Menu

ثورة القيم

محمد صالح التومي - المعروفي

تساءل الإنسان منذ قديم الزمان: هل إنه يعيش ليأكل أم إنه يأكل ليعيش؟؟                                

ومن المفهوم بداهة أن الجواب بهذا الشكل أو الآخر عن سؤال كهذا يعتبر مقدمة ضرورية لأي حديث حول البرنامج القيميّ للإنسان. ولذلك فلعله من المفيد قبل الحديث عن ضرورة تثوير القيم في هذه المرحلة من مراحل التاريخ البشري، كلازمة للثورة الثقافية التاريخية الكبرى، أن نتحدث عن الإنسان في مختلف أبعاده وأطواره بصفته عند النهاية الحاضن لتلك القيم والمندوب للتفاعل بواسطتها سلبا وإيجابا مع ذاته ومع    محيطه..

ما الإنسان؟

إن الإنسان في ظاهره كيان مادي مهندس في شكل قويم، فهو هيكل من عظام تكسوه مادة قادرة على البقاء رغم قابليتها للتلف السريع، وتتخلل كتلته المادية هذه شبكة من القنوات والأنابيب الدقيقة ألا وهي العروق التي تتحرك بداخلها وتتجدد بواسطتها طاقة الحياة لديه، كما تعمل وسط هذه الكتلة أجهزة، بل قل إنها مصانع مختلفة، تقوم بالمحافظة على استقرار درجة حرارة شعلة الحياة المحركة لكيانه، وصدّ هجومات أعداء هذه الحياة من جراثيم وفيروسات مختلفة، فهي بمثابة الحصون الدفاعية بالنسبة إليه، وهي نفس الأجهزة التي تقوم كذلك باستخلاص ما هو لازم لاستمرار وجوده، ثم بالتخلص الذاتي من كافة النفايات والإفرازات، من خلال معالجة وتصفية الماء، والدماء، والهواء، والغذاء.

وزيادة على ذلك، فإن هذا الكيان، بصفته وحدة مندرجة في ثنائيات الكون، قُدّر له الانقسام إلى ذكر وأنثى، وذلك لتمكينه من التجدد تلقائيا، وبدون أي تدخل خارجي، من خلال القيام بوظيفتي التناسل والتكاثر. وإذ تحتوي جيناته على القوانين والبرامج المسيرة لمختلف أجهزته، فإننا نلاحظ إلى هذا الحد أنه في مستوى مركز غرائزه لا يختلف إذن عن الحيوان في شيء.

فقد يقول البعض هنا، وبشيء من التسرّع: إن "العقل" هو الذي يجعل الإنسان إنسانا، ولكن "العقل" في صورته الظاهرة ك"مُخّ" أو فلنقل بصورة أكثر دقّة، كحاسوب مُشرف على تنظيم الوظائف الغريزية موجود في الحقيقة لديه كما لدى غيره من الكائنات الحية أكانت ضئيلة أم عظيمة، فمن هنا يجب التسليم بوثوق بأن "مخّ" الإنسان يحتوي على إضافة نوعية: وهي تلك المتجسّمة في مركز الذكاء والوعي لديه، أو بمعنى آخر في بذرة النور التي أتيحت له بواسطتها حرية الاختيار في وسط ضوابط الكون. فهذا الجهاز الإضافي إذ يتيح للإنسان التفريق بين الخطأ والصواب، هو بمثابة المصنع المنتج للقيم والمعاني التي من الواجب أن تستقر عليها حياته، أكان ذلك بصفته كائنا فرديا، أم كائنا جمعيا يتواصل في المكان والزمان رغم الفناء المستمر لأجزائه.

إن المؤهلات المرتبطة بهذا الجهاز الإضافي لم تتطور البتة من تلقاء ذاتها، لأن تطورها كان مشروطا بالضرورة ومنذ البداية بتوفر أرضية مادية تتيح التواصل والاتصال، وخاصة بواسطة النطق، ما يؤدي إلى القدرة على إبداع اللغة، كما تتيح إعمال الفكر ما يكشف عن وجود القدرة على التحليل، والتذكّر، والاستنتاج، والاستنباط، والاجتهاد. ولعل الدليل الساطع على توفّر هذه الأرضية المادية الفريدة لدى الإنسان منذ الانطلاق هو أن مختلف الحيوانات ومنها القردة التي هي الأقرب إلى تنظيمه الجسدي والعصبي ما انفكت تعيش إلى جانبه منذ آلاف السنين، دون أن تغادر موقعها في تنوع الموجودات في الأرض، وإنما تخلفت عن ذلك لسبب في تركيبتها لا خلاص لها منه.

وإذ نلاحظ إلى هذا الحد أن الإنسان يُشكل إذن حلقة فريدة في سلسلة الكائنات فوق الأرض على الأقل، فإنه يستتبع هذا أن نقرّ دون مواربة بأن قدرته على اختيار الاحتمالات وتحمّل نتائجها هي قدرة يحملها في البرنامج الأصلي لوجوده: فإلى جانب أنه في نظام الطبيعة كائن اجتماعي مثله مثل النحل، والنمل، وسائر الحيوانات، التي شوهد لديها مثل ذلك الميل، ما يجعله بغاية إنتاج وإعادة إنتاج أسباب حياته، وخاصة لأن تنشئة نسله تحتاج ردحا طويلا من الزمن، مضطرا إلى التعاون وتقسيم المهام بين مكوناته مع تخصيص حيز مضبوط لمهمة تتعلق بتنظيم ذلك التقسيم وتدخل في نطاقه في نفس الوقت، ألا وهي مهمة التنسيق والتوجيه التي تضخّمت وأصبحت  تسمى في نطاق ذلك: قيادة وإمارة ورئاسة مع ما صاحبها من تعظيم مغلوط لدور القائمين بها، إلى حد تقديسهم أحيانا، ما مكّنهم كملوك وكرؤساء وكمشرفين على الشؤون الروحية وما شابه هذه الأدوار حتى في أصغر الخلايا، من الوصول بذلك أكان ذلك  نتيجة سوء التقدير هنا، أو تضخم الأنا هناك، إلى حدّ الاستبداد وارتكاب المظالم الشنيعة، فهو (أي هذا الكائن الاجتماعي الفريد، وإلى جانب ما ذكرنا من ميل نحو الاجتماع)، يمتاز بخصوصية تتمثل في كون إنتاج المجردات من قيم وأفكار ومعان يحتل مكانة خاصة في حياته ويُشكّل علامة فارقة في مغامرته في نظام الكون... فمن هنا أشعاره، وآدابه، وأمثاله، وحُبّه للحكمة المسماة فلسفة، وسعيه إلى فهم قوانين الوجود بواسطة المعارف، والبحوث العلمية، والاستكشافات.

وإذ مُدّت الطبيعة أمامه في شكل سجلّ مفتوح ومنذ البداية بغاية تمكين جميع عناصره من الحصول على أسباب تجدّد الطاقة باعتماد وسائل ورود المياه، وصيد الحيوانات، وقطاف الثمار، وجني النبات، ومثل ذلك فقل عن غريزة الجماع التي مارسها دون انتظار تحقيقا لتواصله ولتكاثره، فمن الواضح أنه لسبب أو لآخر لم يكن ممكنا لبرنامجه القيميّ أن يتطور إلا من خلال الممارسة وتراكم الخبرات والمراس، فمن هنا: حرصه أولا على صيانة التراكم الذي  حصل عليه، وإدراجه في مميزات وخصوصيات ثقافية أصبح يسميها تراثا، كما من هنا ميل مجموعاته ثانيا إلى التثاقف والاستفادة من تجارب بعضها البعض مهما اختلفت بينها ظروف الزمان والمكان، رغم أن هذه العملية لا تخلو أحيانا من أسباب التصادم والصراع أكان ذلك لأن مجموعة ما، تريد أن تفرض بالقوة على الآخرين ما تراه حقيقة، أو بسبب رفض مجموعة أخرى لهيمنة غيرها عليها والتمسك في وجهها بتجربتها الخصوصية في الحياة.

وهكذا فإن خُلوّ اجتماع الإنسان من نظام الطبقات في بداياته لا يجب أن يُفهم منه أن هذه البدايات كانت خالية من الاعتداءات الوحشية، وذلك لأن ما جُبل عليه هذا الكائن من خضوع نسبيّ إلى البرنامج الطبيعي كان يدفع بجميع عناصره، وفي غياب الضوابط القيمية التي ما زالت قيد التطور، إلى التغالب من أجل الحصول على الخيرات والمنافع حبا في البقاء، أو من أجل الفوز بفرص الجماع على غرار بقية الكائنات تحقيقا لاستمرار الأنواع... وهي دوافع لا تحكّم له فيها.

أما مع ولوج الإنسان إلى المرحلة الطبقية، وميله نحو الاستقرار برقعة ترابية ما من أجل زراعتها وفلاحتها  بعد أن اكتشف ذلك من خلال ملاحظة دورة الفصول، وازدياد خبرته في التعامل مع محيطه، فرغم بروز دعوات عقائدية ومنظومات فكرية تدعوه إلى تجاوز أسباب وحشيته ـ مجسمة بهذه الصورة بداية لتقدمه . فإنه لم يتخلّ عن هذه الوحشية فيما هو غالب على سلوكه، بل أعطاها شكلا منظما ومقنّنا، لأن ما وقع عندئذ هو أن الأفراد المسيطرين تجمعوا فقط في صورة طبقة مسيطرة وطبعوا بطابع سيطرتهم كل البنى الفوقية، بما فيها من تصورات عن الوجود وتشريعات مختلفة تُنظّم الاجتماع.  

