Menu

تحليلموت الجدار الحديدي: عشرون عاماً إلى الوراء در

بوابة الهدف - أحمد مصطفى جابر

بينما كان الإعلام الصهيوني بمجمله، يحتفل بمرور 20 عاما على غزوة السياج الواقي عام 2002، التي كانت محاولة يائسة، ضمن سعي دائم، لإخضاع الفلسطينيين وكسر الانتفاضة، و"رمي الإرهاب" خارج السور، جاءت عملية الخضيرة وبني باراك الفدائية المزدوجة، لتعيد عقارب الساعة إلى الوراء، وتبدد الحلم الذي يحتفل به الصهاينة، هذا الحلم الذي تم إيقاظهم منه أكثر من مرة في الحقيقة عبر العشرين عام الماضية، تم كسره نهائيا ليستيقظ الحالم فزعا على حقيقة الفشل الأمني والسياسي الكبير الذي يعيشه الكيان الصهيوني، فشل لا يمكن لا للقمع الوحشي، ولا الدعم الغربي، ولا اتفاقات إبراهيم التطبيعية ولا حتى استسلام ودعم السلطة الفسلطينية أن ينقذها منه.

ولعلها من تراتيب القدر التي لا ترد أن تنفذ العملية بينما يجتمع وزراء خارجية دول الاستسلام والتطبيع مع نظيرهم الصهيوني في تخشيبة بن غوريون في "سديه بوكير" لتسليم وثائق الطاعة للصهيوني، وتتويجه ملكا على الإقليم، وسواء جاءت العملية للرد على هذا الاجتماع المشين، أو بمناسبة ذكرى "السور الواقي" إلا أنها في الحقيقة وببساطة شديدة نوتة جديدة من سيمفونية كفاح الشعب الفلسطيني الممتدة، كفاح مستمر لا ينتظر مبررا أكبر من وجود الدولة الغاصبة بحد ذاته، وهكذا يريد كاتب هذه الكلمات أن يفهم هذه العملية وغيرها، كفعل أساسي تراكمي مبادر وليس كردة فعل لأي حدث آخر قد يبدو مهما، ولكن اهميته تتلاشى كونه يأتي في سياق وجود الكيان المحتل، وتغوله واستسلام المحيط العربي له، تلك تبقى تفاصيل وتبقى الحقيقة الساطعة أن الشعب الفلسطيني، لن يستسلم، قد يتمثل هذا الصمود في مقاومة غزة، أحيانا، وقد يظهر في انتفاضة الشعب كله العارمة، أو قد يتكثف بفدائي وحيد قرر أن يكسر الروتين في مستعمرة صهيونية ويذكرها أنها طارئة على الزمان والمكان وإنها إلى زوال حتما.

كانت "قمة الشر" في سديه بوكير كما وصفتها تعليقات فلسطينية، محاولة بائسة لتكريس ما قررته إتفاقات إبراهيم بأن القضية الفلسطينية لم تعد ذات صلة وأن الشعب الفسلطيني أصبح زائدا عن الحاجة في الشرق الأوسط الجديد المنشغل بمحاربة إيران والتباحث على التعاون في شؤون الغاز، وكيفية التكامل الصهيوني العربي الرجعي في قمع شعوب المنطقة وإخضاعها، وهكذا ستصبح "إسرائيل" جزءا طبيعيا من الشرق الأوسط، قلعة أوربية متكاملة مع دويلات المنطقة الرجعية، تعيش بسلام ولكن في موقع السيد، القادر في ذات الوقت على الاستمرار بالاحتلال إلى ما لا نهاية ولكن الفدائيين في الخضيرة وبني باراك وقبلها وهو امر غاية في الأهمية، في بئر السبع قرروا أن هذا ليس أكثر من وهم، وبالتالي قاموا بإيقاظ الغافلين بصفعة قاسية.

العمليات الفدائية المتواصلة، وهنا يجب التنبيه إلى أننا نتحدث عن التي تنجح أو لا تنجح، عن التي تمر بسلاسة في قلعة الأمن الصهيونية أو التي يتم كشفها، عن التي يراق بها دم صهيوني، أو لايرتقي بها إلا شهيد فلسطيني، كلها مهمة وكلها استراتيجية، هذه العمليات تؤكد أنه لا الجيش الصهيوني ولا المنظمة الأمنية ولا فرق القتل الخاصة ولا سور واق ولا كاسر أمواج قادرة على تغييب الحقيقة المرة التي يتجرعها قادة الكيان باستحالة النصر، وأتذكر هنا بسخرية، لجنة أمريكية –صهيونية سخيفة أنشئت قبل سنوات كانت مهمتها "إعلان النصر النهائي لإسرائيل" ولكن خابت الآمال واقتلعت الأوهام من الرؤوس ولم يتبق غير الجعجة الإعلامية الفارغة التي تستدرج الضعفاء والمستسلمين وقليلي الإيمان والإرادة بنصر فلسطين المحتوم.

