الفصل الخامس: دياليكتيك العلاقة .. بين الفلسفة العربية والعلوم الطبيعية
في الفلسفة اليونانية:
في الفلسفة القديمة اليونانية، قبل افلاطون، كان الاتجاه العام منذ طاليس (621 – 550 ق.م) نحو أصالة الوجود.
فقد كان كل جهد الفلسفة منصرفاً إلى البحث عن المادة الأولى للعالم.
وبالرغم من أن طاليس قال بان الآلهة هي القوة التي بها يتحقق وجود الاشياء، وبها تتحرك الاشياء، قال -مع ذلك- ان قوة الالهة هذه كامنة في داخل الاشياء، بمعنى أن مصدر وجود المادة وحركتها ليس خارج ذاتها.
ومهما اختلف وتعددت تصورات الفلسفة بعد طاليس، بشأن المادة الاولى للعالم وكيفية نشوئها، فقد ظل الاتجاه نحو أصالة الوجود هو الغالب، حتى جاء انكساغوراس (500 – 432 ق.م)، فقال بعامل خارجي هو العقل (Nous)، وقال ان هذا "العقل" هو القوة المحركة للعناصر (البذور) غير المتناهية للمادة. لانه -في الأساس- ينظر إلى "العقل" كقوة مادية تؤثر في تفاعل "البذور".
وارسطو نفسه يعلل موقف انكساغوراس هنا بأنه استخدام "العقل" كآلة لنشأة العالم، وانه -أي انكساغوراس" حين اعترضته صعوبة تحديد السبب في الوجود الضروري لهذا الشيء، أو ذاك من أشياء العالم المادي، لجا إلى "العقل"، مع انه تظهر في تعليمه أشياء – غير "العقل"- كأسباب لوجود الموضوعات.
ويستخلص من أرسطو ، بهذا الصدد، ان انكساغوراس حتى حين يلجأ إلى "العقل" انما يلجأ اليه بوصف كونه قوة مادية تؤثر تأثيرها الخاص على "البذور"، لا بوصف كونه روحاً الهية. [1]
وأفلاطون أيضاً يؤكد هذا الاتجاه المادي عند انكساغوراس حيث يقول على لسان سقراط ، انه قرأ كل شيء في مؤلفات انكساغوراس، وانه كلما ازداد تعمقاً في افكاره ازداد شعوراً بالخيبة ، لانه لا يجد فيها -عملياً- مكاناً "للعقل" ، بل يجد فيها تفسيراً لوجود الاشياء بالماء والهواء وكثير غيرها. ان هذه شهادة من افلاطون تؤكد الاتجاه المادي عند انكساغوراس.
بقي اتجاه الفلسفة القديمة (اليونانية) مادياً في الغالب، حتى ظهر افلاطون.
نقول: بقي مادياً، بمعنى الاعتراف العفوي بأصالة الوجود. ذلك بالرغم من اننا نجد في الافكار المادية حينذاك عناصر مثالية. غير ان المثالية، بمفهومها الفلسفي، أي كمنظومة ومنهج ونظرية متماسكة ، لم تكن قد تكونت قبل افلاطون.
ان موقف افلاطون، في مسألة الوجود والماهية، صريح بالانحياز إلى جانب أصالة الماهية. ذلك بحكم نظريته عن "المثل" (الافكار)، التي هي "ماهيات" (مفاهيم) ثابتة تختص وحدها بصفة الوجود الحقيقي، أما العالم الخارجي (المادي)، فليس سوى ظلال عبارة لتلك "الماهيات" (المثل)، أو أشباح لها.
ثم يأتي أرسطو ليحدث تغييراً في الموقف، بعد استاذه افلاطون، من هذه المسألة. [2]
فان أرسطو من المنظرين الأولين لموضوعة أصالة الوجود، أو هو المنظر الأول لها في فلسفة القدماء، وهذا هو الأساس في الجانب المادي من فلسفته، رغم كونها – بوجه عام- فلسفة مثالية، ولكن مثالية غير صافية.
ان أول مظهر يكشف عن ميل أرسطو إلى فكرة أصالة الوجود، هو اعترافه بأولية الطبيعة، فان الموجودات العينية (الجزئيات) هي -عنده- أولى الموجودات وأحقها بالوجود. أما الكليات (الاجناس والانواع) فوجودها قائم داخل الجزئيات.
ولهذا يسمي أرسطو هذه الجزئيات بالجواهر الأولى، في حين يسمي الاجناس والانواع بالجواهر الثواني.
ونقول، بتعبير آخر: ان مجمل ما وجهه أرسطو من انتقادات إلى عالم "المثل" (الافكار) الافلاطونية، صريح في رفضه فصل العالم الذي يمكن ادراكه بالعقل، عن العالم المادي، ورفضه الفصل الميتافيزيقي للجوهر عن الظاهرة، أو اعتبار العام خارجاً عن الخاص.
ولكن ، تنبغي الاشارة هنا إلى أن أرسطو بالرغم من كونه يفكر مادياً في نقده افلاطون، يعود إلى التفكير مثالياً في تعليمه الخاص بشأن الصورة والمادة، وهو يناقض نفسه، مرة أخرى، حين يقول بأولية الكليات في نظرية المعرفة، بعد أن أثبت أولية الجزئيات في مسألة الوجود.
ففي نظرية المعرفة يقول أن موضوع المعرفة اليقينية هو الكلي دون الجزئي ، أي الماهية دون الوجود الواقعي ، معللاً ذلك بأن الكلي بين وسابق في ذاته، أي بصورة موضوعية، وأن الفرد الواقع تحت الحس بين وسابق لدينا، أي أن ظهوره وسبقه كائن في وعينا فقط، لا بصورة موضوعية.
فاذا انتهينا في هذه المسيرة مع الفلسفة اليونانية القديمة إلى الافلاطونية المحدثة، وجدنا نظام الفيض الافلوطيني قائماً على فكرة كون الوجود الحقيقي منحصراً في عالم "العقول" (الروحانية).
وهذه "العقول" هي تعبير آخر عن "الماهيات" الافلاطونية الثابتة، أي أن هذا النظام قائم على فكرة أصالة الماهية. [3]
في الفلسفة العربية:
كان لابد من هذا العرض لمواقف الفلسفة القديمة اليونانية في مسألة الوجود والماهية، تمهيداً لعرض مواقف الفلسفة العربية فيها.
لانه مهما كانت المؤثرات التي تحدد مواقف الفلاسفة العرب الاسلاميين في هذه المسألة وغيرها، تبقى الفلسفة اليونانية هذه، ذات حضور ملحوظ بين هذه المؤثرات، أو تبقى مصدراً من مصادرهم المعرفية، واصلاً موضوعياً من أصول تفكيرهم، وان كانوا يتجاوزون هذا الأصل حيناً ، ويعدلون صيغته حيناً، ويعارضونه حيناً آخر.
والواقع أن فلاسفة العرب كانوا يحاولون صياغة مواقفهم الايديولوجية بالارتباط مع نتائج معارفهم العلمية، صياغة فلسفية تستمد لغتها ومصطلحاتها من فلسفة اليونان القدماء، دون أن يتقيدوا بنظام معين من نظمها المختلفة، أو باتجاه محدد من اتجاهاتها.
وانطلاقاً من هذا الأساس ذاته نستطيع أن نفهم كيف استخدموا نظرية الفيض الافلوطينية، مثلاً، دون أن يلتزموا بنظامها الكامل، ولا بموقفها الرافض لوجود العالم المادي، وكيف جمعوا بين مصطلحات هذه النظرية واتجاه أرسطو إلى الاعتراف بالوجود الحقيقي للطبيعة. [4]
وليس الا انطلاقاً من ذلك الأساس (الايديولوجي – المعرفي) يصح تفسير ما هو ملحوظ عند فلاسفة العرب من اتباعهم طريقة معينة في تركيب القياس البرهاني الذي وضعه أرسطو في منطقه.
وطريقتهم هذه انهم يبدأون غالباً -ان لم نقل دائماً- اقيستهم الاستدلالية بما يسمى "الحد الأصغر"[5].
بمعنى انهم يرتبون القياس البرهاني على أساس القضية الجزئية لا على أساس القضية الكلية ، أي أن الاستدلال العقلي عندهم ينطلق من الواقعة الخارجية (الخاص) إلى العام لاستخلاص الحكم (النتيجة).
غير ان بعض الباحثين الغربيين، رغم الاعتراف بكون هذه الظاهرة موجودة بالفعل، يلجأون إلى تفسيرها وفقاً لمنطق النظرية العرقية، بارجاعهم اياها إلى ما يسمونه "طابع التفكير الشرقي".
