Menu

مسالك العبودية الجديدة في ظل الحكومة العالمية "الرّشيدة"

محمد صالح التومي - المعروفي

في البداية،

مما لا شك فيه أن الفعل الإمبريالي بمعناه العلمي المتعارف عليه بوصفه هيمنة خاصة بالبورجوازية المعاصرة، لأن الهيمنة ظاهرة لم يخلُ منها أي عصر من العصور، هو فعل يتسلط من قبل بُنى متقدمة اقتصاديا وثقافيا وعسكريا على بُنى تقليدية وأقل تطورا واقعة بالمجتمعات التي يتسلط عليها هذا الفعل، ولعله أصبح اليوم مفهوما وبدقة كاملة ما معنى أن الطبقة الحضرية المنتصرة أو الطبقة البورجوازية المنتصرة، حسب تسميتها الشائعة، تندفع حال اكتمال مشروعها قوميا واستكمال توحيد سوقها على مستوى بلدها إلى محاولة  التوسع وبناء عالم على مثالها، تحت طائلة التهديد بالموت لمن لا يقبل بقوانينها أو لمن سيقف في وجه توسيعها لسوقها ولوضع يدها على الخيرات اللازمة لتشغيل مصانعها وترويج سلعها، بما يعني أيضا ـ ولكن في اتجاه معاكس هذه المرة ـ أنه من المحتّم أن هذه الطبقة ستصادف أثناء هذا التوسع الإجرامي أشكالا مختلفة من الممانعة والتصدّي والمقاومة، حسب موازين القوى بينها وبين ضحاياها، وأن الجدلية الناتجة عن ذلك التصادم هي التي ستحدد مسار التاريخ وتضاريسه في نهاية المطاف.

وإذ شرعت البورجوازيات الأوروبية ـ وفي غمرة تنافسها وتناقضها داخليا ما أدّى بها إلى الحروب الماحقة بينها ـ في بناء هذا العالم المطابق لمثالها بل قل لأمثلتها في الحقيقة، وذلك  منذ بدايات القرن التاسع عشر بالتقويم المسيحي (وهو التقويم الذي أصبح بالضرورة سائدا)، مدشنة بهذه الصورة ما سمي بمرحلة الاحتلال المباشر التي وقع فيها تقاسم أراضي الأمم والشعوب قسمة الغنائم بين الوحوش الجائعة؛ وإذ تعطل مشروعها لردهة من الزمن بفعل انتصار الثورة البلشفية بروسيا القيصرية ومستعمراتها، ما أدى إلى تأسيس الاتحاد السوفييتي الذي مدّ أواصر التحالف النسبي ـ والنسبي فقط والحق يقال ـ مع حركات التحرر القومي والوطني، حيث وقع تزويد هذه الأخيرة في هذا النطاق بالأفكار وبالخبرات وبالأسلحة وبمختلف أشكال الدعم الأخرى الممكنة، وهو ما أوصلنا إلى الإعلان المدوّي داخل         "المنتظم الأممي" عن إنهاء فترة الاحتلال المباشر[1]، ولكن ذلك تمّ دون التخلي عن الرغبة في نهب خيرات الشعوب، حيث تفتق الذهن الهيمني عن شكل استعماري مغاير تقوده مبادئ "بروتن وودز" التي كرست علوية الدولار وأحلته محل الذهب في المعاملات، وجعلت خيرات الشعوب تأتي صاغرة إلى المراكز الرأسمالية في نطاق التبادل غير المتكافئ المدعوم بالقروض مجحفة الشروط وبالتهديدات العسكرية عند اللزوم، وهو ما سُمّي بالاستعمار الجديد.

وإذ التحمت البورجوازيات الأوروبية القديمة مع امتداداتها الأمريكية الحديثة وسلمت لها  القيادة منذ أن غادرت هذه الأخيرة سياساتها الانعزالية مع نهايات الحرب الرأسمالية الثانية، معلنة نفسها زعيمة للعالم الحر، حال قيامها بمسرحية "إنزال النورماندي" بفرنسا الذي نافست به الانتصار الحقيقي للشعوب السوفييتية، ذلك الانتصار الذي أحرزته هذه الشعوب بدماء أكثر من عشرين مليونا من أبنائها واجهوا الوحش النازي ببسالة لا تنسى، ومكرسة هذه الزعامة بإجرامها النووي الترهيبي في هيروشيما وناغازاكي إخضاعا لليابان، وكذلك باحتلالها لألمانيا الغربية ومنعها من التسلّح، وبشرائها للذمم الأوروبية بواسطة "مخطط مارشال" الذي باشرته، تحت مسمى إعادة إعمار "القارة العجوز"، تلك التي تهدم عمرانها وضاعت زهرات وسواعد شبانها في أتون تلك الحرب الظالمة، ما جعل كل هذا يؤدي إلى ما سمى بالحرب الباردة بين المعسكرين، وهي الحرب الضارية التي انتهت وقائعها المرئية وغير المرئية بانتصار المعسكر الليبرالي وبالسقوط المدوّي للاتحاد السوفييتي، صحبة حزامه بجمهوريات أوروبا الشرقية مع تسعينيات القرن العشرين.

وإذ عادت هذه البورجوازيات مع انتصارها وسقوط المعسكر المنافس، وترتيب الأمور داخلها بالشكل المذكور إلى مزاولة الاحتلال الهيمني والتوسعي، فذلك ما تجسّم ـ بعد 11 سبتمبر 2001 وإسقاط برجي نيويورك بالصورة المشبوهة التي لم تبح بعدُ بكل أسرارها وخفاياها ـ في احتلال افغانستان ثم العراق، دون أن يدري أحد على من ستدور الدوائر بعد ذلك، ما دام الهدف هو استكمال المد العولمي وإخضاع الكرة الأرضية بأكملها إلى إدارة مركزية عالمية، تحاول أن تفرض على الجميع قدر الإمكان نفس التوجهات ونفس الأهداف، مقدمة نفسها على أنها ستكون حكومة عالمية  "الرّشيدة".

قلنا، إذ وقع كل ما سبق ذكره، فإنه يحق للدارس الموضوعي للتطورات التاريخية أن يحاول رصد أهمية المنجز الرأسمالي بكافة أنحاء المعمورة، وخاصة من زاوية تأثيراته على حساب البلدان الواقعة تحت النير الإمبريالي، إذ لا شك في أن هذا المنجز الرأسمالي سينحو إلى الاكتمال على حساب كل أنماط الإنتاج المختلفة عنه، سواء تلك التي تطمح إلى بناء مناويل تنموية جديدة، فتتم محاصرتها بغية تفكيكها، وحرفها عن طريقها، أو تلك المتشكلة من ترسبات أنماط الإنتاج قبل الرأسمالية وذلك بضربها، وملاشاتها، وإدخالها قسرا في المعادلات التجارية والربحية.

فما دام المطروح إمبرياليا هو خلق عالم متجانس وخاضع للقوانين البورجوازية الفردانية والتجارية والربحية، فلا شك في أن ذلك سوف لن يتحقق بدون تغييرات يقع فرضها بصورة نشيطة أكان ذلك على المستوى الجملي، أم على المستوى التفصيلي.