وبالفعل فإنه مع اكتشاف الزراعة عمد الأقوياء وبصورة منهجية هذه المرة إلى تسخير من هم أضعف منهم للعمل لفائدتهم، كما عمدوا إلى الاستيلاء على منابع المياه، وإلى تخزين الطعام في كهوف ومطامير ضخمة، وإلى الاستحواذ على أجود وأجمل عناصر الجنس المقابل، مُعرّضين غيرهم من المستضعفين إلى الحرمان من فرصهم في الحياة، وفي التكاثر، بل وإلى الفناء أصلا دون الوصول إلى ذلك أحيانا. ولكن إذا كان كل هذا مفهوما في هذه البدايات، فإن ما يؤسف له في هذا النطاق هو أن نلاحظ  أنّ هذه السلوكيات الوحشية التي استقرت طوال الطورين العبودي والإقطاعي من أنماط الإنتاج تلك، الأنماط المرتكزة على خدمة الأرض وعلى غلبة العمران الريفي، لا تزال متواصلة في سلوك العناصر الطبقية السائدة مع قابلية هذا السلوك للاستنساخ لدى الطبقات المعتبرة أدنى منها في السلم الاجتماعي، وذلك رغم انتقال أنماط الإنتاج شيئا فشيئا من الأرياف إلى الحواضر والمدن والأبراج التي نشأت فيها البورجوازيات التي طورت الأنشطة التجارية والحرفية أو الصناعية، وكذلك المالية والربويّة، تلك البورجوازبات التي دقت أبواب التاريخ من مرة إلى أخرى دون نجاح، حتى وصلت إلى مراكز القيادة مع الثورات البورجوازية بأوروبا، وتمكنت في نطاق تغيير البنى التحتية والتطوير المذهل  للعمران الحضري من إخضاع  الأنشطة الزراعية بالأرياف إلى الأنساق الإنتاجية الرأسمالية، كما تمكنت من إدخال ما ينبغي من تغييرات على البنى الفوقية جعلتها تنشد آفاقا حقوقية وتنويرية وديمقراطية جديدة، رغم أنه سيتضح في آخر المطاف أن هذه الآفاق ومهما كانت متقدمة على التي سبقتها، بقيت مجرد تغييرات كمية فقط، فهي لم تصل إلى مرتبة التغيير النوعي المنشود، ولم تحدث القطيعة التي بإمكانها إخراج الكائن البشري من توحّشه وصولا إلى ترقيته فعليا إلى المرتبة التي هو جدير بها كإنسان...

وما يجب فهمه بوضوح هنا، هو أن الأرصدة المالية الضخمة والخيالية في البنوك كونها أدركت البليونات والتريليونات في أرقامها، تستوي تماما في المعنى مع أكداس الغذاء والطعام في الكهوف والمغاور ومطامير الحبوب، فجميعها تشكل نهبا واحتكارا من طرف الأفراد المسيطرين لثمرة الجهد البشري الجماعي، ولنتائج قوة العمل التي تمت سلعنتها جهارا مع النظام الرأسمالي، كما إن استباحة عناصر الجنس المقابل بواسطة إغراء المال ومختلف أشكال التحرش والهرسلة والضغوط، فضلا عن تواصل جريمة الاغتصاب القديمة، وهي المظاهر المشاهدة  بصورة مكثفة في المجتمع الرأسمالي المعاصر تستوي في المعنى هي الأخرى مع أجنحة الحريم الصريحة وما شابهها في ظل أنماط الإنتاج السابقة، فهذا هو إذن كل ما استطاعت الرأسمالية تقديمه للإنسانية رغم بهرجها العمراني، وفنون دعايتها الإعلامية الجبارة وغير المسبوقة في التاريخ.

وهكذا فإن الوقوف ـ وبمثل هذه الصفة ـ  عند كون البشرية لا تزال رغم محاولات التهذيب المتواصلة لذاتها خاضعة للضرورة كقاعدة تحتويها القوانين البدئية للطبيعة، لا يجب أن يكون من شأنه البتّة إلغاء البحث القائم على الدوام من أجل معرفة المدى الذي يمكن أن يشمله حيز الحرية النسبي الذي اختص به الإنسان في ملكوت الطبيعة، ذلك أن هذا المدى هو الذي ما انفك يملي عليه وبشدة أن ينحت برنامجا قيَميّا متكاملا يصوغ من خلاله في كل مرحلة من مراحل تقدمه، بنود عقده الاجتماعي في محاولة للوصول بهذا العقد إلى أمثل أحواله... فلو كان الإنسان مبرمجا على الخضوع لقوانين الضرورة لا غير، فإنه لا مجال البتّة كي ينشأ لديه سؤال الحرية الذي ما انفك يُلحّ في طرحه على نفسه عبر مختلف نضالات أحراره وحرائره، بل وعبر تضحياتهم بكياناتهم وبمادة وجودهم، إذ يقبلون بتعريضها إلى التعذيب وإلى الإفناء، تخليدا لمعنى ذلك الوجود، فهذا السؤال ناتج إذن ـ وكما يمكن أن نستنتج ذلك ـ عن رسالة مرسومة في جينات الإنسان، وفي برنامج انبعاثه، وهي رسالة ما برحت تصرخ داخله في كل مكان، ومن خلال استمراره في الزمان، أن انهض: ف"لست بسائمة، وإنما أنت إنسان" [1].     

إن قدرة الإنسان والحالة ما ذكر على إنتاج المجردات بما فيها القيم والمعاني ومحاولة تجسيدها في الواقع المادي هي التي جعلت بعض النيرين في ميداني الفكر والسياسة، يدعون إلى تنظيم العلاقات البشرية على أساس جديد من الواجب أن يكون مختلفا قدر الإمكان عن أساس التوحش، وهكذا فقد اعتبروا تكديس الفرد للمنافع المادية انتصارا من طرفه للأنا بمثابة الاعتداء على الآخر، ومن ثم فقد نشأ طموح يدفع إلى تنظيم الاجتماع البشري وفقا لقواعد مستجدة، وإلى نشدان التوازن ـ مهما بدا صعبا ـ بين الأبعاد الأربعة المنظورة للإنسان والمتطورة بدورها داخل بعد خامس يجلّلها كلها، هو بعد الزمان، بما مضى منه وما سيأتي، وهذه الأبعاد المنظورة هي :

                       البعد الفردي،          والبعد الجماعي،

                       والبعد المادي،         والبعد المجرد،

وذلك، تحقيقا لما يربط بين هذه الأبعاد الخمسة جميعها، من علاقات جدلية أكيدة لا يتحقق الإنسان كوحدة في الكون إلا من خلالها. وهكذا فقد اندفع الإنسان في أكثر من مناسبة وفي أكثر من مكان إلى محاولة نحت صيغ تطبيقية لأحلامه الفاضلة النابعة من مخزونه القيميّ، وقد كانت آخر محاولة جدية له في هذا الاتجاه، بعد محاولة "كومونة باريس"، تلك التي لم تُعمّر طويلا في أواخر القرن التاسع عشر من التقويم المسيحي، هي المحاولة السوفييتية التي انبعثت في القرن العشرين واحتضنها أساسا فضاء الحضارة الرأسمالية المتمركزة أوروبيا قبل توسعها إلى قارات أخرى؛ مع الوعي بأن هذه الحضارة الأوروبية ورثت إبداعات الحضارات السابقة لها والتي من ضمنها طبعا الحضارة العربية الإسلامية كيفما تجسدت ببغداد ثم بغرناطة قبل أن يطفئ المدّ الظلامي المعادي للعقل  أنوارها. فلا يجب أن يُنسى هنا أن النهضة الأوروبية انطلقت من شبه الجزيرة الإيبيرية، حيث كانت حضارة "الأندلس" التي كانت هي الأخرى قد استفادت في نطاق التثاقف من المنجزات الحضارية السابقة لها زمانا ومكانا، قبل تسجيل إضافاتها الخاصة التي ستورّثها وتمرّر مشعلها إلى أوروبا انطلاقا من أسبانيا والبرتغال، حيث كانت الأندلس.

وعندما نقول إن المحاولة السوفييتية كانت على هذا العهد الذي فيه نعيش ، آخر محاولات تهذيب الإنسان، فنحن نشير بذلك إلى التجارب السابقة التي جدّت عبر أنماط الإنتاج القديمة والتي تجد تجسيمها ذكرا لا حصرا في ثورة العبيد بقيادة سبارتاكيس بروما، وثورة الزنج بكرخ بغداد، كما في تمرّد الصعاليك بقيادة عروة بن الورد قبل البعثة المحمدية بالحجاز، كما في تراث ثورات الفلاحين المتكررة بكثرة ببلاد الصين، وهو تراث عظيم، كما في ثورات القرامطة والإسماعيلية عند ازدهار الحضارة العربية الإسلامية هؤلاء الذين خاضوا تجربة اجتماعية رائعة ورائدة تتوجب دائما دراستها بكامل التأني والتقدير كذلك، ولكنه يبقى من الضروري بالنسبة إلى المتأمل الموضوعي لملابسات التاريخ أن يقف بحسرة عند تعنت أسباب توحش الإنسان في مواصلة البقاء ورفضها للتلاشي السريع رغم المساعي الجدية التي ما انفكت تُبذل بين مد التاريخ وجزره بغاية تجاوزها... فهي مساع ما زال من المستوجب إذن بذلها وتطويرها بالخصوص من خلال تخليصها من كافة شوائبها الأنانية والانتهازية التي تعمل دائما على تدميرها من داخلها.

في تواصل أسباب التوحش البشري

إن الأبعاد الخمسة للإنسان هي التي رسمت إذن في جدلية مثيرة تضاريس الواقع التاريخي لمسيرته في الأرض وفي الوجود، وإذ مرّ الإنسان ككائن جمعي متواصل في الزمان ولا زال يمرّ ـ رغم تغيّر أنماط إنتاجه وتقدّمه في مراكمة ملامح زاده القيميّ ـ بمرحلة طويلة من التطور هي مرحلة التطور العفوي والفوضوي التي يمكن تشبيهها بمرحلة الطفولة والمراهقة لدى الكائن الفردي، فقد أصبح  مفروضا عليه أن يستكشف سلوكيات واعية  تتناسب مع ما بلغه من رقي معرفيّ كمّيّ، ليدشن بذلك ومن خلال ثورة ثقافية كبرى مرحلة جديدة من مراحل وجوده فوق الأرض ألا وهي مرحلة نضجه واتزانه، بل إن هذا أصبح ضروريا إذا نظرنا فقط إلى القدرة التدميرية التي تجمّعت حول نوازع توحشه والمتجسدة حاليا في مخازن أسلحة الفناء الشامل الباليستية والنووية والنيترونية، هذه التي عوّضت لديه بصورة مفزعة أكداس الحجارة والهراوات، ثم مستودعات السيوف والخناجر والرماح والسهام والمنجنيق والبنادق والمدافع، فيما سبق من الأزمنة.

