Menu

تقريرالحملة الروسية على أوكرانيا: ماذا ولماذا؟

أوكرانيا

خاص بوابة الهدف

قبيل الساعة الرابعة من فجر يوم الخميس 24-2-2022 أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن إطلاق عملية عسكرية في إقليم الدونباس، وهو ما أعقبه توضيحات من قيادات إقليمي لوغانسك ودونيتسك المستقلتين بأنّ أهداف العملية هي تأمين سيادة الإقليمين وتحرير أراضيها من القوات الأوكرانيّة.

ومع ذلك فإنّ خطاب الرئيس الروسي عن الحرب كان بمثابة مطالعة تاريخيّة للمسار الذي أوصل لهذه الحرب منذ انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، مركّزًا على اضطرار بلاده لهذه المواجهة دفاعًا عن أمنها ووجودها.

لماذا تهاجم روسيا أوكرانيا؟

خلال فترة الحرب الباردة كان الضامن لعدم مبادرة أي من الولايات المتحدة أو السوفييت للحرب ضد الآخر هو قدرة كل منهما على التدمير التام لخصمه حتى لو تلقى ضربة كبرى في بداية الحرب، وفي هذا السياق تطورت مفاهيم ونظريات الأمن القومي لكلا المعسكرين، ورغم انهيار الاتحاد السوفياتي فقد ورثت روسيا هذه المعادلة مرغمة، حيث كانت الرؤية الغربية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة ترتكز على محاولة الهيمنة على روسيا، ومد الوجود المباشر لحلف الناتو لدول الاتحاد السوفياتي السابق.

المشروع الرئيسي لحلف الناتو الذي لا زال يشكّل محورًا لعمله حتى الآن في القارة الأوروبية هو مشروع الدرع الصاروخي، والذي يشكّل إخلالاً خطيرًا بمعادلة الردع المتبادل، حيث يمثل نشر قدرات الدفاع الجوي للولايات المتحدة وحلف الناتو في الدول المجاورة لروسيا قدرة الناتو على تدمير أي صاروخ روسي قبل وصوله لهدفه، بما يعني أيضًا قدرة الناتو على توجيه ضربة نووية لروسيا دون خشية من رد فعلها، أمّا تمكّن الناتو من نشر أسلحة هجومية على أراضي دولة مثل أوكرانيا فيمثل وضع سكين على حلق روسيا يمكّن الناتو من تدميرها في أي لحظة والاستمرار في ابتزازها وتهديدها في كل لحظة، أي نزع سيادة روسيا وربما نزع أسلحتها والهيمنة عليها للأبد، وهذا تحديدًا ما يدركه الروس وقاموا بالتفاوض مع الغربيين حوله في جولات متكررة، وتلقوا تعهدات بعدم توسّع الناتو شرقًا وعدم ضمه لدول جديدة مجاورة لروسيا، لكن هذه التعهدات ذهبت أدراج الرياح، فمجرد وجود نظام معادٍ لروسيا يحكم أوكرانيا يمثل تجاوزًا لأي خطٍ أحمر سابق، كييف ليست بودابست أو بوخارست، ولكنها مدينة قاتل فيها الروس بجوار الأوكران، وهذه الطائرات التي تتقاتل في الجو كما القواعد الجوية التي يجري تدميرها قد بنيت في إطار شراكة الشعبين ضمن الاتحاد السوفياتي الذي شكّل مظلة لحماية هذه الشعوب من التهديد الغربي.

ما حاول الروس فعله خلال السنوات الماضية هو بناء شراكة مع الدول الأوروبية الغربية قوامها المصالح المشتركة للطرفين، بما يشكّل حاجزًا سياسيًا أمام السياسات العدائية، وقد تحقق الكثير من التقدّم بهذا الاتجاه، ولكن الضغط الأمريكي تحديدًا واصل طوال الوقت الدفع باتجاه قطع هذه الشراكة والتي عبّر عنها الاتفاق الروسي الألماني على خط الغاز نورد ستريم ٢ والذي يفترض أن يعظّم من المصالح الأوروبيّة الروسيّة المشتركة، ولكن الضغوط الأمريكية أظهرت نجاعة واضحة في إجبار شركائها الأوروبيين على اتخاذ المواقف الملائمة لرؤيتها تجاه روسيا، وهو ما يبدو محور الأزمة الحالية.

