سقط السؤال برأسه فجأة كأنه مطر يتساقط في الصيف كم عدد درجات البيت؟ إنها المرة الأولى التي يطرح فيها مثل هذا السؤال على الرغم أنه يصعد هذا الدرج يومياً، تذكر أنه يجلس على الدرجة الأخيرة عندما تبدأ بالعد عكسياً يعني عندما تخرج من باب المنزل، تمتمه أشبه بالبحث عن طرد الملل أو محاولة منه للهروب من الكتب الجامعية التي بدون جدوى بدأ بعد الدرجات فوجدها ثلاثة عشر درجة قرر النهوض والتأكد وبدأ العد من جديد وتوصل إلى أن عددهم أربعة عشر ولكنه لم يفهم ما الذي يجري عندما يجلس تكون ثلاثة عشر وعندما ينهض تكون أربعة عشر!
جلس وأخذ يفكر ويسأل أين الدرجة المفقودة؟ هل يعقل أنني لست بارعاً في الحساب إلى هذه الدرجة أعلم أنني لم أتمكن من الحصول على درجة عالية في مادة الحساب في المدرسة وأغلب الظن أنني كنت أرسب بها طوال سنوات المدرسة وفجأة جاءت إلى مخيلته تلك الذكرى التي جعلته لا يحب الحساب، وأيضًا أنه لا يحب تجليد دفتر الحساب.
عندما كان في الصف الثاني اِنْهَالَ عليه مدرس الحساب بالضرب بالعصا على يديه وجسده لأنه لم يستطع الإجابة على سؤال كم تساوي 2*2 ؟ وحتى وهو يتذكر تلك الحادثة لم يتمكن عقله من إيجاد الإجابة، فوجد نفسه يقول: إن الذكريات الأليمة تحتاج لوقت حتى نجتازها وربما تحتاج إلى وقت أطول حتى تتحول إلى ذكرى لطيفة.
قطف وردة صغيرة وبدأ يستنشق رائحتها واكمل يقول محاولاً بناء حوار مع الذكرى: ربما أحتاج أن أكتب عنها، أكتب عن وجه الأستاذ الذي التقيت فيه بعد 20 عشرون عاماً على مدخل قريتي كان بطيء المشي مليء الشيب يضحك كأنه واجب، عندما نظرت إليه شعرت أنه مسألة حساب صعبة الحل، تذكرت أنه يسكن داخل المخيم أقصد مخيم اللاجئين، وجدت نفسي أنظر إليه وأسأل كم ابن لديه؟ هل يكفيه راتبة؟ شعرت بالقهر أنه محطم ويحاول أن يتسمك بأي شيء ليعيش، ربما الآن لا يتذكرني، هل كان غاضباً فعلا عندما ضربني؟ لا يعقل ربما كان يقول لي أدرس لعلكم تنجون بنا من هذا الواقع الأليم! اقرؤوا الحساب جيداً فالبنادق بدون حساب لن تحقق شيء، الآن أدركت شيء وحيد أنني أنا وهو متساويين في القهر ولا فرق إذا كنت أعيش في قرية وهو داخل المخيم القضية أننا جميعاً يجب أن نغفر لكل ما هو بيننا دون سلاح حتى ننجو، وقررت أن أغفر له، فمررت من جانبه وقلت له شكراً.
ما هذا الهذيان، حساب.. الدرجات.. الأستاذ...، وضحك فجأة وتذكر أنه يشبه جحا عندما كان يقوم بعد الحمير فيكون العدد ثلاثة عشر حمار وعندما ينزل عن ظهر الحمار يكون العدد أربعة عشر حماراً وفي المرة التي يكون فيها على ظهر الحمار ينسى أن يعد الحمار الذي يركبه، ضحك بينه وبين ذاته حتى ذرفت دمعه من عينه وقال: أشبه جحا هذا عظيم جداً، جحا يستخدم حتى بالسياسة كثيرون هم السياسيون في بلدي الذين يركبون على ظهر الشعب ولا يهمهم أن يعدوا هذا الشعب والغريب والذي به تفوقوا على جحا حتى عندما ينزلون عن ظهر الشعب لا يهتمون بهم، بل على العكس يسخرون منه، والأغرب من ذلك أنهم فعلا يعتبروهم حميراً، وهؤلاء السياسيون يعتبرون شعباً أخر هو أجدر بالعيش من شعبهم والسخيف أن هذا الشعب الذي يعتبرونه أحق بالحياة يركب فوق ظهورهم، أقصد السياسيين بظهورهم قال لعقله حتى يفهم الكلمات..