أولا: في تجليات الفعل الإمبريالي على المستوى الجملي

يحتاج تحديد تجليات الفعل الإمبريالي على المستوى الجملي إلى دراسة كمّية تدقيقية، بحثا وإحصاء واستنتاجا، وهي دراسة لا غنى عنها، ونحن نقترح على من يستطيع ذلك القيام بها، غير أن مجالنا هذا لا يمكن أن يسعها، إذ تعلقت همة هذا العمل بالاكتفاء برسم صورة عن الموضوع كيفما يتشكل على المستوى الكيفي لا على المستوى الكمي، ولذلك سيقع الاعتماد على ما أصبحت تسمح به "الملاحظة بالعين المجردة" لسيرورة الأحداث.

ولعله، بناء على ما هو متواتر ومستقر وملحوظ واقعيا، أضحى ممكنا أن نقول إن الرأسمالية قد نجحت بعدُ في التسرب إلى كافة مفاصل الحياة في جلّ المجتمعات البشرية، فهي قد همشت تقريبا ترسبات أنماط الإنتاج السابقة لها، كما حاصرت تلك المغايرة لها أو دفعتها إلى التأقلم مع متطلبات قوانينها الربحية، بحيث صارت "الإملاءات التجارية"[2] هي المهيمنة من بلد إلى آخر على أغلب مجالات النشاط والحياة، فهذا ما يعني أن الأنشطة الحانوتية والتوزيعية والتبادلية، قد حققت انتشارها الواسع مدعومة في مستوى البُنى الفوقية والإيديولوجية بفلسفة الحس العملي والأنانية والتفتيش بكل الوسائل عن الربح.

ولا بد لنا هنا من وقفة موجزة عند ما يسمى فلسفة الحس العملي  أو البراغماتية، وذلك حتى نشير إلى أنها تشكل وكما قال ذلك الفيلسوف الألماني كارل ماركس جوهر ما  أسماه ب "اليهودية العملية"، إذ سبق لهذا الفيلسوف أن قال في هذا الخصوص : "إن الطقس الوثني لليهودية هو الحس العملي والمصلحة الشخصية" [3]، وواضح أن حديث هذا الفيلسوف عن "يهودية عملية"، يعني أنه هناك يهودية أخرى ترفض أن يحتويها هذا التصنيف، فذلك ما نراه بوضوح على أيامنا هذه في ممارسات فرقة "ناطورا كارطا"، ولا شك أن هناك مللا ونحلا أخرى مثلها داخل هذه الديانة؛ فإذا ما أضفنا إلى ذلك أن أهل هذه الديانة من المعتنقين لجانبها العملي ينتشرون في شتاتهم (أو ما يسمى بالدياسبوراه) بأهم العواصم والحواضر العالمية، وخاصة بأوروبا وأمريكا، ويُركّزون في نحلتهم من المعاش على التجارة والحرف والصنائع والأنشطة الربوية والمصرفية، وهي أنشطة مرتبطة مثلما أثبته علم الاقتصاد السياسي برأس المال، فإنه يصبح من اليسير لنا أن نفهم أن هذه الأقوام  من "اليهود العمليين" عند انتظامهم وتجميعهم لقواهم ستتوفر لهم بالضرورة مع المد الاحتكاري لرأس المال، فرصا للتأثير المتزايد على السياسات والقرارات بجلّ المراكز الرأسمالية القديمة أو المستحدثة التي يمكنهم أن يؤثروا فيها. وغير خاف هنا أن الانتظام المشار إليه من طرفنا توفره لهم شبكة الصهيونية العالمية بلوبياتها المختلفة ـ التي لها كما لا تخفي هي نفسها ذلك ـ درجة من التنسيق العابر للحدود بينها. 

وما دام الأمر كذا، فليس غريبا إذن أن تلتحف الحضارة الرأسمالية بأكملها تقريبا عند النهاية،  وخاصة بأوروبا وب"أمريكا"، وبعد مسيرة طويلة نسبيا تمّت عبر تعرجات القرون، بلحاف ما أصبح يُسمى جهارا وبدون مواربة بلحاف "التقاليد اليهودية المسيحية"، فهذا ما أشار إليه مثلا كولن باول وزير الخارجية لدولة الولايات المتحدة الأمريكية، حين قال جوابا عن سؤال موجه إليه وبدون تردد، وحتى بدون أن يرفّ له جفن: إن أمريكا دولة "يهودية مسيحية" [4]، مثيرا دهشة عارمة لدى التيارات الليبرالية التي تعودت الدفاع وما زالت تفعل ذلك، ولكن من مواقع أصبحت خلفية عن اللائكية التي اشتهرت بها الطبقة البورجوازية عند انتصارها ببلدان أوروبا، حيث وقع بكافة دساتير هذه البلدان تضمين مبدأ الفصل بين الدولة والكنيسة؛  فإذا علمنا ـ تعميقا للتأمل ـ وثوق الارتباط بين "العهد الجديد" (الإنجيل) و"العهد القديم" (التوراة)، بحيث لا يكتمل الإنجيل إلا بالتوراة أو "الناموس"، في حين أن التوراة تعتبر نفسها مكتملة بذاتها وبتفسيرات شُرّاحها من تلموديين، وحاخامات. وإذا لاحظنا أن "اليهودية العملية" (أي البراغماتية) أو الصهيونية، كما أصبحت تسمى في القرن العشرين، وبوصفها إيديولوجية سياسية بحتة، أضحت كتفسير مخصوص للنص التوراتي هي الطاغية على كل تفاسيره الأخرى التي كانت تتجاذب التعاليم اليهودية منذ منتصف القرن الثاني قبل ميلاد المسيح، حيث انقسم أهل هذه الديانة آنذاك إلى "صدوقيين" أثرياء ومؤثرين في دواليب القرار لا يؤمنون لا بالقيامة ولا بالملائكة ولا بالأرواح، وإلى "فيريسيين" من أبناء الطبقات الفقيرة والكتبة، الذين يناهضون توجهات الصدوقيين ويختلفون معهم حول تفسير"تعاليم موسى"، علما بأن المسيح قد مال في قائم حياته إلى الفريسيين دون التخلي عن بعض علاقاته داخل الصدوقيين مثل علاقته بنيوقيديموس وبسلمان الأبرص؛ فإنه ليس غريبا ـ وبناء على ما ذُكر ـ أن تعمل هذه الصهيونية بصفتها حركة عالمية على تجسيد مقولة "الشعب المختار" التي تؤمن بها، وذلك إنجازا لتفوقها أولا وقبل كل شيء بطبيعة الحال على المسيحية بالذات في كافة مجالات التماسّ معها، ثم محاولة نقل ذلك إلى بقية المعتقدات، فمن هنا على سبيل المثال محاولة تدليسها لتعاليم الديانة الإسلامية بواسطة "الإسرائيليات" في جهود وصلت بها عبر الأزمنة إلى المساهمة في ميلاد التأسلم السياسي، وحتى إلى تخليق ما أصبح يسمى ب"الإرهاب الإسلامي" والذي تتجلّى صورته التاريخية الملموسة في الفكر الوهابي وفي تجمعات أنصار "القاعدة" و "داعش" على سبيل المثال، بل إنه يمكن القول هنا وفي سياق العلاقة الخاصة بين الصهيونية والمسيحية أن الأولى قد تمكنت بعدُ من إخضاع الثانية إلى توجهاتها تقريبا، فمن هنا كمثال فقط نشأة ما يسمى بالمسيحية الصهيونية، تلك التي يعتنقها المحافظون الجدد الحاكمين للبلاد الأمريكية، كما من هنا التأثير المتزايد والملحوظ للصهيونية على المؤسسة البابوية لدى طائفة الكاثوليك. ولنتذكر هنا الدور الذي لعبه البابا يوحنا بولس الثاني البولوني الأصل في مساندة نقابة ليش فاليزا المسماة "سوليدارنوسك"، وفي إسقاط نظام جاروزالسكي وتصعيد هذا النقابي بعد ذلك مكانه، لما كانت وقائع سقوط  جاروزالسكي لوحة فقط من لوحات سقوط المنظومة السوفياتية بأكملها.

