يبدو أن الصهيوني لا يريد أن يفهم، أن الهوية الفلسطينية لايمكن أن تحدها أسوار أو ألوان بطاقات الهوية، وفي محاولته لإخفاء عجز الاستخبارات، والفشل، والعجز عن الإحاطة بالواقع المتفجر في عموم فلسطين المحتلة، يقوم بإنشاء سرديات متخيلة، مضللة، حول الواقع والدوافع للفدائيين من جهة، وحول خلفيات معينة للفدائي من جهة أخرى، في سبيل إجهاض المعنى الوطني للمقاومة وإحالتها إلى أفعال فردية بعيدة في أهدافها عن منافحة الاحتلال والتصدي له.
لكن هؤلاء المحللين الصهاينة، الذي تعاد صياغة مقالاتهم في مقر الشاباك بقلم الرقيب العسكري، هؤلاء لا يمكنهم تغطية شمس الحقيقة بغربال، لا يمكنهم تجاهل اعتراف المستوى الأمني الصهيوني، بأن ما يحدث بشكل متواصل في ديرة بئر السبع لا يمكن أن يكون منفصلاً عن ما يحدث في غزة أو القدس أو الضفة الغربية، وأن الوعي الفلسطيني العام قد استبطن تمامًا حقيقة أن استعمار النقب وتهويده، لا ينفصل عن الزحف الاستيطاني في الضفة ولا عن خطط تهويد الجليل أو تدمير الطابع العربي الفلسطيني لعكا.
ما زال المحتل الصهيوني يحاول فهم الدروس والالتفاف عليها، والكثير من المحللين ومسؤوليه الأن قالوا إن الهجوم الفدائي الأخير في مدينة بئر السبع المحتلة، هو الأول من نوعه منذ خمس سنوات، وهذه "السنوات الخمس" ليست صدفة ولا رقمًا عشوائيًا، فالمحتل بهذا يستذكر العملية البطولية للشهيد الفدائي مهند العقبي يوم 20 تشرين الأول أكتوبر 2015 في محطة الحافلات المركزية في بئر السبع، ويومها تحدث بعض المحللين الصهاينة عن "البدوي الجديد" الذي يحمل الهوية "الإسرائيلية" ولكنه ينتمي لفلسطين، رغم كل محاولات التشنيع على العملية والشهيد لم يكن بمقدور العدو إلا الاعتراف إنه يواجه مقاومة جديدة لم يعتدها في بيئة طالما اعتبرها "خاضعة" و"محايدة" بل ونصيرة أحيانًا.
تأتي العملية الأخيرة للشهيد الفدائي محمد أبو القيعان، في ظروف توتر صهيوني وتحذيرات استخبارية عديدة، قالت إن وصفة مثالية تتشكل الآن لما وصفته تصعيد التوترات في المناطق والداخل". وفي ظرف تصعيد انتفاضي اعترف به العدو في الجنوب، نتيجة للهجمة الاستيطانية الوحشية في ديرة بئر السبع، وعمليات التنكيل والقتل التي يقوم بها جنود العدو وشرطته، وكذلك في ظل تشكيل مليشيا استيطانية صهيونية لقمع الفلسطينيين البدو والتنكيل بهم وإخضاعهم من جديد، ولأنه لا يمكن فصل العملية الفدائية عن البيئة الموضوعية التي أنتجتها يسقط في يد الصهيوني، وهو إما متظاهرًا بالصدمة وعدم الفهم، أو لإخفاء عجزه وانحسار قدرته وتراجع نفوذه في بقعة عزيزة جدًا على الشراهة الصهيونية وطالما قال قادة الكيان إنه لا "إسرائيل" بدون النقب، وفي الحقيقة نحن كفلسطينيين نعرف أيضًا إنه لا فلسطين بدون النقب.
في هذا السياق وفي تحليل لافت ينصح الصحفي الصهيوني عاموس هاريل حكومته بعدم التصرف مثل "كلب بافلوف"، وهذا المصطلح مألوف في علم النفس والسياسة، بمعنى ألا تتصرف بردة فعل مبالغ بها ردًا على أفعال ساهمت هي بنفسها في إنشائها، حيث أنه كانت هناك توترات دينية وقومية متزايدة مؤخرًا يمكن أن تؤدي إلى تصعيد أسوأ الشهر المقبل، عندما يتزامن رمضان والفصح.
يلاحظ هاريل، محقًا، أن الفدائي أبو القيعان هو "مواطن إسرائيلي"، وأن جميع منفذي هجمات الطعن الأخيرة في القدس هم فلسطينيون من القدس الشرقية وهم مقيمون دائمون في "إسرائيل"، ماذا يمكن أن يعني ذلك؟
يعتقد المحلل الصهيوني أنه في ظل "الهدوء" في غزة، و"السيطرة" في الضفة ورغبة الفلسطينيين فيهما في قضاء رمضان هادئ، يجب على الكيان الانتباه إلى هوية الفدائي "كإسرائيلي" وألا يوزع انتقامه عشوائيًا، لأن إصدار العقوبات بشكل أعمى بغض النظر عن هوية مهاجم يوم الثلاثاء قد يحقق عكس ما تريده "إسرائيل"، ويزيد في الواقع من ارتفاع ألسنة اللهب.
كل هذا هراء في الواقع، ومحاولة لإخفاء العجز الصهيوني أو عدم الرغبة بالإعتراف بتهافت الاحتلال وفي المقابل تكامل فلسطين، وتكامل مقاومتها، وهذا في الواقع ما دفع لهذا التحليل من جهة وما دفع الشاباك الصهيوني لوصف الفدائي بأنه شخص محسوب على تنظيم الدولة الإسلامية سبق أن قضى عقوبة بالسجن لارتكابه مخالفات أمنية وليس وطنيًا فلسطينيًا.
رغم ذلك لا مفر، تعترف بعض التحليلات الصهيونية بما لا يمكن إنكاره، جاءت العملية الفدائية على خلفية قومية واضحة، ضمن ظروف تصعيد مواجهة وطنية تراكمت منذ أيار 2021، ويعترف العدو بوجود "البدوي الجديد" أو ما يسميه مسؤولو المخابرات "الجيل الثاني" - شباب بدو من أمهات فلسطينيات من الضفة الغربية أو غزة. إنهم "مواطنون إسرائيليون"، لكنهم لا يشعرون بأي ارتباط على الإطلاق بالدولة المحتلة، بل يشدهم دمهم إلى حيث يجب، وكأن الصهاينة أساتذة التمييز والإضطهاد العرقي، لا يعرفون المثل الفلسطيني "العرق دساس"!.