على العكس من فكرة السور الواقي وجدار جابوتنسكي الحديدي، كان لدى أرئيل شارون طموح آخر، محو الخط الأخضر، أيضا، عبر التوغل الاستيطاني المكثف في الضفة الغريبة وتوسيع المستوطنات، وإقامة ما سمي حينها وما يجعجع به غانتس الآن: "سلام اقتصادي" مع الفلسطينيين، بالتأكيد نحن نعلم الآن إن خطة شارون فشلت فشلا ذريعا، ولكن لسخرية الأقدار تم محو الخط الأخضر في آن معا.

بالموازاة، كانت فكرة جدار الفصل أن يكون "هنا" و"هناك" ستكون "إسرائيل" في جانب والفلسطينيين في االجانب الآخر، ولكن جشع المستعمر وشراهة الاستيطان لم تكن تسمح بها، في ذات الوقت لم يكن ممكنا إن يقتنع الفسلطينيون أن ما وراء الجدار ليس لهم أيضا، وبينما كان السياسيون والمسؤولون الأمنيون وأغلبية اليهود الصهاينة مقتنعين بأن الجدار هو الذي أوقف التفجيرات الاستشهادية وعمليات إطلاق النار في الانتفاضة الثانية، يتساءلون الآن عن صحة هذا المعطى، وكأنهم تلقوا جرعة زائدة من معلومات مضللة. وأن وظيفة الحاجز الحقيقية لم تكن أكثر من "نفسية" لطمأنة المستوطنين في الداخل ولرسم حدود في الوعي "الإسرائيلي"- اليهودي، أكثر من كونها عائقًا ماديًا حقيقيًا للفلسطينيين. ليسوا مقتنعين به ناهيك عن قدرتهم على اختراقه.

كانت فكرة الفصل تنطوي على فكرة أخرى إذا: ابتلاع الفلسطينيين، والضم الفعلي للضفة الغربية إلى الكيان وإنشاء نظام واحد بين النهر والبحر وتحويل القضية الفلسطينية إلى قضية داخلية "إسرائيلية"، لمجموعة بشرية تعاني مشاكل إقتصادية ووضع الجدار لإبقائهم في مكانهم تحت السيطرة الكلية. ولكن الرد كان مباغتا للصهيوني الذي فكر بعنجهية اللمستعمر الكلاسيكية، فمحو الخط الأخضر جاء من الفلسطينيين أنفسهم الذين نجحوا على جانبيه في التكامل، ولم يسمحوا "لإسرائيل" بابتلاعهم، وصار الجدار موجودا نفسيا أيضا في يافا وعكا ووادي عارة والمثلث وفي النقب، حيث لايريد الصهيوني أن يرى انقساما، فقط واحة صهيونية ممتدة بلا أفق نهائي.

جاء الإعلان الفلسطيني عن هذا الأمر مدويا في ايار 2021، وبينما أراد الصهيوني "حراسة الجدران" سل الفلسطيني "سيف القدس "، والشرارة التي بدأت في الشيخ جراح توهجت في غزة، وانتقل لهيبها إلى اللد، لقد استعاد الفلسطينيون أنفسهم مرة واحدة و إلى الأبد وحطموا الوهم المعشش في الرؤوس الاستعمارية المضطربة.

وبالتاكيد فإن مسار النضال الفلسطيني وتحديدا وبشكل خاص منذ أيار 2021 جعل الكيان الصهيوني يواجه تعقيدا وجوديا لاسابق له، ويضعه امام استحقاق قرار نهائي بما يمليه عليه تحليل حالته: القبول بالحقوق الفلسطينية، أو تكريس نظام الفصل العنصري بشكل رسمي، أو مواجهة ما هو أسوأ، وقد باتت الآن الحلول التي طالما تبناها الكيان من انتصارات عسكرية أو "إدارة" الصراع و"تقليصه" مجرد استراتيجيات غير ذات صلة بالواقع الراهن.