الطائفيّةُ تنتمي - في الجوهر - إلى ميدان السياسة لا إلى مجال الدين والعقيدة، وهي تشكّلُ سوقًا موازية، أي سوداء للسياسة، أكثر ممّا تعكسُ إرادة تعميم قيم أو مبادئ أو مذاهب دينيّة لجماعةٍ خاصّة، كما أنّ الطائفيّةَ لا علاقةَ لها في الواقع بتعدّد الطوائف أو الديانات، إذ من الممكن تمامًا أن يكون المجتمع متعدّد الطوائف الدينيّة أو الإثنيّة دون أن يؤدّي ذلك إلى نشوء دولةٍ طائفيّةٍ أو سيطرة الطائفية على الحياة السياسية، ومن ثَمَّ لتقديم هذا الولاء على الولاء للدولة والقانون الذي تمثّله، إلا أنّ مفهوم الطائفيّة أصبح يستخدم بديلًا لمفاهيم "الملّة والعرق والدين" التي كانت سائدةً قبل ذلك، واختلطت هذه المفاهيمُ جميعًا في بيئةٍ متزامنةٍ فكريًّا وسياسيًّا فأنتجت مفهوم "الطائفية"، باعتباره تعبيرًا عن حالة أزمة يعيشها المجتمع، حيث أصبحت الطائفيّة مذهبًا وإيديولوجيّة وهُويّة حلّت محلّ الهُويّات الأخرى والانتماءات الأعلى، بل بدأت تتعالى عليها، وقد تبدى الاستعداد للتقاطع معها وأخذ موقعها، وهذا ما يهدد اليوم وحدة الشعوب كما هو الحال في لبنان والعراق وغيرها، كما أنّ دولًا عربيّةً أخرى تتّخذ من الطائفيّة ذريعةً لقمع شعوبها التي تطالب بالحريّة والديمقراطيّة والمواطنة والعدالة الاجتماعيّة.
حدّد المفكّر اللبناني الشهيد مهدي عامل الطائفيّة بقوله: "هي شكلُ النظام السياسيّ والنظام الأيديولوجيّ الذي فيه تمارس البرجوازيّة الكولونياليّة سيطرتها الطبقيّة"، وأكّد أنّ الطائفيّة كيانٌ ليس له وجودٌ أنطولوجي. إنّها علاقةٌ سياسيّةٌ محدّدةٌ بحركةٍ معيّنةٍ من الصراع الطبقي، في شكلٍ منها محدّدٍ بشروطٍ تاريخيّةٍ خاصّةٍ ببنيةٍ اجتماعيّةٍ معيّنة. ولأنّها كذلك، فهي، إذًا، قائمةٌ بالدولة، لا بذاتها، في هذه البِنية الاجتماعية، وفي شروطها التاريخية المحددة التي هي شروط حركة الصراع الطبقي فيها".
وفي هذا السياق نشير إلى أن من بين أهم عوامل ظهور المذاهب والطوائف فيما بعد –خاصةً بعد قيام الدولة الأموية - تعود إلى حاجة الحكّام إلى نصوصٍ تشريعيّةٍ أو مبرّراتٍ دينيّةٍ تبرّر وجودهم السياسي من جهة، وتتناقض مع الاتجاهات أو الشرائع التي تخالفهم فكريًّا وسياسيًّا، ومن ثَمَّ فإنّ الحديث عن الطائفيّة والصراع الطائفي في مراحل التطوّر الاجتماعيّ الاقتصاديّ للدولة الإسلاميّة منذ نشأتها إلى يومنا هذا، لا يمكن أن نحصره في الجانب الديني فحسب، بل إنّ الصراع الطائفي يتذرّع بالدين؛ لكي يعبّر عن مصالحه الطبقيّة ومنطلقاته السياسيّة، ومن ثَمَّ فإنّ حديثنا عن الطائفة أو الطوائف يجب ألا ينطلقَ من الدين وحده، بل يتخطّاه إلى السياسة كمحدّدٍ رئيسيٍّ في الصراع الطائفي طوال التاريخ القديم والحديث والمعاصر، وهذا ما نلاحظه عند قراءتنا للصراعات الطائفيّة التاريخيّة والراهنة بين السنّة والشيعة أو بين الفرق الإسلاميّة الأخرى.
وفي هذا الجانب، نؤكّد على أنّ الدولة الطائفيّة، في تعريفها نفسها، ليست دولةً مركزيةً، ولا يمكن لها أن تكون أو أن تعتبر كذلك، إلا إذا كانت دولةَ طائفةٍ واحدة لا دولة طوائف، كما هي في تعريفها، أو كما تظهر لذاتها. فالدولة الطائفية تعجز بصورةٍ كليةٍ عن أن تكون دولةً ديمقراطيةً بورجوازيةً بالمعنى الليبرالي النهضوي المستنير، لأنّها – كما يقول الشهيد مهدي عامل - تظلّ محكومةً بشروط النمط الإنتاجي الرأسمالي التابع، باعتباره نمطًا كولونياليًّا، وهذا النمط الكولونيالي ارتبط بالدولة الطائفية (الحديثة) التي لا يمكن أن تكون دولةً مركزيةً واحدةً في لبنان أو غير لبنان، بل هي التي تقف عائقًا في وجه قيام هذه الدولة.