وجميع هذا يُفسّر بأن المنتظمين تحت لواء الصهيونية قد نجحوا من خلال تفعيل قانون الاحتكار، في مراكمة أرصدة هامة من رأس المال المالي العالمي بين أيديهم، والاستيلاء بواسطة ذلك على مراكز التسيير داخل الشركات العملاقة متعددة الجنسيات، ووضع يدهم على جُلّ دواليب حركة رأس المال ومراكز الدراسات (الثينك ـ تانكس) ووسائل الإعلام والدعاية، ما مكنهم من قوة طاغية على الحكومات بالمراكز الرأسمالية المتقدمة، وهي قوة لم تعد خافية على أحد، إذ أن ذلك ما يظهر، وبما لا يحتاج إلى تدليل إضافي، في الأرقام والإحصائيات، وفي السيطرة البارزة راهنا على البيت الأبيض، وعلى البنتاغون، وعلى الكونغرس، وعلى وسائل الإعلام والنشر الفكري بالولايات المتحدة الأمريكية، ولكن مع وجود ما يشبه ذلك  بأوروبا، وكل هذا هو ما تجلى للجميع وبصفة لا نقاش فيها  بُعيد انتصاب "أمريكا" بمعية أتباعها الأطالسة كقطب وحيد مسيطر على كوكب الأرض.

فمن هنا يمكننا أيضا تفسير التأثير الطاغي للصهيونية على كافة المؤسسات العالمية من طراز مجلس الأمن لمنظمة الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك العالمي، ومنظمة التجارة العالمية، حيث رأى كل الناس مثلا أن منظمة الأمم المتحدة مثلا لا يمكنها أن تنبس ببنت شفة تجاه تجاوزات البيدق الصهيوني الموجود بمنطقة "الشرق الأوسط" ونعني به الكيان الغاصب لفلسطين، ولكن المثال الأمريكي والأوروبي البارز ليس من شأنه طبعا أن يحجب تأثير الصهيونية إلى هذا الحد أو الآخر على بقية العواصم الرأسمالية غير الأوروبية، وإن كان ذلك بأشكال أخرى ومتغيرة، فمن ثمة محاولة تأثيرها أيضا على بقية عواصم الدنيا... دون أن ينفي هذا طبعا ولحسن الحظ وجود ممانعات ومقاومات لهذا الأمر.

وهكذا يمكننا أن نستنتج من خلال ما سبق وبدون تردد كبير أن الصهيونية بوصفها حركة عالمية، أصبحت تحتل قمة الهرم الإمبريالي، ماليا واقتصاديا وسياسيا وعسكريا وثقافيا وإعلاميا، وهذا ما تثبته الأرقام والإحصائيات في كل الأحوال، وهنا فإنه إذ صرح أحد المفكرين الثوريين في القرن العشرين، بأن: "الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية"[5]، فإنه يمكن القول أيضا على غراره: إن البلوتوقراطية المتصهينة هي آخر ما تفتقت عنه على أيامنا هذه مسارات تطور الإمبريالية وهي تؤسس عولمتها... ما يسمح لنا بالتأكيد عند النهاية على: أن الصهيونية أضحت وكأنها اللحظة القصوى لتطور الإمبريالية.

ولعله من المفيد في هذا السياق، أن نُذكّر بأن محمد مهاتير أو محاضير، باني النهضة الماليزية الحديثة، ورجل الاقتصاد والسياسة المشهود له بالكفاءة، وبعد أن ندّد أثناء انعقاد المؤتمر الإسلامي بكوالا لامبور في شهر أكتوبر 2003، بصورة خاصة، بالدور الذي لعبه الملياردير يهودي الديانة، والصهيوني المعروف، جورج سوروس، في نهاية التسعينيات من القرن العشرين لما حاول الإضرار بالاقتصاد الماليزي عن طريق المضاربة، ونجح بمفرده في تعريض اقتصاد دولة بأكملها وجديا إلى الركود، كان أشار(أي محمد محاضير) آنذاك إلى ما أسماه جهارا وبلغته الدّينية: "هيمنة اليهودية على كافة شؤون الدنيا"، وإذ أثار ضده في الحال زوبعة من الانتقادات والاحتجاجات التي تتهمه ب"معاداة السامية"، وهي زوبعة كان وراءها أقطاب الصهاينة والمتصهينين من أتباعهم هنا وهناك، وفي مقدمتهم حاكم الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك المسمى جورج بوش الصغير، فإنه من اللافت للانتباه أن جورج سوروس وهو المعني مباشرة بالانتقاد لم يجد حرجا في أن يقول: "إن التيار الجديد المناهض للسامية يرى أن اليهود يحكمون العالم، وقد تكون أعمالي ساهمت في هذه الصورة..."، مستدركا: "ولكنها ليست بالضبط معاداة للسامية، رغم أنها تظهر نفسها كذلك... وإذا غيرنا الاتجاه فعندها ستختفي" [6].

إن جملة هذه  الوقائع تشير إلى أن سيطرة الأوليغارشيا المالية "الصهيونية" أو من أسماهم محمد محاضير بنبرة دينية خاصة به في خطابه، ب" الممولين اليهود"، على الكثير من مجريات الأمور بالعالم لم تعد خافية على الأنظار وحتى لدى بعض أقطاب الأوليغارشيا  أنفسهم مثلما رأينا، إذ من المعلوم على الأقل سيطرة هذه الأوليغارشيا بواسطة عائلة روتشيلد، ذات الثراء الخيالي على البنك العالمي للتنمية وعلى صندوق النقد الدولي، وإملائها من هناك لشروط  قروضها، ومن ضمن تلك الشروط ما يوجب عدم التعرض بالنقد للممارسات الصهيونية للحصول على تلك القروض، ولكن الواجب العلمي يقتضي منا الإشارة بعد هذا إلى أن هذه الأوليغارشيا لا تبدي ظاهريا على الأقل وفي عموم توجهاتها أية رغبة في تغيير الاتجاه، مثلما تمنى ذلك جورج سوروس، بل إنه هناك تيار جارف في أوساطها ينحو بها إلى مزيد رص صفوف هيمنتها من خلال ما نشاهده على هذا العهد (أي سنة 2003 ميلادية)، من توجه نحو دمج الشركات العملاقة متعددة الجنسيات والعابرة للقارات بعضها ببعض، فهذا ما يمكن أن يؤدّي إلى إلغاء هامش المنافسة التقليدي داخل البنية التجارية والرأسمالية، وما يمكن أن يتولد عنه بصورة طبيعية اتجاها نحو خلق ارتداد سلطوي واستبدادي صلب المراكز البورجوازية التي تُعتبر متقدمة.