إن وحشية الطباع التي شوهدت لدى الإنسان منذ كان يعيش في المغاور وفي جحافل الصيد والقطاف والجني، قد أخذت إذن مثلما سلف الإلماع إلى هذا أشكالا مُقنّنة عند بلوغه المرحلة الطبقية لتنظيم حياته الاجتماعية، ولم يقع تهذيب هذه الأشكال وتلطيفها إلا في حدود فقط، وذلك بفضل الدعوات القيمية المتعاقبة التي انتظمت حولها منظوماته الأخلاقية؛ وإذ مر الإنسان في هذه المرحلة المتواصلة إلى هذا اليوم بالطورين العبودي والإقطاعي المتمحورين رغم اختلاف أشكالهما وبكثرة في المكان والزمان حول خدمة الأرض مع ما احتاجته خدمتها ـ في ظل تخلف التقانة والظلم من استعباد وسخرة من طرف الأقوياء لمن يستضعفونهم ـ  فقد تمكنت المجموعات الحضرية أو الساكنة بالنويّات القروية التي تحولت إلى مدن وأبراج أو إن شئت فقل: فقد تمكنت المجموعات ساكنة الأبراج الحضرية أو البورجوازية، حسب تسميتها التي أصبحت شائعة، من الانتصار بعد ذلك فارضة على مستوى البنية التحتية نمط إنتاجها المبني على التجارة والحرفة والأنشطة المالية والربوية، ومنادية على مستوى البنية الفوقية بحرية التجارة والصناعة وبالمضاربة، بدون حدود بالمال وبتقديس الملكية الفردية، فهذا ما جسدته في تنظيماتها، ولوائحها الحقوقية المنادية بليبرالية الفكر وبحرية المعتقدات والتعبير، وذلك ما أدى إلى انفلات العقال لجميع أنواع المغامرات والحيل والاختراعات، تحقيقا للربح والمغانم، وما جعل خدمة الأرض تتأخر عمدا أو ضرورة إلى مكانة ثانوية، وما أدخل أخيرا تغييرات هامة في الشكل وحتى في المضمون على ظاهرة استغلال الإنسان لجهد أخيه الإنسان، وذلك من خلال تعميم نظام الإجارة، وسلعنة قوة العمل، والغش في التعامل مع هذه القوة من خلال سرقة فائض القيمة، وفرض انفصال من يبيعون قوة عملهم هذه عن أدوات الإنتاج... فهذا ما بعث إلى الوجود جموع الأجراء والكادحين الذين أسماهم علم الاجتماع المعاصر بالبروليتاريا.

وإذ وقع إذن ما وقع، بهذه المناسبة، من محاولات تنويرية بشرت بانتصار العقل والعلوم، وغيرت الأطر الحقوقية نحو الأفضل، فمن الواضح ـ ورغم ضراوة الصراع، لأن غاية النظام البورجوازي إنما  كانت  انتصار قيمة الربح فقط ـ أن ذلك كله لم يؤدّ تاريخيا سوى إلى جعل الأطر القانونية لاستغلال قوة العمل داخليا ولنهب مقدرات الشعوب خارجيا، تزداد تعقيدا وتشابكا لكثرة المجالات التي أصبحت تغطيها، بل إنها ازدادت نفاقا وخداعا، وخاصة مع محاولات أقلمتها مع تقلبات موازين القوى هبوطا أو صعودا بين أطراف التناقض الاجتماعي محليا، والوطني والقومي دوليا. 

لقد أطلقت الطبقة الحضرية أو البورجوازية منذ انتصارها العنان للفرد كي يتحرر من كل رباط، أكان ذلك عائليا أم اجتماعيا أم دينيا أم أخلاقيا، تحقيقا لهدف وحيد مزعوم هو تبرعمه بالكامل وازدهاره، فكان ذلك طبعا على حساب الطابع الجماعي للإنسان، كما على حساب حلمه المتواصل بأن يكون إنسانا بحق يعيش في تناغم مع إخوانه، ومع بيئته ويحقق الإضافة المرجوة للحياة من خلال ذكائه. وهكذا فإنه مع تطور وسائل الاتصال والتواصل، أصبح العالم كله مسرحا لنشاط حفنة من الأفراد هي الأوليغارشيا المالية، ثم تبين ـ رغم لوائح حقوق الإنسان التي تم إنتاجها، وربما انسجاما مع الهدف الخفي لدى البعض من وراء إنتاجها بتلك الصفة ـ  من يدري؟ أن "الفرد" في صيغته التي سادت وسيطرت هو فرد عدوانيّ النوازع، أوروبي الملامح في أغلب تجلياته، و"صهيونيّ" الروح والهوى [2]، وهذه العبارة الأخيرة يجب أن تؤخذ في مثل هذا السياق، مفرغة من كل معنى ديني فهي تشير فقط إلى انتصار ثقافة الحس العملي والبراغماتية والمصلحة الشخصية والأنانية التي تميز فكر بعض المنتمين إلى اليهودية في جانبها "العملي"، فهي لا تشير إلى كافة المنتمين إلى اليهودية طبعا، ولذلك وضعناها بين ظفرين كي نلفت النظر إليها بما يتيح الفرصة لشرحها، وها قد فعلنا. فكل هذا كشف الستار عن أشد نوازع الاستغلال والهيمنة ضراوة: تلك المشمولة في طيات العولمة الرأسمالية الزاحفة والتي لم يعد يكفيها ـ وهي تنشد اكتمالها ـ أن تنهب فقط خيرات الشعوب، لأنها أصبحت تسعى من أجل أرباحها إلى إلغاء حتى ما تراكم في قيم الثقافات والحضارات الأخرى وما يشكل نواتها الأخلاقية الجوهرية، في محاولة منها لتشكيل إنسان نمطي: استهلاكي على مستوى ملذاته، وباهت الملامح إن لم نقل متفسّخا على مستوى القيم والمعاني. وهكذا فإن الرأسمالية رغم البهرج الخلّاب لدعايتها الزائفة حول التقدم الحقوقي والرقي الحضاري لم تفعل غير إدخال ترتيباتها الخاصة على معادلات التوحش الإنساني، فأصبح المال في ظل سيطرتها هو المعبود الوثني الجديد، أما الهدف من عبادته فهو لا شيء غير تحقيق الملذات والاستزادة منها، فذلك ما فتح الباب على مصراعيه نحو "انفلات المكبوت اللاعقلاني" [3] لدى الكائن البشري، فلم تعد هناك أية حواجز تقف في طريقه، لأن فردا واحدا  باسم "حرية التجارة والصناعة والمضاربة الماليّة" وتطبيقا لشعار " دعه يعمل، دعه يمرّ"، أصبح بإمكانه أن يملك ميزانية أمم وشعوب بأكملها، لماذا يا ترى؟ أما الفكر فقد سُمح له باسم الحرية الوحشية المسماة ليبرالية  وباسم "الإبداع"، ولكن بمفهوم مغلوط أن يصل إلى "العبثية" وإلى "السريالية" وإلى تمجيد الليبارتينيّة أي الانحلال والتفسخ الأخلاقي، كما إلى الأوجينية التي تعني النداء جهرا وبدون حسيب بإفناء أجزاء هامة من البشرية، بهدف "تحسين النسل"، أما البحث العلمي فإنه تحقيقا للثروة لفائدة من يموّلونه في المختبرات الخاضعة لهم، قد أصبح  مسموحا له بأن يمس بصورة عشوائية وغير مدروسة من التوازنات البيئية وحتى من الضوابط الكونية، وهكذا فإنه بغاية الوصول إلى الربح والمغانم دائما وقعت محاولة منهجية لتحطيم كافة الصروح القيمية التي شيدها الإنسان نضالا وجهادا عبر الزمان والمكان، فانتشر الفساد الاقتصادي والمعرفي والأخلاقي، حاملا معه آفات فتاكة مثل الرشاوي، والنهب المنظم للمال العام، والإباحية الجنسية، والتسريب الفيروسي المتعمّد، وإهلاك التوازن البيئي، وتحوّلت بورصات "القيم" (!) المالية والمصارف والبنوك إلى ما يشبه بيوت عبادة جديدة يقع التّولّه فيها بالإله الدنيوي الظافر ألا وهو المال والذهب.

ومن هنا فقد تحول الحلم إلى كابوس، وأصبح الإنسان يرتع في عبوديّة غير مسبوقة، بل ويصفق فرحا زيادة على ذلك، لأنه وكما قال هيتنغتون وهو أحد منظري العولمة الرأسمالية: "في حالة بعد أخرى، وفي بلد بعد آخر، تسود اليوم إملاءات النزعة التجارية على غيرها من الاعتبارات" [4]؛ فإذا كان هذا هو النصر التاريخي الذي تفتخر الطبقة الحضرية أو البورجوازية بتحقيقه، فيا له في الحقيقة من نصر وحشي وسخيف!!!

إن أزمة الحضارة الأوروبية بوصفها الحضارة القائدة على أيامنا، قد تحولت إلى أزمة إنسانية شاملة، وهي أزمة "بمعناها السلبيّ"، أي سلب الإنسانية روحها بعد أن تحولت إلى اللهاث وراء وهم الفردوس المادي ووهم السعادة التي تؤمنها العلوم" [5]، (وحتى يتطابق هذا الكلام الذي ليس لنا مع مقاصد النص، فإننا نشير فقط إلى العلوم المتحكّم فيها بلوتوقراطيا أي تلك الموجهة لفائدته بواسطة المال الوفير). أما "الفردانية" ..." التي ظلت مفخرة الرأسمالية، فقد باتت بمثابة معزل للإنسان، ومجالا لاختناقه" [6].

