Menu

إطلالة على رواية: أوكسيجين للروائي الفلسطيني مروان عبد العال

محمد صالح التومي - المعروفي

أخيرًا توصّلتُ برواية "أوكسيجين"، وأمكنني أن أعيش في أجوائها السردية، يسعدني دائمًا أن أقرأ إبداعات الرفيق الروائي مروان عبد العال، فنصوصه الروائية تعبق دائمًا بروائح الوفاء لفلسطين وبالشوق لزيتونها ولزعترها ولبرتقالها، وكثيرًا ما قلتُ له لوحده أو أمام الناس في مناسبات جمعتنا بتونس أو بدمشق إنه يكتب أدبًا يجمع بين الأسلوب الروائي للكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس وللكاتب " الأمريكي" الجنوبي، غارسيا ماركيز، بل ويسعى علاوة على ذلك إلى السير على الدرب الذي نحته الشهيد غسان كنفاني ؛ يشترك كل من مروان عبد العال والشهيد غسان كنفاني في محاولة الانطلاق من أعلى درجات الالتزام السياسي والتعبير الجمالي من خلال ذلك عن وقائع التغريبة الفلسطينية بما يعتلج في أرحامها من مآس وآلام نتيجة الإجرام الصهيوني، ولكن كذلك من آمال تنبثق من مختلف أشكال المقاومات لهذا الإجرام الذي يكتسي بطابع خاص قلّما أنتج مثله التاريخ البشري، كونه يُعتبر عملية استحواذ على وطن بأسره لشعب عاش به على امتداد القرون، وهو ما لا نجد مثيلًا له إلا في المأساة التي تعرضت لها شعوب الإينكا والمايا والآزتاك بالقارة الآندية التي زعموا اكتشافها وأسموها باطلا "أمريكا " على اسم أمريكو فاسبوتشي أحد المجرمين من غزاتها.

يغوص بك أدب مروان عبد العال عادة في حياة المخيمات الفلسطينية، وهي مآوي الشقاء المفروضة على شعبنا الفلسطيني بعد تشريده قسرا، ولكنها المآوي التي يحفظون بداخلها رغم ذلك مفاتيح بيوتهم المسروقة، وكافة معالم تراثهم التاريخي ويربون فيها الأمل جيلا بعد جيل للعودة إلى فلسطين وإلى يافا وحيفا والجليل والخليل...؛ توقعت أن أجد رواية تحكي عن أجواء هذه المخيمات التي يبدو أن كاتبنا تربى فيها فألهمته سبيله في الحياة... ولكنني وجدتُ الكاتب ينتقل بقرائه إلى مأوى جديد هو ملجأ "من درجة السبعة نجوم" اسمه "جنة الحياة" ويقع بالبلاد التونسية، تلك البلاد التي آوت الثوار الفلسطينيين بكل حفاوة بعد طردهم بقوة السلاح سنة 1982 من لبنان إثر غزوها من طرف العدو الصهيوني تحقيقًا لهذه الغاية بالذات. وتونس كما هو معلوم هي البلاد التي لم يشفوا من حبها حسب عبارة محمود درويش، ولكن هي البلاد التي غادروها بمقتضى اتفاقية " أوسلو" المشؤومة التي "انزلقت" إليها أقدام بعض قياداتهم... فاتضح عند النهاية -وكما تفطن البعض إلى ذلك منذ البداية- أنها اتفاقية ظالمة أفضت بهم فقط إلى "التنسيق الأمني" وإلى مزيد من القضم للأراضي بواسطة المغتصبات التي تُسمى تمويهًا " مستوطنات"... أي إنه اتضح أنها أفضت بهم إلى سراب.