جذورُ الطائفيّةِ في الثقافة الدينيّة
يخطئ مَنْ يعتقد أنّ الثقافة الطائفيّة الرجعيّة في المنطقة العربيّة هي نتاجُ معاصر، يُقدَّم كما لو كان نبتًا شيطانيًّا، كالمجموعات الإرهابيّة التكفيريّة ذاتها، كما ولا يتّفق مع الدراسة العلميّة التاريخيّة ذلك التسطيح الذي يحيل تلك الثقافة على فضاء خارج الدين (ليس من الإسلام في شيء)، أو أنّها وحملتها من التكفيريين مجرّد نتاجٍ لمؤامرةٍ (لتشويه صورة الإسلام) أو صناعة أمريكية. إما أن التكفيريين ومنذ الدعم البريطاني لتأسيس حركة الإخوان، مرّورا بدور الحركة في العداء لحركة التحرر في الخمسينات والستينات والسبعينات بالتوافق مع السياسة الاستعمارية؛ وصولًا للدور ال قطر ي/ السعودي/ الإماراتي/ التركي/الأمريكي في تأسيس داعش والنصرة وكل التلاوين التكفيرية ودعمها، وإما أن هذا حقيقي وتاريخي، غير أنه شيء، وإحالة مسألة جذور الطائفية الدينية التكفيرية للدور الخارجي مسألة مختلفة تمامًا. إنّ الثقافة الطائفية تجد تأصيلها تاريخيًّا في معطيين أساسيين:
- الثقافة الدينية ذاتها، التي تجد تعبيراتها ومصدرها وشرعيتها ليس فقط في تأويلها للنص، بل أيضًا في النص ذاته. وإذا كانت الثقافة الدينية هي نتاج لحظة التلاقح بين النص والحياة عندما يطرح النص ذاته موجّهًا للحياة الاجتماعية والسياسية وللأخلاق، فإنّ النص الديني ذاته باعتبار نفسه مالكًا للحقيقة المطلقة في مواجهة الآخرين/ الحقائق (المزعومة)/ الأديان (المنافسة)، فإنّه يشكّل مدخلًا، قبل التأويل، لتعزيز النزعة والثقافة الطائفية.
- شعار (التسامح الديني) الذي يصلح، بتصورنا لتعزيز التعايش الاجتماعي والسياسي بين المؤمنين كجزءٍ من التكوين الاجتماعي الوطني، لا لإشاعة فكرةٍ خاطئةٍ تمامًا عن أن الأديان متسامحةٌ عقديًّا مع بعضها بعضًا!
هذا على مستوى النص، أما على مستوى التأويل، فالأمور أكثر وضوحًا واعترافًا بها حتى مع الناشطين الدينيين على تلاوينهم، مع أن الخلاف قد يقع على دوافع ذلك التأويل ومدى اقترابه من النص أو ابتعاده عنه، لا حول التأويل ذاته. الاعتبارات السياسية والطبقية والثقافية والقبلية كلها حاضرة كدوافع للتأويل، وأحيانًا جهل مطبق في التعامل مع النص، جهل بات يستشري في أربع بقاع العالم الإسلامي!
لذلك، فللبحث عن جذور الطائفية، كنزعة وتوجه، لا يجوز الاكتفاء بالبحث هناك حيث التأويل، بل أيضًا هنا: في النص ذاته. وعلى العموم يميلُ الفكر العربي، العلماني والديموقراطي، لعدم الجرأة في البحث (هنا)، فباستثناء أقلامٍ معروفةٍ ومحدودة، مثل: صادق جلال العظم وحسين مروّة ومحمد أركون ونصر حامد أبو زيد، وغيرهم القليل، لم تعرف الساحة العربيّة العلمانية واليسارية نقدًا للنص، كنص، لتوضيح أثره في تشكل الثقافة، بل يجري بالعادة الهروب من هذا الاستحقاق الفكري المهم تجاه تحميل التأويل المسؤولية الوحيدة وتبرئة النص من مسؤولياته.
