Menu

المتسلل

نادية سعادة

بوابة الهدف الإخبارية

ميلاد طفل 

تلك الساحة الصغيرة التي تُقابل مدرسة الوكالة في مخيّم جنين ، والأرض التي تُقابلها ، عدّة أماكن تُخبركَ و تُعينك في التذكّر .

لا أحد حولي يعرف من أنا ، أو لماذا جئت هنا ، وليس معي أيّ رسائل مكتوبة ، لكنّه وفاء من قبيل الحياة التي تعدك وتُخلف الميعاد ، لكنني لم أخن وعدا قطعته لنفسي المُتألِّمة .

حين ودّعت عمر في تلك الليلة ، جلس يُخبرني أسماء الأمكنة التي يُريد زيارتها في جنين بالذات .

أحفظُها غيبا تلك الحارات الصغيرة الدافئة ، النسوة  المُزيّنات بنقوش كنعانية باهرة ، على الخصر ، والصدر و أحيانا الرأس.

فجأة خطر ببالي مشهد تلك القابلة التي أسرعت إلى بيت عمر ، لتُشارك الجميع فرحة ميلاده طفلا ، رأيتُ وجه والده بملامح مُنبسطة يُوزّع " الملبس" على الأطفال حوله .

اليوم جاء عمر ، وفرحنا به ، و بدأتُ أخطو معه تلك الساحات المتبعثرة في ذاكرة حزينة .

شاهدتُ " طابات القُماش" ، " طاسات الجلول "، الحجارة تُعارك خطوات الأطفال الراكضة ، و أخيرا العصي الخشبية التي صارت بنادق بقدرة قادر ، و يُدير الصغار اعتى المعارك ليمنعوا الأولاد من الحارة المُجاورة ، والذين تظاهروا أنهم جنود الاحتلال جاؤوا يقتحمون مخيم جنين .

انهالت عليهم ضربات قوية، أدمت رؤوس البعض ، و صرخ عمر في وجه " علي " ، وأنّ يكفّ عصاه عن رأس " أحمد"، وغطت وجهه تعرجات دماء نازفة بسبب تلك العصي الغاضبة .

" يا رجل اندمجت ، جنديّ  ولم أتخيّله غير ذلك "...

صحوتُ على اقتحام الجنود للمخيم هنا ، و دخلت زاوية  " أم محمود ، تلك المرأة المُجْهَدة  _ تبيع المؤن للأهالي ، نقدا و قيدا  على دفتر الديون .

طلبت مني قراءة صفحة فيها دين جارها" خليل "، و بعد القراءة هزت رأسها مُوافقة ، وأنه دين الرجل.

المرة الأولى التي اعرف فيها أنّ تلك المرأة لا تقرأ ولا تكتب ، وتطلب من الصغار كتابة قيود دين الزبائن.

شعرتُ بنعاس شديد ، فعدتُ إلى غرفتي فوق سطح دار عمي ، وأنا أفكّر ، و تمرّ خيالات ذاك الماضي البعيد ، وعلى أقدام عرجاء ، و أُردّد لنفسي :  كان عمر طفلا...

١

ما زالت تلك المكاتب مهجورة ، بعض خطوات لأطفال يحملون الحجارة ، ويُلقونها على تلك الشبابيك المُنتصبة بالظلم و الخداع .

كان الفلسطينيّون يقفون في صفوف أو طوابير ، وصامتون كأنّ على رؤوسهم الطير ، وينتظرون دخولهم للتسجيل في جداول العمالة لدى جيش الاحتلال.

كنتُ خائفا عندما أخبرني عمر نيّته تكسير ذاك المكتب الغريب ، الذي يسرق الشباب تحت ذريعة لقمة العيش .

الساعة السادسة صباحا ، بعض العتمة تُغطّي جوانب الحارة القبليّة في حي المراح ، و رإيتُ بين شقوق الصباح صديقي عمر ابن العاشرة  يتسلّل للشارع الخلفيّ لمكتب العمل الإسرائيلي، وكنتُ معه ، و صديق لنا اسمه محمود .

كُنّا نحمل " قُفّة " حجارة  ، وجلسنا على درج مدرسة الوكالة ، وبدأنا باستخدام مناجيقنا البدائيّة نهدّ تلك الشبابيك المُعتدية على العرق الفلسطيني .

استمرت المهمة أكثر من نصف ساعة ، وبدأت سيارات للجيش تدخل الحي ، وهربنا إلى زقاق داخلية ، نقفز من زاوية إلى أخرى ومن سطح بيت لبيت آخر ، حتى انزلق عمر عن ماسورة بيت عمه ، و حملناه إلى بيته ، وحين رأينا أمه على باب دارهم ، كذبنا وأخبرناها كنا نلعب في ساحة مدرسة الوكالة، و تعربشنا على أسوارها ، ثم وقع عمر .

تلك الحانية نظرت إلينا نظرة كأنها تعرف ، و ببساطة قالت لنا عيونها  : والله في سر ، وأنا قلت لنفسي: ليس سرا أننا لا نطيق الاحتلال ، وأن يذهب شبابنا إلى الكيبوتسات ، يتذللوا بين أقدام العُداة ،  وتمدّدنا في الليوان الداخلي لبيت عمر ، حيث كان جدّه بشواربه السميكة يبتسم لنا ، و لكنّنا قلقنا من اقتحام الجيش لبيوت الجيران بسبب ما فعلناه في ذلك الصباح الشجاع ، و أشرقت الشمس على رائحة لمناقيش زعتر ، وصراخ نساء قريبات ، هجم الجيش على بيوتهن ، لنزع بعض الرّجال .

 

٢

 

مدرسة الوكالة ، سورها الملتصق بمكتب العمل، بمدخل ضيق لحيّنا الجميل ، بخطوات لماضٍ يظهر بقرب حين يزور الغائبين هنا .

كلما دخلت الحي من هذا المدخل الضيق رأيت عمر قادما يبتسم ، يسألني : غائب ، أين تختفي ، لماذا لا تُشاركنا سهرات السمر...!

" السمر "، كلمة السر بيننا ، حين نتبادل أخبار الشباب في تلك المغر المختبئة في هضاب النسيان ، حيث بطون البلاد تستعد لأيّ قادم .

سمعته يهمس في أذن محمود قبل أن تلفظه الدنيا لتلك الزاوية الغامضة ، الموت المُبكّر لطفل نخرته تلك الخلايا السوداء ، و بكينا طوال الليل والنهار والأعوام القادمة .

كنتُ في تلك الليلة الصافية، شديدة البرد _ نائما عند دار خالي محمد ، ولا اعرف كيف عرف عمر ذلك ، لكنه لم يعجز يوما على توقع أمكنة تواجدنا نحن أشقياء جنين، المخيم والبلد .

طُرق باب دار خالي بعنف ، وحين فتح خالي الباب ، كان عمر يلهث ، و أمر خالي : اسحب ابن أختك وتعالوا...

كانت بانتظارنا سيارة فيها شابان ملثمان ، و توجهنا نحو جنين البلد عبر طريق بعيدة متطرفة ، و أخيرا وصلنا تلك المغارة التاريخية ، والتي ستشهد حكايات لنا في زمن قريب صعب .

كان الشاب غارقا بدمائه ، وشاب ملثم يشد على جرح قدمه ، الذي كان ينزف بعنف ، الشرائط كانت تملأ المكان ، ورائحة الدم .

وضع عمر حقيبة الإسعاف أمام خالي ، الذي فتح الحقيبة وأخرج المشارط والخيوط والمقصات ، وبدأ يُخرج الرصاص ،

و يخيط الجروح و التفسخّات الشديدة ، و يضع الكحول بسخاء فوق قدمه.

دخل الشاب في إغماءة على ما يبدو، شدة النزف  ، و أعلن خالي بثقة : يحتاج مستشفى...!

لم اعرف خالي في تلك الليلة ، كان فدائيا يسعف بمهارة لا نظير لها .

حملنا الشاب إلى السيارة وعدنا نفس الطريق ، حتى وصلنا المستشفى ، و استطاع خالي الحصول على غرفة وستر و وحدات دم .

لكن الغريب والسؤال الذي يتردد في ذهني : لماذا لم يُحضروه إلى المستشفى مباشرة ، وحين سألت عمر، قال لي :

" بعدين... بعدين...

٣

في صباح يوم السبت حيث تتسابق خطواتنا نحو تلك الزاوية  ، لنشتري الفلافل ، ونشرب الشاي بالميرمية ، و نتحدث مع لطفي صاحب المحل ، نستمع لأحاديثه الشيّقة ، عن تلك الأيام الخوالي ، قبل احتلال المدينة سنة ١٩٦٧ .

تخيّلت خطوات النساء بلباسهن الجنيني المميز ، بالدمية  و عصبة الرأس ، وأصواتهن الجادة حين يذكرن الأيام العصيبة ، حين يقتحم الجيش مخيم جنين، وأحياء البلدة  الوادعة .

كنتُ متلهفّا  لتلك الرحلة الجبليّة ، وعدني يومها عمر  أن يُريني شيئا ما سيعجبني جدا .

لم تُغمض لي عين حتى ساعة تأخرت للثانية صباحا ، كنتُ أفكر ما هذا الشيء المُبهر في تلك المغر النائية ؟

استيقظنا فجرا  عمر و جعفر وأنا ، و كانت تلك الحقيبة التاريخية المُلازمة لنا في رحلاتنا الجبليّة الصباحية .

في بداية طريق المُغر صادفنا غزال صغير ، و رأيته يضحك ، لكنّ عمر قال لي هي قشعريرة البرد ، وتشنج وجه الغزال ردة فعل تكيفيّة في الشتاء !

كنت راغبا في توثيق تلك الملاحظة لعمر ، لكنّ ما رأيته سحب تفكيري في اتجاه آخر تماما ، واحتفظت بصمتي طوال ساعة ، وأنا أتأمّل تلك السمراء المتمددة بين الأغصان والأوراق الجافة والتراب الطيني اللزج ، وكلّ ما أريد معرفته  : ماقصة السمراء الجنينية ، و هل أحضرنا عمر إليها زوّاراً  ، ثمّ  يكون لنا ما نريد من تلك المحاولة ، وتبديل الصمت الخائف بالفعل الواثب ، وضحكتُ في سري  حيث صرتُ كغزال يخطو وثبا ، و يرجو أن يضمّ تلك السمراء ، ويسمع دويّ جمر بارودها ، يخترقُ صدور العابرين ، ومن بيوتنا إلى مغتصبات بيوتهم .

أشعرُ الآن بلذة غريبة ، بشعور نادر اختلط برائحة تراب شتويّ، سيختبئ هو الآخر في مغارة علي بابا والأربعين حرامي .

آه يا عمر ، معقول أننا هم علي بابا  ونحن والباقي اللصوص الذين يستبدلون خاءنا بحاء شيننا بسين  ، و تمردّت يدي لتنزع فتيل ذاك البارود الهامد ، و ثنيتُ كوعي على كوعها ، لينطلق الرصاص ، وصرخ عمر وجعفر :

_ يا مجنون لسنا اليهود ، الحق علينا...

نزع عمر مني البندقية ، و أعادها مدفنها الرطب المنزوي ، ثمّ نظر إليّ مُعاتبا  ،  ونطق تلك الجوهرة أخيرا ، لكلّ رصاصة أجل ، ولم يحن أجلها بعد...

 

٤

 

السهرات هنا تُشبه الجلوس تحت القمر ، والمشي تحت المطر ، و التسامر وقت السهر ، و مع كاسات الشاي المُحلّاة بسكر الأمهات الحانيات ، برائحة الميرمية مرة أخرى ، نجلسُ مثل أولادٍ صغار ينتظرون العيد ، و قدوم الزائرين ،  و تلك " العيديّات " ،  والكلمات المنتقاة مثل الذهب " العصملي ".

حين عبرت شارع بيتنا القديم في حي المراح ، كلّ ما كنتُ ما أريده فقط تلك السهرة الأخيرة ، وقبل ختمة القدس .

هكذا أسميها ، الليلة الأخيرة  قبل تلك الحادثة ، حيث ارتدّ السحر على الساحر ، و استطاع بعض الرّجال الدخول لتلك الزاوية ، وإشعال فتيل الغضب ، وقد حان أجلها .

لماذا كنتُ مَقْصيِّاً ؟  ألاو يستطيع الأعرج إشعال فتيل الغضب ، ربما بسبب ساعة الهرب بعد تلك اللحظة المقضيّة ، سأكون عائقا ، وعبئا ماديا على رجال كالغزلان  ، و شعرتُ بالأسى حتى دُقّ باب بيتنا ، وحين فتح والدي الباب ،  نادى بصوت غليظ ثابت :

_  تعال شوف صحابك يابا....

كانوا مرهقين جدا ، نظراتهم فيها يقظة عجيبة ، تجعلك تسرح إلى ما لا نهاية ، ويبدو أنّ أحدهم قد وقع وارتضّت قدمه اليسرى ، و أحضرتُ الثلج ، و بدأتُ تهدئة الوجع ، والاستماع لزجل الآخر المُبتسم ، عمر وهو يُردّد  :" نخليها بعودة "..

نفس الابتسامة حين قصف صدام حسين تل أبيب ، و الصوت يتردُد في رواق الليوان الواسع في بيتنا القديم .