ويمكن القول، بهذه الصفة إن حال الإنسانية . مع توجه العولمة الرأسمالية لاستكمال آخر إرهاصاتها ـ قد أصبحت حالا تبعث حقا على الذهول، إن لم نقل على الرثاء، وذلك لأن آليات الاستغلال، والهيمنة، والتفقير، والنهب، والتجهيل، والتضليل الإعلامي، والحرب الظالمة، والعنصرية، والتدمير البيئي، والعنف بين السكان، والاكتئاب لدى مختلف الأجيال، والدعارة، والشذوذ، والاغتصاب، وتخدير العقول فعليا بالسموم أو مجازا بنشر الوعي الزائف، أصبحت آليات تعمل بأقصى سرعة تملكها، ولا وجود لمكابح تكبح جنونها، أو كما قال أوكتافيو باث ، ولنستلف كلماته: "إننا نعيش فترة تدمير... وهناك تفاهة تنساب في كل شيء، إننا أمام الفراغ نفسه، وليس لدينا اليوم شيء لنعمّر به هذا الفراغ، أو لنضعه في مكانه، ومن رأيى أن المعنى الوحيد لمجتمع اليوم أنه مجتمع ينقصه المعنى" [7].

فما الذي قاد الإنسانية نحو هذه المتاهة الرهيبة؟

نجيب بدون إبطاء: إن الإنسان قد ضاع في الحقيقة في تراوحه بين أبعاده الخمسة التي سبق ذكرها، ولم يفهم إلى حد اليوم بما يكفي من الوضوح، وفي ظل قياداته المستبدة وبفعلها، حقيقة العناصر التي يجب أن يجعلها تتحكّم في مسيرته في الوجود، وقد كان هذا طبيعيا في حدود معينة نظرا لتشعبات مساره منذ نشأته في ملكوت البهائم، ولكننا نظن أن ضرورة التفتيش عن انبعاث فلسفي جديد أمام الإفلاس المطلق  الواجب إعلانه بأعلى صوت للفلسفة الرأسمالية الليبرالية والفردانية القاتلة ظلما للبعد الجمعي للإنسان والمعادية للطبيعة، وأمام الانسداد الواضح لأفق التطور البشري بعد سقوط ما كان بقي من البديل السوفييتي الذي حاول الانتصار لهذا البعد الجمعي، دون النجاح في ذلك، ما سمح لليبرالية بإعلان انتصارها تحت مسمى الليبرالية الجديدة، والتبجح ب "نهاية التاريخ"  لفائدتها. قلنا إن ضرورة هذا الانبعاث الفلسفي من شأنها أن تدفع دفعا نحو إعادة الاعتبار إلى الدور الذي يجب أن يلعبه المجال القيمي والثقافي لدى الإنسان بوصفه معبرا عن بعده المجرد وعن نوازع سموه ورقيه، فهذا هو المستوجب فعله في إطار المحاولات الرامية إلى انتشال الإنسان من هذا البؤس الكبير الذي تردّى فيه، وهو البؤس الذي سيوصله حتما إلى الانتحار البطيء، كونه لا يؤدي إلا إلى تفعيل نوازع الدمار داخل كيانه، تلك النوازع التي سيكون من واجبه السيطرة عليها وتهذيبها، عندما يُفعّل بعده القيمي الصحيح، ونحن نعتقد في نطاق مُسلّمة لا بد منها أنه بإمكانه القيام بذلك حقا؛ فما يجب الوعي به بوضوح ومرة واحدة هو أن الإنسان قد تعوّرت حياته بعدُ، وأنها ما زالت ستتعوّر، بفعل جهود الرأسمالية في نحت صورة للكائن البشري، يُراد لها أن تصبح صورة نموذجية وسائدة بمقتضى تفعيل قانون الاستنساخ، ألا وهي: صورة الفرد الاستهلاكي اللاهث وراء إشباع حاجياته المادية بدون حساب ومهما كانت الوسائل... 

نحو تثوير القيم أو في التفتيش عن المعنى!

 ينحو رأس المال بطبعه نحو تمجيد المادة على حساب معنى الإنسان، فمن هنا  تشجيعه بصورة رخيصة على الإفراط في الاستهلاك، وعلى الانغماس في الملذات، وعلى عبادة المال بوصفه إلها وثنيا جديدا، أما نقيضه المتجسم في الفكر الاشتراكي المنهجي المعاصر، فقد طمح لا شك في ذلك إلى الدفاع عن معنى الإنسان، وهو لئن ركز بناءه النظري على المادة هو الآخر، فإن ذلك كان مختلفا شكلا وهدفا مع نقيضه الرأسمالي في هذا المسعى، وهذا الاختلاف هو ما سعى مناوؤوه من خارجه وحتى من داخله أحيانا، إلى طمسه وإلى عدم إبرازه. ولنتوقف لحظة، ولكن بشيء من العمق الذي هدفه الإضافة قدر المستطاع عند هذه الاعتبارات، وهنا، فلا بد من التذكير بأن الاشتراكية التي تسمي نفسها علمية والتي نفضل أن نسميها اشتراكية منهجية، قد انطلقت في بدايتها من شبه مُسلّمة تقول إنه "ليس وعي الإنسان من يحدّد وجوده، بل إن وجوده هو الذي يحدد وعيه" [8]، ولكنها في مسارها سرعان ما تفطن رُوّادها إلى وجوب توضيح ذلك، فانتهى الأمر إلى الإقرار ب: "أن عناصر البنية الفوقية  لها مفعولها في مجرى الصراعات التاريخية"، بل وإلى الاعتراف بأن هذه العناصر: و "في حالات كثيرة تحدد بصفة طاغية شكلها" [9] فوق ذلك؛  ولكنه في المسافة الزمنية الفاصلة بين شبه المُسلّمة البدئية وبين الإقرار الأخير، جرى ماء كثير في السواقي، ذلك أنه تطورت مدارس عديدة لم تفقد فاعليتها بعد انبثاقها أرجعت في رؤية مادية ميكانيكية بحتة، كل الأمور في تطور وجود الإنسان إلى ما يسمى بالعامل الاقتصادي الذي كاد أن يختزل لوحده لدى أصحابها دور عناصر المادة بأكملها من ناحية أولى، وأن يُسقط كل جدل بين المادة والوعي من ناحية أخرى.

وبالتأمل، فإنه يمكننا أن نفهم أن السياق التاريخي الذي شهد بزوغ الفكر الاشتراكي المعاصر ـ الذي طمح إلى أن يكون منهجيا ـ كان يقتضي وبالضرورة إبراز دور القاعدة المادية للتطور، وذلك حتى يضع حدا  للنزعات المثالية التي جعلت للإنسان جوهرا ثابتا لا يتغير مبنيا على وحشيته، فأغرقته تلك النزعات من ثمة  في الأوهام والأساطير والخرافات، ما أدى بالمحرومين وبالمضطهدين فيما عدا حالات غضبهم  وتمردهم: إما إلى الخنوع  والخضوع والاستكانة إلى القهر والحرمان ونبذ الاحتجاج والثورة ورفض التحرك من أجل تشييد عالم جديد أكثر اتزانا وجمالا، وإما إلى التنسك والتزهد والعزوف كليا عن مباهج الحياة التي يرون أن الوصول إليها لا يمكن أن يكون مصحوبا فعليا سوى بالمظالم والمعاصي والذنوب. وإذ تبين اليوم  من ناحية أولى وحتى لأشد مدارس علم الاجتماع البشري عنادا في المثالية أن وعي الإنسان يعيش في جدل دائم مع المادة، وأنه لا يتطور فعليا إلا من خلال التفاعل معها، كما من خلال مراكمة الخبرات والتجارب في مثل هذه السيرورة، فقد وقف علم الاجتماع كذلك ومن ناحية ثانية عند ما هو ملحوظ بكثافة من أن نفس البنى المادية التحتية لا تنتج بالضرورة نفس البنى الفوقية في الوعي، ذلك أن الوعي بإمكانه أن يتفاعل لدى الأفراد ولدى المجموعات بصورة مختلفة شكلا وحتى مضمونا مع نفس الأوضاع المادية التي يعيش فيها من يحملونه، في حين أن أوضاعا مادية مختلفة تماما بين الأفراد والمجموعات يمكن أن توصل أصحابها إلى الوحدة في وعيهم، ما تبين من خلاله أن الوعي في جدله المستمر مع المادة هو الذي يؤثر في نهاية المطاف على طريقة فهم الإنسان للوجود، وما يحدد طرائق تفاعله معه، ويرسم أساليب وحدود تداخله لتغييره في هذا الاتجاه أو الآخر... ومن المفهوم بداهة ـ وهو ما نود التأكيد عليه ـ أن هذه المعطيات تنطبق على الأفراد مهما كانت انتماءاتهم إلى التراتبية الاجتماعية، كما تنطبق على المجموعات من أصغر خلية إلى المجموعة البشرية قاطبة... وبهذه الصفة:  فإنه ما بين العبقرية أو البلادة الذهنية الفطرية أو المكتسبة، وما بين القدرة على حب الآخر أو الانكفاء على الذات وحب الأنا، وما بين الانتصار للكرامة أو الاستكانة للظلم، وما بين الحس الجمالي المرهف أو الميل الحاد نحو المعادلات الحسابية والفيزيائية لدى الأفراد، وما بين التآلف أو التغالب، والتفاهم أو التنافر، والتواصل أو القطيعة  لدى المجموعات، أمكن للإنسان أن يبلور الاتجاهين الثقافيين اللذين شقّا تاريخ وجوده، ألا وهما:

أولا: الاتجاه الثقافي الزائف الذي طوّره أساطنة استغلال الإنسان لأخيه الإنسان واستعبده وتسخيره وتأجيره، وأباطرة الهيمنة على الشعوب وسرقة خيراتهم، وهو اتجاه يتحدد أساسا لدى البشر من خلال الاستجابة لنوازع التوحش، والخضوع لشروط الوجود، فما فتئ يعمل على تغذية عوامل انحطاط الإنسان، ونحن نراه متجسما في مستوى الفعل: ظلما وقهرا واستبدادا وعدوانا، وفي مستوى رد الفعل: رضوخا وخنوعا وخضوعا وهوانا.