إن هامش المنافسة التجارية التقليدي في مستوى البنى الاقتصادية التحتية هو الذي كان تجسد في مستوى البنى الفوقية في شكل ما سمي بالحريات البورجوازية التي أتاحت ما أتاحته من حرية التنافس في ميادين التفكير والتعبير والمعتقد، أما إلغاء هذا الهامش أو تقليصه فيمكن أن يفتح الباب نحو استنساخ أشكال الاستبداد القديمة وحتى المعاصرة كما هي مشاهدة بوضوح بالدول المولّى عليها والتي تنتهج هذه الأشكال الاستبدادية لا بوصفها أشكالا مترسبة لديها من ماضيها فحسب ، بل  بوصفها تقوم في الحاضر أيضا بوظيفة قمع التوجهات الوطنية وتخدم بالتالي التحالف المعقود بين النخب الكومبرادورية التي تحكم هذه الدول، وبين الاحتكارات العظمى المسيرة للكون.

ولعله لم يعد خافيا اليوم على أحد أن الحريات التي كانت تُشكّل مفخرة النظام البورجوازي عند انبعاثه والتي انتهت إلى التّجسّم في صورة أجيال للوائح حقوق الإنسان، قد أصبحت مع العولمة المستوفاة تشهد تقلصا واضحا في مجالات تطبيقها، وخاصة مع ما وقعت تسميته ب"الحرب ضد الإرهاب"، بما يبعث على الاعتقاد بأن الانتهاكات التي سجل التاريخ وقوعها  مثلا في سجن "غوانتنامو" قد لا تكون غير الجزء اليسير البادي للعيان من جبل ثلج الفظاعات الخفية والتي ستنكشف حتما للعيان في قادم الزمان عند عدم "تغيّر الاتجاه" الذي يبشر به جورج سوروس.

وإن ما يهمنا بعد هذا كله هو أن نشير إلى أن هذه الظواهر المختلفة قد فرضت بعدُ على المستوى الجملي التغييرات التالية:

أولا: سيطرة كمشة من الشركات العملاقة متعددة الجنسيات والعابرة للقوميات على جلّ المرافق الصناعية والتجارية والمالية والخدماتية التي يحتاجها أغلب السكان فوق كوكب الأرض، والتحكم من خلال ذلك في مواقع تواجد هذه الأنشطة بمختلف المناطق بالمسكونة وفقا لمصالح هذه الشركات دون أدنى مراعاة لحاجيات مختلف الأوطان، علما هنا بأنه يوجد اليوم (أي في سنة 2003) ما يقارب الأربعين ألف من هذه الشركات وتبلغ إيراداتها أكثر من نصف الناتج الإجمالي العالمي، ومن ضمنها خمسمائة شركة تبلغ إيراداتها 14 في المائة من الناتج المحلي العالمي، وفي مقدمتها مائتي شركة تسيطر لوحدها عمليا على مجمل الاقتصاد العالمي وتحلّ في كل مكان محل الدولة. وقد لاحظ تقرير الاستثمار الصادر عن منظمة الأمم المتحدة سنة 1992 ـ وهو يعرف ماذا يقول ـ أن الشركات العابرة للقوميات أصبحت "هي المنظم المركزي للأنشطة الاقتصادية ضمن اقتصاد عالمي يزداد تكاملا " [7].

ثانيا: تحوّل كافة البلدان الواقعة تحت سيطرة ما يصح أن نسميه الآن بالإمبريالية المتصهينة إلى مجرد أسواق لمختلف بضائع الاحتكارات العالمية، وذلك بعد التخريب المتعمد للهياكل الجنينية المستقلة أو شبه المستقلة بدعوى "إصلاحها" أو "تأهيلها"، طبقا لتوصيات صندوق النقد الدولي ولشروطه الظالمة، ومن ثمة استكمال إخضاع الحكومات بتعلة "الحوكمة الرشيدة" وتحويلها بالنسبة إلى الأوليغارشيا المالية العالمية إلى ما يشبه ما كانت عليه السلط المحلية أو الجهوية بالنسبة إلى الدولة القومية أو ال قطر ية.

ثالثا: الاستيلاء بواسطة الشراء أو بدعوى الشراكة (وهي شراكة غير متكافئة طبعا) على الهياكل والمؤسسات والقطاعات التي تخدم مباشرة أهداف الاحتكارات العظمى ومصالحها، والتي كانت سلمت من التخريب المباشر لأجل هذا الغرض فقط، والعمل من ثمة على تحويرها شكلا ومضمونا بما يجعلها متناسبة مع مخططاتهم.

رابعا: محاولة إجبار الإنسانية من خلال ميل عناصرها إلى تقليد بعضهم البعض وهو ما يمكن أن نسميه بترسب السلوك شبه القرديّ لدى الإنسان، فذلك ما يعتمدون عليه في نشر الانحرافات الأخلاقية والشذوذ، وتقليعات الموضة مهما كانت غريبة أو سخيفة أحيانا، قلنا محاولة إجبار هذه الإنسانية من خلال هذا الترسب، على الانخراط في سلوكيات نمطية موحدة ومن ثمة تحويل الأفراد، رغم حواجز الانتماء القومي والوطني إلى ذرّات متشابهة بواسطة تبليد مناهج التربية والتعليم، وتفعيل الدعاية الإعلامية الجبارة بتوجيهها نحو تحريك الغرائز والتشويش المنهجي على الجوهر القيمي  لثقافات كل الشعوب؛ فهكذا تسعى الأوليغارشيا المالية العالمية إلى تخليق كائنات استهلاكية لاهثة وراء الملذات المادية ومفرغة من كل بعد قيمي، فهي تأكل نفس المآكل من بيتزا، وهامبرغر، وما شابه ذلك وتشرب نفس المشروبات من صودا وكولا ومياه معلبة وغيرها، وتستعمل نفس الأجهزة المنزلية والفرجوية والترفيهية وتتلقى نفس المعلومات والأخبار ولا يهمها في حياتها غير جمع المال والاستزادة منه بغباء وبكل الطرق الممكنة.

إن الاحتكارات العملاقة التي لا يعرف أحد على وجه التدقيق أين توجد مراكز تسييرها الفعلية والتي قد تكون موجودة كاحتمال فقط  بتلك المناطق المسماة بالجنات الجبائية، والتي تنتصب لها فروع ظاهرة أو خفية أو متغيرة هنا أو هناك بكوكب الأرض، هي التي تسهر على إحداث هذه التغييرات الكبرى، وهي التي تهدد كافة الدول والأوطان بدون استثناء، وسوف نرى أنها ستحاول أن لا ترحم في المستقبل حتى تلك البلدان التي عُرفت قبل هذا بأنها مراكز تقليدية ومتقدمة لرأس المال: ذلك ومثلما قال المفكر الياباني صاحب كتاب "نهاية الدولة" كينيش أوهامى: إن تلك الشركات العابرة للقوميات: "لا تحمل علم بلدانها، بل علم عملائها" [8].