يشبه صوته الذي امتدّ من جنين إلى صوفيا ، وأستغرب كيف حفظ على تلك الابتسامة عبر أكثر من عشرين عاما .

اندهشت عندما استيقظت صباحا ولم أجدهم ،  و كان والدي عائدا من صلاة الفجر .

حقيقة لم اسأله أين ذهب الشباب، شعرت بسخافة السؤال ، و ضرورة أن أعرف وحدي وجهتهم  و غدهم القادم .

توجُهت للورشة ، و جلست على كرسي قش أعدّه لي جدي ذات يوم ، و عرفت من الجيران المتواجدين في دكاكين حيّنا .

قبض الجيش على ثلاثة شباب  أرعبوا مستوطنين كانوا يصلون في القدس ، لم أفهم كيف يُصلي الإنسان المُعتدي ؟

ما نوع آيات صلاته ؟ ماذا يقول حين يدقّ رأسه رأس المسروق المُنْتَهَك ؟

لا صلاة لمعتدي ، لغاصب بيت و تاريخ ومكان ، اشتعلتُ غضبا ، وفرحت أنّ العشاء الأخير كان في بيتنا ، وأسرعت لأرى أبي ، و قبّلتُ يديه و رأسه ، ثم بكيت بحرقة مفارق للأصدقاء و الخلّان .

5

 

بدأت القصة عند سور مدرسة الوكالة للبنات ، حيث تتمايل شبرات طالبات يلبسن المراييل ، يتأنقن بالشَبَر ، وحقائب ب" دفّة واحدة "، وأشرق الصباح على مظاهرات يوم الأرض .

" كانت حنين تبتسم كلما مرّ عمر ، و كان عمر يبتعد بوجهه كلما ابتسمت ، و يرمي الحجارة على جنديّين يقفان مثل القضاء المستعجل في شارع ضيّق أمام المدرسة .

الحجر حامي الابتسامة والشارع و الأضواء المنتظرة في أيّ مساء هنا .

تكثر شجيرات الياسمين هنا ، كأنها جنة صغيرة ، فيها الأمهات راعيات جميلات للياسمين و أغنيات السمر الطويل هنا .

" يا أبو جديلة سمرة

وشايك معادي

تشربه حدانا

و الصبح تهادي

راحل ترمي رصاصك

على القدس تنادي

تودعك صبايا متخبيات

ورا الشبابيك شايفات

قدم تمشي عالشوك

صبره حلو في الجايات

تسقطُ حنين  على تراب البلد ، و تُغْلَقُ المدرسة بحواجز اسمنتية ، بعض ملامح الصغار هنا تتسآل  :  أين الثنائي الشرس اللذين كانا يُدافعان عن تلك الابتسامة الواثقة ؟

كان عمر حزينا تمرّ ملامح ذاك الوجه مبتسما وميتا ، وظنّ لا شيء يُعادل تلك الحياة ، التي نقف فيها مُدافعين بلا مُقابل عن أغلى ما نملك .

استغرب من نفسه ، وما الذي هزّه ، وقوع تلك البنت على الأرض بسبب رفس الجنود للمتظاهرين ، أم بكاؤها المرير عوضا عن الابتسامة في ذاك اليوم الحامي ؟

وحين توجّه للقدس ، زادت غرابة تفكيره ، وكيف يمكن له حماية ما أحبّه في جنين البلد ، بما أضمره للغريب في طرقات القدس القديمة...!

ظلّ سارحا هائما على وجهه ، و أجبر رفيقيه على رحلته الدامية ، و عاتب صديقه  : يا رجل " بدك ترجعنا على جنين نجيب لامك كيس طحين..؟ "

6

استغربت نظراته المتجوّلة في زوايا غرفتنا هنا ، و كنتُ ممتنا للأقدار التي جمعتنا هنا عدة أيام قبل تفرقتنا إلى غرف أخرى .

بالنسبة لي هي غرفة ، رغم حاجتها  لنوافذ وشمس و جدران وأشياء أخرى .

هي المكان الذي يُحيطك بالصمت والقهر والحرمان ، تختفي فجأة الأشياء الجميلة فجأة ، أمك وأبوك ، أخوتك وأخواتك ، استيقاظك على جنون صاحب لك يأتيك ليسألك  : " معك حك بكيت دخان..!

_ " يا زلمة مصحيني عشان هيك "

كنت أقنع نفسي أنها غرفة من نوع خاص ، ستزهر فيها بعض حكايات العمر ، على بابها جيش من الحرّاس ، ربما يهابونك ليلا ، وتجرّك مخاوفهم للغرفة الأخرى البائسة ، حيث يشتد حصار من نوع لئيم .

في بيتنا كنتُ أتخانق مع أمي في أيّ لحظة أشمّ رائحة ما لا تعجبني ، مثلا انحرق البصل أو الثوم ، أو يد إبريق الشاي .

هنا تتعود النتانة وتضحك من نفسك كيف كنت تعذّب أمك بسبب تلك الروائح  و تندم أحيانا لأنك كنت تخلق المشاكل بأيّ وقت ، ودون انتباه لجهد وتعب تلك المرأة الأسطورية ، التي تستقبل نزقك و اندفاعك بحب وصبر بلا نهاية  .

لكن تعود لي تلك الحمية المشروعة ، و أننا الآن كفدائيين ندافع عن البيوت المحرومة من العز والفخار ، ونمنع تلك العاديات ان يبدلن تاريخنا ، أو إلغاء وجودنا الطبيعي حيث ولد الآباء والأجداد .

نستحقّ تماما دموع الأمهات ، انتظار الحبيبات ، الانتصار المهيب بعد كل رصاصة في رأس ، لكننا حتما لا نستحق هذه الغرفة التي مرّ تاريخ الظلم ، باسمها الخانق ، زنزانة.

كان صديقي يُقسِّم الكلمة عدة أقسام ، ويتسلّى حين يُردّد...

زن... زانة   ،  الزن من النق والثرثرة حين نغضب أو ننضغط ، نفتعل الكلام لنثير غضب من نكلمه ، أما الزانة فهي تلك الشجرة التي تملك جذعا قويا، حوّله فأس الحطّاب لخشب يبيعه للنجاريين ، يصنعون الكراسي و الخزائن ، والزانة هي أسطوانة صغيرة من تلك الشجرة الصلبة  .

الصمت هنا زن ، أما تفاصيل الزانة هنا مختلفة تماما ، وملابسنا المتسخة معلّقة على حدائد يملؤها الصدأ ، بلا حنين .

الزانة تسند جراحنا المتسخة بعرق كثيف ، جعل كل ليالينا هنا جنونا مطبقا ، مثل ظلامها ، ورطوبتها ، و بكيت حين أدركت أننا هنا حتى آخر العمر...

7

عندما تكون وحدك في عتمة الزنزانة ، الصورة الأولى في مخيّلتك  هي أمك ، ثمّ أمك، ثم أبوك .

يبدأ الصباح بصوتها يوقظك ، وعندما تفتح عيونك ، تجد نفسك بين أربعة جدران ، و صينية مكسّرة عليها طبق من طعام قذر، وربما حشرة تتحداك ، و تُخبرك ، لا أم لك هنا ، ولا يحنّ عليك أحد ، عليك أن تبقى حيّاً بأقل المُتاح .

قلب عمر الصينية ، وبدأ بالصراخ يُنادي الرجل الحارس ، المتشبث بنجمة و سلاح محمول بإهمال ، فماذا يفعل له شاب مُقيّد  خلف باب حديدي ثقيل ؟

جاء الحارس ونظر من الشبك الصغير المُتاح ، الموجود في الجزء الأعلى من باب الزنزانة ، وسأل عمر : لم يُعجبك الطعام ، يا ابن الكلب ، لماذا لم تفكر بحالك هذه عندما قتلت....

جلس عمر يُفكّر ، لا طعام ولا كتاب ولا صوت أمي ، و فُتح الباب ، و تمّ سحبه لقسم آخر بعيد عن قسم رفاقه ، إلى قسم السجناء الذين يقضون أحكاما جنائية...

كانت رائحة القسم نتنة جدا ، وبدأ الرجال هنا يُضايقون عمر ، لكنه استطاع بعدة لكمات  أن يلجم عدوانهم ، و خلال عدة ساعات صار الآمر الناهي هُنا ، وبدأ يتحدث لهم  عن حقهم في الحصول على حياة أفضل ، و أنه سيعلمهم القراءة والكتابة، بعد أن يعرف مستواهم ، و بدأ يُحدثهم عن مغامراته في مغر جنين، وهم يجلسون في حلقة ضيقة ، يستمعون باهتمام لشرحه وتمثيله تلك المواقف الجريئة بين الصخور و الغزلان وجيش الاحتلال .