يا للسخرية ما بالي أنا والسياسة وكيف أشبه الشعب الذي أنا منه بالحمير! عجيب ألم يقل أرسطو أننا حيوانات ناطقة..؟ ولكن حتى لو كنا حيوانات ناطقة هذا يعني أننا نستطيع النطق فعلاً.. ربما يعني نستطيع الصراخ.. ولكن العجيب أننا بشر.. شعب.. ولكن نصمت.. إذا كان لا بد أن نكون حيوانات، ولكن ننطق نصرخ فلنكن حيوانات.. وتذكر فجأة صديق قال في أحد المرات: عندما تشعر بالقهر عليك أن تقوم بتبديل عقلك إلى عقل حمار، أعجبته الحجة الأخيرة لأن صديقه كان ذو تجربة مريره مع القهر، وضحك بسخريه وقال: أصبحت فيلسوف الحمير الناطقة!
وخزه بالرأس أشعرته أنه بحاجة إلى بعض من القهوة، قفز إلى المطبخ وجاء بالوعاء ووضع بداخله الماء البارد ومن ثم أشعل الغاز، من خلفه قالت له أمه كالعادة ملاحظتها التي يجب أن تقال الآن: "لماذا لا تقوم بتسخين المياه عبر ابريق المياه الذي يوضع بالكهرباء لتوفير الغاز"، كانت أمه تقول ملاحظتها وهو يحاول التذكر كم معلقة يحتاج هذا الوعاء وعادت به هذه النقطة إلى قضيه الحساب فضحك لأنه تذكر أن في كل مرة يفشل في حفظ كم يحتاج هذا الوعاء من معلاق القهوة، فنظر إلى أمه وقال لها: أمي قوانينك في هذا البيت أصعب من قوانين كالفن، بالنهاية نحتاج إلى كوب قهوة هذه النتيجة، ردت أمه: أنت هكذا تستهلك كمية غاز عالية وعليك أن تدرك أن والدك لا تستطيع توفير الغاز كل شهر، ومن هذا كالفن رئيس الوزراء الجديد سألت الأم؟ لا أمي ليس رئيس الوزراء الجديد، ولكن هناك وجه من الشبه، قالت الأم: طيب.. طيب.. المهم قم بتخفيف تناول القهوة ودعك من فسلاقتك الثورية وأنك تريد أن تعمل معارضة ثم تنهدت الأم وفي عينيها ضحكة بريئة وقالت: نسيت أنك من جماعة اليسار وأكملت تقول إذا كنت تريد أن تكون معارضة لا بأس كن، ولكن عليك أن تدرك شيء عندما تريد أن تكون معارضة عليك أن تعيد ما سرقه الحرامي إلى صاحبه، وإذا فشلت أو صمتت لن يفهم الناس ذلك سيعتبرونك شريك الحرامي ولا يهم الناس إذا كنت باليسار أو باليمين أو بالوسط ما يهم أن تساعدهم لتعود إليهم المسروقات"، قاطعها يسأل: أمي ماذا تقصدين بالمسروقات رشف القليل من القهوة وهو ينتظر الإجابة، قالت الأم: الغاز مثلا.. الماء مثلا.. الحدود مثلا.. السيادة مثلا... الحرية مثلا..
عاد بعد هذا الحوار إلى مكانه على درج البيت بشكل سريع وتذكر قصة جحا وابتسم، جلس وبدأ بإشعال سيجارة_ يشعر بالعشق السري مع السيجارة دائماً_ نظر إلى السماء كانت هناك غيمتان تقتربان من بعضهم البعض كأن هاتين الغيمتين عاشقين قررا أن يعلنان حبهم لكل العالم من هناك من السماء من فوق الأرض تحت حماية الله، حيث لا يجرئ أحد على لمسهم، وفجأة ضحك هئ هئ هئ وقال: هل سأكون فيلسوف الغيوم أيضًا؟!