أما مرجع الظاهرة، وفقاً لتحليلنا التاريخي، فهو – كما سبق عرضه- يقوم على أصول معرفية معينة ترتبط بموقف ايديولوجي معين.
لقد كان هناك، في العالم العربي- الاسلامي، موقفان اثنان، بوجه عام، حيال الكون والطبيعة: موقف يتمسك بفكرة الثبات الذي تتميز به الماهيات القائمة خارج الطبيعة، لكي يسقط فكرة الثبات هذه على النظام الاجتماعي التيوقراطي السائد، بدعوى انه نابع من عالم "الماهيات" تلك، دعما لايديولوجيته وفكرة ديمومته وتأبيده.
والموقف الاخر، يتمسك بفكرة حركية العالم، أي كونه قائماً على حركة التغير والصيرورة، الملازمة لوجوده.
وهذا الموقف يتركز النظر خلاله على الوجود الطبيعي كموضوع للمعرفة، له استقلاليته وموضوعيته.
وهو نفسه الموقف المستمد من الممارسة العملية للمعرفة من الموقع الاجتماعي (الايديولوجي) لأصحاب هذا الموقف. [6]
التمييز بين الموقفين في الاتجاه الفلسفي هو أن الموقف الأول يؤدي إلى القول بأن الماهية هي أصل العالم، والثاني يؤدي إلى القول بأن الوجود هو الأصل.
ولكن التمييز على هذا الأساس ليس مطلقاً . فقد وجد بين فلاسفة التصوف مثل السهروردي القائل بأصالة الماهية، ومع ذلك فهو معارض للايديولوجية الرسمية. [7]
الفصل السادس: قضايا الوجود والماهية.. في: بواكير نضج الفلسفة العربية - الإسلامية
قضية الوجود والماهية في فلسفة الفاربي :
الدور التاريخي للفارابي :
نبدأ هذا الفصل بأبي نصر الفارابي (259 – 339ه / 872 - 950) لانه الممثل الأول والابرز للفلسفة العربية في مرحلة بواكير نضجها ما بين النصف الثاني للقرن الثالث والنصف الأول للقرن الرابع الهجريين (التاسع – العاشر).
ولعل الصياغة الجديدة لمفاهيم الفلسفة العربية، التي صاغها الفارابي بصورتها النظرية الأكثر استقلالية عن المفاهيم اللاهوتية، والأكثر نضجاً من حيث المنحى المعرفي، هي التي حملت بعض الباحثين المحدثين أن يبالغوا في تحديد مكانته إلى حد تصنيفه كمؤسس للفلسفة العربية، أو وصفه بأنه "أول من صاغ الفلسفة الاسلامية في ثوبها الكامل ووضع أصولها ومبادئها".
وربما كان الاقرب إلى الواقع ما قاله أحد المستشرقين من انه "ليس شيء مما يوجد في فلسفة ابن سينا وابن رشد الا وبذوره موجودة عند الفارابي. [8]
فلسفة الفارابي فتتجلى في النقاط الاتية :
أولاً- نفيه المسلَّمة الدينية بكون العالم مخلوقاً من العدم. وهذه النقطة تعني بالضرورة ازلية العالم، أي نفي المسلمة الدينية الاخرى بأن العالم حادث.
والنصوص الدالة على القضية بكلا جانبيها، متوفرة في تفسير الفارابي كيفية صدور العالم عن الأول (الله)، بطريق الفيض.
ان وجود العالم ملازماً ضرورياً، لجوهر وجود الله. فالعالم اذن ليس مخلوقاً، لانه ليس مسبوقاً بالعدم، وليس حادثاً، بل هو أزلي تبعاً لازلية مصدر الفيض، وهذه النتائج كلها تتعارض مع موقف الشريعة تعارضاً مطلقاً[9].
ثانياً- نفيه الوحي بمفهومه اللاهوتي، أي نفي كونه غيبياً، منفصلاً عن فاعلية قوانين حركة الوعي البشري في تحصيل المعرفة.
فإن الفارابي يفسر الظاهرة المعرفية التي بها يتمكن بعض افراد البشر من رؤية العوالم غير المنظورة، ومن التنبؤ بـ"الاشياء الالهية". ومن قبول "الجزئيات الحاضرة والمستقلة" عن "العقل الفعال" – يفسرها تفسيراً مادياً مرتبطاً بالقوى الطبيعية لكل بشري.
فهو يرى أن منشأ الوحي انما هو المخيلة في الانسان. فهذه حين تكون "في انسان ما قوية كاملة جداً" وتكون "المحسوسات الواردة عليها من الخارج" غير مستولية عليها "استيلاء يستغرقها بأسرها" وغير مستخدمة كلياً للقوة الناطقة، بل يبقى فيها، أي في المخيلة، مع ذلك، كثير من طاقاتها "تفعل به أيضاً افعالها التي تخصها" – في هذه الحال تستطيع المخيلة، بما لديها من صور المحسوسات، وبما تحصل عليه من معطيات "العقل الفعال"، ان تتخيل صورا محاكية للصور المرئية، تعد فترتسم في "القوة الحاسة". وحين تحصل هذه الرسوم المتخلية في الحاسة المشتركة، تنفعل بها قوة البصر، لتنعكس في الحاسة المشتركة وفي المخيلة، برؤية جديدة تتمازج فيها معطيات الاشياء المرئية مع معطيات العقل الفعال. فاذا جاءت هذه الرؤية "في نهاية الجمال والكمال، قال الذي يرى ذلك ان لله عظمة جليلة عجيبة، وراى أشياء عجيبة لا يمكن وجود شيء منها في سائر الموجودات اصلاً".
انا هذه "العملية" التي تؤدي فيها المخيلة الدور الرئيس بمعونة الموجودات المحسوسة، هي -عند الفارابي- "أكمل المراتب التي تنتهي اليها القوة المخيلة، واكمل المراتب التي يبلغها الانسان بقوته المتخيلة". [10]
النبي – بناء على ذلك- يرى رؤيته النبوية بوساطة المخيلة، وهذه -أي المخيلة- تصله بالعقل الفعال، الذي هو حلقة الاتصال بين العقل البشري والعالم العلوي.
غير أن هناك -عند الفارابي- معرفة أعلى من معرفة المخيلة ومن المعرفة الحسية كلتيهما، وهي معرفة القوة الناطقة. وهذه هي معرفة الفيلسوف. أي أن الفارابي يضع الفيلسوف فوق النبي مرتبة من حيث المعرفة، بل من حيث الكمال البشري. [11]
الفلسفة الاجتماعية والأيديولوجيا:
أول ما نلحظه في فلسفته الاجتماعية وضعه مسألة أرادة الناس واختيارهم كأعضاء مجتمع. صحيح انه يبدأ فكرته عن البنية الاجتماعية المتكاملة بتشبيه علاقة التعاون والتكامل بين أعضاء المدينة (المجتمع) بالعلاقات الطبيعية بين أعضاء "البدن التام الصحيح" من حيث أسلوب التعاون بينها "على تتميم حياة الحيوان وعلى حفظها عليه" ومن حيث التفاضل بينها في "الفطرة والقوى" تفاضلاً يكون به "عضو واحد" رئيساً "هو القلب" و "أعضاء تقرب مراتبها من ذلك الرئيس (..) وأعضاء اخر فيها قوى تفعل افعالها على حسب اغراض هذه التي ليس بينها وبين الرئيس واسطة (..) واعضاء اخر تفعل الافعال على حسب غرض هؤلاء الذين في هذه المرتبة الثانية، وهكذا إلى أن تنتهي إلى أعضاء تخدم ولا ترئس أصلاً".
ولكن الفارابي يستدرك فوراً خطأ هذا التشبيه ليطرح قضية الفوارق الجوهرية التي بها يختلف مفهوم العلاقات البشرية بين أعضاء المجتمع عن مفهوم العلاقات الطبيعية بين أجزاء الدين، التي بها تختلف البنية الاجتماعية عن البنية البيولوجية للكائنات الحية.
يطرح أولاً، فارق الارادة والاختيار.
ثم يطرح -ثانياً- الفرق بين مقاييس تفاضل الناس في مراتبهم الاجتماعية ومقاييس التفاضل المتعلق بمراتب اجزاء العضويات الحية.
نرى الفارابي هنا يملك رؤية تستحق الاهتمام. فهو يلحظ أن اعضاء المجتمع وان كانت طبائعهم الفطرية "متفاضلة يصلح بها انسان لشيء دون شيء"، فليست هذه الطبائع بحد ذاتها هي المحددة لمكانة كل منهم ولوظيفته في المجتمع، بل المحدد -في رؤيته- هو "الملكات الادارية التي تحصل لها"، أي للطبائع الفطرية.