ثانيا: اتجاه الثقافة الحقّة... "الذي مهد له منذ أقدم الأزمان أبطال الحرية وأعداء الاضطهاد" [10]، وهو الاتجاه الذي ما فتئ بكل تعبيراته الحضارية والخصوصية وتلوناته القومية والوطنية والمحلية، يتغذى من عوامل سمو الإنسان، داخل البنى الفوقية، ويساهم في تطويرها، والذي يتجسد في مستوى الفعل: تفاهما ومحبة وتعاونا وتآزرا، وفي مستوى رد الفعل: احتجاجا وتمردا ومقاومة للظلم وثورة وعصيانا.

ويمكن القول عند هذا الحد، وبعبارات أخرى: إن الأفكار تولد فعلا في وسط مادي ومناخي واجتماعي محدد، وفي نسق تاريخي ومعرفي وحضاري معين، وهو ما يؤثر على صياغتها شكلا ومضمونا، ولكنها في جدليّتها مع هذه المعطيات، وبحكم تبلورها داخل العقل في نهاية الأمر بصفته أداة رفيعة للذكاء، ما تنفك ترسم مسارا خاصا بها، وتتراكم في هذا الخصوص كميا، وتتغير كيفيا، مواكبة لتطور المسيرة العامة للإنسان وتأثيرا في مجرياتها سلبا أو إيجابا. وهكذا فإن حركة الأفكار، ولئن كان الهدف منها هو إيجاد حلول للمشاكل المادية المطروحة واقعيا، فهي بحكم ارتباطها بالوعي تتدرّج بالإنسان شيئا فشيئا نحو ملامسة الحقيقة المطلقة وذلك عبر مراكمة الحقائق النسبية، ما يجعلها على الدوام وبهذا الشكل أو الآخر تحتلّ مركز القيادة، وتقوم بوظيفة الرئاسة لكافة شؤون الإنسان.

إنه من هنا نفهم مجددا وبوعي مضاف، لماذا لا تفنى عناصر البنية الفوقية بالضرورة بفناء البنى التحتية التي صاحبت نشأتها، ولماذا تتحول هذه العناصر بدورها إلى ما يشبه البنية التحتية، وتصبح معطى شبه مادي لا غنى عنه في توليد الوعي الجديد، أي في إنتاج البنية الفوقية المضافة والتي ستكون متناسبة سلبا أو إيجابا مع تغير الظروف، وتبدل الأحوال. فهناك إذن استقلالية نسبية يتمتع بها الوعي البشري في علاقته بالبنى المادية التي يتحرك ضمن شروطها، وإنه لا بد من إعلان هذه الاستقلالية النسبية بكامل الوضوح والتجلّي، فذلك ما يتيح لنا أن نقول: إن تدخّل عناصر البنى الفوقية لا يحدّد شكل الصراعات التاريخية فحسب، مثلما تم الإقرار بذلك سابقا كما سلف القول، بل يساهم بقسطه أيضا في تحديد مضمونها.

وبعبارة أخرى يمكننا أن نقول: إن وعي الإنسان بصفته ناظما لعناصر البنى الفوقية يتدخل بصورة ملموسة في تحديد مضامين الحياة الواقعية أثناء إنتاجها وإعادة إنتاجها، وذلك قطعا من خلال الجدل على الدوام معها... فيبقى من المفهوم بداهة أن عناصر البنى التحتية هي التي تعطي فقط وبصورة طاغية هذه المرة لمداخلة عناصر البنية الفوقية شكلها، فهذا هو ما يشكل نطاق الإضافة الفكرية التي قصدناها. وهكذا يتضح لنا أن القدرة العقلية للإنسان هي قدرة كلية لأنه في برنامج هذا الإنسان أن يتحدّى وأن يكسر شروط عبوديته للواقع إذا كان هذا الواقع منحرفا أو ظالما أو معيقا لحريته، بل إنه في برنامج الإنسان أن يطلب حتى "المستحيل" (والمستحيل مفهوم نسبي تماما كما هو معلوم)، وهذا ما لا يتأتّى له إلا بتحريك عوامل سموه ككائن يتمتع بحيز نسبيّ ولكن لا شك فيه من الحرية في ظل الضوابط الكونية.

إن كل المنظومات العقائدية والفكرية التي غيرت واقع الإنسان أو حاولت ذلك ما كان لها أن تكون على ما كانت عليه من ناحية شكلها لولا الظروف العينية التي انبعثت فيها تاريخيا، ولكنها تبقى محددة من حيث مضمونها بتدخل عناصر البنية الفوقية كيفما تنتظم داخل الوعي استجابة لوظيفته الجوهرية المتمثلة في قيادة وجود الإنسان.

إن الإنسانية وكما هو معروف لا تطرح على نفسها غالبا إلا الإشكاليات التي هي قادرة على حلّها، أو فلنقل وبالأحرى، إلا الإشكاليات التي يظهر من خلال تفاعلها جدليا مع الشروط المادية لوجودها، أنه ينبغي عليها حلّها: وهكذا فإن الشروط المادية لوجود الإنسان تؤثر في تشكّل وعيه، ولكنها ليست مسؤولة ميكانيكيا عن تحديد كافة أبعاد هذا الوعي. أما وعي الإنسان، فإنه يملك دائما وفي نطاق التفاعل معها قدرة مستقلة نسبيا على صياغة نفسه في هذا الاتجاه أو الآخر، بل وحتى على خلق واقع جديد بعد أن يتمّ إنتاجه بصورة مجردة داخله.

ولا يجب أن ننسى ما دمنا في هذا السياق من الكلام أن إنسانية الإنسان هي التي فجرت طاقة الحلم الكامنة أصلا في برنامج وجوده، فجعلته لا يكتفي بقراءة الواقع من أجل فهمه والتعامل مع معطياته، بل ويسعى إلى الفعل فيه وتغييره في الاتجاه الذي يرغب فيه انطلاقا من تصورات يبدعها بالمكابدة وبالمعاناة على مستوى وعيه وخياله. فالرغبة في خلق عالم بديل التي جسمتها: أحلام الجمهورية المثالية، والمدينة الفاضلة، ومختلف الطوبووات، وصولا إلى المشاريع ذات الطابع المنهجي الأكثر تبلورا، إذ تجد أسبابها في نقائص الواقع المادي ومظالمه، فإنها تجد مصدرها ومنبعها في الروافع التي يحتويها برنامج الإنسان، وفي الرسالة المرسومة في جيناته، والتي تمنحه القدرة على المقاومة، وعلى تجاوز الحدود الظالمة، وعلى تصور آفاق بكرة لوجوده، ونحتها نحتا في الواقع المادي، تجسيما لعوامل سموه ورقيه.

وهكذا فإن الشروط المادية لوجود الإنسان ليست عند النهاية سوى الوسائل التي تدفع به من خلال الجدل الأكيد معها إلى بلوغ أفضل أحوال هذا الوجود، وهنا فلقد كانت الفكرة الاشتراكية في مختلف صياغاتها عبر التاريخ ـ من أكثرها ضبابية إلى أكثرها منهجية ـ بادرة من أهم البوادر التي طورها الوعي البشري في محاولة لتحقيق أفضل وجه من وجوه اجتماعه.

وإذ شهد القرن العشرون بالتقويم المسيحي إحدى المحاولات الأكثر تبلورا في هذا السبيل ألا وهي التجربة السوفياتية التي هدفت إلى تغيير شروط وجود الإنسان، وتحسين أوضاع الجموع ماديا وثقافيا من خلال سلب المستغلين والمهيمنين أسباب جبروتهم وطغيانهم، فقد كان المؤمل من خلالها هو الارتقاء بالإنسان وتمكينه من تجاوز أسباب توحّشه وانحطاطه، ولكن تلك التجربة ـ لأسباب داخلية وخارجية متشابكة ـ ورغم روعتها في جوانب كثيرة من جوانبها لم تؤدّ إلى إحداث النقلة النوعية المرجوة في العلاقات البشرية.

وبالتأمل، فإنه يتضح أن السبب في ذلك لا يعود فقط إلى المقاومة الضارية التي واجه بها أساطنة القهر والاستغلال وأباطرة الهيمنة والاستعمار تلك التجربة من خارجها ـ وهو أمر كان متوقعا منذ البداية ـ بل كذلك إلى أنها كانت تفتقر داخليا إلى تكثيف وتركيز الفكرة الاشتراكية بما يربطها جدليا وفعليا بكامل المسيرة القيمية السابقة للإنسان بعد غربلتها علميا من التشويهات: إما تلك التي دستها الطبقات السائدة في ثناياها وتلافيفها، وإما تلك الناتجة عن مدى تطور العلوم والمعارف، وترسب الجهل والخرافات والأساطير الحاثة على الخضوع، داخل الوعي البشري.

ويمكن القول هنا وفي هذا السياق، إن بعض الصياغات والاجتهادات التي تسربت إلى التطبيقات الاشتراكية التي تمت خلال القرن العشرين قد كانت السبب في التعامل العنيف لا فقط مع سياسات الاستغلال والهيمنة ـ وهو أمر مقبول ومشروع ـ بل إن هذا العنف قد تسلط حتى على الفضاءات التي ينتمي إليها الإنسان العيني مثل الفضاء العائلي، والفضاء الوطني، والفضاء الروحي والإيماني، وهذا الفضاء الأخير كان يمكن التعامل معه على الأقل بصفته مكونا من مكونات الفضاء التراثي والثقافي والأخلاقي... رغم أن مساحته يمكن برؤية علمية أن تتجاوز ذلك.

وتقتضي الموضوعية هنا أن يتفق المحللون الراغبون في التقييم الموضوعي للتجربة على أنه كان للمفكر الروسي فلاديمير إيليتش لينين ، فضل ما في محاولة تصويب دفة السفينة في الاتجاه الصحيح وذلك:

أولا: لما ضرب المثال من خلال حياته الخاصة على احترام الخلية العائلية وتكريس الوفاء بين الزوجين، إلى حد أنه اعتبر خيانة الالتزام الزوجي شبيها بخيانة الالتزام في تبني قضية تحرير الإنسان، فالالتزام هو الالتزام مهما كان ميدانه، ولا بد من احترامه، حسبما أكده، وقد ثار هنا بعنف لا مثيل له ضد "نظرية الجنس كشربة ماء"، وهي النظرية الإباحية التي رددها الكثيرون، ومن ضمنهم للأسف الشديد بعض رفاقه ورفيقاته  البارزين بالحزب البلشفي الحاكم آنذاك، وإن مساجلاته في هذا النطاق ما زالت تكتسي كل أهميتها إلى حد هذا اليوم.

