكار المعرفة الحسية عند أفلوطين والاعتراف بها عند "الاخوان".

بالمقارنة مع الفيثاغورية، يظهر الاختلاف جوهرياً أيضاً. فالعدد عند فيثاغورس أصل أو ماهية أولى للوجود، وهو عند "الاخوان" ليس سوى أمر وضعي رتبته الحكماء اختياراً.

أما من حيث وضعه وعلاقاته بمفردات الاعداد فليس أكثر من كونه شبيهاً فقط بما بين الله والعالم من وضع علاقات، بمعنى انه كما الله واحد تصدر عنه الكثرة، تكمن في العدد الأول المطلق اعداد كثيرة. فالمسالة، عندهم، لا تزيد عن نوع من المشابهة في ذلك، وليس نظريتهم ان العدد أصل الوجود. [40]

هل العالم حادث أم قديم (أزلي) عند اخوان الصفاء ؟.

هم يقولون صراحة انه حادث (غير أزلي)، لأنه متحرك متغير، وبما ان الحركة غير أزلية، فكل متحرك متغير فهو غير أزلي.

 

 

 

 

 

 

[1] هو القفطي، جمال الدين (-646 هـ / 1248): "اخبار العلماء في اخبار الحكماء" ، ط. مصر 1326 هـ ، ص 80 وما بعدها. يقول القفطي عن احوان الصفاء: "هؤلاء جماعة اجتمعوا على تصنيف كتاب في أنواع الحكمة الأولى ورتبوها مقالات (..) ولما كتم مصنفوها اسماءهم ، اختلف الناس في الذي وضعها، فكل قوم قالوا قولاً بطريق الحدس والتخمين. فقوم قالوا هي من كلام بعض الائمة من نسل علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه. واختلفوا في اسم الامام الواضع لها اختلافاً لا يثبت له حقيقة. وقال آخرون هي تصنيف بعض متكلمي المعتزلة في العصر الأول..".

[2] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص359

[3] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص360

[4] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص361

[5] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص362

[6] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص363

[7] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص365

[8] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص366

[9] الربقة (بفتح الراء وكسرها) : العروة في الحبل. يقال "حل ربقته" أي فرج كربته.

[10] الرسائل: ج2 ، ص303. قد يكون قصد "الاخوان" من "الاولياء وأولاد الانبياء" أئمة الشيعة من أحفاد علي بن أبي طالب ومن يعتبرهم "الاخوان" بمنزلة "الاولياء" من زعماء المنظمات والحركات المعارضة للدولة في العصر العباسي.

[11] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص367

[12] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص368

[13] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص369

[14] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص371

[15] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص372

[16] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص373

[17] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص375

[18] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص377

[19] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص378

[20] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص379

[21] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص380

[22] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص381

[23] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص382

[24] الملكية: (بفتح اللام) من الملائكة. فان "اخوان الصفاء" يرون أن رتبة الملائكة هي الرتبة العليا التي تنتهي اليها النفوس البشرية الصالحة. وهي، من حيث كونها انتقالاً "تطورياً" للبشر الصالحين، تساوي في نظرهم أعلى مراتب "تطور" الاحياء المتصاعدة من القوة النباتية حتى القوة الناطقة فالملائكية (راجع الرسائل : ج2، ص172). وهم يربطون بين الطبيعة والملائكة، بل الملائكة تعبير –عندهم- عن الطبيعة القائمة في النفس الكلية (الرسائل : ج2، ص55، ص108-109).

[25] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص383

[26] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص384

[27] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص386

[28] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص387

[29] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص388

[30] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص389

[31] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص390

[32] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص391

[33] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص392

[34] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص393

[35] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص396

[36] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص398

[37] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص403

[38] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص435-436

[39] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص443

[40] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص445