حوار مع عضوُّ المكتبِ السياسيّ للحزبِ الشيوعيّ السودان ي فتحي الفضل..
* في ضوءِ الواقعِ القائمِ في السودانِ منذ انطلاقِ الثورةِ في ديسمبر 2018، وتطوّراته المتلاحقة، كيف تقرأون المشهدَ السودانيّ في هذا اللحظة؟
** منذ عامَ 2013، عندما احتدم الصراعُ الطبقيّ والسياسيّ بين القوى السياسيّةِ في صفوفِ المعارضة مخيّمةً ومنفردةً في مواجهة نظام الإخوان المسلمين... بدا واضحًا أنّ النظامَ الدكتاتوريّ قد وصل إلى نهايته، وطريق القوى الجذريّة المتحالفة مع الحزب الشيوعي استمرار النضال لإسقاط النظام وتفكيكه وتصفيته... وخرجت الجماهير الفقيرة في العاصمة وبقيّة مدن السودان في هبة سبتمبر 2013.
كانت هبّة سبتمبر الشرارة الجماهيريّة الأولى التي اندلعت وتحدّت سطوة وسلطة وردع نظام الأخوان المسلمين وأدخلت الرعب ليس فقط في أركان النظام، بل في صفوف أطرافٍ من المعارضة اليمينيّة، حيث تمكّنت الجماهير مدّةَ أسبوعٍ كاملٍ من السيطرة على الشارع، وهربت قيادات النظام من العاصمة وحاولت بعض القوى اليمينية الدعوة للتهدئة ولم تنجح في ذلك... لكن بتدخّلِ قوى الدعم السريع واستعمال أفظع أساليب القمع والبطش... وقتل ما يزيد عن 300 شهيدٍ واعتقال قيادات الانتفاضة من الشباب والسياسيين؛ تمكّنت أجهزة القمع والأمن من إخماد تلك الهبة.
دلالة تلك الهبة تأكّد للجميع أنّ النظام بشكله في ذلك الوقت لا يمكنه الاستمرار، وأنّه في حاجةٍ إلى تجديد دمائه، وفتح المجال بمشاركة قوى أخرى من المعارضة... ووجد المجتمع الدوليّ ضالته في "مشروع الهبوط الناعم" الذي يفسح الطريق لبعض القوى للانضمام للنظام والمشاركة في الحكم، ويساعد ذلك في توسيع قاعدته الاجتماعيّة.
تذكّرنا التَّجرِبةُ مرّةً ومرّات في المواجهات المستمرّة بين قوى المعارضة والنظام، بأنّه وبعد كل مواجهةٍ يفتح النظام بتوجيهٍ من المجتمع الدوليّ الأبوابَ لحوارٍ مع أطراف المعارضة التي تنسجم مصالحها بهذا القدر أو ذاك مع سياسة النظام ومصالح المجتمع الدولي.
لقد تعلمت الجماهير من تجاربها السابقة، لذا فالوضعُ الآنَ يختلفُ عن الماضي بوجود قوًى جذريّةٍ تعمل في تناغمٍ عبرَ برامجَ جماهيريّةٍ تصعيديّةٍ لإسقاط النظام وتفكيكه وتصفيته... وتحمل شعار "لا اتفاق، لا شراكة ولا مساومة" ويترسّخ في أفئدة الثوار ونشاطهم ومطالبهم.. ورغم ظهور انقساماتٍ في صفوف المعارضة على المستوى القيادي، إلا أن توجّه الحزب الشيوعي، ومنذ يناير 2018، العمل داخل القواعد الشعبيّة وبناء لجان المقاومة المعارضة على مستويات العمل والسكن والدراسة... وبروز تجمّع المهنيّين كتنظيمٍ ووعاءٍ يجمع العاملين متحالفًا مع لجان المقاومة ولجان التسيير لبناء النقابات وبعض منظّمات المجتمع المدنيّ، وهذا التحالف الجديد الذي بدأ في الظهور يحتاج السير نحو العمل لبناء المركز الموحّد لقيادة الحراك الجماهيريّ المتّجه لإسقاط حكم الطغمة العسكريّة القائمة، وبناء سلطة الشعب في الحكم المدني الديمقراطي الكامل.