من خلفه وهو يضحك صرخت أمه عليه لماذا لا تغلق الباب خلفك؟ قفز وحاول أغلاق الباب، ولكنه كان كمن تلقى خبر مفجع.. تذكر الحكاية.. حكاية الباب الذي لا يغلق جيداً.. حكاية الباب الذي بقي بدون مفتاح من ذلك اليوم، وفجأة سأل أمه متى سنقوم بتصليح الباب أمي ونستطيع إغلاقه بمفتاح بدلاً من الدرباس؟ والغريب عندما طرح السؤال على أمه لم تقل شيء، بل نظرت إلى الباب الذي تم طلائه قبل يومين وعادت تصنع كأس من البابونج، لأنها تؤمن أنه العلاج الوحيد للحمى.
نظر هو الآخر إلى الباب وسأل يخاطبه: لماذا جميع من هم في البيت يتجنبوا قدر المستطاع عدم الحديث عن الموضوع؟ هل هناك اتفاق ضمني يقول إياكم والحديث عن هذا اليوم أنه منطقة خطر؟ هل هو حقل الغام؟ أريد أن أفهم: لماذا الجميع خائف من إعادة الباب كما كان في السابق؟ لماذا الجميع يريد أن يبقى الباب مفتوحاً؟
بدأ يمشي ذهابا وإيابا في حدود مساحة صغيرة جداً أمام الباب، كانت تلك المساحة تشبه زنزانة الذكريات، ينظر إلى قدميه كأنهم أقدام امرأة عجوز تقوم بعصر حبات الزعرور، وفي تلك اللحظات قرر مواجهة الحقيقة والارتطام في جدار الخوف، وبدأ في صياغة القصة برأسه، كان يبحث عن طرف خيط ليعيد نسيج القضية، الأمر الذي أثار استغرابه أنه تذكر فجأة أن قدميه تمشي في نفس المكان الذي وضع فيه صديق شقيقه وهو حافي القدميين بعد اعتقاله، هذه الذكرى ساعدته على البدء في حل اللغز، "الخوف من إعمار الباب".
أنه شهر فبراير من عام 2013 يوم يحتفل فيه العالم بعيد العشاق أنه يوم الرابع عشر كان الجو يصاحب البرودة وباتت الأمطار على الأبواب تنتظر من يفتح لها، هو بدون عشيقه وسيكون حتماً يوم بدون هدايا، ولكن سيبقى لهذا اليوم ذكرى يحتفل بها سنوياً كذكرى للخوف، إنه خوف من نوع أخر ذلك الخوف الذي يبقى ولا يرحل، هو يأتي مع رائحة الجنود تلك الرائحة التي تجعلك تستنشق رائحة الموت.
كانت الساعة السادسة صباحاً، أصوات خارج المنزل كأنه شغب أطفال، تقلب يميناً وشمالاً وتذكر فجأة ليس في بيتهم أطفال، سأل يحاور نفسه ما هذا الصوت؟ بدأت فكرة البحث عن الإجابة تحت الغطاء الدافئ والعينين المغلقتين أمر يزعج نومه، حاول نسيان الصوت، وفي تلك اللحظات أحدهم يفتح باب الغرفة الملاصقة لغرفته ويمر من أمامه كان شقيقه الأكبر وخلفه مباشرة شقيقه الأوسط والثالث كان هو الأعجوبة وسأل نفسه مذهولاً ماذا يفعل هنا صديق شقيقي؟! كان يعرف أنه مطارد والجيش يبحث عنه منذ مدة طويلة.
رفع رأسه للتأكد مما يجري، وقبل أن يفكر بطرح أي سؤال قال له شقيقه الأكبر: قم.. جيش.. قم.. جيش.. حاول النهوض من السرير كان يشعر في كل محاولة أن هناك شيء يسحبه إلى السرير من جديد، يبدو أنه هذا الشيء كان جاذبية الخوف.
وصل شقيقه الأكبر إلى الغرفة التي بداخلها والده أخبره بما يجري حول البيت، كان كل ذلك يحدث في ثواني معدودة، كان الخوف يصارع الزمن، وصل الجيش إلى الباب الرئيسي وبدأوا بالطرق على الباب بشكل جنوني حاول الوالد مماطلة الجيش حتى يقوموا بتجهيز أنفسهم، ولكن الجنود قاموا بتفجير باب البيت واقتحامه بشكل يشبه إلى حد ما عاصفة اقتلعت كل شيء.