ثانيا: في تجليات الفعل الإمبريالي على المستوى التفصيلي

في ظل هذه التحولات فإن التخريب المتعمد للمؤسسات ذات الطابع القومي والوطني أو المحلي بالبلدان الواقعة تحت نير الشركات العابرة للحدود، والسعي المعلن وغير الخفي من طرف هذه الأخيرة إلى منع هذه البلدان المولى عليها من تحقيق الاكتفاء الغذائي والصناعي والعلمي أو تحطيم منجزاتها عند الاقتضاء على هذا الطريق، ما شاهدناه بوضوح تام مثلا بعد 2003 في واقعة اغتيال علماء العراق بالجملة أو إخضاعهم لنير هذه الشركات، قد أدى إلى تغييرات واضحة أكان ذلك في مستوى العلاقات الإنتاجية والبنى التحتية أو في مستوى البنى الفوقية، وهي تغييرات يمكن رصدها بصورة بانورامية على النحو التالي:

1. في مستوى العلاقات الإنتاجية والبنى التحتية

إن السياسات المشار إليها أدت على هذا المستوى بالبلدان الواقعة تحت النير الإمبريالي إلى ما يلي:

أ: تحطيم بقايا الطبقات المتكونة من إقطاعيين كانوا سائدين في نطاق العمران الزراعي، ولجم النواتات المتكونة من البورجوازيين التقليديين الذي ترشحوا من داخل العمران الحضري للنهوض والسيادة محليا، مجاراة للعصر، وإجبار من يرغبون من هذين الطرفين في المحافظة على امتيازاتهم على الانخراط تدريجيا ـ رغم أشكال الممانعة المختلفة ـ في سبل التفاعل اللامتكافئ مع مراكز رأس المال العالمي، فتحويلهم من ثمة إلى عناصر كومبرادورية أو شبه كومبرادورية تعيش من الريع ومن الأنشطة الطفيلية الرثة وغير الإنتاجية، وذلك في ظل الظروف القامعة بقسوة إجرامية ومانعة ولو بواسطة الحروب الظالمة لبروز بورجوازيات جديدة ذات توجه قومي ووطني فعلي...

ب: نشوء طبقات من الكومبرادور إذن من صلب الفئات الاجتماعية التي وقع ذكرها تحت طائلة التفليس عند عدم الانصياع، ولكن كذلك من صلب البورجوازيات الصغيرة الطامحة إلى التبرجز، ومساعدتها إمبرياليا على الانخراط في الأنشطة التصديرية والتوريدية وفي تقديم الخدمات التي على رأسها الخدمات السياحية والاتصالية، وهي طبقات كومبرادورية وصلت من خلال هذا إلى هذا الحد أو الآخر من حدود التطور الكمي لثرواتها، وتتمثل وظيفتها في السمسرة في كل شيء، ذلك أنها لا تستنكف عن "العمل" في مجال المخدرات، والآثار، والمتاجرة بالدماء المسماة ذهبا أحمرا، أو بالأعضاء البشرية بوصفها قطع غيار للمرضى، بل إنها تعتبر السمسرة في المصالح الوطنية والقيم الحضارية والشؤون العقائدية داخلة في مشمولاتها، وهكذا فهي تتجمع في شكل عصابات ذات توجه مافيوزي وتتضامن أو تتصارع مع بعضها البعض وفقا لما تمليه عليه مصالحها، فهي لا هدف لها إلا النهب والحصول على المنافع والمغانم ومختلف العمولات، وتكديس الثروات بأرقام خيالية بين أيدي مكوناتها وأفرادها.

ج: تنامي شبكة من البيروقراطيين والوسطاء المتنفذين على مستوى أصحاب القرار بالإدارات المركزية، كما على مستوى مسؤولي القطاعات النخبوية المسيطرين فعليا أو الذين بإمكانهم التأثير على دوائر القرار المالي والاقتصادي والسياسي والجمعياتي، والذين تم تدريبهم بواسطة الرشاوي، وترويضهم بواسطة التمويلات المشبوهة للمجتمعات المدنية والسياسية على وضع أنفسهم في الخدمة الذليلة تنفيذا لمختلف الطلبات أو بالأحرى الأوامر الصادرة عن أصحاب الاحتكارات الاقتصادية العالمية وواجهاتهم سياسيا من حكومات غربية.

 د: إفراغ العالم الزراعي من المنتمين إليه من فلاحين فقراء ومتوسطين، ورسملة الاستثمار الفلاحي، وتسريح الجموع العمالية بالمدن بواسطة قوانين المرونة الشغلية، وهو ما همّش قوة العمل بالأرياف والحواضر على حد سواء، وجعل عدم الاستقرار هو القاعدة في العلاقات الإنتاجية، وأعاد إلى الوجود وبقوة أحيانا بواسطة ما يُسمى بالمناولة جوهر العلاقات العبودية القديمة التي طالما تفاخرت البورجوازية في مراحلها المتقدمة بإلغائها، وضخم أعداد المنتمين إلى أجهزة الأمن، والمخابرات، وحراسة المؤسسات، وأدى عند النهاية إلى تحطيم النواة الصلبة للطبقة العاملة، حيث هناك اتجاه واضح لتعويضها بالروبوتات، كما إلى زرع الخوف لدى بقاياها من النضال المطلبي المنظم، وخاصة بعد أن تكفلت ترسانة الأساليب القمعية والزجرية والرشاوي الخارجية والداخلية، إما ببقرطة وتمييع جل القيادات الشعبية الفعلية وحتى الاحتمالية، وإما بتشويهها وقمعها ومحاولة إزاحتها بكل الطرق التي منها اغتيالها عند استعصائها على الرضوخ.

ه: تنامي الممارسة الحانوتية، والانتشار الواسع لمقدمي الخدمات المختلفة من أشدها تعقيدا تكنولوجيا إلى أبسطها، وتكاثر أعداد موزعي  وباعة البضائع والسلع  المصنعة بمراكز رأس المال الكبرى، علما بأن عناصر هذه الشبكات قد يرتبطون إما بالكومبرادور المحلي ، أو مباشرة بفروع الاحتكارات الكبرى عند الاقتضاء، وهم يغتنون بتوافد فقراء المجتمع الزراعي الزاحفين نحو المدن تفتيشا عن العمل ، كما بحثالة ما يسمى بالبروليتاريا الرثة بأحياء الفقر القصديرية، وعناصر البروليتاريا المسرحين تعسفيا من الخدمة بالمصانع والمؤسسات والذين يحاولون الهروب من البطالة المفروضة عليهم.

ويندرج ضمن هذه الشبكات من يسمون ب"تجار الشنطة" من صغار البيروقراطيين بمختلف الإدارات وغيرهم ممن يزورون البلدان فيأتون منها  ببضائع يعملون على ترويجها، وقد يجعلون من ذلك نشاطا قارّا لهم، أو من جحافل السعاة المتجولين الذين لفظتهم  المؤسسات التعليمية ووقع تدريبهم بطريقة سريعة على طرق مختلف الأبواب واستعمال الحذلقة اللغوية والشطارة بغاية تسويق مختلف السلع، فمن منهم لم تستوعبه مثل هذه الأنشطة، فإنهم قد ترشحهم أحلامهم المشروعة بالغد الأفضل إلى الهجرة الشرعية بواسطة الزواج من بعض الأوروبيات المُسنّات، أو إلى الهجرة غير القانونية عبر ركوب أمواج البحار مقامرين بحياة فقدت معناها  لديهم فلم يعودوا متخوفين من انتهاء كياناتهم البدنية لقما سائغة للحيتان إذا لم تلفظهم الأمواج العاتية لتعيدهم إلى الشواطئ جثثا هامدة  أمام لوعة أمهاتهم وأهاليهم.