ويمكن أن نفهم منه هنا أن حصول هذه "الملكات الارادية" يتوقف على نوعية المعارف والتجارب والممارسات التي تكتسبها الطبائع الفطرية خلال نشاط الناس الاجتماعي. [12]
بدليل ان الفارابي ينتهي إلى معادلة هذه الملكات الارادية بـ"الصناعات وما شاكلها" . ذلك يعني ان ما يحدد مواقع الناس الاجتماعية هو مدى ما يستطيع كل منهم أن يكتسبه، في ظروف نظام اجتماعي معين، من وسائل مطورة لقابلياته الفطرية تشكل "ملكاته الارادية" بهذا الشكل أو ذاك.
اذا صح استنتاج هذه "الرؤية" من نصوص فلسفته الاجتماعية في "المدينة الفاضلة"، كان مؤدي هذا الاستنتاج أن ليس من موقع اجتماعي مفروضاً على أحد أو فئه من الناس بشكل قدري نهائي ثابت لا يقبل التغيير تقرره قوى غيبية خارج ارادة الناس.
بل يرى الفارابي – كما نفهم من نصوصه- ان الذي يقرر ذلك هو الانسان نفسه بما يكسبه من "ملكات ارادية".
علينا ان نتذكر ان الفارابي وضع فلسفته في مجتمع تسوده علاقات الانتاج الاقطاعية أساساً، وان فكرة "العناية الالهية" بأبعادها القدرية كان لها تفسيرها الطبقي لدى ممثلي السيطرة الاقطاعية السياسيين والايديولوجيين، وهو التفسير الذي يعني تصنيف مؤهلات الناس الفطرية على أساس مراتبهم الطبقية الاقطاعية.
فالطبقة العليا منحتها "العناية الالهية" أعلى هذه المؤهلات، ومنحت الطبقات الدنيا أدناها، وما تقرره "العناية الالهية" فهو نهائي لا يتغير (في حين ان الطبقة العليا هي التي تقرر حجب وسائل المعرفة عن الطبقات الدنيا وتحدد لها شكل "الملكات الارادية" التي "تناسبها" وتوفر لنفسها -أي الطبقة العليا- ولمن يخدم موقعها في رأس الهرم الاقطاعي، ما يميز "ملكاتها الارادية" ، ثم تنسب "النقص" لدى "عامة" الناس إلى "العناية الالهية". [13]
ان موقف الفارابي هو موقف المعارض لهذا التفسير، فهو -آخر الامر- موقف ايديولوجي يعارض به أساساً آخر من الأسس التي تقوم عليها ايديولوجية نظام الحكم التيوقراطي وينقض به نظرتها الميتافيزيقية (الغيبية) الاطلاقية في تصنيف "ملكات" الناس "الارادية" على أساس الترتيب الطبقي الاقطاعي لمواقعهم الاجتماعية.
في ضوء ذلك، يمكن أن نحدد أثر النظام الطبقي الاقطاعي في تفكير الفارابي اذا اضفنا إلى ذلك نظرته إلى القرية (الريف) كخادمة للمدينة.
فان جملة القرائن التي ذكرناها تسمح لنا باستنتاج ان نظرته هذه تتضمن التعبير عن أيديولوجية الفئات النامية في المدينة كفئات الصناعيين الحرفيين ومتوسطي التجار وشغيلة الخدمات الاجتماعية المستجدة في نظام المدينة المزدهرة خلال العصور العباسية.
ان هذه الفئات كانت تمثل القوى الجديدة ذات الاتجاه الثوري بالقياس إلى الاتجاه العام المحافظ والرجعي الذي تميزت به العلاقات الاقطاعية في مرحلة انقسام الامبراطورية العباسية وانحلال مركزية الخلافة.
فقد كانت فئات المدينة تلك في إبان صعودها مندفعة إلى سطح المجتمع طامحة إلى التأثير في الاحداث الجارية والصراعات المحتدمة، وكانت لها تنظيماتها الفئوية ذات الطابع النقابي ولها تحركاتها الكفاحية العنيفة ، في حين كانت الطبقة المسيطرة ترسخ نظرة الاحتقار إلى مكانة تلك الفئات وإلى نوعية عملها الانتاجي.
ولكن، حين يضع الفارابي "خارطة" التركيب الاجتماعي "للمدينة الفاضلة"، يتراءى لنا -لدى النظرة الأولى- انه يضعها على مثال لا يختلف اختلافاً جوهرياً عن "خارطة" التركيب الهرمي للمجتمع العربي – الاسلامي كما كان في عصره.
فهو ينقل إلى مجتمع "مدينته" تفاصيل الصورة التي تصورها لنظام الكون على أساس نظرية الفيض. [14]
فكما أن الموجود الأول (الله)، في النظام الكوني، هو السبب الأول، كذلك رئيس "المدينة الفاضلة":
"ينبغي أن يكون هو أولاً، ثم يكون هو السبب في أن تحصل المدينة واجزاؤها ، والسبب في ان تحصل الملكات الارادية التي لأجزائها في ان تترتب مراتبها، وان اختل منها جزء كان هو -أي الرئيس- المرفد له بما يزيل عنه اختلاله" ، وكما ان الاقرب فالاقرب من الموجودات إلى الوجود الأول، هو الاشرف فالاشرف، وبالعكس: الأبعد عنه فالابعد، هو الاخس فالاخس، كذلك حال الناس الذين يؤلفون مجتمع "المدينة الفاضلة".
فان "الاجزاء التي تقرب في الرئاسة من رئيس المدينة تقوم من الافعال الارادية بما هو اشرف، ومن دونهم بما هو دون ذلك في الشرف، إلى ان ينتهي إلى الاجزاء – يقصد فئات المدينة- التي تقوم من الافعال بأخسها".
ان وضع التركيب الاجتماعي على هذه الصورة، مما يتفق مع نظرة الطبقة المسيطرة في المجتمع الاقطاعي. اذ هو -كما يبدو- يضع هذا التركيب على وجه ثابت ونهائي.
غير أن نظرتنا الأولى هذه تبدأ تتغير منذ ان نرى الفارابي يضع خسة الافعال وشرفها لا على أساس مطلق، أي لا على أساس كونها بذاتها خسيسة أو شريفة، بل المسألة نسبية عنده، فقد يكون الفعل عظيم الفائدة بذاته ولكنه يوصف بالخسة نسبة لموضوعه، وقد يوصف بذلك بالقياس إلى قلة فائدته، أو بالقياس إلى سهولة تحقيقه، فليس لديه حكم اطلاقي نهائي هنا.
ثم حين نراه يضع شرط الترابط بين أجزاء "المدينة" ، أي من غير حواجز بين فئات المجتمع، ويضع لاستحقاق رئاسة "المدينة" أساسين أولين ينبغي توفرهما معا في كل من يتصدى لهذه الرئاسة، وهما: "المؤهلات الطبيعية" أولاً، و"الهيئة والملكة الارادية" ثانياً، مع اعتباره المؤهلات الطبيعية المشتركة للجميع، وليست امتيازاً خاصا بفئة معينة أو فرد معين، ثم يشترط أن تكون "صناعة" الرئيس قدوة وغرضاً تتجه اليها "صناعات" أهل "المدينة" كلها.[15]
فما "صناعته" هذه؟
يقول الفارابي ان "هذا الانسان – أي الرئيس – هو الذي يقف على كل فعل يمكن أن يبلغ به السعادة. فهذا أول شرائط الرئيس".
ولكن، ما السعادة هذه أيضاً عند فيلسوفنا؟
بهذا السؤال ندخل موضوعاً بالغ الدقة والتعقد، فان كلام الفارابي، في "المدينة الفاضلة"، بشان السعادة، يتدثر بدثار صوفي يكاد يخفي كل معالم الارض الواقعية التي يقف عليها وينطلق من علاقاتها.
وقد استخدم الباحثون المثاليون، من شرقيين وغربيين محدثين، هذه الظاهرة الفارابية ليجردوه من كل صلة له بهذه الأرض الواقعية، وليفصلوه فصلا مطلقاً عن تاريخيته بحيث نكاد لا نرى من الفارابي سوى انه "يزداد بعدا عن الحياة الواقعة (..) ولم يجعل بين تعاليمه في الاخلاق مكانا لامور الدنيا"، ولا نرى من فلسفته الا وجهها التصوفي النظري.