قضى عمر أسبوعا كاملا  يُحاول تثقيف الرجال هنا ، و أعطاهم بداية الطريق ليعيشوا كما يعيش الإنسان الحر ، حتى لو كان مُذنبا ، و بدأ عصيان مدني في القسم الجنائي .

بالنسبة لمدير السجن فقد عقله تقريبا ، فبينما  كان يُعاقب هذا الشاب الصلب ، استطاع عمر خلال أسبوع خلق بؤرة عصيان ، تُطالب بالطعام النظيف والمُعاملة اللائقة بإنسان ولو كان مُذنبا .

لم يمرّ ذلك النهار إلا بمجزرة انتهت بموت سجين جنائي ، وإصابات بالغة بين السجناء ، وبرغم حاجة عمر للعلاج ، تم اقتياده لزنزانة يستطيع فيها فقط الجلوس ، وهذا يعني عذابا متواصلا ، أن تُجبر إنسانا على جلوس طويل ، أظنّ ذلك يعني أذى لعموده الفقري لفترة طويلة قادمة .

برغم الجلوس الإجباري ، غرق عمر في نوم طويل ، وشعر أنه مريح وهذا ما احتاجه بعد معركة استمرت لساعات وجنود السجن .

في تلك الرحلة ، وهو نائم  رأى والده يُعاتبه :

"_ يابا انت وين ما بتروح بتنظم الناس ، هدول حرامية يابا "

ويردّ عمر مبتسما :

"_ مش حرامية أكثر من هذول يابا ، الي سرقوا البلاد... "

8

أمي " أم عاطف " تلك المرأة التي تزيّنت بالصبر ، حين سُجن ولديها عمر وحمزة ، كانت دائمة الابتسام ، كأنها تزور الفقيدين في قصرهما المُنيف ، وهذه الزيارة إذا أُتيحت أصلا .

كلامها المستمر عبر فواصل الزجاج اللعين ، خبيئة المرأة الصامتة، لينجوَ الأمل في صدر من تُحب .

تذكّر عمر كلمات أمه  " أم عاطف "  في زيارتها التي كانت لهما بعد ستة أو سبعة أشهر .

" نحن بخير يا عمر، مشتاقين لمزحك ، للعرايس بالطابون ، لأغانيك و حركاتك بالدار ".

ضميرُ أيّ رجل يُدافع عن وجوده الماضي والحاضر والمستقبل هو قلب أمه ، وحين يحزن على عذابه وظلمه وسجنه .

التعذيب، السحل، والعزل القاسي لم تؤثّر في صمود عمر  ، ولم يلمح أحد دموعه، إلا في تلك الليلة ، وبعد زيارة صباحية لأمه ،

ظلّ شيء ينخز ضميره، وأنّه سبب لألم تلك المرأة اللطيفة ، التي تملك دفء رغيف خبز، وعلى كفّين من تعب .

تذكّر تلك الأيام ، التي كانت أمه فيها أمام طوابين الخبز والزرب ، بينما كان يُلاحقُ بعض الشواهين في الجبال القريبة .

لم يتركه وجه أمه إلا فجر صباح ذاك اليوم العجيب ، حين استيقظ الجميع على صياح وفزع الأسرى في عنبر الجنائيين .

عراك انتهى بموت شاب  ،  و بجرح شفرة قطعت أوردته بوحشية لا مثيل لها .

" عصافير" السجن ، بدأت تُزقزق بتلك المآسي اليومية، التي تحرمُ الإنسان حقه الطبيعي في الحياة والوجود .

بدأ عمر بتوزيع نشرات تثقيفية  تتعلق بكلّ شيء تقريبا ، النظافة، الطعام، الحياة، الفرح، التعامل مع الزيارات ، غير تلك الاستشارات العابرة للأسرى بخصوص عائلاتهم و معاناتهم المستمرة .

عصافير السجن نقلت أخبار ذاك الشاب الذي قلب الأسر لجمهورية صغيرة ، يحيا فيها الرفاق بالأمل والثقافة .

إدارة السجن عزلته للمرة  رقم.... ،  نسي عمر تلك المرات ، وتألّم جدا حين عرف هوية العصفور والذي حرمه رفقة طيبة ، هم أخوته و شركاؤه في حب فلسطين .

في تلك الليالي القاسية ، كان مُجبرا على النوم جالسا  ، ورأسه مثنيّة لانخفاض سقف الغرفة ، الغرفة لا تصف زنزانة الانفرادي بشكل دقيق ، لكنها كلمة لتسهيل وصف الأبعاد الصعبة  التي استخدمها المحتل ليسرق حق الأسير في بيته الوثير الخارجي.