2. في مستوى البُنى الفوقية

ليس غريبا في مثل هذه الأجواء أن يتعاظم وخاصة بالبلدان المولى عليها عدم الاستقرار الاجتماعي، فهذا ما يتجسد في الانتماء المتعدد للأفراد فئويا وطبقيا، ذلك أن الفرد الواحد أصبح بإمكانه الانتماء أحيانا في نفس الوقت وبدون أدنى تعارض لديه إلى عالم الزراعة وعالم التجارة وعالم الخدمات، ويمكن أن يضيف إلى ذلك انتماءه إلى الهرم الإداري أو إلى عالم التحيل والبلطجة، فإذا ما دفعته الحاجة إلى ذلك فقد يتنكر في أزياء الشحاذة، وكل ذلك طبعا بهدف الحصول على المال.

ويصاحب عدم الاستقرار المذكور عدم اطمئنان الأفراد إلى المراكز التي حصلوا عليها، إذ هم يشعرون باستمرار بهشاشتها، ويرون رأي العين تواتر حركة التراوح بين اليسر والفقر، فالثروة أصبح من الممكن جمعها بسرعة صاروخية ولكنه بنفس السرعة ونتيجة سوء التصرف فيها أو فساد مصدرها أو عند التعرض للقلاقل الجبائية والإدارية والقضائية، يمكنها أن تضيع فيسقط صاحبها بنفس السرعة في غياهب الخصاصة.

وتنتشر في عوالم كهذه ظواهر المحسوبية والزبونية والطمع والتملق ويصبح الهدف الوحيد تقريبا من احتلال مواقع القرار الإداري والاجتماعي والسياسي هو تكديس المنافع والأموال ما يُفقد هذه المواقع طابعها الوظيفي الأصلي، فتصبح في خدمة شاغليها لا في خدمة من تستهدف خدمتهم، فتنعدم قاعدة المساواة بين المواطنين، بل إن مدى القرب أو البعد من هذه المواقع يصبح في مثل هذه الأحوال سببا في تنامي وتعاظم ثروة الأفراد كما في فقدانها وخسرانها، وليس أدل على هذا من ظاهرة القروض بدون ضمان المنتشرة بكامل العالم النّامي في مناهضة تامة للقوانين المصرفية، وقد خصصت مجلة "روز اليوسف" عددا كاملا من أعدادها سنة 2002 لرصد هذه الظاهرة بالبلاد المصرية على سبيل المثال [ 9 ].

وفي مثل هذه المناخات، يقع الحط من قيمة العمل ومن قداسته وعلى وجه التحديد في الميدان الزراعي الذي يتعرض تحديدا إلى مؤامرة من نوع خاص، لا فقط بسبب ازدراء الحواضر التجارية بصورة عامة للأرياف، فهذا موجود، ولكن ذلك يتضاعف أيضا مع رغبة المراكز الإمبريالية في ضرب كل سياسة هادفة إلى تحقيق الاكتفاء الغذائي لدى الشعوب المستضعفة، فهكذا يقع إبقاء الأرياف في الخصاصة، من حيث البنى التحتية في ميدان الطرقات والمؤسسات التعليمية والاستشفائية وتوفر الكهرباء والمياه الصالحة للرّيّ وحتى للشرب... ما يخلق حالة نفور من العيش فيها، فلا تحتفظ الأرض حتى بسواعد عشاقها ممن يرغبون في العيش فيها.

كما يقع امتهان الكفاءات واحتقارها ما يؤدي في نطاق تقسيم العمل العالمي إلى شفط الحواضر الرأسمالية العظمى للكفاءات التي تحتاجها بعد غربلة من تحتاج من هذه الكفاءات ومن لا تحتاج منها، منتفعة مجانا بالجهود التي بذلت ماديا وبيداغوجيا ومعنويا في تكوين تلك الكفاءات ببلدانهم. وعوضا عن ذلك يقع تمجيد الربح السهل والسريع الناتج عن السمسرة والمضاربة وحتى عن "الشطارة" وهي أنشطة تندرج في ميادين المغامرة، والصدفة، والحظ، وتصل إلى درجة التحيل أحيانا، فمن ذلك العمل على نشر كازينوهات القمار، ومؤسسات الرهان الرياضي، وترويج برامج تلفزية من طراز "اربح المليون"، و"وزنك ذهب"، و"دليلك ملك"، وما شابه هذا، أو دفع الناس إلى الانغماس في الأنشطة الفرجوية غير الإنتاجية وغير التثقيفية التي يجني المشرفون عليها أموالا رهيبة مثل كرة القدم، ولعبة التنس، والموضة، والفن المبتذل.

ولا تستنكف التنظيمات الاجتماعية المتدهورة في مثل هذه الأحوال عن استغلال مختلف الكروب والاحتقانات الناتجة عن سياساتها، فتبيع إلى الناس الأوهام عن طريق الشعوذة وقراءة الكف، والمخدرات، والخمور، ويصل بها الأمر إلى السهر على أنشطة تستغل الخصائص الحميمة لجسم المرأة فمن ذلك أسواق الدعارة، والبغاء، و"الرقيق الأبيض"، والاتجار بالبشر،

وفي كنف كل هذا يقع التشجيع بواسطة فنون الدعاية الجبارة على الاستهلاك غير المحسوب اقتصاديا، والمصطنع، الذي لا هدف منه غير الإسراف والتباهي والتفاخر بما من شأنه عند النهاية أن يملأ خزائن أصحاب الاحتكارات العملاقة عالميا بمعية أعوانهم المحليين الذين يجنون من خلال ذلك ما تيسر لهم من فتات العمولات والمنافع؛ فتحقيقا لهذا الغرض يقع ضرب ثقافة القناعة، وثقافة الاكتفاء بتلبية الحاجيات الفعلية وغير الاصطناعية، ودفع الناس إلى اعتناق ثقافة القروض فتوضع أمامهم من طرف النظام النقدي العالمي وتفرعاته المصرفية المحلية والإقليمية، قروضا مختلفة لاقتناء مساكنهم ووسائل نقلهم وتأثيث بيوتهم وحتى لاستهلاكهم اليومي، وهي قروض يقبل عليها الأفراد اضطرارا أو اختيارا، فتصيّرهم بواسطة الفوائض الربوية المجحفة عبيدا لشبكة المصارف المرتبطة ببعضها البعض محليا وإقليميا ودوليا، تلك التي توجد على رأس هرمها الأوليغارشيا المالية العالمية طبعا، فذلك ما يجسم نجاح هذه الأوليغارشيا في تثبيت سيطرة رأس المال المالي على جل مظاهر الحياة، وفي إقامة النظام البلوتوقراطي المرتكز على "عبادة" المال والذهب.