تقع الرواية في مائتين وخمسة من الصفحات، وقد صدرت في شهر تموز / جويلية 2019، وأهداها صاحبها "إلى الإنسان العادي الذي قرر أن يتحوّل إلى أثير"، وهو إهداء غير عادي داخل رواية "غير عادية" هي الأخرى تجدُّ أحداثها بمدينة من مدن تونس اسمها زغوان، وهي مدينة تقع بالشمال التونسي، وكان ابتناها" المورسكيون " أو " الأندلسيون" الفارون سنة 1492 من اضطهاد محاكم التفتيش التي أقامها فرديناند وإيليزبات بعد طردهم للعرب من ديارهم ... في هذه المدينة أقيم قرب معبد مياهها الشهير وزاوية الصوفي " سيدي علي عزوز" مأوى من صنف "السبعة نجوم"، حيث يتحرك شخوص الرواية من الصبي الضرير إلى "الست بشيرة" أو"الدكتاتورة" ، هكذا تسمى حسب مواقف الناس منها، وصولًا إلى المحامي الخليلي... الذي يمكن اعتباره بطل الرواية بامتياز، يلتقط القارئ مآثر هذا البطل، ووقائع حياته العجيبة من داخل السرد الروائي الذي تمتاز به كتابات الأديب مروان عبد العال: فهذا الكاتب يعرض عليك الوقائع في قالب كلمات متقاطعة أو فلنقل في قالب لعبة الأحاجي المسماة "بوزل" بلغة الفرنجة، حيث يجب عليك التقاط أجزاء اللعبة المتناثرة أمامك والنجاح في تركيبها وتصفيفها جزءًا بعد آخر كي تظفر بالحل النهائي، و تفك لغز الأحجية المعروضة على أنظارك وعقلك ووجدانك ... وهكذا تفهم مثلًا أن "جنة الحياة" ما هو إلا "مخيم" من نوع جديد، لا أكثر ولا أقل، وأنه رغم نجومه "السبعة" يفتقر إلى أهم شيء بالنسبة إلى من يؤويهم ألا وهو " الأوكسجين"، بل إن أزمة الأوكسجين ستندلع في رحابه أثناء السرد في أجواء يخيل للقارئ بأنها شبيهة تمامًا، ماديًا، بالأجواء التي عاشتها البشرية بداية من سنة 2020 مع جائحة الكوفيد بما صاحبها من لهاث الناس تفتيشًا عن آلات الأوكسجين، ثم موتهم نتيجة نقص هذه المادة، وهذا استشراف غريب، لأن الكاتب كتب روايته قبل الجائحة بعام كامل على الأقل؛ وتفضي بك أجواء الرواية- التي نترك مهمة اكتشاف تفاصيلها لقرائها- إلى أن تفهم أن ما يجعل من تحتضنهم "جنة الحياة" يلهثون.. إنما هو "اختناقهم بأنفاسهم" إذ تطاردهم الرغبة في العودة إلى "أمهم الأرض" لأنه لا يرضيهم "البحث عن ديار أخرى، وهواء آخر، وشمس جديدة"... فذلك بالضبط ما يخنقهم، ويجعلهم يفتقرون إلى "الأوكسجين"... وهذا ما تبوح به مديرة المأوى إلى المحامي القادم من الخليل، وهي تحتضر، و"جسدها النحيل المغلف بالسحاب يجف كقشرة برتقال "حيث تقول له" ما أثقل حقيبة السفر"! وتكشف له أن " الكميات الكبيرة من الأوكسجين محجوزة تحت تلة نابليون"... هناك في فلسطين، وأن "المروج الخضراء" لزغوان، رغم الروائح الفواحة لزهرة "النسري" الذي يداوي التونسيون بالماء المستخرج منها أتعاب قلوبهم... لا يجب أن تمنع "كل لاجئ خائب من أن يفتح أبوابه للإنسان الذي سُلب منه "... ما دام "قلب التراب ما زال يخفق" باللاجئين، بعد أن "خرجوا" منه، أو بالأحرى... أُخرجوا عنوة منه... فمن ينسى وطنه لا مأوى له كي يحتضنه ويُؤويه.

 إنها رواية جديرة حقًا بأن تُقرأ... فهكذا وجدتها شخصيا بعد طول انتظار... ومرة أخرى لقد أحجمتُ قصداً في هذه الإطلالة عن الغوص في التفاصيل كي لا أمسّ من متعة قراءتها بالنسبة للذين أتمنى لهم أن يقرأوها...

273828420_453900699796421_8562713275280697230_n.jpg
273897428_1025578254662539_9107552709531639897_n.jpg