أما السعادة فلا نجد لها غير وجه واحد أيضاً، هو كونها غاية روحية خالصة تبدأ وتنتهي في حلقة مغلقة واحدة معزولة عن العالم الخارجي لا هدف لها سوى ان تتحرر "نفوسنا من كل ما هو مادي جسمي" وتلتحق بـ"الكائنات العقلية". [16]
اذن ، ماذا وراء هذا الالتفاف التصوفي التأملي حول قضية السعادة عند الفارابي؟. يعرف الباحثون في الفلسفة العربية أن ابن طفيل الفيلسوف الاندلسي (506 – 581ه / 1112 - 1185) اخذ على الفارابي قوله في كتاب "الاخلاق" ان السعادة انما تكون في هذه الحياة وفي هذه الدار، وان كل ما يذكر غير هذا فهو هذيان وخرافات عجائز.
والواقع ان الفارابي قال ذلك في غير كتابه "الاخلاق" أيضاً. فهو في كتاب "تحصيل السعادة" يضع المسألة على صعيد النشاط الاجتماعي للانسان، فيرى ان لدى الجماعات البشرية فرضاً لتحقيق سعادتها في "الحياة الأولى" ، وعن طريق السعادة "الدنيوية" هذه تنال "السعادة القصوى" في "الحياة الاخرى". [17]
حصيلة الفصل السادس
الاستنتاج العام من بحثنا فلسفة الفارابي هو انه :
- يقول بأصالة الوجود، سواء في المعرفة ام في الجانب الانتولوجي.
- وان الموجودات الطبيعية لها وجود حقيقي، وموضوعي.
- وان مفاهيم هذه الموجودات هي نتاج وجودها الجزئي (الحسي).
- وان الحركة الطبيعية في هذه الموجودات لها قوانينها الداخلية المستقلة.
- وان العناصر الأولية للطبيعة ليست ماهيات مطلقة، بل هي شكل ما من وجود المادة، شكل مبهم غير متعين.
استنتاجنا الاخير، هو أن بيانات الفارابي هنا تفتح امامنا الطريق إلى التثبت من استنتاجاتنا السابقة القائلة بأن الفارابي ياخذ بأصالة الوجود دون الماهية، رغم كل آراء الباحثين الاخرين بأنه لم يقل أحد من فلاسفة العرب بأصالة الوجود قبل الملا صدراً الشيرازي (1573- 1640)، كما تضع هذه البيانات أمامنا نموذجا حيا للعلاقة المتبادلة بين مستوى تطور علوم الطبيعة في عصر الفارابي وبين مستوى تطور النزعات المادية في الفلسفة العربية آنذاك. [18]
الفصل السابع : قضية الوجود والماهية .. في فلسفة ابن سينا
مدخل:
سنجد في دراستنا لقضية الوجود والماهية عند ابن سينا[19]، اننا لا نواجه قضية واحدة، بل قضايا متعددة ومتنوعة أكثر تعدداً وتنوعاً مما واجهناه عند الفارابي.
ذلك – أولاً- لان ابن سينا نفسه جمع في شخصيته وفي اهتماماته المعرفية وفي مسيرة حياته كلها، جوانب ليست متعددة ومتنوعة وحسب، بل متناقضة كذلك. ولكنها جميعاً تلتقي في وحدة ذات نسق متكامل.
وثانياً، لان قضية الوجود والماهية في فلسفة ابن سينا، هي ذاتها أيضاً تستقطب الكثير من القضايا التي تعالجها هذه الفلسفة، سواء في المنطق ام الطبيعة ام ما وراء الطبيعة، ضمن وحدة هي على مثال ذلك النمط من وحدة التعدد والتنوع والتناقض في شخصيته ومعارفه العلمية ومسيرة حياته، ولذا كان من العسير أن يستخلص موقفه الحاسم في قضية الوجود والماهية اذا عزلت عن سائر تلك القضايا ونظر اليها مستقلة قائمة بنفسها، في حين هي ليست كذلك. [20]
أبو بكر الرازي .. ذلك المنعطف :
ان انتقال البحث من الفارابي إلى ابن سينا ، في موضوعنا، دون التوقف قدر المستطاع عند هذا المنعطف الذي يمثله أبو بكر الرازي، يعد مشاركة في الظلم التاريخي الذي أصاب هذه الشخصية العظيمة، عبر العصور حتى اليوم.
ان محمدا بن زكريا الرازي (854 – 932) يمثل نموذجا للعالم الفيلسوف الذي وضع فلسفته على أساس من تجاربه العلمية ، في الطب والكيمياء بالاخص، فاتجه – لذلك- اتجاها فلسفياً مادياً ظهرت آثاره في كثير من المواقف الفلسفية التي ينتهي بها الرازي أبو بكر إلى القول بقدم الهيولي والزمان والمكان، وهو يحصر القدماء في خمسة هي الله والنفس الكلية وهذه الثلاثة المذكورة.
ومن المؤسف اننا لا نعرف نظريته من نصوصه الأصلية، بل من ردود الفعل المضطربة التي اثارتها نظريته لدى معاصريه وغيرهم من المتاخرين عن عصره، امثال البيروني (262- 440ه / 875 - 1048) ، والشاعر الفارسي الرحالة ناصر خسرو (1003 – 1060) في كتابه "زاد المسافرين"، وعبدالله بن أحمد بن محمود البلخي الكعبي رئيس معتزلة بغداد (-319 ه / 931) ، والعالم الطبيعي الشهير محمد بن الحسن بن الهيثم (حوالي 965 – 1039م) ، والفقيه المتكلم فخر الدين الرازي (-606 ه / 1209)، وابن جزم الظاهري الاندلسي، الفقيه الطبيب الفيلسوف (944 – 1064 م ) ، وآخرين ليس من اليسير استقصاؤهم.
ونلحظ في معظم مناقشات هؤلاء المؤلفين وصفهم أبا بكر الرازي بـ"الملحد"، كما نلحظ لهجة الانفعال والتشنج تسود أسلوب البعض في هذه المناقشات.
هذه الظاهرة تقودنا، أولاً، إلى التحفظ في استخلاص مذهب أبي بكر الرازي على حقيقته من ردود معارضيه أنفسهم، ما دمنا غير متمكنين من الاطلاع على نصوصه الاصلية. كما تقودنا هذه الظاهرة، ثانياً، إلى استنتاج أن الفيلسوف أبا بكر كان صريحاً وجريئاً في التعبير عن مواقفه وآرائه المعارضة للمواقف والآراء "الرسمية" السائدة في عصره.
والملحوظ أيضاً أن أشد معارضيه محاربة لأفكاره هم من الاسماعيلية. فقد حفظ لنا التاريخ ثلاث وثائق تتضمن هجوماً عنيفاً على مقالة أبي بكر الرازي بشأن قدم الهيولي والمكان والزمان وانكار النبوات ومعجزات الانبياء. (ص454)
يبدو لنا أن اهتمام الاسماعيليين بالتصدي لآراء الرازي أبي بكر على هذا النحو المتسم بالعنف، يرجع –أساساً- إلى اهتمامهم بالدفاع عن مفهوم الامامة الذي هو القاعدة الايديولوجية لدولة الفاطميين.
والمسألة ذات الشأن، في مذهب الرازي، هي قاعدته البرهانية التي ينطلق منها إلى القول بأزلية الهيولي. فان هذه القاعدة تقول بأنه لا يجوز أن يحدث شيء من لا شيء، "لان العقل لا يقبل مثل هذا القول".
نجد في "كتاب السيرة الفلسفية" للرازي، أبي بكر، اشارة إلى كتاب له بعنوان: "ان للجسم حركة من ذاته وان الحركة معلومة".
ولعل "دي بور" استند إلى هذا العنوان حين قال ان الرازي خالف أصحاب ارسطو بقوله ان الجسم يحوي في ذاته مبدأ الحركة". [21]
أما مذهب أبي بكر الرازي بشأن المكان، فيتلخص بأن المكان غير متناه، وانه قديم، لان كل ما ليس متناهيا فهو قديم، ولان الهيولي قديمة، وبما أن للهيولي أجزاء لا تتجزأ، وبما أن لكل واحد من تلك الاجزاء مقداراً لا يقبل التجزئة لصغره، ولما كان كل قديم ذي مقدار لا بد له من مكان، وجب ضرورة أن يقال أن المكان قديم أيضاً.
وقال الرازي، بهذا الصدد، كلاماً آخر يستدل فيه أيضاً على قدم المكان، فهو يرى أنه "لما كان لم يحدث في العالم شيء الا من شيء آخر، صار هذا دليلاً على أن الابداع محال، وأنه غير ممكن أن يحدث الله شيئاً عن لا شيء. [22]
ظهر ابن سينا وكانت اللغة العربية لغة العلوم التي درسها، ولغة الدروس التي ألقاها على تلامذته في كل مدينة من مدن فارس أقام فيها، ولغة العلم والفلسفة والشعر في ما كتب وألف ونظم[23].