وطبيعي أن تجد هذه الأوليغارشيا المالية العالمية في مثل هذه الأجواء الناجمة عن تحطيمها للبنى الاجتماعية وللتشكيلات الاقتصادية السابقة لها أو المغايرة لطبيعتها، وعن الاستيلاء عليها، فرصة سانحة للقيام بمساع منهجية تهدف بغاية تثبيت نظامها الكوني إلى محاولة المساس بالتراكمات الحضارية والثقافية والقيمية لدى مختلف الأمم والشعوب، فتحاول من ثمة اختراق قشرتها التاريخية السميكة طمعا في الوصول إلى لُبّها أي إلى ما هو جوهريّ فيها، وإذ يتعرض الأفراد بهذه الصورة إلى الاستفزاز جراء هذه المساعي التخريبية لكياناتهم، فإن رد فعلهم في المجتمعات المقهورة إمبرياليا لا يخرج رئيسيا على مستوى السلوك السياسي والاقتصادي والاجتماعي عن أحد احتمالين، فهم إما:

. أن يتبعوا طريق الانبهار بالغالب فيتشرّبون روحه، وينصهرون فيه، ويُقلّدون حتى سخافاته، وترهاته وتفاهاته وانحرافاته، ويرددون كببغاوات تبريراته وتقليعاته الإيديولوجية، فينبتّون باسم الحداثوية وطابعها الزائف غير الحداثي، فينبتّون عن واقعهم، ويصابون بالاستلاب، ويغتربوون بصفة مطلقة في المكان، بحيث يفقدون صلتهم بأرضهم وبناسهم وبلغاتهم، وبما هو جوهري في ثقافاتهم، ويكونون هكذا عونا بسلوكياتهم للمعتدين الذي يحدثون من خلالهم شروخا في تماسك الأوطان؛

ـ أو أن يحاولوا الهروب من مرارة الواقع إلى الماضي فيجعلونه ملجأ وملاذا ويسعون من ثمة إلى إعادة  سلوك الأسلاف حتى في أدنى قشوره وشكلياته في زمن لا يمكن اعتباره قطعا زمنا لهؤلاء الأسلاف، فيتقوقعون في حالة من الاغتراب المطلق لا في المكان هذه المرة، بل في الزمان، فيحاولون التشبث بالبنى الفوقية لأنماط الإنتاج السابقة ذات الطابع الزراعي الإقطاعي وحتى العبودي، فيمنعون ولو بالعنف حدوث الثورة الفكرية والثقافية متصلة الحلقات في تاريخهم، تلك الضرورية لتمكين شعوبهم من المقاومة الصحيحة، والتي يمكن أن توصلهم  إلى التقدم الفعلي.

والغريب في الأمر أن الإمبريالية تجد نفسها مرتاحة لهذين الصنفين من ردود الفعل، فالمغتربون في المكان يصبحون أدوات طيعة لسياساتها وعملاء وكومبرادورا، أما المغتربون في الزمان فهي تغذي بواسطة مخابراتها مخزون العنف الكامن في ردّة فعلهم وصولا إلى تخليق مرتزقة من ضمنهم تتعامل معهم كمن يتعامل مع جمرة في كفّه، وذلك  تحقيقا لأغراضها الاستراتيجية والتكتيكية، فهذا ما شاهده العالم بمنتهى الوضوح في استعمال عناصر ما يسمى ب"القاعدة" المنتمين إلى السلفية الإسلامية على عهدنا هذا، إذ وقع دفعهم إلى افغانستان لمحاربة الاتحاد السوفييتي بصفته نظاما نقيضا داخل الحضارة الأوروبية، بعد وصمه بالإلحاد، وصولا إلى تفكيكه بواسطة تلك العناصر، وتحطيم بناه على كافة المستويات... ومثل هذا التوظيف سوف لن يتوقف عند هذه الحدود ، فهو بطبيعة الأمور مرشح إلى التفاقم.

عند الختام،

لقد نشأت داخل مراكز التفكير الإمبريالي (الثينك ـ تانكس) مقولات "صراع الحضارات" والثقافات، وإنه من الملحوظ لاعتبارات اقتصادية (مصادر الطاقة) وتاريخية (وجود تحاكك ديني سابق بين الطرفين) وجغرافية (نتيجة القرب الجغرافي ووجود الوطن العربي بمحاذاة أهم المرات التجارية عالميا مثل جبل طارق وقناة السويس ومضيق هرمز)، أن العالم العربي والإسلامي هو الموضوع اليوم في صدارة الاستهداف، بل لقد سبق لمنظر العولمة المسمى صموئيل هيتنغتون أن أعلن أن حدود الحضارة الأوروبية مع الحضارة العربية الإسلامية بالذات  لا يمكن أن تكون إلا حدودا دموية (هكذا وب "أمر عليّ " من طرفه، أو "فيرمان" سلطاني كما يقال بالتركية أو "أوكاز" قيصري مثلما يقال باللغة الروسية، إذا شئنا  تنويع التسميات)،

فذلك ما تمّ تجسيمه في كل الأحوال ـ وكان كل العالم شاهدا على ذلك ـ في البوسنة والشيشان والصومال مرورا بالاعتداء المبكر والمتواصل على فلسطين، ووصولا إلى افغانستان والعراق، في هذه الأيام التي كتب فيها هذا الكلام عند إطلالة الألفية الثالثة من التقويم المسيحي المعتمد عالميا.

ولا يصعب على الإنسان أن يفهم من خلال الوقائع المذكورة أن الإمبريالية المتصهينة كما أسميناها أعلى هذا، إذ رفّعت من وتيرة اعتداءاتها تهديدا وإنجازا على العالم العربي والإسلامي منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 المشبوهة وقائعها وأسبابها، فإن ذلك لا يعني أن الدور غير قادم ـ ما أمكن لها ذلك ـ على بقية الدول المسماة مارقة أو متمردة والمنتمية إلى مختلف الحضارات الأخرى مثل كوريا الشمالية والصين الشعبية وكوبا وغيرها، أو حتى للحضارة الأوروبية في حد ذاتها (روسيا الأورتودوكسية مثلا)، إذ لا يجب أن ننسى كيف وقع مثلا ضرب البورجوازية الصربية الطامحة بصفة متأخرة جدا إلى التوسع، بعد انفجار الدولة اليوغسلافية، وإجبارها من ثمة على الانكفاء داخل الحدود التي رسمها لها المركز الإمبريالي المتصهين، بل إن الأوليغارشيا المالية العالمية تبدو ماضية في تحقيق توجهاتها العدوانية ضد الجميع، ما لم تنهض لها مختلف الأمم والشعوب نهوضا جبارا باسم إنسانية الإنسان لمنعها من تحقيق مراميها في بناء عالم تقوده قوانين العبودية الجديدة في ظل مزيج غريب بين أهداف ذات طابع خرافي وبدائي تزعم تفوق بعض البشر على غيرهم من بني الإنسان، وبين أساليب منهجية وعملية تسخر قمة ما بلغته العلوم والمعارف والاكتشافات التقنية وذلك بتوجيهها في الوجهة التي تخدم أهداف هذا التفوق المزعوم.

ولا بد من الانتباه في هذا السياق إلى أن النمطين من ردود الفعل المذكورين أعلاه (الارتماء في أحضان الغالب، أو التقوقع في الماضي) لا يخدمان عند النهاية إن كان ذلك سلبا أو إيجابا سوى أهداف الامبريالية لأنهما يُعتّمان على المنهاج القويم والوحيد للخلاص والمتمثل في الأخذ بما هو إيجابي لدى الآخر والتعامل مع الذات ومع تراثها الخصوصي بصورة خلاقة.