وقائع القتال:

مع الظهيرة وبعد بضع ساعات من انطلاق العملية العسكرية كانت وزارة الدفاع الروسية تعلن عن تدميرها لقدرة سلاح الجو الأوكراني على القتال، ومعه منظومة الدفاع الجوي، وهو ما أكدته شواهد الميدان فرغم إعلان أوكرانيا عن إسقاط طائرات روسية مقاتلة ومروحية إلا أنّ السيادة الجوية قد باتت بيد روسيا بشكلٍ كامل، فلقد حلّقت المروحيات الروسية باتجاه العاصمة الأوكرانيّة كييف على ارتفاعات منخفضة في مجموعات كبيرة دون صعوبات تذكر.

بريًا تقدّمت القوات الانفصالية لإقليمي دونيتسك ولوغانسك لتسيطر على بلدات ومدن عدة من أراضي الإقليمين في ظل تراجع لقوات الجيش الأوكراني، فيما اكتسبت العملية الروسية منحى جديدًا بتمكّن القوات الروسية وبواسطة عمليات خاطفة من السيطرة على العديد من المناطق الاستراتيجيّة في محيط العاصمة كييف.

ما الذي يعنيه ذلك؟

التصورات الأولية حول العملية العسكرية الروسية ركزت على كونها عملية توغل محدود تهدف لإتمام السيطرة على أراضي إقليمي دونيتسك ولوغانسك، أو الوصول في أقصى حد للسيطرة على أراضي شرق أوكرانيا، أي تلك المساحة من الحدود الروسية وصولاً لخط نهر الدنيبر، وهو الخط الدفاعي الطبيعي الأبرز في تاريخ أوكرانيا، فعلى هذا الخط دارت معارك كبرى في الاجتياح النازي لأوكرانيا، كما تمترس النازيون فيه في مواجهة هجوم الجيش السوفياتي لتحرير أوكرانيا، سيطرة روسيا على هذه المساحة كانت تعني وضع كييف تحت ضغط عسكري دون محاصرتها أو اجتياحها، والسيطرة على المناطق ذات الأغلبية السكانية الروسية في أوكرانيا، وفصلها عن تلك التي تسكنها غالبية أوكرانية وتنشط فيها قوى يمينية أوكرانية معادية لروسيا تاريخيًا، بعضها مسلّحة قد ساهمت في اسقاط الرئيس السابق واستحضار السلطة الحالية الموالية للغرب.

التحوّل المهم مثّله شكل العملية العسكرية الروسية، حيث لم تتخذ شكل الاجتياح البري التقليدي، أو التقدم في مسارات ثابتة على الأرض، بل فعليًا شبكة من العمليات العسكرية طالت نقاط ومواقع استراتيجية منتقاة على الأرض الأوكرانية، اشتملت على نقل سريع للقوات بوسائط مختلفة لا زال من غير الواضح إذا كانت من خلال الإنزال الجوي أو عمليات تسلسل قد أعد لها مسبقًا، أو بواسطة قوى ومجموعات أوكرانية محلية متعاونة مع روسيا، وربما ما هو أعقد من ذلك.

وبالمعنى العام يعني هذا الانتشار الشبكي للعمليات العسكرية، اتجاه نحو تغيير شامل للوضع في أوكرانيا يتجاوز مجرد السيطرة على منطقة عازلة في الشرق الأوكراني على تخوم الحدود الروسيّة، ويذهب نحو تحقيق أهداف تتصل بجوهر الأزمة والصراع مع الناتو حول دول شرق أوروبا ودورها في معادلة الردع بين الطرفين.