* بعد ثلاثِ سنواتٍ على الثورة، هل الطريقةُ التي حكم بها عمر البشير والتحالفات التي أنشأها مستمرة رغم غيابه خلف قضبان السجن؟ وما مآلات الثورة؟
** ثلاثُ سنواتٍ من استمرار الحراك الجماهيري العارم، حفرت أركان نظام البشير وهزمت تحالفاته، لكن لفشل القيادة التي تصدّت لتنفيذ أهداف الثورة وقَبولها ضغوط المجتمع الدوليّ والقوى الإقليميّة... مع استمرار بقايا النظام، خاصةً في القوّات المسلّحة والأمن والدعم السريع والشرطة والمليشيات تملك السلاح الذي ترفعه في وجه المقاومة السلميّة، ومن الجانب الآخر، فإنّ تحالف اللجنة الأمنيّة مع بعض قيادات الحركات المسلّحة عبرَ اتّفاق جوبا يبرز كمركزٍ جديدٍ للقوى المعادية للثورة.
الاتّجاه العام للثوّار هو بناءُ تحالفاتهم وتصليبها، والدفع بمقدراتهم تجاهَ تغيير ميزان القوى لمصلحة الثورة، وهذا يتطلّب أن يؤدي الحزب الشيوعي دوره كاملًا في تنظيم هذه القوى وتعبئتها وبلورة برنامجها الثوري وبناء المركز الموحّد لقيادة الثورة نحو التغيير الجذري.. مع التفاعل الأوسع مع قضايا الجماهير في المجالات كافةً، وبثّ الوعي والتنظيم لبناء أوسع جبهةٍ جماهيريّةٍ تقودها النواة الفاعلة والأكثر جذريّة لمقاومة وهزيمة الطغمة العسكرية.
* بعض القوى المدنيّة السودانيّة تطالب بإسقاط الانقلاب وإقامة الحكم المدني الديمقراطي، وترفض إعادة تجربة الشراكة مع العسكر، وتدعو لعودة العسكر إلى الثكنات وحلّ المليشيات وجيوش الحركات التي أسهمت في الانقلاب وشاركت في القمع الوحشي للثوّار، هل باعتقادكم ذلك يكفي أم أنّ المسألة الجوهرية تطال بِنية النظام السياسي بكليّته؟
** المشهدُ السياسي الآنَ يختلف جذريًّا عمّا كان عليه قبل أشهر، حيث استطاع التحالف والنشاط المشترك للفرق الأكثر تقدّمًا من فرض أجندة ملامح برنامجٍ وطنيٍّ تلتفّ حوله غالبيةُ جماهير شعبنا.. كان الخلاف حول مسألة الشراكة مع اللجنة الأمنيّة، حيث رأت بعض أحزاب المعارضة: الأمة والمؤتمر السوداني والاتحادي المعارض ومجموعات البعث والناصريين، أنّه لا يمكن للفترة الانتقاليّة أن تصلَ لنهايتها دون وجود هذه الشراكة، لكن بالضغط الجماهيري المستمر والدور المتميّز للجان المقاومة وتجمّع المهنيّين وبقيّة قوى الثورة... فرضت الجماهير على قيادات هذه الأحزاب موقفًا وطنيًّا مغايرًا، ومن ثَمَّ أصبح بالإمكان الآنَ الحديث عن إمكانية جبهةٍ عريضة... لكن لا بدّ من التنبيه والإشارة إلى أن الخلافات بين الحزب الشيوعي وبعض قوى المعارضة مستمرة، فالآنَ مثلًا طرحت الأمم المتحدة عبرَ مبعوثها الخاص مبادرة للحوار بين كل القوى السياسية بما فيها اللجنة الأمنية والحركات المسلحة وقد قاد ذلك إلى بروز نقاط الخلاف خاصة مع قيادة حزب الأمة.