وفي واحد من هذه المراكز وجد ابن سينا دار الكتب ذات البيوت الكثيرة في بلاط سلطان بخاري الساماني ، التي وصفها – أي ابن سينا- بدهشة، اذ وجد فيها بيتاً للعربية (أي للنحو العربي) والشعر، وبيتاً للفقه، وآخر لفلسفة الأوائل، وهكذا لكل علم.
وفي واحد من هذه المراكز الثقافية المزدهرة وجد ابن سينا جمعاً من التلامذة يأخذون عنه ثم يضيفون إلى اللغة المشتركة ما يزيدها غنى في العلم والفلسفة والادب، كما وجد معاصرين له من العلماء والفلاسفة ، أمثال البيروني العظيم، تركوا للعربية تراثاً من المعرفة لا يزال يتمتع بمكانه المرموق في تاريخ المعرفة البشرية.
ابن سينا: منطقه الشخصي:
ابن سينا وان جرى على قاعدة المنطق الداخلي لتطور الفلسفة العربية، كما جرى على قاعدة منطقها الخارجي المتصل بتاريخ تطور المجتمع العربي – الاسلامي نفسه، كان له مع ذلك كله منطقة الشخصي الذي يبدو وكأنه استثناء للقاعدتين معاً. [24]
ذلك أن ابن سينا نشأ في بيت اسماعيلي النزعة والمذهب، كما أخبرنا هو نفسه، ولكنه بقي مستقل الرأي عن أبيه وأخيه الاسماعيليين، رغم أنه كان يصغي اليهما يتحدثان عن المذهب، ورغم أنهما كانا يدعوانه اليه. هذا أولاً.
ثم انه دخل مغامرة العمل السياسي، مخالفاً بذلك طريقة أسلافه، حتى أنه شارك في السلطة مرتين أو ثلاثاً، ونعم طويلاً بجاه السياسة وبالعيش المرفه، ولكنه – هذه المرة أيضاً- لم يتأثر بأفكار الحكام ولم يستخدم فلسفته للتعبير عن أيديولوجية الطبقة الحاكمة.
ولم يدع العمل السياسي يطغى على مشاغله الفكرية، بل ظل يواصل التدريس والتأليف حتى في أسفاره، ويقضي لياليه في مباحثة تلاميذه وكتابة مؤلفاته، بحيث يبدو كأن هناك انفصالاً بين ليله ونهاره، أي بين مشاغله الفكرية ومشاغله السياسية. وهذا ثانياً.
أما ثالثاً، فان مغامرة العمل السياسي لم تؤثر عليه من وجه آخر: وذلك أنها لم تأسر شخصيته، أي انها لم تجعله يتورط في بيع أفكاره وكرامته العلمية للأمراء والسلاطين لقاء كسبه وجاهة المنصب ورفاهة العيش، رغم أنه كان محباً لمسرات الحياة وملذاتها. ولذا نراه –مرة- يرفض الوزارة عند مجد الدولة بن شمس الدولة البويهي ، مفضلا عليها التشرد والسجن. ونراه –قبل ذلك- قد رفض الانضمام إلى بلاط السلطان محمود الغزنوي حين طلب اليه هذا، وإلى جماعة من العلماء – بينهم البيروني- أن يلتحقوا به، في وقت كان قد بلغ فيه هذا السلطان ذروة انتصاراته على البويهيين والسامانيين في فارس وبخارى.
لقد رفض ابن سينا ذلك رغم انه كان يعيش حينذاك عيش الكفاف من مشاهرة رتبها له صديقه أبو الحسين السهلي وزير الامير علي بن مأمون في خوارزم، ورغم أن محمودا الغزنوي حين طلب اليه وإلى أولئك العلماء الانضمام إلى بلاطه، انما طلب ذلك "ليشرف بهم، ولكي يفيد من علومهم وكفاياتهم".
وهذا يعني أيضاً أن انضمامه إلى هذا السلطان كان منتظرا أن يوفر له عيشاً مرفها ومكانة مرموقة. فلماذا رفض ابن سينا ذلك؟
المصادر التاريخية لا تجيب عن هذا السؤال. ولكن، ربما صح لنا ان نفسر رفضه بأمر يتفق لا مع منطقه الشخصي وحسب، بل مع المضمون الايديولوجي لفلسفته كذلك:
ان المعروف عن محمود الغزنوي انه كان مؤيداً لمذهب السنة التقليدي المحافظ، جاهدا بنشره في العالم الاسلامي، ومناهضاً للحركات الفكرية والاجتماعية والمذهبية التي تعارض السلطة السياسية لهذا المذهب.
ولذا كان السلطان الغزنوي، محمود، يحارب – بخاصة- المعتزلة والشيعية والقرامطة والاسماعيلية.
وليس من شك عندنا أن ابن سينا ما كان ليرتضي لنفسه أن يصبح – اذا انضم إلى هذا السلطان- في وضع يضطره ان يجاري صاحب السلطة في اضطهاد أحد من هؤلاء، أو أن يجاريه في رفع راية الايديولوجية السنية الرسمية.
ولعل هذا الموقف وأمثاله من مواقف ابن سينا هو الذي بنى عليه "دي بور" قوله بأن ابن سينا لم يطاطئ رأسه لأمير. وهذا قول صحيح في رأينا.
بقي أمر رابع يدخل في إطار المنطق الشخصي لابن سينا، هو موقفه من الحياة. فقد كان يحب الحياة بشغف، فلم يدع متعة من متعها الا نال منها نصيباً موفورا، سواء أكانت حسية أم عقلية، أم اجتماعية. لقد أشبع حواسه كلها من ملذات الحياة وجمالاتها: الجنس، والموسيقي، والغناء، والخمرة.
كما أشبع عقله من البحث العلمي، النظري والتجريبي. وأشبع طموحه إلى المنصب السياسي والمكانة الاجتماعية البارزة. لذلك كانت نظرته في الحياة نظرة تفاؤلية انعكست في كثير من آرائه الفلسفية. كرأيه -مثلا- في أن العالم قائم على نسق جميل بديع، وأن الخير هو الغالب على الشر في الوجود الخارجي، وأنه حتى الشر في هذا العالم انما هو من أجل الخير كان، وان الوجود بذاته خير، اما عدم الوجود فهو اعظم شراً من الشر المقارن للوجود.
ابن سينا: موقعه الطبقي :
اذا رجعنا ، إلى ابن سينا نبحث عن أصوله الطبقية، وجدنا في سيرة حياته وأسرته أن أباه، عبدالله بن سينا، كان قبل أن يوليه نوح بن منصور الساماني، امير بخارى، أعمال بلدة خرميثن، يزاول مهنة الصرافة في هذه البلدة نفسها، ووجدنا انه طارئ على هذه البلدة، لان أصله من بلخ.
ثم تنتقل الاسرة إلى ولاية عمل اداري – سياسي. وينشأ الحسين بن عبدالله بن سينا في أسرة تجمع إلى اليسر المادي نوعاً من الصلة المباشرة بقناتين اثنتين من أقنية النشاط السياسي والفكري للمجتمع العربي – الاسلامي، هما الدولة السامانية، والحركة الاسماعيلية.
واذا كانت بين القناتين جهة تقارب من حيث استقلالية الموقف تجاه الخلافة العباسية، ان لم نقل سلبية الموقف هذا، فان بينهما جهة تباعد من حيث ان الأولى تتسم بطابع "قومي" مع محاول للحصول على الاستقلال السياسي عن سلطة الخلافة وسيادتها ذات الوجه العربي.
في حين ان الاسماعيلية تحمل في أصولها المذهبية نزعة عالمية لالغاء الفوارق الدينية و "القومية"، مع طموحها وسعيها لبسط سلطة الدولة الفاطمية آنذاك على مختلف اقطار العالم الاسلامي.
اما الابن الأول لهذه الاسرة الذي سيصبح "الشيخ الرئيس ابن سينا"، فان وضع اسرته هذا يسر له أن ينصرف انصرافاً كاملاً لدراسة علوم عصره منذ الصبا الباكر على أساتذة خصوصيين في منزل الاسرة، ثم على نفسه وبجهده الشخصي الخارق.
ولعل هذا الاعتماد على النفس في تحصيل العلوم كان له أثره في استقلالية شخصيته إلى حد القدرة على رفض تأثيرات الدعوة الاسماعيلية على تفكيره رغم كونها رافقت ذهنة منذ أول تفتحه إلى المعرفة، وترددت أصداؤها على سمعه في جوه المنزلي بالحاح. [25]
ويبدو اننا نكون أقرب إلى واقع ابن سينا اذا نحن وضعناه في عداد أهل المهن الحرة، كطبيب. فإن الظاهرة البارزة في سيرته كلها أن الطبابة ذاتها كان لها الدور الحاسم دائماً في تغيير ظروف حياته، حتى انها هي التي ادخلته في مغامرة العمل السياسي التي لقي منها المشاق والمتاعب بقدر ما لقي منها النعمة والرفاهة.
