يمرّ سكّان قطاع غزة المُحاصر منذ أكثر من 16 عاماً، بظروف اقتصادية بالغة الصعوبة، ولاسيما مئات العمال الذين فقدوا عملهم بسبب تدمير العدو الصهيوني العشرات من المنشآت الصناعية، حيث أدّى الحصار والاعتداءات الصهيونية المتكررة على القطاع إلى دمار هائل في البنى التحتية، ما جعلنا أمام بنية اقتصادية هشّة معرضة للانهيار في أية لحظة.
جاء شهر رمضان هذا العام وسط ظروف ربّما هي الأسوأ، حيث نسب البطالة المرتفعة، وتواصل أزمة "كورونا" للعام الثاني على التوالي علاوةً على اشتعال العملية العسكرية الروسية الخاصّة في أوكرانيا التي ألقت بظلالها بشكلٍ أو بآخر على الأوضاع الاقتصاديّة في العالم بأسره، وعلى قطاع غزّة "المنهك" بشكلٍ مضاعف.
فوفقاً لجدول غلاء المعيشة الفلسطيني لشهر فبراير الماضي 02/2022، الذي نشره المركز الفلسطيني للإحصاء، شهدت أسعار المستهلك في قطاع غزّة ارتفاعاً بلغت نسبته 0.77% خلال شهر فبراير 2022 مقارنة مع يناير 2022، ويعود ذلك إلى "ارتفاع أسعار الخضروات المجففة بنسبة 12.64%، وأسعار الدجاج الطازج بنسبة 12.59%، وأسعار البيض بنسبة 7.23%، وأسعار الخضروات الطازجة بنسبة 6.76%، وأسعار المحروقات السائلة المستخدمة كوقود للسيارات "الديزل" بنسبة 3.80%، وأسعار الغاز بنسبة 3.52%، وأسعار أسماك حية طازجة أو مبردة أو مجمدة بنسبة 3.41%، وأسعار اللحوم الطازجة بنسبة 2.58%، وأسعار المحروقات السائلة المستخدمة كوقود للسيارات "البنزين" بنسبة 1.81%".
اقتصادٌ متهالك
وتعقيباً على هذه الزيادة في الأسعار تواصلت بوابة الهدف الإخبارية مع الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر في قطاع غزّة سمير أبو مدللة، الذي أوضح أنّ الأوضاع الاقتصادية في غزة بالغة الصعوبة، وذلك بسبب سنوات الحصار الممتدة منذ العام 2007، إضافة إلى حالة الانقسام الفلسطيني والإجراءات التي اتخذت بحق الموظفين في قطاع غزة منذ مارس 2017 من اقتطاع للرواتب أو فرض نظام التقاعد المبكّر، ناهيك عن ما تعرّض له القطاع من اعتداءات متكرّرة في الأعوام (2008،2012،2014،2021)، وعلى إثر هذه الظروف مجتمعة بلغت مستويات البطالة في قطاع غزة نسباً مرتفعة وصلت إلى 47.6% في مستواها العام، بينما تصل إلى 70% في صفوف الشباب، وبلغت نسبة الفقر 53% من بينها 33% فقر مدقع".
ولفت أبو مدللة إلى أنّ "الجزء الأكبر من قطاع غزّة يعتمد على المساعدات، حيث أن 70% من السكّان يعتمدون على مساعدات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" التي تقدّم إلى مليون ومئتي ألف لاجئ، إضافةً لـ83 ألف أسرة تعتمد على مساعدات الشئون الاجتماعيّة، وكل أسرة تعيل 5.6 فرد، إضافةً إلى ما يقارب 110 آلاف أسرة تعتمد على برنامج الغذاء العالمي".
وأضاف أبو مدلّلة: "يأتي شهر رمضان على أبناء شعبنا في قطاع غزة والذي يتسم بالإنفاق العالي نظراً لمتطلباته الكثيرة، في ظل الأزمة الروسية الأوكرانية التي استغلها بعض التجار كذريعةٍ لرفع الأسعار بصورةٍ جنونيّة سواء أسعار الخضروات أو أسعار اللحوم وكل ما له علاقة بالمواد التموينيّة، مما سيزيد من معاناة أهل القطاع وسيكون هناك عدد لا بأس به من العائلات التي لا تستطيع تلبية احتياجاتها الأساسية، وسيكونون في حالة عوز تزيد من حالة الفقر الموجودة لديهم".
وعلى صعيدٍ آخر، أفاد بأنّ قطاع غزة يشهد نقصًا في السيولة النقديّة بسبب تراجع القطاع الخاص عن التشغيل، وعدم توظيف السلطة الفلسطينية منذ 2007 موظفين جدد من قطاع غزة، ما جعل هناك معاناة لكثير من الأسر وخاصّة الأسر الفقيرة والطبقة المتوسطة التي تعاني منذ سنوات بسبب الإجراءات الحكوميّة بتخفيض الرواتب وإجراءات التقاعد المبكّر"، مُشيرًا إلى أنّ "الدراسات تؤكّد أنّ حوالي 37% من سكّان القطاع لديهم سوء تغذية، وجزء كبير من الأطفال حسب اليونيسيف يزيد عن 220 ألف طفل يحتاجون إلى تغذية ولديهم فقر دم".