ثانيا: لما نادى بأن الفكرة الأممية التي تدافع عنها الاشتراكية لا تتنافى أبدا مع أن يكون المناضل الاشتراكي مفعما بالعزة القومية، ذلك أن بعض الاشتراكيين قد دفعت بهم اجتهاداتهم في تلك الظروف إلى تبني أممية فضفاضة مقطوعة عن سياقاتها القومية والوطنية، واعتبروا أن تحرير عالم الشغل من الاستغلال يأتي في المرتبة الأولى قبل تحرير الأوطان من الهيمنة... وقد كان ذلك خطأ فظيعا... فالاستغلال والهيمنة ينبعان من نفس المنبع الوحشي، ولا بد من مقاومتهما بمعية بعضهما حيثما وجدا.

ثالثا: لما نادى بأن الدين قضية خاصة لا يجب أن تؤثر على وحدة النضال ضد الاستغلال والهيمنة، وأن الاشتراكية ليست مدرسة لنشر الإلحاد، لأن ما يهم الاشتراكية إنما هو تحرير الإنسان لا غير، واقفا بهذه الصورة ضد التيارات الإلحادية التي وصل بها الأمر إلى تضمين الإلحاد كبند من بنود الأنظمة الداخلية للأحزاب التي تتصدى للنضال من أجل الاشتراكية، وهي ذات التيارات التي وصلت أقصى مداها مع أنور خوجة الذي ضمن الإلحاد كبند من البنود داخل دستور السلطة التي نجح في إقامتها بألبانيا مرة واحدة.

ولكن هذا الاعتراف الموضوعي بفضل هذا المفكر الروسي والأممي لا يمنع من الإشارة إلى كون هذا الجهد المبذول من طرفه والذي لم يتسن له إتمامه كونه وقع اغتياله سريعا في ظروف مشبوهة وغامضة، ما زال يستوجب الرجوع إليه وتعميقه من طرف الاشتراكيين الصادقين، وذلك على ضوء تقييم علمي لإيجابيات كما لسلبيات كامل التجربة الاشتراكية للقرن العشرين، فهذا يعني أن هذا التقييم المرجو:

أولا: يجب عليه أن لا يخشى النقد والنقد الذاتي، وبحزم منهجي، لكامل الأخطاء التي وقعت، والتي منها وعلى سبيل المثال فقط، نقد تلك الأخطاء التي ارتكبها "الخمير الحمر" بكمبوديا لما حاولوا تطبيق مبدأي  "الجماعية"، والانتصار إلى "الريف" على حساب "المدينة"، ففعلوا ذلك بصورة كاريكاتورية، بل وبصورة إجرامية، حال وصولهم إلى السلطة بعد مساهمتهم بنجاح مع غيرهم من الفعاليات الوطنية في دحر الهيمنة الأمريكية على مقدرات بلادهم.

ثانيا: كما يجب عليه (أي هذا التقييم) أن لا يتخلى ولو قيد أنملة عن المكتسبات الفعلية على المستويين النظري والتطبيقي لمختلف التجارب التي تمت باسم مبدأ العدالة الاجتماعية، والنضالات من أجل دحر الاستغلال والهيمنة، فهي مكاسب موجودة ولا شك فيها... ولكن يتوجب نفض الغبار عنها وتخليصها من التشويهات التي ألحقها بها الأعداء والخصوم.

فنحن نعتقد هنا أن هذا هو السبيل الوحيد لجعل الفكرة الاشتراكية تنهض من كبوتها المهينة أمام الفكر النيوليبرالي المنحط وأمام المد العولمي كثير التعفن، وأن تعود مثلما يعود الدر إلى معدنه، كفكرة هادفة إلى تخليص البشر من عوامل توحشهم مع مراعاة متطلبات وجودهم مختلفة الأشكال كما أبرزتها بدقة مدارس علم الاجتماع السياسي المنحاز إلى الحقيقة كقيمة ثورية عليا... وكما حاولنا هنا في نطاق هذا الاجتهاد تحديدها في الأبعاد الخمسة للإنسان.

ولا بد أن ندرك إذن وبكامل الوضوح أن محاولة الاشتراكية تحقيق أسباب الرفاه المادي للمضطهدين من خلال تحسين ظروف مأكلهم، ومشربهم، ومسكنهم، وتنقلهم، وعلاجهم من أمراضهم، وتعليمهم ، وثقافتهم، لم تكن على ضرورتها التي لا تقبل النقاش، هدفا في حد ذاته، مثلما تراءى خطأ للبعض، لأن الهدف الحقيقي للاشتراكية إنما كان من وراء ذلك كله هو السعي إلى بعث "الإنسان الجديد" المتخلص من تراث توحّشه، والملتصق بوعي علمي بتراثه القيمي الحقيقي، ومعلوم هنا أن صورة هذا الإنسان الجديد ولأسباب مختلفة لم يتسنّ لها أن تبرز بكامل الوضوح في الأدب الاشتراكي المكتوب، فهذا ما يطرح على الصادقين مهمة استكمالها. فما يجب الوقوف عنده في هذا السياق هو أن الفكرة الاشتراكية بعيدا عن التهويمات الخاطئة لبعض معتنقيها، ما انفكت في عمقها: "تمنح دلالة شاملة لمشروع نضالي يقوم على التضحية بالذات باسم قضية إذا كان من المفروض أنها مادية، فهي أيضا متعالية" [ 11]، فهذا التعالي هو بالذات ما يجب إبرازه وتطويره بغاية توسيع الأفق الروحي والقيمي للإنسانية، بما يجعل الأفق الاشتراكي يتخلص نهائيا من دائرة المحاولات الرامية إلى محو الماضي برمته أو ما يسمى ب "الطابيلا رازا"، ذلك أن الإسهامات التي جاء بها مفكرون أفذاذ من طراز بوذا وحامورابي ولاوتسه، مثلا، مهما كانت حدودها، فهي بنت ظروفها زمانا ومكانا، أو تلك التي حملها أيضا أنبياء عظام من طراز عيسى ومحمد لا يمكن التفريط فيها أو تجاهلها دون بتر حلقات أساسية من سلسلة التكوّن التاريخي للإنسان العيني، الذي سيحل محله عندئذ إنسان نمطي وافتراضي سيجده الإنسان العيني غريبا عنه وغير متناسق مع أبعاده الخمسة التي سبق تحديدها.

فالماضي يتدفق بحرارة في شرايين الحاضر والمستقبل، ويساهم بقسطه في صياغتهما، بل إن التقسيم الزمني ما هو عند النهاية إلا تقسيم افتراضي فرضته ضرورات التبويب والتنظيم أمام معضلة فناء أجزاء الإنسان في الزمان والمكان، أما على المستوى الفعلي فإن الجدل قائم أبدا بين مختلف لحظات الإنسان سواء ككائن فردي أو ككائن جمعي متواصل في الزمان، بحيث إن تلك اللحظات لا تشكّل وحدة إلا إذا تعاملنا معها من خلال تسلسلها وتراكمها.

وهكذا فإن التواصل مع أنبل ما في التراث الإنساني لكافة الشعوب مع تخليصه من شوائبه الأسطورية والخرافية والطبقية بما يعني معانقة جوهره، وتحيينه، وإثراءه، وتطويره، هو الذي من شأنه أن يُمكّن الاشتراكية من نحت أدوات صمودها، وحصانتها، وأن يؤسس لشروط انتصارها، وأن يُمكّن الإنسان من السيطرة على الصولات المتكررة والمتعاقبة لوحشيته المترسبة والمتجددة في أشكالها.

ونريد أن نُذكر هنا وبصورة خاصة ورمزية، بتلك اللحظات من أواسط الثمانينيات من القرن العشرين التي وقف فيها المواطنون السوفياتيون أمام محلات "ماكدونالد" حال فتحها لأبوابها في موسكو تحت حكم العميل ميخائيل غورباتشوف، كي تبيع تحت مسمى " الهامبورغر" ساندويتشات من قطع الخبز الصغير المحشو بشرائح من اللحم المفروم والذي قد يكون مغشوشا أحيانا، صحبة قطعة من الطماطم وورقة من الخس وشيء من الجبن، إذ أنها كانت لحظات أليمة بحق، لا فقط، لأن المواطنين "السوفياتيين" قد ازدحموا في طوابير طويلة وخيالية وفوضوية شوقا إلى المنتجات الأمريكية، بما أتاح لصاحب هذه المحلات أن يقول بسخرية مرة: "إن الهامبرغر هو أعلى مراحل الاشتراكية" [ 12 ]، مقلدا بذلك مع تحريف مقصود عبارة شهيرة لمؤسس الدولة السوفياتية قال فيها: "إن الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية"... بل كذلك، لأن تلك اللحظة كانت هي اللحظة الاعتبارية لسقوط ما بقي من الاتحاد السوفييتي في المعنى، بعد تآكل بنيانه بفعل البيروقراطية، وباشتداد مؤامرات الأعداء من خارجه ومن داخله، فتلك اللحظة كرّست في الواقع المعنوي الانتصار الساحق للرأسمالية الاستهلاكية الرخيصة لا فقط إزاء سوء التنظيم الاقتصادي القائم بتلك البلاد، والمتسم بالحيف لفائدة البيروقراطية، بل وهذا هو الأهم إزاء الغياب التام لكل أفق روحي وقيمي متكامل  لدى الجماهير السوفياتية، وهو ما كان من شأنه أن يجعلها تقف بشموخ أمام الإغراءات المسمومة للويسكي، وللشوينقوم، وللدجين، وللهامبرغر، وللدولار، التي يروجها  لهم في السوق السوداء النظام الإمبريالي المعادي لطموحاتهم الحقيقية، في نطاق "حرب باردة شاملة" مسّت الميدان الإعلامي، والقيمي، والاقتصادي، والمالي، والعسكري الذي أدرك "حرب النجوم"، فكانت "حربا باردة" كثيرة الفظاعة وبلا هوادة، على عكس ما يعتقد الكثيرون... بل إنها لتعادل في تأثيرها حربا كونية رغم اختلاف الشكل، ولكن الانتصار الإمبريالي فيها لم يكن حتميا أو ممكنا... لولا ما ذكرناه.