فعن طريق المهنة هذه وحدها تعرف أول مرة بلاط سلطان بخارى، نوح بن منصور، فتعرف بذلك دار كتبه التي أفاد منها علماء كثيراً كما يروي هو. [26]
لقد كانت فلسفته تعبيراً عن أيديولوجية مختلف الفئات الاجتماعية التي تمثل احد طرفي التناقض الرئيس حينذاك، مقابل الفئة العليا المتميزة الرئيسة الممثلة لسلطة الاقطاعية بخصوصياتها التاريخية المشرقية. اما التمايز بين الفئات الوسطى والدنيا فلم يكن واضح المعالم. [27]
ابن سينا، منهجه الفكري، يقوم على الاستقراء والتجربة العملية واستخدام القياس المنطقي المستمدة مقدماته من الجزئيات الواقعية. [28]
خاتمة
تأثير الفلسفة العربية على الفلسفة الأوروبية:
كانت فلسفة ابن سينا تتويجاً للمراحل التي اجتازها تاريخ الفكر الفلسفي العربي منذ القرن الثامن حتى الثلث الأول من القرن الحادي عشر، وهو تاريخ قصير بالقياس إلى اعمار الفلسفات الشرقية والغربية (اليونانية) السابقة لعصر الفلسفة العربية.
ولكن، رغم هذا الزمن القصير نسبياً، تهيأ للفلسفة العربية من ظروف المجتمع العربي – الاسلامي ما مكنها أن تؤدي دوراً مزدوجاً في تاريخ تطور الفلسفة العالمية.
فهي – من ناحية أولى- أعادت الحياة من جديد إلى الفلسفة اليونانية بعد أن أصابها التشتت والتبعثر والانزواء بضعة أجيال في بعض الاديرة والمدارس النسطورية واليعقوبية والفارسية (الرها، نصيبين، حران، جنديسابور) في الشرق.
وهي (أي الفلسفة العربية) – من ناحية ثانية- طبعت جانباً من جوانب الفلسفة الأوروبية خلال العصر الوسيط بطابع منجزاتها في معرفة الطبيعة .
فانه من المعروف تاريخياً انه لم يبدأ الكلام في أوروبة عن الطبيعة، ومحاولة معرفة ماهية الطبيعة، الا منذ تعرفوا هناك فلسفة ابن سينا. فلما اخذ اسم ابن سينا يتغلغل في أوساط فلاسفة القرون الوسطى الأوروبيين، أخذ يجري الكلام عندهم على مسألة تصنيف الاشياء الطبيعية إلى الحي والجامد، ومسألة الحركة في الطبيعة، إلخ.
ان الحديث عن هذا الدور التاريخي المزدوج للفلسفة العربية، يثير نقطتين رئيستين في مجال الفهم العلمي لتاريخ تطور الفلسفة: أولاهما، كيفية إعادة الحياة للفلسفة اليونانية في عصر الفلسفة العربية.
وثانيتهما، كيفية التأثير الذي مارسته الفلسفة العربية هذه على فلسفة أوروبة القرون الوسطى:
في النقطة الأولى: ينبغي أن نؤكد أن المناخ الاجتماعي والفكري والايديولوجي الذي عاشت فيه الفلسفة اليونانية من جديد، بفرعيها: الاثيني ، والهليني، (الاسكندراني) ، ضمن المعالجات الفلسفية عند العرب، يختلف اختلافا نوعياً عن المناخات الاجتماعية والفكرية والايديولوجية التي ظهرت فيها هذه الفلسفة ونمت وتطورت خلال العصور اليونانية (الاثينية والهلينية). [29]
ومصدر هذا الاختلاف يرجع -في الأساس- إلى اختلاف نمطي العلاقات الاجتماعية بين تلك العصور وعصر الفلسفة العربية – الاسلامية.
ففي حين كانت العلاقات الاجتماعية في عصور اليونان القديمة وروما القديمة تتميز بكونها علاقات مجتمع عبودي ينقسم فيه الناس إلى طبقتين رئيستين: طبقة "السادة" مالكي العبيد، وطبقة العبيد، كانت علاقات المجتمع العربي – الاسلامي تتميز بكونها من نوع علاقات الانتاج الاقطاعية أساساً، بالتداخل مع نضج صيرورة العلاقات التجارية والخدمات المصرفية المتطوة نسبياً، علاقات عضوية في البنية الاقتصادية – الاجتماعية لهذا المجتمع.
ان هذا الاختلاف النوعي أوجد – بالضرورة- فارقا جوهرياً في نوعية قواعد التصنيف الطبقي أولاً، وأوجد -ثانياً- على هذا الأساس نفسه فارقاً كبيراً في تنوع القواعد البشرية للنشاط الثقافي.
ان نوع النشاط العملي الاجتماعي يدخل في أسس العوامل المحددة لنوعية النشاط الثقافي بمختلف أشكاله، ولنوعية المشاركين في هذا النشاط كذلك.
لذا كان من الطبيعي أن تختلف الصورة في المجتمع العربي – الاسلامي عنها في المجتمع اليوناني القديم، وأن يكون هذا الاختلاف شاملاً للقطاع البشري المنتج للثقافة، وللانتاج الثقافي نفسه أيضاً.
وبهذا تختلف الصورة في انقطاع الايديولوجي أخيراً بالضرورة ، ذلك بسبب من الطابع الطبقي الملازم لكل نشاط فكري، كما هو ملازم لكل نشاط اجتماعي وسياسي، والفلسفة هي احد الاشكال العليا للنشاط الفكري.
ان هذه العلاقة الموضوعية ، والعضوية، بين النشاط العملي الاجتماعي والنشاط الفكري، يؤكدها تاريخ المعرفة في اليونان القديمة نفسها.
فلماذا كانت الفلسفة اليونانية – كما هو معلوم- مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمعارف الطبيعية؟
ان ذلك -في الواقع- يرجع إلى أن الفلاسفة اليونانيين الأوائل كانوا من ذوي النشاط العملي: فمنهم كان البحار والتاجر والسياسي. بمعنى أن أفكارهم النظرية ارتبطت، بل كانت مشروطة، بنشاطهم العملي. من هنا نرى ان المعرفة الفلسفية لم تظهر – أول الأمر- في اليونان القديمة، كمعرفة فلسفية صرفاً، بل كمعرفة عن الطبيعة، ثم انتظمت في إطار نظريات أو فرضيات فلسفية. [30]
بناء على هذا الاختلاف النوعي الشامل بين المجتمعين: اليوناني – الروماني القديم من جانب، والعربي – الاسلامي في العصر الوسيط من جانب آخر، كان من غير الطبيعي وغير الواقعي، بوجه مطلق، ان تتعامل الفلسفة العربية مع الفلسفة اليونانية بدلالاتها ومضامينها القديمة نفسها التي كانت لها في ظل المجتمع العبودي الذي زالت أشكال علاقاته الانتاجية، وحلت محلها أشكال علاقات انتاجية من نوع جديد مع أشكال تاريخية جديدة للمعرفة وللتصورات البشرية عن العالم.
ما كان يمكن أن تحتل هذه الفلسفة (أي اليونانية) مكانها في الفكر الفلسفي العربي – الاسلامي دون أن ينالها التغيير والتعديل، سواء في دلالاتها ومضامينها الفلسفية أم في محتوياتها الايديولوجية، لانه ليس من الممكن أن يكون شكل أيديولوجية المجتمع العبودي الوثني هو نفسه شكل أيديولوجية المجتمع الاقطاعي – التجاري الاسلامي الأكثر تنوعاً وتعقيداً من حيث بنيته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن حيث تركيبه الطبقي بخاصة، ثم من حيث نوعية الارتباط الطبقي بعملية الانتاج المادي، ثم -كذلك- من حيث اتساع القاعدة البشرية للنشاط الثقافي ودخول عناصر طبقية جديدة في هذه القاعدة. [31]
قبل ان نذكر المظاهر الملموسة لتأثير الفلسفة العربية على فلسفة القرون الوسطى الأوروبية، علينا أن نحدد الفوارق الاجتماعية التي تنعكس في كل من الفلسفتين.
فانه حين يقال الان: "فلسفة القرون الوسطى" يكون المقصود أولاً فلسفة المجتمع الاقطاعي الأوروبي، وثانياً فلسفة المجتمع الاقطاعي العربي – الاسلامي.
