لا تغيب صورة تلك المرأة الفلسطينية التي تلبس الزي التقليدي مُحاطة بالأشجار عن أذهاننا، فهكذا ظهرت في الفنون الفلسطينية وفي أعمال الفنانين في حقبة الستينيات والسبعينيات واستمر حضورها حتى اليوم. نقارن أنفسنا اليوم بتلك المرأة، فهل تشبهنا، وكم ابتعدنا عنها أو كم اقتربنا؟ لا شك في أنها امرأة تلك الجذور التي لا نحب الابتعاد عن روحها ولكننا صرنا نبحث عن الصور الأخرى، صورة المتعبة والضحية والعاملة والمثقفة والفنانة والقارئة، ولكن السؤال هل حضرت في الفن كرمز للوطن؟ لأنها دلالة على الهوية خصوصًا وجودها الذي أكدته التضحيات والنضالات التي خاضتها هذه المرأة. في تلك الصورة تحضر أم سعد، المرأة والأم التي كتب غسان كنفاني عنها في روايته المعروفة، وتحضر نساء أخريات نشعر أننا قرأنا عنهن أو عشنا معهن. في القصائد والأشعار التي كتبها شعراء المقاومة، تحضر فلسطين كحبيبة، ففضلًا عن كون فلسطين كلمة مؤنثة، كتب الشعراء عنها قصائد حبّ يصعب حصرها.
"في رواية "أم سعد"، المرأة التي تلد الأولاد فيصيروا فدائيين، كما يقول كنفاني عنها، تبدو صورة المرأة كأم وإنسانة بسيطة وراقية، جعل غسان صوتها مسموعًا على حساب صوته، فيستمع إليها وإلى وجهة نظرها في الثورة والحياة والمخيم"
في رواية "أم سعد"، المرأة التي تلد الأولاد فيصيروا فدائيين، كما يقول كنفاني عنها، تبدو صورة المرأة كأم وإنسانة بسيطة وراقية، جعل غسان صوتها مسموعًا على حساب صوته، فيستمع إليها وإلى وجهة نظرها في الثورة والحياة والمخيم وهي التي أخبرته أنّ "خيمة عن خيمة تفرق"، وأن "كل شيء حبس، المخيم حبس والجريدة والمدرسة حبس والباص حبس والشارع وعيون الناس وأعمارنا حبس". رأى غسان في تلك المرأة مشاركة حقيقية في النضال اليومي والوطني، وفي ذلك ما يقف بوجه الصورة النمطية التي ينقلها الغرب عنها كامرأة ضحية أو مكسورة. ومن هنا ربما يرتسم سؤال آخر عن مشاعرها ووجودها وعالمها الداخلي المليء بالحياة. كانت هذه المرأة موجودة في الواقع وتشارك في رؤيتها للواقع، وما زالت موجودة حتى الآن، بقرب الصور الأخرى التي ظهرت فيما بعد، وحين كونت المرأة صورتها بنفسها وعبرت عنها بلغتها.
سليمان منصور في أحد معارضه عن المرأة
ربما كنا نفتقد صوتها المشارك في كل شيء وصرنا نشتاق لرؤيتها كحالمة وحبيبة وعاشقة ومقاتلة في الحيز الاجتماعي أيضًا، وبقيت تلك الصورة داخل إطار رمزي، ورغم قوته لكنه يخفي الصور الأخرى المهمة التي بدأت بالظهور في وقت لاحق وفي يومنا الحاضر في أعمال فنانين معاصرين، ومن هنا يأتي السؤال: كيف بدأت الصور الأخرى للمرأة بالحضور؟ وهل حقًا خرجت من الإطار؟ أم رسمت بمحاذاته صور أخرى مقابلة للصورة الأساسية؟ كيف اندمجت تفاصيل وجودها مع المكان فصارت جزءًا منه وربما تفصيلًا آخر من تفاصيله حتى إذا قلنا فلسطين تخيلنا تلك المرأة.
"لوحة "سلمى" التي رسمها الفنان سليمان منصور، طبعت ووزعت على بوستر لمنظمة التحرير تحت عنوان "فلسطين" فأصبحت سلمى مرادفة لفلسطين"
حضور كمرادف للوطن
حقًا ظلت المرأة الفلسطينية كاستعارة لفلسطين، فلوحة "سلمى" التي رسمها الفنان سليمان منصور، طبعت ووزعت على بوستر لمنظمة التحرير تحت عنوان "فلسطين" فأصبحت سلمى مرادفة لفلسطين.
