Menu

العولمةُ ونظامُ التفاهة

العولمة

خاص بوابة الهدف _ نشر في العدد 35 من مجلة الهدف الإلكترونية

نظامُ التفاهةِ أو الميديقراطيّة؛ نظريّةٌ فلسفيّةٌ سياسيّةٌ جديدة، تنبأَ بها باكرًا فيلسوفُ العلوم السياسيّة الكنديّ المعاصر، ألان دونو، ففي عام 2015، نشر كتابَهُ الأوّلَ عن الميديقراطيّة، ثمّ أعقبه بكتابه الثاني، شارحًا نظريّته عن نظام التفاهة، كاشفًا الستارَ عن عصر التفاهة الذي تعيشه الرأسماليّة اليوم بكلّ تجلّياته.

في كتابه La Mediocratie أي "التفاهة" الصادر باللغة العربيّة عام 2015، يرى "دونو" أنّ العولمة الرأسماليّة أدّت إلى زوال تأثير المفاهيم التحرّريّة الديمقراطيّة العميقة، وحلول السطحيّة مكانها، وهذا لا يحدث على مستوى الأفراد، بل على مستوى دول المركز الرأسماليّ عمومًا، ودول التبعيّة والتخلّف في بلداننا العربيّة ومَنْ على شاكلتها خصوصًا، إذ تدهورت المستويات الرفيعة لمفاهيم الحرية والقيم والتحرّر والديمقراطيّة، وحلّ مكانها نظامٌ سطحيٌّ هشٌّ يُعلي من شأن الشعارات الديماغوجيّة الجوفاء والرديئة، وهذا النظام السطحيّ لا يستنكر مفاهيم التفاهة وأساليبها؛ لأنّه يخدم في النتيجة أغراضَ السيد الإمبريالي/وشريكه الصهيوني في بلداننا، سواءً في السياسة أو في الاقتصاد.

تتلخّصُ نظريةُ ألان دونو بسيطرة التافهين على العالم، وباتوا يحكمونه، وأنّ القابليّة للتعليب حلّت محلّ التفكير العميق، ويعطي نصيحةً فجّة لناس هذا العصر، من باب السخريّة، "موجزُها أنّه لا لزوم لهذه الكتب المعقّدة، لا تكن فخورًا، فهذا يظهرك متكبّرًا، لا تقدّم أيَّ فكرةٍ جيّدة، فستكون عرضةً للنقد، لا تحمل نظرةً ثاقبة، وسّعْ مقلتيك، ارخِ شفتيك، فكّرْ بميوعةٍ وكن كذلك، عليك أن تكون قابلًا للتعليب، لقد تغيّر الزمن، فالتافهون قد أمسكوا بالسلطة في معظم أرجاء هذا الكوكب بدرجاتٍ متفاوتةٍ بين المراكز والهوامش".

وحين يُسأل عن أسباب هذا التحوّل، يعيد "دونو" ذلك إلى عاملين، في السوسيولوجيا والاقتصاد، كما في السياسة والشأن العام الدولي، كأبرز مظاهر عصر التفاهة والتافهين الذين يتسيّدون المشهد العام كله شمالًا وجنوبًا، في الكرة الأرضيّة، فالعالمُ كلُّهُ مُقدمٌ على عصر التفاهة الكبير، وفي القلب من ذلك بلاد العرب. كما تجلّى استمرار تجلّيات هذا المشهد العام للتفاهة وتجلّياتها، السياسيّة والإعلاميّة، والفنيّة، وما نشاهده على وسائل التواصل الاجتماعيّ والفضائيّات المأجورة عن حجم السقوط والانحطاط والتفاهة التي تتسيّد هذه اللحظة.

أمّا فكرة "دونو" الأساسيّة فهي تركّز على أنّنا نعيشُ نتيجةَ فسادِ الديموقراطيّة التام، مرحلة "نظام التفاهة" المرتبط بتحكم الميديا، بدلًا من النظام الديمقراطي، فهو يستعيد ماركس في ظلّ فقدان بلدان المراكز الرأسماليّة المعولمة للقيم والمعاني الديمقراطيّة، وترك المجال واسعًا أمامَ الميديا بوسائلها وفضائيّاتها كافةً، الهادفةِ إلى تغيير القيم الإنسانيّة وتدميرها لحساب ثقافة العولمة الاستغلاليّة في إطار نظام التفاهة.

التفاهة أيضًا عند "دونو" تتوالد وتنحدر من أنظمة الاستبداد العسكريّة والأيديودينيّة، كما هو الحال في بلداننا العربيّة، وتدين بالوجود والامتداد لثقافة الاستهلاك التي تدعمها الليبراليّة المتوحّشة، ومن ثَمَّ، يتفوّقُ نظامُ التفاهة على كلّ الأجهزة الحاكمة. فالميديوقراطيّة mediocratie هي التي تتسيّد الموقف، وتقود المجتمعات نحو هاوية السطحيّة والضحالة واللا معنى... يقول دونو: "ليس مهمًّا أن تكون "مثقّفًا ألمعيًّا" ولا "مناضلًا نقيًّا" لكي يُعَتَرف بك، ويُسْتَدَلَّ بك وعليك في سِجلَّيْ الميديا والميديو؛ فالأهمّ من ذلك كلّه أن تكون تافهًا سطحيًّا، من دون أفقٍ سياسيٍّ ولا خلفيّةٍ أيديولوجيّةٍ ولا انهمامٍ إنساني، فمن يفوز في هذين السجلّين هو من يحصد ملايين اللايكات والمشاهدات ممن يصنعون "البوز" عن طريق الفضائحيّة والبؤس القيمي، ذلكم هو "العَلَّامة" و"الفَهَّامة" في نظام التفاهة السائد".

وتزداد التفاهةُ تجلّيًا اليوم من خلال ظاهرة الانحطاط الكبير، الذي وصل إليه العالمُ سياسيًّا وفنيًّا وأدبيًّا، بَدْءًا من الحقل السياسيّ وصعود شخصيّاتٍ شعبويّةٍ تافهةٍ أخلاقيًّا، وتصدّرها للمشهد السياسيّ العالميّ العام، في معظم بلدان العالم الرأسمالي، وكذلك في البلدان التابعة في أمريكا اللاتينيّة وآسيا وإفريقيا وبلادنا العربيّة.

ففي ظلّ ما تشهدُهُ البشريّةُ اليوم من سقوطٍ على المستويات كافة، والتراجع في القيم والمكتسبات الفلسفيّة والثوريّة الإنسانيّة النبيلة "أصبح الإنسانُ –كما يقول دونو- سلعةً رخيصةَ الثمن، في زمن التفاهة والانحطاط"، حيث اكتظّ المشهدُ العام بهبوطٍ مريبٍ للقيم الإنسانيّة النبيلة والخلّاقة، لتحلّ محلّها كلّ رداءةٍ، وسقوطٌ في كلّ شيء.

أخيرًا، يرى الفيلسوف آلان دونو أنّ رأسماليّة العولمة هي السبب الرئيسي في توليد نظام التفاهة، ويدعو إلى مجابهتها ورفض كلّ أفكارها وأساليبها من خلال الرؤى والمفاهيم الديموقراطيّة الثوريّة عمومًا، ومن خلال استعادة أفكار كارل ماركس خصوصًا، ونشرها في أوساط الجماهير للتصدّي لأنظمة التفاهة، واستعادة المبادئ والقيم الثوريّة النبيلة؛ للخلاص من الرأسماليّة وأدواتها.