قام جندي بالاعتداء على الأب عندما حاول مقاومتهم، هذا الأب الذي كان في كل مرة يقتحم الجنود بيته يقف أمامهم رافضاً فكرة أن يأتي جندي ويسلبك الحرية في تدخين سيجاره داخل بيتك، وكانت الأم في تلك اللحظات تفترش الأرض خوفاً وتصرخ النجدة.. النجدة كأن القشة لم تساعدها لتنقذ نفسها ربما كانت القشة هي الأخرى عدو، أو ربما لم يكن هناك قشة فقد سرقها أحدهم.
في وسط البيت يقف الأبناء مقابلهم ثلاثة جنود يتبادلون النظرات في صمت، الجميع في انتظار ماذا سيحدث؟ كانت تلك اللحظات تشبه قاعة المحكمة عند إصدار قرار مصيري أما الإعدام وإما البراءة، فقد أصبحت القضية مرتبطة بقرار القاضي فقط، صمت.. صمت..
تقدم جندي وقام باعتقال الابن الأكبر، كان صديق شقيقه والمفروض أنه المطلوب للجنود يحاول التخلص من بعض الأوراق ويضعهم في يد الطفلة التي تقف بجانبه، والتي من شدة الخوف كانت الأوراق تتساقط من يديها مثل شجرة تصارع الخريف، في تلك اللحظة التي انتهى فيها من التخلص من الأوراق رفع رأسه ونظر إلى الضابط وبحركة سريعة أعاد الضابط شقيقه الأكبر إلى مكانه واعتقل صديق شقيقه.
انسحب الجنود بشكل جنوني أكثر من الجنون الأول، كان جنون الإرهاب من أول نظرة، كان جنون أن تُحسب هذه اللحظات بالرعب.. القلق.. لا بالوقت لأن الوقت هنا لا يهم وليس أداه للقياس، وحدها تلك اللحظات هي المقياس الحقيقي لما حدث، هي لحظات تفجير الباب.. الضرب.. الاعتقال.. جميعها لحظات تشعر فيها بالموت ولكن تجد قلبك يطرق داخل صدرك يدعوك أن تجعل عقلك يقتل ذلك الشعور حتى لا يقتل قلبك.
عاشت هذه العائلة بعد هذا الحدث حالة من الذهول وخصوصاً عندما يفتح فرداً من العائلة باب البيت أو يغلقه، ومنذ ذلك اليوم لم يقم أحداً بإعادة الباب كما كان، لربما باتت هذه العائلة مقتنعة أن الأبواب مهما كانت مغلقة الأحكام سيأتي الجنود من جديد، وأن الحل هو الخلاص من الجنود حتى لا يفتحوا أبواب جديدة.
جلس على الدرجات وأشعل سيجاره من جديد، وتناول كوب القهوة، ولكنه وجده بارداً جداً يبدو أنه أصبح مثل قلبه الذي توصل إلى الحقيقة، حقيقة الخوف من الاقتراب من الباب وإصلاحه هذا الخوف، هو الخوف من الموت، ذُهل عندما أدرك الحقيقة وتذكر أن أي الخوف يداهم الإنسان مهما كان صغيراً هو تعبير عن الخوف الأكبر "الخوف من الموت"، نظر إلى الخلف وهو يزاحم أفكاره داخل رأسه فوجد الباب مفتوحاً كانت صورة شقيقه الشهيد معلقه على الحائط فضحك هئ هئ وجدتها نحن خائفون أن يكون هناك شهيد جديد، نحن لا نريد صورة جديدة.
عاد برأسه إلى مكانه ونظر مباشرة إلى الدرجات وقال: لا يهم عددهم ولا يهم إن كنت ذكياً في الحساب ما يهم هو أن هذا الدرج عاش حكاية لن تتغير مهما تغيرت الدرجات مع مرور الزمن، فوالدة صديق شقيقه جاءت وجلست على هذا الدرج تبكي عندما سرقوا لها ابنها، أما عائلته فقد سرق لهم الجنود الباب، والمفتاح، والسجادة التي أمام الباب، تلك الأخيرة كانت تخبئ والدته تحتها المفتاح عندما تخرج من البيت.
بدأ بالنزول وهو ينظر إلى الدرجات، وقبل أن يصل الدرجة الأخيرة قال: لقد سرقوا الفكرة منذ ذلك اليوم الذي لم يتبقَ لنا فيه باب نستطيع إغلاقه بالمفتاح، ولا حتى سجادة نخبئ تحتها المفتاح، وتمنى بداخله أن لا يسرقوا الدرجات أيضًا.

