Menu

تقريرجرائم قتل النساء في غزة.. عندما يُنصَف الجلّاد وتجلد الضحية

أحلام عيد

خاص بوابة الهدف

قيّد يديها، انهال على جسدها الضئيل بالضربات واللّكمات، ضربةً تلو الأخرى، تارةً في الرأس وتارةً أخرى في صدرها الهش الذي سرعان ما تحطمت عظامه بين يديه، علت صرخاتها تستغيث، لكن دون استجابة، أطفالها يراقبونها وهي تلتقط أنفاسها الأخيرة، تجمّدت الدماء في عروقهم هلعاً وذعرا، وفجأةً غاب الصوت الذي صرخ طويلاً، ماتت نهى اخزيق على يد زوجها الذي عاشت معه حياةً ذليلة.

نهى التي كان زوجها يعنفها بشكل مستمر، استمعت إلى أصوات النَاس من حولها، واختارت البقاء، فكيف تجلب العار إلى نفسها وتصبح "مطلقة" في مجتمع لا يرحم المطلقات، كيف تتقدم إلى الشرطة وتقدم شكواها "عيب" فهو والد بناتها، فما بين "العار" و"العيب" وجلب الفضائح، استبيح دمها وفارقت الحياة، نهى "عاشت مهمومة وماتت مقتولة" وفقاً لتصريحٍ لشقيقتها

قصص كثيرة تحدث في غياهب غزة التي شهدت على جرائم قتل عديدة بحق فتيات من بينهنّ قاصرات، فتاةٌ دُفنت حيّة وامرأة أخرى قتلت على مرأى أبنائها، جرائم عديدة تستر عليها الحاكم والجلاد ومعظمها مرّ دون عقاب، والقليل منها لقي أحكاماً مخففة.

 

النّساء قرابين

من جانبها أفادت الباحثة في وحدة المرأة بالمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ماجدة شحادة، خلال مقابلة مع "بوابة الهدف"، بأنّ جريمة مقتل السيدة نهى اخزيق، ليست الجريمة الأولى من هذا النّوع حيث تم تسجيل العديد من الجرائم المماثلة في قطاع غزة التي غالباً ما تكون ضحيتها امرأة قتلت على يد شقيقها أو والدها أو زوجها.

ولفتت إلى أنّ هناك عدد من الدوافع الغير مبررة للقتل، من بينها الوضع الاقتصادي الذي فرض شكله البشع على التركيبة الأسرية والذي خلق حالة من استباحة النساء من قبل المجتمع الذكوري الذي حمّل المرأة وزر الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السيئة، حتى فأصبحت النساء قرابيناً للأوضاع المزرية.

وأوضحت أنّ هناك ضعف كبير في القوانين، وأنّ الوضع القانوني "مهلهل"، وعاجز حتى عن فرض عقوبات على الجُناة، وتابعت: "أغلب حالات القتل التي حدثت بين النّساء لم يكن هناك عقوبات رادعة للجاني".

وفي السّياق ذاته، أشارت شحادة إلى أنّ مجتمعنا الفلسطيني لا يولي اهتماماً بخبر قتل المرأة بصورة تتناسب مع فداحة الحدث وبشاعة الجريمة، وكأنّ قتل النساء بات أمراً طبيعياً.

وقالت شحادة "أنه لا يوجد إحصائيات وأرقام دقيقة لعدد ونسب النّساء المعنّفات، حيث تخشى النّساء من التبليغ أو التشكي عن العنف الذي يرتكب بحقهن،وذلك لعدة أسباب أبرزها فقدان الثقة وغياب الدعم الأسري، حيث يضغط الأهل على المرأة للقبول بالعيش بظروف سيئة بحجة الحفاظ على الأسرة والأبناء".

وأضافت: "نحن بحاجة إلى منظومة متكاملة توفر حماية للضحية، بدءاً من وجود قانون رادع يعاقب مرتكبي العنف بحق المرأة، إضافةً لتنفيذ برامج توعوية حول حقوق المرأة، وإدخال ملحقات توعوية في المنهاج الفلسطيني تبدأ منذ الصغر".

دوافع وانعكاسات

بدورها دحضت الأخصائية النّفسية، علياء أبو مريم، الأسباب السيكولوجية وراء العنف التي روج لها قديمًا، حيث انتشرت معلومات خاطئة أن الرجل بطبيعته التكوينية والبيولوجية يميل إلى العنف نتيجة الزيادة في هرمون التستوستيرون عند الرجل واستدركت "لكن هذه معلومات مغلوطة تعزز فكرة العنف وتبررها، فالدراسات والأبحاث الطبية أثبتت أنه لا يوجد ارتباط وأي علاقة بين سلوك العنف وهرمون التستوستيرون"، وقالت أنّ " أسباب العنف ترجع بشكل أساسي إلى عوامل ثقافية وعوامل اجتماعية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتنشئة الاجتماعية"

وأشارت إلى أنّ الثقافة السائدة في المجتمع قائمة على التسلط والعنف امتدادًا من التنشئة الاجتماعية في الأسرة التي تعد اللبنة الأولى والأكثر تأثيرًا على حياة الطفل منذ الصغر حتى يصل إلى سن الرشد، فبناءً على الثقافة السائدة يتم تهيئة الطفل الذكر والطفلة الأنثى على أدوار اجتماعية موزعة جندرياً.