الحزب الشيوعي يطرح برنامج الحد الأدنى لتوحيد قوى الجبهة العريضة، لكنه وفي الوقت نفسه يحمل برنامجه الذي يرمي إلى إقامة سلطة الجبهة الوطنية الديمقراطية، التي تقود البلاد في طريق التنمية المستقلة وركل التبعية وإشراك الجماهير الفاعلة في إدارة الدولة عبر ممثلين في أماكن التخطيط والتنفيذ، وديمقراطية تقود البلاد إلى مشارف البناء الاشتراكي، وهذا يعتمد على تأهيل الحزب الشيوعي لقيادة تحالف قوى الجبهة الوطنية الديمقراطية وإقناع أطراف التحالف بذلك... وتأهيل الطبقة العاملة، لكي تقوم بدورها الريادي في التحالف بجانب صغار المزارعين والعمال الزراعيين والمثقفين الثوريين، وهذا يستلزم مد قنوات الحزب الجماهيرية وضمان فعاليتها لتصل القواعد الشعبية وتعمل على تعبئتها ومشاركتها في المعارك القادمة.
* بين الفينةِ والأخرى تبرز بعض التباينات والاختلافات بين مكونات قوى الحرية والتغيير (رغم موقفكم المتميز في الحزب الشيوعي السوداني وانسحابكم منها)، ألا تخشون من تصاعد تلك التباينات والاختلافات إلى درجة الانقسامات التي بدورها ستؤثر على المسار الثوري لحساب استمرار الديكتاتوريّة العسكريّة الإمساك بعنق الدولة؟
** لقد أجبتُ على جزء من السؤال في إجاباتنا السابقة، لكن من المهم الإشارة إلى أن تنسيقية تحالف قوى الحرية والتغيير، تتكوّن من أحزاب وقوى طبقيّة وسياسيّة مختلفة، أحزاب مرتبطة برأسمال وبقايا الإقطاع وهناك أحزاب البرجوازية الصغيرة، وكل هذه القوى معرّضة في أي امتحانٍ ثوريٍّ للتراجع وتغيير المواقف والمواقع، وهذا ما خلنا نشهده في السنوات الماضية.
المسألةُ الآنَ هي بناءُ الأرضية الجماهيريّة الصلبة من القوى الأكثر تقدمًا، بحيث تجبر هذه القوى؛ القيادات للانصياع واحترام مطالب قواعدها الجماهيرية. نحن نعمل منذ شهور على بناء التحالفات القاعدية من تحت لفوق، بديلًا عن اللقاءات الضيقة المعزولة في غرفٍ بعيدةٍ عن أعين ورقابة الجماهير.. شعارنا كان وما زال من الجماهير وإليها.. نتعلم منها ونعلمها.
* هناك مخاوف من فشل الثورة كما كان مآل الثورات العربية الأخرى، هل لديكم شيء من هذه المخاوف؟ وكيف يمكن تحصين الثورة وقواها على طريق تحقيق أهدافها المعلنة؟
** في تقديرنا أن الوضع في السودان يختلف كثيرًا عن غالبية البلدان الأخرى، وتقاليد الحركة الجماهيريّة مختلفة ودور القوى الثورية مختلف كذلك، هذا مدعاة للثقة والتقدم بجسارة نحو الهدف الأسمى وهو تفكيك وتصفية النظام.
الوضعُ الآنَ هو وضعٌ ثوريّ، تقوم فيه القوى الجذريّة بدورٍ رائد، وتجتهد في بناء أدواتها الثورية بحيث تستطيع أن تسير في درب تحويل الوضع الثوري إلى ثورة. بالطبع - وهذا ممكن - أن يتحوّل الوضع الثوريّ إلى ردّة، لكن المسألة ليست مرتبطةً بجسارة وشجاعة الحراك القاعدي، ولكن بدرجة التنظيم والتعبئة.. الوضع الآن معقّد، لكن يمكننا القولُ بأنّ العامل الموضوعي قد نضج، لكن إذا كان العامل الذاتي غير جاهز لتحويل الوضع الثوري إلى ثورة – كما حدث في غالبية الحركات الاجتماعيّة الأخرى – فإنّه في ظلّ الهزة العميقة لأركان الأنظمة البائدة تنشأ خطورة حالة الفراغ التي قد تملأها قوى أخرى، كما شهدنا ذلك في مصر وتونس... نحن نضع تلك التجارب أمامنا ونسعى لتجنب السلبيات.