ربما استلهم فنانو التحرير تلك الصورة من الأدب بالإضافة لاستلهامهم ذلك من الواقع الذي حاول الفن أن يقف ضد محاولات محو الهوية أو نسيانها، وفي زمن كان فيه الفن ممثلًا شرعيًا للتراث والثقافة والمأساة الفلسطينية.
ففي كتاب "الفن الفلسطيني المعاصر، الأصول والقومية والهوية" يكتب الأكاديمي والفنان بشير مخول وغوردون هون، عن تأثر الفن التشكيلي الفلسطيني باللغة والأدب، لأن الفن كما يعبر الباحثان متورط في إنتاج السياق الخاص به، ولأن معظم الدراسات عن الفن الفلسطيني كتبها فنانون فلسطينيون، وكما أن اللوحات حملت بعض الكلمات والحروفيات. ففي لوحات مصطفى الحلاج مثلًا نرى بصريًا حضور التاريخ والنصوص الكنعانية والسومرية.
عملان لسليمان منصور
هكذا ربما بدأت تظهر في لوحات إسماعيل شموط وسليمان منصور وتمام الأكحل تلك الصور التي قرأناها في الأدب كـ"أم سعد" مثلًا. ولكن الملفت أيضًا هو أن حضور المرأة في هذه الأعمال مرافق لحضور المكان كخلفية، فحضر المكان في هذا الزمن ممثلًا بالأرض كطبيعة وأشجار وأحيانًا مع الحشود كجزء هام ورمزي للنضال الشعبي والوطني، وفي لوحة سليمان منصور "قطف الزيتون" يبدو حضور المرأة مرافقًا لحضور الرجل بينما هما يقطفان الزيتون، المرأة هناك تأخذ نفس الحيز وتقابل الرجل بينما هي مشغولة بالقطاف ولا تنظر إلى الرجل. لكن الجدير بالاهتمام أن هؤلاء الفنانين الذين عملوا على هذه الأعمال في أثناء هذه الفترة هم أيضًا فنانون معاصرون لأنهم حدثوا من أساليبهم التي حاولت بدورها الاقتراب من الأسئلة المعاصرة للحياة والفن.
"حاولت جوليانا ساروفيم اكتشاف الذات من خلال الفن، فكانت محاولة الدخول الى أعماق المرأة من خلال انصهارها مع المكان ومع عناصر الوجود وبطريقة مختلفة عن صورتها التقليدية"
ففي لوحة "حرية" التي رسمها سليمان منصور عام 2020، نرى تلك المرأة تقف في منتصف اللوحة، وتحمل على رأسها كلمة حرية، ربما كأيقونة أو كإشارة إلى أن وجودها مرتبط بتلك الكلمة، بينما يلوح في الخلف ظل لرجل يبدو أنه يغادر تلك المشهد. هذه اللوحة تطلق الخيال للتفكير بوجود وحياة هذه المرأة التي تشبه المرأة في أعمال سليمان منصور السابقة، لكنها رغم ذلك تعود بأسئلة أخرى مختلفة اليوم، هي لوحة تبدو فيها المرأة مستعدة لكل أنواع المعارك لكي تجد نفسها. وواضح هنا علاقة الفن باللغة، ففضل الفنان كتابة كلمة حرية داخل اللوحة وكأنه يعطيها مكانها الحقيقي دون أن يرسم أي شيء يدل عليها. هذه اللوحة تعطي ملامح جديدة لهذه المرأة التي تعيش عالمها الداخلي وحضورها الخاص الى جانب تمسكها بهويتها.
عمل لرائدة سعادة وعمل لجوليانا ساروفيم
حضور بلغة خاصة
في لوحات جوليانا ساروفيم (يافا 1934) يمتزج المكان مع الجسد، وكما يقول الفنان كمال بلاطة عن أعمالها التي تمتزج فيها المرأة الفلسطينية مع المدينة الفلسطينية: "ومن خلال التداعي الحرّ بين المستذكرات والذات، تزاوجت تفاصيل المكان المفقود مع ثنايا الجسد الحميم، فمن خلال هذه الكائنات في لوحاتها، كثيرًا ما أطل علينا من وراء حجاب الزفاف الأبيض وجه عروس وكأنه يذكرنا بصورة يافا التي صورت في الفنون الكلامية كعروس غراء، وفي تمتعنا بالملامح البلورية لهذا الوجه المكلل بالنور، يلوح لنا للمرة تلو الأخرى وجه ساروفيم".