أنُ تحبس رجلا يُدافع عن أرضه، تلك وسيلة للضغط والعقاب، والعبرة للآخرين ، فترى أحكام قاسية وطويلة، تعكس أسلوبا طويل الأثر  لإجرام المحتل الصهيوني .

ينزعك من بيتك وأهلك ، و يضعك في زنزانة حقيرة ، ويخبرك كل يوم تلك خاتمة الحرب و الحياة .

لكنّ الأسير الفلسطيني تفوّق على محتله ، و زرع نفسه بالأمل ، وأسّس جمهورية كاملة تعلّم فيها ، وعلّم غيره من القراءة والكتابة، حتى بناء متين ، ولم يستسلم لمحتله إلا حين غفا ، يرتاح في نهاية يوم لمُقاتل...

9

العيد ، تلك البشرى العظيمة  ، للمجلس الأول عند مجرى ماءٍ للتروية ، لاندماج المعاناة بالصبر بالحب.

كأنّ سارة تجلس بين ظهرانيها تلك المأثرة ، تُعطيك فترضى .

يجتمع الصغار هنا عند ظلّ الحج أحمد شبيطة ، يروي قصة نحر أول أضحية، حين خضع إبراهيم لأمر ربه ، فاستبدله رأس أول نحر عظيم.

كانت سيول الدماء تمشي متأهبة أمام عدة ثكنات و عنابر ، وصوت غثاء الخرفان يستنجدن بشيء بعيد خلف هذه الصحراء القاحلة .

كان الرفاق هنا يعرفون  لن تكون إلا رؤوسهم أضاحي الصمت ، وإذا تبادلوا فرح العيد المغبون هنا _ تكون معجزة الأحتفال .

بدت رؤوس الخرفان اليدوية جميلة ، تترنح بين أصابع الموهبين هنا ، وحين بدأ عمر مسرحيته في جزئها الأول ، بدأ أحد الأسرى بالصراخ ، و يداه تعصران بطنه  ، حتى وقع على الأرض ، ولم يتحرك رأسه المنتفخ إلا بين يدي رفيق له حاول إسعافه بلا جدوى.

و تناوب الأسرى على الصراخ و الاستنجاد بسبب تلك الأوجاع المفاجئة ، ويبدو أنّ إدارة السجن وضعت بدل القمح سم فئران أو خميرة فاسدة ، و تمّ نقل عدد كبير منهم بسيارات مجنزرة إلا عمر و سجينين آخرين  لم يمسّوا طعام الغداء اليوم ؛ بسبب تلك الرائحة النتنة .

في تلك الليلة كان الانتظار يُشبه الموت ، وفعلا تقلّص عدد الأسرى إلى النصف بين ميت وحالة خطرة ، أما باقي الأسرى استمروا عدة أيام بلا طعام ، يتحدثون إلى خراف العيد اليدوية ، يذبحونها، ويضعون رؤوسها الخشبية على صواني بلاستيك مكسرة ، ويبدأ عمر أكل الأرز ، و يعاتب زميله

_ رزك محروق يا زلمة

ينفجر الجميع بالضحك ، وفي زاوية العنبر  يبكي " صالح" مثل الأطفال ، وشعروا بالندم لأنهم أهملوا حقيقة وجود أخيه في المستشفى ينتظر مصيرا غامضا ، و تحلّقوا حوله يواسونه  ، و لكن عمر لم يقتنع أنّ الحزن يُداوي الحزن ، فبدأ يدغدغ قدميه حتى انفجر صالح ضاحكا ، وبدأ يوزّع ما بقي من رؤوس خرفان في صواني ممددة على أرضية مشقّقة ، وتذكر أمه حين كانت تُغني له... خروفي يا خروفي. ،بسبب شعره الكث المُجعّد  ، بلون بياض من يولدون هكذا بالطبيعة والوراثة .

في صباح اليوم الثاني من العيد ، جاءت أخبار تؤكد وفاة عدد من الأسرى ، بسبب جرثومة غامضة في الخبز  ، و تواجد عدد منهم في وحدة العناية المكثفة ، وأعلن الشباب اضرابا مفتوحا عن الطعام ....

 

10

 

في تلك الليلة الماطرة ، سمع الأسرى طقطقات لزائر عزيز ، كانت حبّات المطر تضربُ حنايا السقوف المُهترئة ، و تُحيي أرواحهم الأرِقة بسبب الجوع والعزل و شدّة المُصاب .