ولكن، بالرغم من أن القاعدة الاجتماعية لكلتا الفلسفتين هي علاقات الانتاج الاقطاعية، أي تشكيلة اجتماعية من نوع واحد، فان الاقطاعية في أوروبة تختلف عن الاقطاعية في الشرق. وهذا الاختلاف حقيقة تاريخية أخذها مؤسسا الماركسية (ماركس، أنجلز) بالحسبان حين أطلقا اصطلاحهما المشهور: "علاقات الانتاج الاسيوي".[32]
وقد انعكس هذا الاختلاف في الفلسفة انعكاساً واضحاً. ومن الملامح التاريخية البارزة التي تشير إلى هذا الواقع وإلى انعكاساته في الفلسفة ، ان أوروبة انقسمت ، بعد انهيار الامبراطورية الرومانية الممركزة، إلى امارات، ثم نشبت الحروب بين هذه الامارات في سبيل تجميع الامارات الصغيرة حول الاقطاعيات الكبيرة، فكان أن نشأ عن ذلك بدء عملية تشكيل القوميات الأوروبية، التي استمرت طوال القرون الوسطى حتى بلغت نهايتها في القرن التاسع عشر.
خلال هذه العملية كان الفاتيكان الأساس الوحيد للتمركز في أوروبة. فتحول – أي الفاتيكان- بذلك إلى دولة تسيطر على الاقطاعيات الأوروبية ، مع بقاء الصفة الدينية المسيحية مميزة له.
هذا في حين كان الأمر على العكس في نطاق الامبراطورية العربية – الاسلامية . اذ كانت دولة خلافة تحكم بصفتها السلطة الدينية والمدنية معاً، فلم تكن هناك سلطتان منفصلتان، وكانت هذه الدولة الشمولية ممثلة للنظام الاجتماعي الاقطاعي بكامله.
وبالعكس، حين أخذت تنشأ الامارات والدويلات المستقلة نسبياً ضمن دولة الخلافة، اخذت تجري عملية تفتيت الاقطاعية الممركزة، وبسط سيطرة الطابع العسكري على التشكيلة الاقطاعية، الذي كان يعمق أسباب ضعفها وتخلف الانتاج الريفي وانهاك القوى المنتجة الريفية.
وبذلك كانت العلامات المميزة للطابع الانتاجي العام تتداخل وتضيع الحدود الواضحة بينها، بحيث لا يتميز هذا الطابع الانتاجي: هل هو ريفي، أم حرفي، أم تجاري، ام هو كل ذلك؟.
ان انعكاسات هذين الواقعين المختلفين، على الفلسفة، كانت تظهر كما يلي:
في أوروبة ظهرت باتجاه لاهوتي صرفا يدور حول قضية وحيدة، هي قضية الله.
وكاد ينحصر التفكير الفلسفي كله، خلال القرون الوسطي، في قضية العلاقة بين الله والمسيح ومريم، بالإضافة إلى قضية: كيف خلق الله العالم؟.
وسادت موضوعة الخلق من عدم مع فكرة التثليث، وفكرة الخطيئة الأصلية للانسان.. وكان الفاتيكان يستند بسلطته إلى هذه الموضوعات الثلاث الأخيرة. [33]
أما في الشرق الاسلامي، فظهرت تلك الانعكاسات باتجاه نحو الانسان والطبيعة من حيث المضمون، وباتجاه نحو الله من حيث الشكل.
فمنذ بدأ التفكير الفلسفي في تاريخ تطور الفكر العربي – الاسلامي، بدأ بقضية الانسان على يد القدرية، ثم المعتزلة الابراز حرية اختيار الانسان ومسؤوليته عن افعاله، في مقابل الجبرية التي ظهرت تعبيراً عن ايديولوجية السلطة الحاكمة باسم الارادة الالهية كقدر محتوم على الناس.
وقد ظلت قضية الانسان هذه من المحاور الاساسية للفلسفة العربية – الاسلامية حتى ابن رشد، أي حتى الذروة التي وصلت اليها بفكر ابن رشد.
لكن الأمر المميز هنا أن معظم المفكرين الذين بنوأ حركة التفكير الفلسفي هم من الفئات الاجتماعية الوسطى، لا سيما فئة المهنيين (لنلحظ أسماء: النظام، العلاف، الخياط، العطار، الغزالي، الخ..) ، فضلاً عن كون معظم هؤلاء أيضاً من أقوام غير عربية، وكون السلطة السياسية في العصر الاموي نظرت اليهم نظرة استعلاء. كل ذلك كان عاملاً في توجيه الفكر الفلسفي، منذ البدء، توجيها أيديولوجياً في معارضة أيديولوجية الدولة القائمة.
وذلك كله كان من عوامل تكوين النزعات المادية في الفلسفة العربية بأشكالها ذات الخصائص التاريخية المتميزة .
ليس عبثاً أن مؤرخي فلسفة القرون الوسطى الأوروبية يحددون انتهاء المرحلة الأولى لهذه الفلسفة وابتداء مرحلتها الثانية بالفترة الزمنية التي تعرف فيها الأوروبيون الفلسفة العربية.
ففي ذلك الحين كان مستوى التطور الاقتصادي في العالم العربي أعلى منه في أوروبة بما لا مجال معه لمقارنة ، إذ كان لا تزال تسيرط في أوروبة بقايا نظام الاقتصاد الطبيعي ضمن الامارات الاقطاعية، مع أن الاقتصاد البضاعي – النقدي كان يتوطد ويزدهر في العالم العربي، ويفتح لنفسه أسواقاً خارجية حتى في بلدان بعيدة كروسيا وبعض بلدان اسكندينافيا .. لذا لم يظهر فلاسفة أوروبيون أثناء تلك المرحلة بالمعنى الدقيق للفلاسفة ، حتى ظهرت فلسفة توما الاكويني (1225 – 1274)، أي بعد نهاية ازدهار الفلسفة العربية. [34]
فقد برز طابع الاتجاه نحو الطبيعة في فلسفة الاكويني متأثراً بالفلسفة العربية حين كانت هذه الفلسفة قد أخذ نفوذها يتسع في أوساط المفكرين الأوروبيين، وكان علماء الطبيعة العرب، أمثال جابر بن حيان والحسن بن الهيثم والخوارزمي وابن سينا، قد بدأت اسماؤهم تتألق في تلك الأوساط وتثير فيها الاحساس بالحاجة إلى الاطلاع على منجزاتهم في الفلك والكيمياء والطب والبصريات والتشريح والرياضيات، رغم ما كان يثار في الأوساط الشعبية الأوروبية من روح العداء للعرب واليهود حينذاك.
كان لظهور النزعات المادية في الفلسفة، علاقة أساسية – كما سبق لنا القول- بالتطور الاقتصادي في العالم العربي، ذلك التطور الذي كان هو الدافع – ابتداء- لتحقيق منجزات علمية وتكنيكية في علوم الطبيعة والرياضيات التي كانت جزءاً من الفلسفة.
من هذا الوجه كان دخول الفلسفة العربية في تاريخ الفكر الأوروبي، وتأثر الفلسفة الأوروبية بها حينذاك، مدخلاً لهذه الفلسفة نحو الاهتمام بالطبيعة. ان هذه البداية كانت الطريق الأولى لتوجه الفلسفة الأوروبية نحو النزعات المادية.
فانه ، بعد أن كانت تسود أوروبة، قبل اتصالها بالفلسفة العربية، نظرية خلق العالم من العدم، بدأت نظرية الفلاسفة العرب (الفارابي، ابن سينا، ابن رشد، وغيرهم..) تتسرب إلى أوساط الفلسفة الأوروبية. نعني بها النظرية التي ترفض فكرة الخلق من العدم. ومنذ عرف الأوروبيون فلسفة ابن سينا، ظلوا يستندون إلى افكاره في الطبيعة ونظرية الخلق حتى نحو القرن الثامن عشر. [35]
وعن طريق الفلسفة العربية (ابن سينا، وابن رشد) دخلت فكرة الحقيقة "المزدوجة" (الحقيقة الفلسفية والحقيقة الدينية) إلى الفلسفة الأوروبية القروسطية، وان كان الواقع ان الفلاسفة العرب لم يكونوا يقصدون هذه "الازدواجية" حقيقة، بل كان ذلك قناعاً لاخفاء فكرتهم عن وحدانية الحقيقة الفلسفية.
وكان من أثر تغلغل تعليم ابن سينا وابن رشد في أوروبة القرون الوسطى أن أخذ المنطق يشغل مكانة كبيرة.
وبعد أن كانت الكنيسة في أوروبة القرون الوسطى لا تعترف بغير الكتاب المقدس مصدراً لمعرفة الله، اعترفت بأرسطو طريقاً أيضاً لهذه المعرفة منذ تعرفت على الفلسفة العربية .