وهنا، فإننا نلحّ على إعادة الاعتبار للمكون الديمقراطي داخل الفكر الاشتراكي، ولتَتفتّح بالفعل في هذا السياق ألف زهرة في كل تجربة من التجارب الميدانية لهذا الفكر، لأن الاشتراكية يجب أن تكون ديمقراطية أو إنها أبدا لن تكون، ونحن نعتقد راسخا أن بلورة هذا البعد الديمقراطي من شأنه لا فقط  الإشارة إلى كل نقيصة من النقائص في البناء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الجديد، ولكن من شأنه كذاك رسم السبيل وبصورة علمية نحو تطوير الحياة القيمية والروحية للإنسان، بعيدا عن الترسبات الخرافية والأسطورية التي كان هذا الإنسان مضطرا لتنكب سبلها أمام نقص المعارف أو بفعل ظلم الطغاة، كما نعتقد أن تطوير هذه الحياة القيمية والروحية للإنسان سيبقى مطلبا أصيلا وملحا لديه مهما كانت درجات تطوره في الزمان والمكان.

إن الدراسة المعمّقة لماضي الإنسان، والتواصل مع خط النور المضيء الذي يشق تاريخه والمستوجب معرفته وتحديده بكامل الدقة المعرفية والعلمية كونه خطا موجودا بالفعل، كتنشيط المحفزات العملية لطاقته الخلاقة، دون إلغاء لأي بعد من أبعاده الخمسة المرسومة في برنامج بعثه ووجوده، هي التي من شأنها أن تجعل من مقاومة رأس المال عملا لَا يجد فقط منطلقاته ومبرراته في الردّ على مظالمه الآنية أو المشهودة في هذه اللحظة من الزمن أو الأخرى، وفي هذه الرقعة من المكان أو الأخرى، وإنما يجب أن يأخذ شكل خطة منهجية متكاملة ومتوازنة ومتصلة، بما سبقها من حلقات وجود الكائن البشري، وكل ذلك  بهدف القضاء من الجذور على ظاهرتي القهر الطبقي والهيمنة على المجموعات الأخرى باعتبارهما ظاهرتين تمثلان ترسبا من ترسبات انحطاط الإنسان وتوحشه.

وهكذا، وإزاء استهداف الهجمة العولمية بوضوح كامل للجوهر القيمي المتعالي للإنسان، فإنه في نطاق العلاقة الجدلية القائمة أبدا بين عناصر البنية التحتية وعناصر البنية الفوقية يتعين اليوم وأكثر من أي وقت مضى تفعيل هذه الأخيرة بكل أبعادها الجمالية في نطاق ثورة ثقافية شاملة، وتسليطها بغاية نقضه وإلغائه على الواقع المزري والقبيح الذي ما انفك يطوره أساطنة الاستغلال وأباطرة الهيمنة، فهذا ما يوجب التحيين الخلاق لهذه العناصر إزاء واقعها الخصوصي مع تخليصها بحكمة من كل شوائبها في هذا النطاق، كتجذيرها بعمق وبصفة بناءة في تاريخها، مع تحصينها طبعا بوسائل ردع الأعداء وبموجبات القوة المادية الضرورية لصد هجماتهم التي سوف لن تنقطع لآماد من الزمن كما هو متوقع منها... فالصراع هنا سيكون ضاريا. وإنه مطروح هنا على من يتصدون إلى إنجاز هذه المهمة من مناضلين وكوادر أن تكون وقعت تربيتهم، من طرف من يملكون الكفاءة لذلك، وفي حصص تكوينية للغرض، على نبذ الانتهازية والتملق والكذب والطمع كي يكون بإمكانهم عند انغراسهم وسط الجماهير التي يعملون في صفوفها، أن يرتفعوا بصدقهم وبتواضعهم وبتضحياتهم وبتخلّصهم من رغائب الأنا المريضة إلى مقامات القدوة، وأن يضربوا المثال من خلال حياتهم على إمكانية قيام عالم بديل وجميل، وعلى أن لَا يكونوا أبدا أمام عيون المضطهدين، أدوات لإعادة إنتاج عالم المظالم القائم؛ فالإنسان الجديد لا يُبنى إلا بقوة المثال.

إن كل ما سبق ذكره يطرح إعادة الاعتبار إلى قيم المحبة، والتعاون، والصدق، والأمانة، والوفاء، والفداء، وهي قيم من الواجب الاعتراف صراحة ومرة واحدة بأنها لم تنشأ البتة في علاقة مباشرة بأنماط الإنتاج الاقتصادية، لأنها شقت طريقها على الدوام من خلال كل الأوضاع الاقتصادية المختلفة ووجدت بهذا الشكل أو الآخر عبر الزمان والمكان، ما تجلى في نماذج يمكن التعرف إليها عبر تاريخ كل المجموعات البشرية، فهي النماذج التي يجب استدعاؤها لدعم الجهود المحيّنة التي ستبذل في مقاومة ظاهرة المظالم الطبقية والهيمنية، تلك التي لا تشكّل المظالم الرأسمالية والعولمية غير إحدى تمظهراتها؛ مع الوعي هنا بأن المظالم الرأسمالية والعولمية من هذا الطراز، بتوسيعها المذهل لنطاق تحركاتها، وبتطويرها غير المسبوق لوسائل الاتصال والتواصل من أجل مرابيحها بطبيعة الحال، هي من أتاحت الفرصة موضوعيا وبصورة جدية لنقض كل المظالم ولتجاوزها، لأنها هي التي أتاحت الفرصة أيضا لتمكين الصادقين من الإعلان بصراحة من خلال التشبيك وتطوير أساليب النضال، ودون أدنى مواربة عن ضرورة انبعاث إيمان إنساني عميق  مفاده أن وجود الإنسان لا يمكن أن يكون مندرجا سوى ضمن برنامج كوني يدفعه باستمرار نحو السمو والارتقاء، بل ما ينفك يطالبه بالوصول إلى ذلك عبر تجاربه وآلامه ونجاحاته وإخفاقاته، وما ينفك يقول له إن مغامرته في الوجود ستفقد معناها بدون ذلك.

إن هذا الإيمان العميق بسمو الحياة، وبنبل وجود الكائن البشري فيها من خلال ملكة ذكائه، هو وحده الذي يمكن أن يصالح الإنسان مع ذاته، ومع الطبيعة، ومع الكون برحابته، وأن يعطي دفعا متجددا لمغامرته في الوجود،

 فهكذا تنفتح الأبواب وبصورة فعلية أمامه كي يغادر طور الضرورة نحو طور حريته النسبية، وأن يخرج من دائرة فقدان المعنى إلى دائرة المعنى، وهكذا أيضا يبتعد عن العبثية المتمثلة في بناء جهوده الحضارية على تكديس أسباب الملذات المادية والاستزادة منها، لأن تلك الاستزادة لا تكون مشروعة إلا في حدود تلبية حاجته الفعلية إليها مع ارتباطها الدائم بالمجال القيمي والمتعالي لديه، كونها بدون ذلك تفقد طابعها الوظيفي، وتصبح مجرد ضرب من ضروب الوحشية والغباء.

كيف نفسر هنا أن أقواما أوجدتهم الصدفة في ظل الوفرة والرفاه المادي الكامل أو النسبي يصبح بإمكانهم الانسلاخ عن كل الأسباب التي كانت تدعوهم إلى إعادة إنتاج مسالك الظلم في حدود ذواتهم ومحيطهم، كما يصبح بإمكانهم التخلي من ثمة عن نوازع توحشهم وأنواتهم المريضة، والتصدي لأسباب الخضوع إلى إملاءاتها، والمعانقة الصادقة من ثمّة لمشاغل وهموم إخوتهم في الإنسانية من المستضعفين المحكوم عليهم بالحرمان من قبل التنظيم الاجتماعي الظالم الذي نشأوا في مناخات إعادة إنتاجه؟ وكيف نفسر هنا أيضا أن أقواما وجدوا في حضيض الخصاصة والحرمان المادي اللامتناهي والذي يريد لهم الظالمون الرضوخ والخضوع، بل ويربّونهم اجتماعيا على ذلك عبر عناصر الوعي المستحوذ عليها من طرفهم والتي يعطونها طابعا إيديولوجيا أو حتى دينيا بعد حشوه بما يوافق مصالحهم، فإذا بهؤلاء ينهضون من ذلك الحضيض لمقاومة القوة التي يمكن أن تكون غاشمة لمن يضطهدونهم، انتصارا لكرامتهم ولعوامل سموهم؟ أليس من الواضح في الحالتين أن التضحيات الجسيمة والمعروفة مسبقا على المستوى المادي لم تثن هؤلاء وأولئك  عن الانتصار لإنسانية الإنسان وعن المضي قدما نحو أهداف سموهم؟

فإذا كان الإنسان مادة ومعنى، وإنه لكذلك فعلا، فإن ما ينتصر عند ممارسته لسموه إنما هو معناه لا مادته، بل إن المعنى هنا كثيرا ما ينتصر في مثل هذه الحالة على حساب المادة! فمن هنا سيرة الأبطال والشهداء التي يحفل بها التاريخ البشري، والذين نمجّدهم، وهذه مفارقة واضحة، ويجب أن تكون باعثة على التأمل المستفيض لدى أصحاب النهى والحجى، ولدى من يرغبون في تشغيل العقول.