إن هذا المنهاج القويم هو ما من شأنه أن يمكن كل الأمم والشعوب من الإجابة بدقة وبتناسق عن الأسئلة والإشكاليات المطروحة عليها، وهذا ما يبدو أن الصينيين قد نجحوا إلى هذا الحد أو الآخر فيه؛ كما هو ما من شأنه ربما أن يجيب على الأسئلة والإشكاليات على حاضر ومستقبل الإنسان. ويقتضي هذا المنهج في كل مكان، ولكن خاصة بالبلدان الواقعة تحت النير الامبريالي المتصهين قيام قوى تاريخية تضع في أفق نضالها خدمة الهموم الاجتماعية للطبقات المفقرة والمهمشة والمحرومة، وتحمل مشروعا نهضويا فعليا لشعوبها: أي مشروعا متأصلا في  كل تراث قيمي نبيل: مناهضا بالضرورة للاستغلال داخليا وللهيمنة خارجيا، وقاطعا بصفة جذرية مع كل أشكال الاستبداد القديم منها والمستحدث على حد السواء.

ولا شك في أن قيام مشروع تاريخي متكامل وجدي بهذه المواصفات عبر مختلف البلدان الواقعة تحت النير الإمبريالي بالخصوص سيلتحم بالضرورة، وإن كان ذلك عبر جدلية ستكون بالضرورة شائكة مع القوى النقيضة لعدوانية رأس المال داخل مراكزه الكبرى ليخلق آلية عظمى للإخاء الأمميّ، فهذه الآليّة هي التي من شأنها وحدها عند النهاية أن تضرب في العمق تطور المشروع الإمبريالي المتصهين، وأن توجد مضمونا حضاريا إنسانيا جديدا. وإذ قام رأس المال، وخاصة في طوره العولمي بمحاولة القضاء على الرصيد القيمي النبيل الذي راكمته البشرية، عبر مسيرة كفاحها من أجل الحرية والعدالة تحت الأشكال الثقافية المختلفة لدى الأمم والشعوب طبقا لمناخات عيشها ولتثاقفها الإيجابي مع بعضها بعضا، مقترحا عليها عوضا عن ذلك عبادة وثنية جديدة وبائسة هي عبادة المال والذهب وما تحققه من تلبية لمختلف الشهاوى المادية، فإن نقض هذه المساعي يمر حتما عبر إيجاد منظومة فكرية قيمية مناضلة:

ـ تحث على الإيمان بسمو الإنسان وبضرورة انتصار معنى وجوده، وتكون قاطعة مع الترسبات الخرافية والأسطورية والطبقية التي ميزت مساره إلى حد الآن،

ـ وتخلق من ثمة لدى الأفراد ـ وقبل الجماعات عند الضرورة ـ على مستوى السلوك اليومي، وبواسطة ثقافة الممانعة والتصدّي والمقاومة وتفعيل الوعي، قطيعة ذكية مع كافة السياسات السائدة حاليا والتي تهدف إلى ابتذال الإنسان وتشييئه واستثارة عوامل انحطاطه من خلال سلعنة كل مظاهر وجوده،

ـ وتدفع أخيرا إلى إيجاد مبادرات عملية: سلوكيا، وإنتاجيا، واستهلاكيا، وثقافيا، واجتماعيا، وسياسيا، لا تتعارض فقط مع السياسات اللا إنسانية لرأس المال، بل تصنع بدائله على أرض الواقع، وتحميها، وتدافع عنها؛

وهنا فإن المظاهرات العارمة التي يقودها مناهضون للعولمة وسياساتها العدوانية، ومؤسساتها المالية الرمزية [11] بمراكز رأس المال المتقدمة وذلك رغم قمعها الشديد أحيانا واختراقها وحرفها عن سبيلها أحيانا أخرى، تلتقي في المعنى مع وقائع المقاومات الباسلة التي تخوضها الشعوب المظلومة ب فلسطين وبالعراق وبلبنان وبأفغانستان وبفنزويلا وبكوبا على سبيل المثال مهما كانت الأخطاء التي تقع فيها بعض هذه المقاومات أحيانا. وأكثر من ذلك، فإن هذين الرافدين: الوطني والقومي منهما والأممي، يمثلان اللبنات الجنينية التي بإمكانها عبر جدلية التاريخ المتشعبة، وبشرط تصويب مساراتها في كل حين، أن تتطور في كافة الاتجاهات إنجازا لأكبر ثورة ضد سياسات رأس المال المتصهين، وهي ثورة من واجبها بغاية اكتمالها أن تتمثّل، وأن تعانق جوهر الخبرة القيمية لعموم الإنسانية التي طورها أبطال الحرية وأعداء الاضطهاد على مرّ الزمان، كما من شأنها بعد نقض واقع العبودية الجديدة أن تبني شيئا فشيئا على آثار قرون من التوحش، ولأول مرة في التاريخ البشري، حضارة جديدة مكتملة تكون جديرة حقا بإنسانية الإنسان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(*) حرر هذا النص بتاريخ 29 أكتوبر2003، وتم تحيينه بصورة طفيفة هنا، في محاولة لإعطائه شكله الأخير، وهو في الأصل فصل من كتاب حول "العولمة"، ولكنه أمام الصعوبات التي صادفها نشر هذا الكتاب، تم توزيعه نضاليا لقراءته بتونس في إبانه من طرف الراغبين في ذلك، ثم وقع نشره كنص مستقل بجريدة "العرب الأسبوعي" لمؤسسها أحمد الهوني، وهي جريدة كانت تصدر بلندرة، فذلك النشر قد تمّ بالعدد الصادر يوم 26 أفريل 2008 لتلك الجريدة ص 12 و13.

[1] قرار الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة عدد 1514، د ـ 5 لسنة 1960.

[2] هيتنغتون، مجلة الشؤون الخارجية، عدد 5 شهر سبتمبر /أكتوبر 1995.

[3] كارل ماركس، المسألة اليهودية سلسلة 1018 الفرنسية، طبعة 1971، صفحة 49، والترجمة إلى العربية تعود لنا.

[4] كولن باول، من تصريح له في برنامج " تشارلي روز" للتلفزيون الرسمي الأمريكي بتاريخ 23 سبتمبر 2003.

[5] مقولة معروفة للمفكر الروسي فلاديمير إيليتش لينين ، وهي عنوان لأحد أهمّ كتبه.

[6] و [7] و[8] كل ماورد بهذه الفقرات مأخوذ من تسجيلات على أوراق شخصية من خلال مطالعتي لما ورد بالصحف الصادرة آنذاك.

[9] مجلة "روز اليوسف" الصادرة بالبلاد المصرية العدد 3880 المؤرخ في 19 أكتوبر 2002.

[10] تشمل هذه المظاهرات ضد السياسات العدوانية للامبريالية تلك التي شهدناها مثلا عند العدوان على العراق و غزة بفلسطين ولبنان، أما المظاهرات ضد المراكز الرمزية لرأس المال فتشمل تلك التي شهدها العالم ضد صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية بالخصوص.