خطوات للحل
وتقدّم أبو مدللة بمجموعةٍ من الحلول للتخفيف من حدّة الأوضاع الاقتصاديّة السيئة على أبناء القطاع، حيث دعا "حكومة رام الله لبذل كل ما في وسعها من أجل صرف مستحقات الشئون الاجتماعيّة نظراً لأنّ هناك 4 دورات مستحقّة، إضافةً إلى التنسيق مع القطاع الخاص وتقديم حوافز له عبر تخفيض الضرائب، حتى يتمكّن من تقدّيم السلع التموينيّة والغذائيّة للمواطن بأسعارٍ منخفضة"، فيما طالب أبو مدللة "حكومة حماس في قطاع غزّة، بتحديد مستوى الأسعار مع التجّار لردعهم عن التلاعب بالمواطن وإيقاعه كفريسةٍ سهلةٍ للمحتكرين"، لافتًا إلى أنّ "هناك ارتفاع ملموس بالأسعار بحجة الأزمة الروسية الأوكرانية رغم أنّ جزء كبير منهم لم يقوموا باستيرادٍ جديد وجزء من السّلع هي موجودة في المخازن قبل الأزمة".
وأضاف القول: "من الممكن أن تقدّم حكومة غزة حوافز للقطاع الخاص حتى لا يرفع الأسعار على المستهلك، مثل تخفيض أسعار الكهرباء والإعفاءات من الضرائب ما سيُساعد في دعم المنتج الوطني ودعم القطاع الخاص في تقديم سلعةٍ تتناسب مع الوضع الاقتصادي الفلسطيني خاصّة أنّنا نستورد السّلع الأساسيّة من جانب العدو الصهيوني و مصر اللتان تستوردان سلعهما من روسيا وأوكرانيا"، فيما تساءل أبو مدللة عن دور الشركات الكبرى في قطاع غزة التي تحقّق أرباحًا عالية وعلى رأسها شركات الاتصالات والمقاولات إضافة إلى البنوك التي يقع على عاتقها مسئوليّة اجتماعيّة، حاثاً إياها على "تقديم ما بوسعها لسد حاجة وعوز الفقراء والمهمشين وخاصة أسر الشهداء والجرحى".
عوزٌ ساحق
وللاطلاع عن قرب على أوضاع المواطنين، تواصلت الهدف مع السيّدة أم يوسف "اسم مستعار"، من مخيم الشاطئ في قطاع غزة التي أخبرتنا بأنّها تخشى من دخول شهر رمضان على عائلتها المكوّنة من ثمانية أفراد، مشيرةً إلى أنّه في الوقت الذي تتجمّع فيه العائلات وقت الإفطار حول مائدة الطعام التي تحتوي على ما لذّ وطاب من الطعام، تتجمّع أسرتها حول فتاتٍ من الخبز اليابس وبعض الطعام الذي تصدّق به الجيران عليهم.
وتتنهّد أم يوسف وتقول بحسرة: "أصيب زوجي خلال مسيرات العودة على حدود القطاع إصابةً منعته من القدرة على العمل، ويتقاضى راتب جريح، لكن المبلغ الذي نحصل عليه لا يكفي لسداد أدنى احتياجاتنا الأساسيّة، خاصّة في ظل هذا الارتفاع الهائل في أسعار الخضروات واللحوم والمنتجات الغذائيّة".
وتتابع أم يوسف قولها: "ما ذنب أطفالي أن لا يشعروا بسعادة دخول هذا الشهر الكريم، وأين الجهات والمؤسّسات الرسميّة عن هذه الظروف السيئة التي نعيشها".
حال الشاب أسامة النجار "اسم مستعار" ليس مختلفاً كثيراً عن حال السيّدة أم يوسف، حيث تتكوّن أسرته من خمسة أفراد من بينهم طفلين من ذوي الإعاقة، أخبرنا أسامة أنّ طفله الصغير يطلب منه منذ أشهر أن يشتري له الفاكهة، لكنه غير قادرٍ على ذلك حيث لا تكفي "الشواكل" القليلة التي يحصل عليها لتوفير كافة احتياجات أبنائه وإن كانت بسيطة".
ويقول النجار: "أنا أتهرّب حتى من النظر في أعين أبنائي، وأتعمّد التأخير في العودة إلى المنزل حتى موعد نومهم لعدم مواجهتهم بعجزي على تلبية طلباتهم"، ويتساءل النجار: "تُرى هل يُدرك القادة والمسئولون مدى صعوبة أن يطلب منك أبناؤك شيئاً دون أن تتمكّن من توفيره لهم؟!. لقد فاض بي الكيل، طرقت كل الأبواب للحصول على المساعدة دون أي استجابةٍ من أحد، كما بحثت كثيراً عن فرص عمل وللأسف تبوء كل محاولاتي دائماً بالفشل، ففرص العمل في قطاع غزّة محدودة جداً وهناك آلاف العاطلين عن العمل".
رمضان الفقراء في غزّة ليس كرمضان الأغنياء المترفين، فالأجواء الرمضانيّة العائليّة عند التجمّع حول موائد الطعام يُحرم منها المعوزين والفقراء، الذين لا ملجأ ولا منجى لهم سوى مساعدات أهل الخير والمحسنين، وتستمر آثار الانقسام في تحطيم ما بقي من أحلام وآمال يحملها المقهورون، في الوقت الذي تتنامى فيه مكاسب أطراف الانقسام وتتحقّق مصالحهم.