وهكذا فما دام المستهدف اليوم من قبل السياسات العولمية المتوحشة هو معنى الإنسان بالذات، حيث يقع السعي وبصورة لم يسبق لها مثيل في حدتها إلى ملاشاة هذا المعنى، وذلك من خلال محاولات تشيئ الكائن البشري وإذلاله، وابتذاله، وسلعنة كل مظاهر وجوده وحتى عواطفه وأفكاره، ودفعه دفعا إلى التخلي عن التراكمات التي حققها في حيز حريته النسبي، فإن المجال يجب أن ينفتح واسعا وبالضرورة لثورة القيم  الإنسانية المتعالية، كما لنجاح كافة الجهود التي بُذلت وتُبذل وستُبذل والرامية بصدق... نعم... بصدق  فهذا هو الشرط... إلى تثويرها وتفعيلها، وإنه بدون هذا الصدق لن يكون هناك نجاح، بل إن "القذارة القديمة" ستتمكن عندئذ من إعادة إنتاج ذاتها... فتلك "القذارة القديمة" هي التي كانت سببا في سقوط الاتحاد السوفييتي عندما عادت، فلا بد من الوعي بعمق بهذا والإقرار به... لأنه سيكون من السهل دائما انتهاز فرصة غضب الناس من المظالم، والوصول من خلال ذلك إلى سدة الحكم بشعارات توهمهم بخدمة مصالحهم، ولكنه لا نجاح ولا ديمومة لأية تجربة لا يكون الصدق هو دافعها الوحيد، ومحركها الدائم، وحصنها العتيد.

ويبقى مفهوما هنا، ولكن ليكن ذلك بكل وضوح، أن تكثيف هذه القيم ولو على مستوى الفرد من شأنه أن يجعل منه كيانا صلبا تنكسر عند أقدامه كافة مشاريع المجتمع العولمي الاستهلاكي الرخيص، حتى إذا تعلق الأمر بما يتجاوز الفرد وصولا إلى تنسيق كافة أشكال المقاومات الجمعية للإنسان من أصغر خلية مقاومة للأفراد على مستوى محلي تمارس الاكتفاء الذاتي والقطيعة الذكية مع السائد وتتدرب على التسيير الجماعي لشؤونها إلى أرقى مستوى للطاقات الحية للشعوب التي تمارس المقاومة على مستوى وطني أو قومي أو أممي، فإن الباب سينفتح حتما للوصول نحو الهدف المنشود ألا وهو: تحرير الإنسان من كافة أسباب استلابه، فهذا هو المرتجى.

 إن هذا الهدف لا يتحقق إلا بالنقض الواعي للواقع المنجوس الذي ما انفك أساطنة الاستغلال وأباطرة الهيمنة . وخاصة في عصر رأس المال الذي يتعولم ـ يحاولون فرضه على البشرية بأقسى وبأقصى أنواع العنف، وبأبشع وبأخبث أشكال الخداع، وأساليب العنف المسماة "ناعمة". إن أساليب الحياة التي تحاول العولمة الرأسمالية فرضها: بواسطة شركاتها العملاقة متعددة الجنسيات التي تحتكر مجالات السلطة الفعلية في الكون، ومن خلال سمومها الغذائية والصحية، وانحرافاتها القيمية والأخلاقية، ومن خلال حيفها الاجتماعي على  الكادحين وعلى المفقرين وعلى المهمشين وعلى المحرومين وعلى من تسميهم "الزائدين عن الحاجة" من أبناء الإنسانية، كأن الإنسانية حكر على الأثرياء وحدهم ، كما من خلال عدوانها الظالم على مقدرات الشعوب ونهبها لخيراتهم وسرقتها، ومن خلال الوصفات المغشوشة لصناديق نقدها التي تشرف عليها الأوليغارشيا المالية المتنفذة عالميا، ليست قدرا محتوما، بل إنه يمكن مقاومتها باستنباط أساليب جديدة في الحياة نقيضة لتلك الأساليب، وذلك من خلال إحياء وتجديد وإثراء: رصيد الأساليب التعاونية القديمة، وتقاليد احترام الطبيعة، ومظاهر الحنو على الأرض بصفتها أمّ الجميع، كما من خلال نشر ثقافة البساطة اعتراضا على ثقافة البهرج الزائف والغرور، وتشبيك الناس على أوسع نطاق ممكن حول مبادئ مستمدة من التراث التحرري لكافة الشعوب بعد تحيينه وإزالة ما به من شوائب خرافية وأسطورية وطبقية، فهذا ما يعني أن العوامل الميكرو ـ اقتصادية المبنية على فكرة التعاون الاجتماعي، والاكتفاء الذاتي بإمكانها شرط  المثابرة  في المقاطعة الذكية للسائد ومقاومته أن تسقط عند النهاية الماكروـ اقتصاد الذي بناه رأس المال الاحتكاري على الفردانية والأنانية المريضة وأعاد من خلاله إنتاج مظالم القرون السابقة بأفظع صورة وأشدها تعقيدا ونفاقا، وصولا بذلك إلى هذه العولمة التي أصبحت بمثابة وحش مخيف لا يشبع من لعق الدماء... فهذا الماكروـ اقتصاد بكل جبروته التجاري رهين بمقاطعة الناس بذكاء لمنتجاته، فهو كبالون عظيم يرتفع في السماء زاهيا بألوانه مدفوعا بقوة الهواء الذي هو المال، ومحروسا بأدوات العدوان، أما المقاطعة الذكية، والاعتماد على الذات، والمقاومات المختلفة، فهي الدبابيس الكفيلة عند النهاية بتفجيره وبتصييره كأن لم يكن. 

 فالنظام العولمي يبقى نظاما يحتوي موضوعيا على علّته القاتلة له، ألا وهي سعيه المحموم إلى تحقيق الأرباح لحفنة تضيق يوما بعد آخر من الاحتكاريين والمستكرشين الحاملين لأنوات مريضة ومتوحشة ... فهي العلّة التي إذا لم يقتله من خلالها الصادقون، فسينتهي هو بقتل الإنسانية، وبإنهاء الحياة فوق كوكب الأرض، بواسطتها، من أجل تحقيقها. فلا مناص إذن من المثابرة، في ظل كافة المتغيرات المادية وتواؤما مع متطلباتها، على تحقيق الثورة الثقافية المنشودة، وعلى تثوير القيم، فهذا التثوير القيمي هو بمثابة الأسمنت المسلح للمقاومات بكافة أشكالها. 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش :

(*)  حرر هذا النص بتاريخ 15 سبتمبر 2001، وتم تحيينه بعد ذلك بصورة طفيفة من مرة إلى أخرى، كما تمت هنا محاولة إعطائه شكله الأخير، وهو في الأصل فصل من كتاب حول "العولمة"، ولكنه أمام الصعوبات التي صادفها نشر هذا الكتاب، فقد تم توزيع النص نضاليا لقراءته بتونس في إبانه من طرف الراغبين في ذلك، ثم وقع نشره كنص مستقل بجريدة "العرب الأسبوعي" لمؤسسها أحمد الهوني، وهي جريدة كانت تصدر بلندرة، فذلك النشر قد تمّ  بعددي 31 ماي 2008 و7 جوان 2008 لتلك الجريدة، وكان العنوان الذي صدر به هو: "معركة القيم"، وقد رأينا إدخال تغيير عليه  ليصبح "ثورة القيم".

[1] كلمات للروائي والفيلسوف الكبير ذي النزعة الاشتراكية نيكوس كازنتزاكيس، المشهور بكتابته لروايتي "زوربا الإغريقي" و "الحدائق الصخرية".

[2] تشير عبارة "صهيوني الروح والهوى" إلى انتصار ثقافة الحس العملي والفردانية والمصلحة الشخصية التي تميز "اليهودية العملية" كما كان يسميها الفيلسوف الألماني كارل ماركس في القرن التاسع عشر، في مؤلَّفه حول "المسألة اليهودية"، والتي أصبحت تسمى "الصهيونية" عوضا عن ذلك في القرن العشرين، وتُعتبر الثقافة التي طبعت بطابعها الواضح ثنائية ما يسميه البعض ب "التقليد اليهودي ـ المسيحي".

[3] أُخذت عبارة "انفلات المكتوب اللّاعقلاني" من كتاب "انتحار الحضارة" للكاتب شوقي أبو شعيرة، كما نشر هذا الكتاب في طبعة 1994 بدمشق، عن منشورات "الأهالي" للطباعة والنشر.

[4] صاموئيل هيتنغتون، وقد اعتبرته الأوليغارشيا المالية من أهم منظريها عند هبوب رياح العولمة والليبرالية المتجددة، أما كلماته هذه فقد نشرت بمجلة "الشؤون الخارجية" (فوراين آفّارس) عدد 5 الصادر بتاريخ سبتمبر ـ أكتوبر 1995.

[5] نفس المصدر المذكور ثالثا أعلاه.

[6] نفس المصدر المذكور ثالثا أعلاه.

[7] كلمات لأوكتافيو باث، الشاعر المكسيكي الحائز على جائزة "نوبل" للآداب.

[8] كلمات للفيلسوف الألماني كارل ماركس، من كتابه: "في نقد الاقتصاد السياسي".

[9] كلمات للفيلسوف الألماني فريديريك أنجلز، من رسالة له موجهة إلى بلوخ كتبت بتاريخ 21 ـ 22 سبتمير 1890، أي 5 سنوات قبل وفاة هذا الفيلسوف بتاريخ 5 أوت 1895، ولكن 7 سنوات أيضا بعد وفاة صديقه وشريكه في الفكر كارل ماركس الذي توفي يوم 14 مارس 1883... فتعتبر هذه الرسالة بمثابة المحاولة لتوضيح ما فهمه الناس خطأ من نظريتهما حول علاقة البنى الفوقية بالبنى التحتية... وهي النظرية التي تصدينا هنا إلى محاولة إثرائها وتطويرها.

[10] كلمات لفلاديمير إيليتش لينين، المفكر الثوري الروسي، وأحد القادة الكبار لثورة أكتوبر 1917 بروسيا القيصرية ومستعمراتها، وأحد المؤسسين البارزين للاتحاد السوفييتي، ذلك الاتحاد الذي انتهى صرحه بالسقوط في 26 ديسمبر 1991... بعد 74 سنة من انبعاثه... ومن الواجب التساؤل عن أسباب ذلك؟

[11] كلمات للوك فيري، من كتابه: "الإنسان المؤلّه ومعنى الحياة"، منشورات "إفريقيا ـ الشرق" (أفريك ـ أوريون)، ترجمة: محمد هشام.

[12] كلمات لماكدونالد، الرأسمالي العالمي المعروف، وصاحب سلسلة محلات التغذية المنتشرة عبر أرجاء الكرة الأرضية، والتي اشتهرت بتقديم أكلات سريعة (فاست ـ فود) قوامها "الهامبرغر".