تأتيهم أسوأ الأخبار من زوّارهم ، مات نصف العائلة وهم في أسرهم ، الجدّات الحزينات ، الأجداد الصابرون ، الآباء المفجوعون ، الأمهات الحاسرات .

جلس عمر يقرأ ، لم يُركّز ماذا كان يقرأ ، لكن حاول قضاء الوقت وهو يمرّ على عشرات الصفحات ، سارحا في مستقبل قريب لن يكون في أسره ، هكذا أقنع نفسه .

أزعجه هذيان كريم " سلم حية "، لقبه العجيب من تلك اللعبة التي لعبها مع الجميع تقريبا ، وعندما اقترب منه يسأله  :

_ تلعب معي...؟

رمقه بغضب ، و أشار لسليم... أبعده عني ، قرفان حالي....

لم تكن عادة عمر ، ولا أسلوبه، فماذا كان ينتظر بعد كل هذا الوقت الضائع... ؟

عندما وقع كريم على الأرض يزبد ويتشنج بسبب نوبة صرع قوية ، بكى عمر ليس فقط بسبب وخز ضميره ، وعن إقصائه له وقت العصر ، لكنّه شعر بحتمية التخلص من الجدران الأربعة الإجبارية ، و أن لا يستسلم لقوة هو لا يعترف بها ، و مفروضة عليه بسبب قانون الكبار ، في عالم ليس لنا _ رسمه للرفاق غسان كنفاني _ في تلك الواقعة الماضية ، حين كان على بعض الرّجل تحمّل تبعات تحرير أرض لملايين من الفلسطينيين .

حين استيقظ كريم من نوبة الصرع ، لم يُشعره عمر بالعطف أو الشفقة ، ولم يحاول الاقتراب منه أو محادثته ، لكنه جمع الرّجال ، وبدأ يُحدّثهم عن " رجال في الشمس "، وبدأ كريم يسرد لعمر كيف تمّ اعتقاله  ، وبعد تسلله الخط الأخضر كعامل باطون ، واتهمته أنه ينوي خطف مواطنين من مغتصبة تطل على " عرّابة البطوف "...

أعلن عمر كقائد للرجال هنا عن ليلة استثنائية للعب " السلم والحيّة "، الغريب بعد توزيع تلك اللعبة بعدد نسخ عشر بين الشباب ، واندمجوا وهم يُلقون " حجر الزهرة " ظلوا حتى الفجر ، رافضين الهزيمة ، وحتى عمر انخرط في هلوسة الهزيمة والنصر ، وانتبه آخر الوقت أنّ كريم غارق في شخير متواصل عالٍ ، وغاظه أن يلعب من أجله ، ويدفع الشباب للعب ورئيس اللعبة و صانع كرتونة اللعبة بكلّ نسخها نائما .

أخفى عمر تلك الكراتين  عن عين كريم ، لعدة أيام ، لكن الرجل محترف تشكيل تلك الكراتين بالرسوم المعروفة ، السلالم، الأفاعي أو الحيايا  ،  و وقف عمر أمام تلك المعجزات الصغيرة محتارا ، حتى جاء يوم انتصف فيه أيلول ،  و وقع كريم وقعة صدمت جمجمته بأرضية السجن ، ولم يفق بعدها أبدا .

قضى كريم أربعين يوما في غيبوبة ، مُقيّدا بحراسة مشددة ، كانت زوجته " إكرام"، تجلس على أبواب المستشفى ، في يدها يد أخرى أصغر لطفلة اسمها  " سلوى ".

ظلّت سلوى تبكي ، ربما كانت جائعة أو تشعر بدنو أجل والدها الكريم .

لا أحد يعرف كيف يتوقع طفل أو طفلة الخطر المحيق بأب أو أم.

على أيّ حال توقفت الطفلة عن الصراخ منتصف ليلة الخامس والعشرين من تشرين أول ، في تلك اللحظة أعلن جيش الاحتلال موت كريم " سلم حيّة "، ورفض تسليمه لأخويه ، و كان رقمه مجهولا للجميع ، لكنّ الطفلة الصغيرة ظلّت تُردّد سبعة.... سبعة ،

و غرقت إكرام في بكاء محموم ، لا تُصدّق أنها أصبحت أرملة ، أمّا يُتم ابنتها فقصة أخرى ، كأنّ المسألة أضحت وراثية، فقد ربّت كريم أرملة ، وعاش يتيما منذ السادسة من عمره ، وتذكرت كلامه قبل يومين من اعتقاله :

_ خايف تتربى سلوى يتيمة...

يتبع في الجزء الثاني: الهروب..