ومن الحقائق التاريخية، في هذا المجال ، ان توما الاكويني تأثر بالفلسفة العربية، اذ درس ابن سينا وابن رشد مدة طويلة، ومنها تعرف أرسو بقراءة الترجمات العربية للفلسفة الارسطية، اذ كان -أي الاكويني- يعرف اللغة العربية.
لقد امتدت الفلسفة العربية إلى فلاسفة عصر النهضة الأوروبية، حتى رأينا مفاهيم ابن سيناء وابن رشد عن سرمدية المادة، وحركتها الدائرية، وتحولات الصورة مع بقاء المادة، تصبح مفاهيم مسلماً بها عند جوردانو برونو (1548 – 1600) مثلاً، وبيترو بومباناري (1464 – 1524) الذي أعدم بتهمة الدعاية اللالحاد استناداً إلى كونه رشدياً. وكذلك الفيلسوف الايطالي الآخر برنارديو تيليزيو (1508 – 1588) الذي تبنى نظرية ابن رشد القائلة بأن الحرارة هي سبب انتقال المادة الجامدة إلى الحياة. [36]
دخلت الفلسفة العربية معركة الصراع الايديولوجي ، منذ بدء تشكلها الأولي عبر أفكار الجماعة المسماة بـ"القدرية" التي رفضت خضوع الانسان لاحكام القدر في الوقت الذي رفضت فيه سيطرة نظام الحكم الاستبدادي المطلق باسم القدر الالهي، ثم عبر افكار المعتزلة الذين واصلوا طريق "القدرية".
وبعد أن تطورت الاشكال الفلسفية إلى منظومات متناسقة على أيدي الكندي والفارابي وأبي بكر الرازي وابن سينا حتى ابن رشد، ارتفع الصراع الايديولوجي، بفضل هؤلاء الفلاسفة، إلى مستوى أعلى فأعلى، وفقاً لتطور الصراع الطبقي المتصاعد كلما اشتد التمايز الاجتماعي، طبقياً وفئوياً، في مجتمع كان يتطور اقتصادياً بدرجات متفاوتة حسب ظروف تاريخية متفاوتة.
وفي ما بعد واصلت الفلسفة العربية خوض هذا الصراع حتى حين انفصلت عن بيئتها التاريخية (البلدان العربية – الاسلامية)، أي حين دخلت أوروبة القرون الوسطى.
ذلك أنها ، في حالتها تلك ، قد ساعدت القوى التقدمية النامية داخل الفلسفة الأوروبية القروسطية، والحديثة أيضاً ، في التوجهات الفلسفية المادية التي كانت محوراً للصراع الايديولوجي في أوروبة بين اللاهوتية المسيحية والعلم.
اما في عصرنا الحاضر ، فقد استأنفت الفلسفة العربية خوضها، من جديد، ميدان الصراع هذا بين قوى البرجوازية العربية الرجعية الموالية والتابعة للامبريالية العالمية، وبين القوى الوطنية والتقدمية المناضلة في معركة التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي – استأنفت الفلسفة العربية خوض هذا الصراع بأسلوب جديد معاصر. [37]
وهذا الكتاب بالذات، كتب كاسهام جدي في توطيد المفاهيم التراثية التي تغني الروح الكفاحية لشعبنا في سبيل التحرر الوطني والاجتماعي في مختلف اقطاره ، وكسلاح فكري بوجه العملية الرجعية التي تجري منذ زمن بعيد، في حقل التراث الفكري العربي، لطمس الوجه التاريخي الصحيح لهذا التراث، قصد العمل لاستمرارية الارتباط بين حاضرنا والفكر المتخلف من ماضينا البعيد.
[1] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص473
[2] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص474
[3] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص475
[4] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص476
[5] يبنى القياس البرهاني عند أرسطو على ثلاثة عناصر: الحد الاصغر، والحد الأكبر ، والحد الأوسط. وتتركب هذه الحدود ضمن مقدمتين، ونتيجة. ويشترط ان تكون المقدمتان مترابطتين، وهما: المقدمة الكبرى (قضية كلية) والمقدمة الصغرى (قضية جزئية). والحد الاصغر هو الذي تتضمنه المقدمة الصغرى. فاذا استخدمنا المثال التقليدي عند المناطقة وفقاً للتركيب الذي اختاره فلاسفة العرب كانت صور القياس هكذا: سقراط انسان + كل انسان فان = سقراط فان.. "الانسان" في هذه المعادلة هو الحد الاوسط. و"سقراط" هو الحد الاصغر ، والمقدمة الأولى في هذا التركيب (سقراط انسان) هي المقدمة الصغرى، وهي قضية جزئية.
[6] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص477
[7] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص484
[8] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص489
[9] لكن الفارابي يناقض نفسه في هذه المسألة، ففي حين يقوم بناء نظامه الفلسفي كله على أساس الفيض الذي يستلزم نفي الخلق من عدم واثبات أزلية العالم بالضرورة وبحكم مدلولات النصوص الفارابية نفسها، نراه في كتابه "الجمع بين رأيي الحكيمين" (الطبعة نفسها، ص100 – 104) يقول بابداع الله العالم من لا شيء (ص101 ، 103 ، 104)، ويقول بأن العالم حادث، بل يصف الظن بكون أرسطو من القائلين بقدم العالم بأنه "الظن القبيح المستنكر" (ص100) .. كيف نفهم هذا التناقض، أو باي قولي الفارابي نأخذ؟ في رأينا أن التناقض هنا ظاهري، وليس حقيقيا. وانما هو طريقة في الدفاع عن النفس وهي طريقة أباحها فلاسفة العرب الاسلاميون لانفسهم آنذاك إلى حد غير مقبول. أما آراؤهم الحقيقة. فهي تلك التي تتضمنها نظرياتهم الفلسفية، لا ما يصرحون به خارج هذه النظريات، والا كانت انظمتهم الفلسفية كلها لاغية.
[10] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص495
[11] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص496
[12] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص505
[13] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص506
[14] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص507
[15] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص508
[16] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص509
[17] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص510
[18] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص536
[19] اسمه الحسين، وبكنى أبا علي، وبلقب في أدبيات الفلسفة العربية بـ"الشيخ الرئيس"، ولد سنة 370 هـ / 980 في قرية "أفشنه" من قرى بخاري ، ونشأ نشأته الأولى في بلدة "خرميتن" التابعة لبخاري اذ كان والده عبدالله بن سينا يتولى ادارتها من قبل الامير الساماني نوح بن منصور، وفي مدينة بخاري نفسها تلقن العلوم على اساتذة خصوصيين في منزل والده ثم على نفسه وبجهده الشخصي، كما يخبرنا هو في سيرة حياته التي أملى شطراً منها على تلميذه أبي عبد الجوزجاني وأكمل شطرها الاخر تلميذه هذا نفسه بعد موت استاذه (نقل هذه السيرة كل من القفطي في كتابه "اخبار العلماء في اخبار الحكماء" ، ص269، وابن أبي أصيبعة في كتابه طبقات الاطباء ج2، ص2 حيث يقول ان ابن سينا ولد سنة 375ه). انتهت حياة ابن سينا في همدان (ايران) سنة 428 ه / 1036 .
[20] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص541
[21] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص548
[22] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص550
[23] لم يعرف عن ابن سينا انه ألف بغير العربية سوى رسالة في مبادئ العلوم أهداها إلى علاء الدولة بن كالويه الذي استولى على همدان وأصفهان (سنة 414 هـ) في دولة البويهيين، وكان ابن سينا قد عمل وزيراً لدى هذا الامير، ورسالة أخرى صغيرة في "النبضات"، وكلتا الرسالتين كتبهما بالفارسية. وهناك رسالة له "في فلسفة الموت" ألفها لأخيه، وتوجد منها نسخة بالفارسية في المتحف البريطاني (راجع كارا دي فو: ابن سينا، ترجمة عادل زعتر، ص149). اما شعره، فلم يذكر أحد من مؤرخي سيرته أو مفهرسي مؤلفاته أنه نظم شيئاً منه بالفارسية سوى بضع قصائد ورباعيات لا تتجاوز خمسة وستين بيتاً، وسائر شعره كله بالعربية (راجع أحمد فؤاد الاهواني: ابن سينا، القاهرة (بدون تاريخ)، ص38).
[24] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص554
[25] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص558
[26] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص559
[27] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص560
[28] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص696
[29] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص705
[30] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص706
[31] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص707
[32] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص708
[33] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص709
[34] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص710
[35] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص711
[36] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص712
[37] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الثاني – ص713