في غيابِ دولةِ المواطنةِ تحلُّ الطائفةُ والقبيلة
لا تتّسع هذه المقالة لمناقشة أسباب الإخفاق في تشكيل دولٍ علمانيةٍ عربيةٍ حديثةٍ تنهض على فكرة المواطنة لا الطوائف والرعايا والمجموعات الزبائنية. حسبنا أن نشير هنا إلى اختلاف المفكرين بين مَنْ يعتقد أن سبب الإخفاق هو عدم قيام الطبقة الوسطى بدورها التاريخي، وذلك نهج في الفكر السياسي يجد في التجربة الأوروبية ضالته: التعويل على البرجوازية لبناء الدولة الحديثة، وهو نهجٌ ليبراليّ. ونهجٌ آخرُ يعتقد أن البرجوازية العربيّة كبرجوازية تابعة لن تستطيع حلَّ المسألة التاريخيّة ببناء دولةٍ علمانيةٍ حديثةٍ على أنقاض دولٍ ودويلاتٍ وإمارات القرون الوسطى، بل منوط بالطبقة العاملة، كبديل طبقي لحل تلك المسألة. أما الاتجاه الذي يمكن وصفه بالاتجاه التغريبي؛ فيعتقد أن الثقافة، والدين الإسلامي في الصلب منها، هي سبب الإخفاق، وهذا المنهج الثقافوي هو وجه العملة الآخر للاستشراق العنصري الجوهراني الذي يرى في الغرب العقل والإبداع والعلمانية جوهرًا ثابتًا، ويرى للشرق، ومنه العرب، الركود والتخلّف والدين، جوهرًا ثابتًا أيضًا.
إنّنا من الذين يعتقدون أنّ احتجاز التطوّر السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ للشعوب العربيّة، ومن ثَمَّ تكريس التخلّف، كان نتيجةَ عواملَ ذاتيةٍ تاريخيةٍ ارتبطت بطبيعة التطوّر الاجتماعي الاقتصادي شبه الإقطاعي في الدولة الإسلاميّة من جهة، ونتيجة الهيمنة والتسلّط الإمبرياليّ الاستعماريّ على المنطقة منذ أكثر من قرنٍ من جهةٍ ثانية، ناهيك عن قرونٍ من السلطة العثمانية التي دمّرت القوى المنتجة العربيّة، كل ذلك أدّى دوره في إخفاق المنطقة في بناء دولها وفق النموذج الحديث للدولة العلمانيّة الديموقراطيّة، لكن مع ذلك، وكي لا يكون التحليل مجتزءًا ينبغي القول: إنّ البِنية الاجتماعية العربية كانت عاجزةً عن مقاومة الهيمنة الإمبريالية وسياساتها، وهذا يعود، ليس فقط لتاريخٍ من التدمير العثماني الممنهج للقوى المنتجة العربية، بل أيضًا لهيمنة الثقافة الدينية الرجعية على المستوى الاجتماعي، بعدائها للحداثة والعلمانية والنظام السياسي الديموقراطي، أي بتشابك العوامل الداخلية والخارجية يمكن البحث عن سبب الإخفاق. إنّ مشروعًا عربيًّا نهضويًّا ثوريًّا هو الكفيل بتصوّرنا ببناء الدولة العربية العلمانية الموحّدة ذات التوجّه الاشتراكي.
ما يعنينا هنا في المقام الأوّل أنّ هذا الإخفاق فتح الطريق لاستمرار هيمنة التصوّر الإسلامي السياسي للتيارات السياسية بشأن الدولة وفق شعار (الإسلام دين ودولة) والدولة بالضرورة دولة الخلافة الدينية، إلا من بعض الأقلام التي حاولت وضع تصوّرٍ عصريٍّ ديموقراطيٍّ للدولة الإسلامية.[1] وحال الأنظمة العربيّة تاريخيًّا فيما يتعلّق بمرجعيّتها يتّفق مع تلك التوفيقيّة في الفكر العربي التي تناولها جابر الأنصاري، واعتبرها سمير أمين إحدى أسباب فشل التجربة الناصرية، ونعني بها التوفيق، التلفيقي في الحقيقة، بين التراث والحداثة، بين العلم والدين. والدول العربية لا تخرج عن معادلة التوفيق/ التلفيق هذه: علمنة في جوانبَ عديدةٍ وتأكيد على المرجعية الدينية في جوانب أخرى، حيث أنتجت (كوكتيل تشريعي) غريبًا حقًّا. وعليه، لم تحل مسألة بناء الدولة العلمانية الحديثة كحالة قطعٍ مع دول القرون الوسطى ودويلاتها وإماراتها بمختلِف تنويعاتها؛ الأمرُ الذي يدحر مفهوم المواطنة للخلف ويحلّ محلّه مفهوم الطائفة والجهة والعائلة والقبيلة والمصلحة الزبائنية، وتلك بتقديرنا حالةٌ تشكل رحمًا صناعيًّا لنموّ كلّ تلك النزعات الطائفيّة التكفيريّة في المنطقة.
[1] - مرة أخرى، وإن من زاوية مختلفة، لا يمكن التوفيق بين الديموقراطية كنظام للسلطة السياسية تنهض على فكرة المواطنة وبين مفهوم الدولة الإسلامية، كدولة دينية، تنهض على التصنيف الديني والطائفي، ناهيك ان الديموقراطية والإسلام حقلين مختلفين تماماً لا يلتقيان في ممارسة متشابكة سياسياً واجتماعياً.