حاولت ساروفيم اكتشاف الذات من خلال الفن، فكانت محاولة الدخول الى أعماق المرأة من خلال انصهارها مع المكان ومع عناصر الوجود وبطريقة مختلفة عن صورتها التقليدية، ففي لوحة "امرأة الورود" تبدو تلك المرأة متمازجة مع الورود وكأنهما عالم واحد لا ينفصلان. هذا الانصهار يجعلنا نطل على عالمها الداخلي الذي هو الحلم والرغبة وربما الحب. عاشت جوليانا ساروفيم في لبنان وتزاملت مع فنانين لبنانيين، ولكن بقي المكان في لوحاتها حاضرًا وكأنه ذاكرة مدمجة مع المشاعر والعواطف.
"في أعمال الفنانة المعاصرة رائدة سعادة يحضر الجسد الشخصي وهو يواجه سلطتين، الاحتلال والسلطة الذكورية. هنا يبدو الجسد وكأنه يتحرك في مكان محاصر وفي حالة تناقض مع الواقع"
وفي أعمال الفنانة المعاصرة رائدة سعادة يحضر الجسد الشخصي وهو يواجه سلطتين، الاحتلال والسلطة الذكورية. هنا يبدو الجسد وكأنه يتحرك في مكان محاصر وفي حالة تناقض مع الواقع كونها ولدت في أم الفحم وتلقت تعليما بالعبرية، ولقد كانت شخصيتها محور الكثير من أعمالها حيث عبرت عن أفكار تتعلق بوضعها كامرأة تعيش تحت الاحتلال في تماس واضح مع السياسي والشخصي.
في صورة "بينيلوب"، وهي شخصية من الأساطير اليونانية، تجلس لتغزل الصوف من أجل أن تتفادى اختيار زوج، تجلس رائدة فوق مبنى متهدم، لكن بكرة غزلها كبيرة جدا، مما يشير إلى عظمة الوقت الطويل أمامها لتنهي غزلها. والمكان التي تجلس فيه يوحي بدمار واحتلال حولها. وتحضر شخصيات أخرى في نفس المجموعة مثل "ذات الرداء الأحمر" و"سندريلا" وغيرهما. تبدو هنا الرغبة في التماس مع الحكاية الأخرى واللغة الأخرى لكن أيضًا قدرة الفنانة في خلق لغتها الخاصة بجسدها الشخصي، فنقرأ حكاية مختلفة يحضر فيها واقع مختلف هو الاحتلال والقمع.
ربما تحضر المرأة في سياقات أخرى مختلفة مستلهمة نصوصًا مختلفة كما في عمل الفنانة منى حاطوم (1952) "لدي الكثير لأقوله"، وهو فيديو أنتجته الفنانة مستلهمة ميدوسا، التي هي أيضًا لوحة للفنان الايطالي كارافاجيو وقد استبدل وجهها بوجهه، وميدوسا هي إلهة يونانية كانت فتاة جميلة، قادها جمالها لارتكاب الخطيئة فحُوّلت الى امرأة قبيحة، رسمها كارافاجيو وهي تصرخ. يذكرنا عمل حاطوم بميدوسا كارافاجيو وخصوصًا أنها استبدلته بوجهها ولكن ثمة يد تمتد على فمها فتغلقه في وضعيات مختلفة. ما يثير الاهتمام هنا هو الصمت الذي يقابل صورة ميدوسا الصارخة والمحتجة أيضًا بفعل الأيدي الذكورية. ذلك الصمت ربما يحتاج إلى لغة مختلفة تجدها المرأة بنفسها.
مراجع:
- MuseumBerzeit.edu: Framed/Unframed: Women representations in Palestinian art practice.
- الفن الفلسطيني المعاصر: الأصول، القومية والهوية، بشير مخول وغوردن هون، مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
- النكبة في الخطاب الثقافي الفلسطيني، الفن التشكيلي نموذجًا، مليحة مسلماني، بديل/ المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين.
المصدر: ضفة ثالثة

