"الأمن الموازي" يطفو على السطح
أطاحت العملية الإرهابية التي استهدفت الأربعاء الماضي المتحف الوطني التونسي بباردو بالضاحية الغربية لتونس العاصمة، بعدد من الكوادر الأمنية الكبيرة، في وقت تواصل فيه الجدل حول أداء المؤسسة الأمنية وسط تشكيك في صحة الرواية الرسمية، وسجال متصاعد حول الإخفاقات الأمنية المتتالية التي يعكسها استمرار الأعمال الإرهابية في أنحاء متفرقة من البلاد.
ودفعت هذه العملية الإرهابية الدموية إلى السطح بملف "الأمن الموازي" الذي أثار ومازال يُثير الكثير من الضجيج، وسط اتهامات متتالية لحركة النهضة الإسلامية برئاسة راشد الغنوشي بالوقوف خلفه في إطار خطة لاختراق المؤسسة الأمنية، وتوظيفها لخدمة مُخططاتها.
إجراءات صارمة
وأعلنت رئاسة الحكومة التونسية الاثنين أن رئيس الحكومة الحبيب الصيد أقال 7 كوادر أمنية هامة على خلفية التقصير الأمني الملحوظ في الهجوم الإرهابي الذي استهدف متحف باردو.
وأسفر هذا الهجوم الإرهابي الذي لم تنته تفاعلاته بعد، عن مقتل 23 شخصا منهم 20 سائحا أجنبيا، ورجل أمن تونسي، وإرهابيين اثنين، بالإضافة إلى إصابة 47 شخصا بجروح متفاوتة الخطورة.
ونفذ هذا الهجوم ثلاثة إرهابيين، بحسب وزارة الداخلية التونسية التي قالت إنهم كانوا مُسلحين ببنادق آلية من نوع كلاشينكوف وقنابل يدوية، حيث تمكنوا من احتجاز رهائن، قبل تدخل القوات الخاصة لتحريرهم.
وتبنى الهجوم تنظيم "داعش" في تسجيل صوتي نُشر بمواقع الإنترنت، في حين نشرت ما تسمى "كتيبة عقبة بن نافع" التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي تفاصيل هذا الهجوم دون أن تتبناه بشكل صريح.
وقال مفدي المسدي المكلف بالإعلام والاتصال برئاسة الحكومة في تصريحات إذاعية بُثت الاثنين: إن رئيس الحكومة الحبيب الصيد "قرر إقالة عدد من القيادات الأمنية على مستوى إقليم تونس ومنطقة باردو، وذلك بعد زيارة تفقدية قام بها إلى محيط متحف باردو ومجلس نواب الشعب للوقوف على نجاعة المنظومة الأمنية هناك".
وأوضح أن الصيد "عاين عدة نقائص تحول دون نجاعة وفعالية هذه المنظومة الأمنية"، وقرر على ضوء ذلك إعفاء عدد من القيادات الأمنية وتسمية قيادات أخرى مكانها.
ولم يذكر المسدي أسماء القيادات المعنية بهذه الإقالة، لكنه أشار في المقابل إلى أن رئيس الحكومة التونسية اتخذ أيضا قرارا يقضي بأن "يقتصر ارتياد المسجد الموجود في محيط مجلس نواب الشعب على النواب والموظفين العاملين بالمجلس دون سواهم".
وبحسب مصادر أمنية تونسية، فإن المعنيين بقرار الإقالة هم مدير إقليم الأمن بتونس العاصمة، و مدير إدارة وحدات الطريق العمومي، و مدير الأمن السياحي، و رئيس منطقة الأمن بباردو، و رئيس فرقة الإرشاد "الاستعلامات" بباردو، و رئيس مركز أمن باردو، و رئيس منطقة أمن سيدي البشير.
وبالتوازي مع ذلك، كشفت مصادر قضائية أن أحد قضاة التحقيق الذي تسلم ملف هذا الهجوم الإرهابي، استمع أمس إلى أقوال رئيس منطقة الأمن، ورئيس مركز الأمن بباردو، وذلك في إطار التحقيق الذي يُجريه لمعرفة ملابسات هذا الهجوم الإرهابي.
وتأتي هذه التطورات فيما تواصلت الانتقادات لأداء المؤسسة الأمنية، والتشكيك في صحة الرواية الرسمية رغم إقرار السلطات التونسية بوجود خلل امني كبير سهل حدوث هذا الهجوم الإرهابي.
خلل في المنظومة الأمنية
وكان رئيس الحكومة الحبيب الصيد قد قال في وقت سابق لقد "تمت العملية لأنه بالطبع حدث إخلال في المنظومة الأمنية بكل مراحلها بدءاً من حماية المتحف، وحتى حماية تنقلات السياح من الباخرة السياحية، وحتى مكان الحادث".
ومن جهته، اعترف الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي بوجود مثل هذا الخلل، حيث قال في تصريحات نشرتها مقابلة نشرتها مجلة "باري ماتش" الفرنسية في وقت سابق، "هناك خلل في الأجهزة الأمنية في تونس أدى إلى سهولة القيام بالاعتداء على متحف باردو".
وتابع قائلا "هناك خلل، الشرطة والمخابرات لم ينسقا تماما من أجل فرض الأمن في متحف تونس"، على حد قوله.
غير أن هذا الاعتراف، وما رافقه من إجراءات أطاحت بعدد من الرؤوس الأمنية الكبيرة، لم يحسم الجدل الدائر حاليا في تونس حول إخفاقات الأجهزة الأمنية، وهو جدل تحول إلى ما يُشبه السجال المُرشح لن يتفاعل أكثر فأكثر بعد تزايد الحديث حول ملف الأمن الموازي الذي تتُهم حركة النهضة الإسلامية بالوقوف خلفه خلال فترة حكمها لتونس.
واتخذ ملف "الأمن الموازي" منعرجا هاما عندما تم الإعلان في نهاية شهر يناير الماضي عن اعتقال عبد الكريم العبيدي رئيس فرقة حماية الطائرات بشبهة التورط في عملية اغتيال محمد البراهمي في 25 يوليو من العام 2013 أثناء فترة حكم الترويكا بقيادة حركة النهضة الإسلامية.
وأثار ذلك الاعتقال جدلا سياسيا يُتوقع أن يتواصل بعد عملية باردو الإرهابية حول ملف "الأمن الموازي"، ومدى تعرض أجهزة وزارة الداخلية للاختراق خلال حكم حركة النهضة التي تُوجه إليها أصابع الاتهام بأنها أغرقت وزارة الداخلية بعناصر موالية لها ضمن خطة إستراتيجية تهدف إلى توظيف المؤسسة الأمنية لأجنداتها تى يسهل عليها الهيمنة على البلاد.