كما أرجعت الأخصائية النفسية لدى جمعية عائشة، علياء أبو مريم، أسباب تنامي ظاهرة العنف بحق المرأة إلى الزواج المبكر والزواج القسري، الذي كرّس العنف في المجتمع، داعيةً الأهالي لعدم تزويج الفتيات في سن مبكر أو إجبارهن على الزواج من شريك لا ترغبن به، "علاوة على ذلك نحن بحاجة إلى ضوابط قانونية تقوم بضبط وتجريم الشخص الذي يعنف أو يعتدي على الزوجة والأبناء ومن المهم دمج محاربة العنف في المناهج التعليمية والعاملين في قطاع الإعاقة والحقوق ومؤسسات المجتمع المدني والإعلام".

وشددت على ضرورة تنظيم جلسات توعوية للرجال عن خطورة العنف ضد المرأة وتوضيح أهمية توزيع الأدوار الاجتماعية داخل الاسرة، ونوّهت إلى أنّ الرجل في مجتمعنا يتعرض لضغوطات نفسية إضافية يحتاج فيها إلى جلسات صحة نفسية أو جلسات دعم نفسي، مؤكدةً على أهمية تحسين صورة الصحة النفسية والوصم الاجتماعي عن الأخصائي النفسي أو الطبيب النفسي وتوضيح أهميتها كأهم جوانب الصحة الشمولية وخاصة عند الرجال.

وحول انعكاسات ممارسة العنف وأثره على المرأة، أوضحت الأخصائية النفسيّة أبو مريم، أنّ التعرّض للعنف يجعل المرأة في صراع نفسي لانخفاض شعورها بالأمن والحماية، كم يؤدي العنف الجسدي لتعرضها لإصابات جسدية قد تصل إلى الموت، علاوةً على أنّ التعرض للعنف قد يزيد من رغبة المرأة في الانتحار والتخلص من الحياة، كما قد يزيد من نسب احتمال إصابتها بالاضطرابات النفسية المزمنة.

 وأكدت على أن آثار العنف المرتكب بحق المرأة على المجتمع، لا تقل خطورة عن الآثار النفسية، حيث يرفع من نسب انتشار الجريمة، بسبب التفكّك الأسري الذي ينعكس بشكل مباشر على الأطفال في الأسرة وعلى المجتمع ككل.

مُنع من النشر

وخلال إعداد التقرير تواصلت الهدف مع الباحث محمد أبو هاشم الذي أعدّ ورقةً بحثية حملت عنوان "قتل النّساء بدافع جنساني" سلط خلالها الضوء على الثغرات القانونية والإجرائية، ليتفاجأ باستدعائه من قبل مباحث المؤسسات.

كما أوضح أبو هاشم أنّه تم منع ورقته البحثية من النشر، والتي تناول خلالها قضية قتل النساء من خلال العنف الأسري أو من خلال العنف بحجة الشرف، لافتاً إلى أنّ الورقة هدفت لتوعية المجتمع الفلسطيني حول خطورة ارتكاب جرائم القتل بحق المرأة.

وأعرب أبو هاشم عن استنكاره منع نشر الورقة التي استندت على معطيات ومصادر رسمية مثل المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ومركز المرأة الإرشادي القانوني والاجتماعي في الضفة المحتلة، وأفاد بأنّه "تم عقد جلسة مساءلة مع الجهات الرسمية لمناقشة ورقة الحقائق مع وزارة الداخلية، ليتفاجأ بعد الجلسة بقرار منع نشر الورقة، واستدعائه للتحقيق.

وأشار أبو هاشم إلى أنّ قرار الاستدعاء جاء بسبب بعض الملاحظات التي كشفتها الورقة والتي تتعلق ببعض القوانين التي تم إقرارها في قطاع غزة والتي تمثل ثغرات قانونية، تُفلت الجاني من المعاقبة والمحاسبة وفق الشرط الجزائي، ما يساعد على استمرار جرائم القتل.

ومن بين الملاحظات التي تقدمت بها الورقة البحثية، الاعتراض على عدم إقرار التعديلات التي أجراها الرئيس الفلسطيني في جرائم الشرف، إضافةً لغياب الحساسية الجندرية لدى الجهات القانونية في قطاع غزة، "حيث يتم التستر على جرائم القتل بأنها انتحار أو قتل بدافع الشرف وفي الأساس يكون القتل بدافع حرمان المرأة من الحصول على الميراث أو لخلافات عائلية أخرى".

وقدّم أبو هاشم خطوات عمليّة للحد من الظاهرة تمثلت في إقرار قانون حماية الأسرة واعتماد التعديلات التي قام بها الرئيس من العقوبات التي لا تسمح بتخفيف عقوبة جرائم القتل التي تقوم على قضايا الشرف، مشدّدًا على ضرورة تدريب الكوادر القضائية والشرطية على الحساسية الجندرية.

تطبيع للظاهرة

في الوقت الذي تطالب به نساء العالم بالحصول على حقوق مساويةٍ مع الرجل وبأن يحكمن سياسات العالم، تطالب المرأة الفلسطينية بأدنى حقوقها المشروعة "الحق في الحياة"، وتحت ذريعة الذكورة "الجنس المتفوق" تنتزع حقوقها الأخرى، ويُمارس بحقها كافة أشكال العنف الجسدي والنفسي والرمزي، ويغدو تعنيفها أمراً طبيعياً واعتيادي.

فوفقًا لدراسة أعدها المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية، بلغ عدد حالات قتل النساء في الأراضي الفلسطينية خلال العام 2019، 23 حالة، وارتفعت النسبة في العام 2020 في ظل جائحة كورونا حيث بلغ عدد حالات القتل (38) امرأة وفتاة، ويمر ذلك في ظل صمتٍ مطبق يبشّر بجرائم جديدة وضحايا أُخَر.