النقطة الأساسية أنه في السودان في انتفاضة أبريل 85 كان هناك حراك جماهيري عالي، لكن لم تستطع الجماهير أن تصل إلى هدفها في التغيير الجذري لعدم وجود قيادةٍ سياسيّةٍ تقوم بالدور الريادي في إدارة نشاط الجماهير وتنظيمها... المهمّ أنّ الماركسيّة تعلّمنا أنّ الثورة تعني التغيير الجذري، وهذا يستدعي وجود البرنامج الثوريّ والقيادة الثوريّة المجرّبة للوصول إلى أهداف الثورة.
* في ضوءِ الأوضاع الاقتصاديّة والمعيشيّة الصعبة التي يرزح تحتها أغلبيّة الشعب السوداني، التي تفاقمت أكثر منذ اندلاع الثورة واستمرار التعامل الرسمي بالسياسات النيوليبرالية في هذا الجانب، هل يمكن أن تصل القيطعة بين الشعب والنظام السياسي إلى مراحل اللاعودة، وتأسيس البديل المبني على مفاهيم التوزيع العادل للثورة والمساواة في الفرص...؟
** للحزب الشيوعي والقوى المتحالفة معه برنامجٌ اقتصاديٌّ إسعافيٌّ مبنيٌّ على اعتماد الاقتصاد المختلط، على أن تتولى الدولة ملكية وإدارة القطاعات الاستراتيجيّة، أي الاعتماد على الذات ورفض ومقاومة تطبيق سياسات السوق الحر وما تفرضه من تبعيةٍ اقتصاديّةٍ ونهبٍ للموارد وقدرات السودان.
يتضمن ذلك إعادة دور الحركة التعاونية، وتحفيز القطاع الخاص المُنتج وحماية الإنتاج المحلي الزراعي والصناعي. فاسترجاع واستعادة مؤسّسات ومرافق الدولة التي تمّت خصّصتها في العهد البائد وإعادة تأهيل المؤسّسات والمشاريع الزراعيّة القوميّة، هذه بعض ملامح البرنامج الإسعافيّ.
* كانت من أولى الخطوات التي أقدمت عليها الديكتاتوريّة العسكريّة التطبيع مع العدوّ الصهيونيّ، ألا ترى أنّ التدخّلَ الخليجيّ الإماراتيّ والسعوديّ مارس دورًا تمهيديًّا في هذه الخطوات وصولًا إلى التطبيع الفعلي؟ وإذا كان ذلك ما جرى؛ فما رؤيتكم لمواجهة الدور الخارجي الذي أثّر على المسار الوطنيّ والقوميّ لموقف السودان التاريخيّ من الصراع العربي – الصهيوني؟
** الموقفُ المشينُ الذي بدأه المكوّن العسكري وفرضه على حكومته الفترة الانتقالية له شقّان: من جهةٍ استجابت السلطة بشقيها للضغط الخارجي من حكومات الخليج – السعوديّة والإمارات – والتدخّل المباشر للإدارة الأمريكيّة السابقة، الشقّ الأوّل: ارتباط فكرة التطبيع بفكّ عزلة السودان الخارجيّة وسحب اسمه من قائمة الإرهاب.. والشق الآخر: الوعود بإلغاء الديون. وحاولت السلطة بيع سياسة التطبيع من هذه الزاوية، لكنها لم تجد أي تأييدٍ شعبي، بل أصبحت مسألة إلغاء التطبيع مع الكيان الصهيوني أحد أهم مطالب الحراك الشعبي.. الغريب في المسألة أنّه رغم أن أغلب الأحزاب السياسية المشاركة في الحكومتين الانتقاليتين - حزب الأمة والبعث الأصل (التابع للعراق) والبعث القومي والناصريين – لها موقفٌ واضحٌ من مسألة التطبيع مع إسرائيل، إلا أنّها لم ترفع موقفها ضدّ سياسة السلطة.
محليًّا المسألة محلولة؛ إذ لم تعد هناك متابعةٌ لخطوات التطبيع، حيث وضّح أنّ الشارع السوداني لن يقبل بذلك، وما وُقّع مع إسرائيل سينتهي آجلًا أو عاجلًا، لكن على المستوى العربي لا بدَّ من بناء حركةٍ عربيّةٍ واسعةٍ تعتمدُ على قوى اليسار في دحر وهزيمة التطبيع مع إسرائيل.

