تؤدّي ذاكرةُ الهولوكوست دورًا محوريًّا في المرويات الأدبيّة العبريّة التي تسعى إلى توثيق الأحداث التاريخيّة التي وقعت للجماعات اليهوديّة بأوروبا خلال الحرب العالميّة الثانية، وتحاول تجسيد سلوك الشخصيّة اليهوديّة وعلاقتها بالآخر خلال تلك الفترة؛ وذلك بهدف نقل التجربة إلى وعي القارئ الإسرائيليّ الحالي وترسيخ تفاصيلها في ذهن العالم كلّه، لاحتكار دور الضحيّة لليهود وحدهم دون غيرهم من الأقليّات، متجاهلةً ربط أحداث النازي عمومًا بالسياق الأوروبيّ الاستعماريّ الذي وقعت داخله.
فكان اختراعُ رواياتٍ صهيونيّةٍ مرافقةٍ لتلك الأحداث التاريخيّة لمنح شرعيّة للاستيلاء على أرض فلسطين، من أهمّ العوامل التي حافظت على إحياء ذاكرة الهولوكوست حاضرةً في أذهان العالم رغم ضعف الأدّلة على وقوعها بهذا الشكل من الخصوصية، وتحديدًا، في ظلّ التغييب الكامل للرواية الفلسطينيّة عن النكبة. وكان اختلاق الرواية الصهيونيّة القائمة على استهداف النازيين لليهود وحدهم لإبادتهم هدفًا أساسيًّا روّجت له الحركة الصهيونيّة لتحقّق مصالحها الخاصة المرتبطة بترك اليهود لأوطانهم الأصليّة ودفعهم لاستيطان فلسطين بدعوى إنقاذهم من الاضطهاد الأوروبي.
وعلى الصعيد الآخر، أثارت بعض السرديّات العربيّة سؤال الهولوكوست وضحاياه من اليهود وغيرهم من الأقليات، ووضعت أحداثه التاريخية موضع المراجعة؛ بهدف محاولة كشف افتعال الرواية الصهيونيّة حول ما ارتكبته ألمانيا النازية تجاهَ اليهود ومحاولة استغلال الأحداث لتبرير الاستيطان اليهوديّ بفلسطين. وقد تمركزت المدوّنات السرديّة العربيّة - في معظمها - حولَ تجربة ما بعد الحرب، أي رصد آثار الحكم النازي على مختلف الأمم - وليس اليهود وحدهم - وما سببه من دمارٍ ماديٍّ ونفسيٍّ للبشرية عقب انتهاء الحرب العالميّة الثانية.
تعرّض رواية "حدث في برلين" (2018) للكاتب المصري "هشام الخشن" (1963- ) سبل استدعاء الشخصيّة اليهوديّة الضحيّة/ الناجية من أحداث الهولوكوست، وتسرد أحداث العنف التي تعرّض لها اليهود في ألمانيا النازية بداية من "ليلة الكريستال"- ما بين التاسع والعاشر من نوفمبر 1938- مرورًا بإرسالهم إلى معسكرات الإبادة النازية، وحتّى هروب الناجين منهم وملاحتقهم لفلول النازيين وأعوانهم، وتسلّط الرواية الضوء على الجانب الإنسانيّ ووقوع الأفراد، من اليهود والألمان، ضحايا لطغيان زعمائهم؛ وذلك عبرَ إدانة التاريخ الإنساني الذي يخلد الزعماء رغمَ طغيانهم ويتناسى الضحايا رغم معانتهم.
تحكي الرواية قصة "مائير" اليهودي وأسرته عقب تعرّض متجره للرهونات إلى الهجوم والتدمير أثناء موجة العنف، التي تعرّض لها يهود ألمانيا بـ"ليلة الكريستال"، وإنقاذ جاره الجنرال الألماني "شميدت" لابنته "راشيل" من بطش الشباب الألمان الذين اعتدوا عليها وعدّوها من "أعداء الوطن"، وهو التعاطف الذي أفقده عمله لاحقًا، حيث أحيل للتقاعد بسبب تدخله لحماية الجارة اليهودية في تلك الليلة.
تتابع الرواية حكاية "راشيل"- ابنة مائير اليهودي- الضحية الوحيدة الناجية من الأسرة التي هلك جميع أفرادها في معسكر الإبادة النازية "أوشفيتز"، بالتوازي مع حكاية كل من "ليليان" و"هيلدا"- ابنتا الجنرال الألماني شميدت- التي وقعت كلٌّ منهما ضحيّةً للنظام الاستبدادي الحاكم بألمانيا؛ حيث تفقد الشقيقة الصغرى "هيلدا" زوجها وابنتها إثرَ انقسام ألمانيا إلى شرقيّةٍ وغربيّة، بينما ترتحل الكبرى "ليليان" بين إيطاليا و مصر وشيلي هربًا من اليهود "صائدي النازيين" الذين تعقبوها بسبب عملها السابق سكرتيرةً لدى أحد كبار الضباط بجهاز الأمن العام للرايخ.
وتنتهي أحداث الرواية بالتقاء ابنتي هيلدا وليليان- جريتا وليلى- في ألمانيا، حيث تركت لهما الشقيقتان إرثًا ثمينًا ليتشاركان فيه، ويحلّان المشاكل الخاصّة بملكيّته، وهو آلةُ كمانٍ ثمينةِ القيمة أهداها "مائير" اليهوديّ قبل محاولة رحيله عن ألمانيا إلى جدّهما الجنرال "شميدت"، وعن طريقها تنفتحُ من جديدٍ صفحات الماضي التي تتلاقى فيها مصائرُ اليهود والألمان في برلين، عن طريق صفقةٍ تعقدها الحفيدتان مع اليهوديّة "راشيل مائير" يخرج منها جميع الأطراف فائزين.
اختار الكاتب سرد روايته بضمير المتكلّم على لسان "ليليان شميدت"، التي تنقل لنا حكاية تشتتها في أنحاء متفرقة من العالم بسبب مطاردة الإسرائيليين لها لاتّهامها بالمشاركة في عمليّات إبادة يهود ألمانيا أثناءَ الحكم النازي. وتنقل لنا - عبر وعيها الفردي - الواقع التاريخي آنذاك بتفاصيله المتشابكة المتعلّقة بعلاقة اليهود بغيرهم في ألمانيا أثناء الحرب وبعدها. وقد ساعد ضمير المتكلّم على نقل طبيعة التجربة وخصوصيتها، فالفترة التاريخيّة التي تتعرّض لها هي فترةٌ مضطربةٌ ومأزومة، أراد الكاتب أن يؤرّخ لها من خلال وجهة نظر الراوية التي عايشت الأحداث، وكانت جزءًا منها.
التعاطف مع الضحيّة:
جسدت الروايةُ التراوح بين التعاطف مع ضحايا الهولوكوست من اليهود، والتشكيك في تفاصيل الأحداث، ومن ثَمَّ إنكار الفرادة الخاصة بإبادة اليهود وحدهم. ظهر هذا التأرجح بوضوحٍ على شخصيّات رواية "حدث في برلين" التي تعاطف بعضها مع ما يحدث ليهود ألمانيا منذ أحداث ليلة الكريستال، بينما رأى آخرون أنّه من الواجب التخلّص منهم بوصفهم من "أعداء" الوطن. فبينما يتدخّل الجنرال الألماني "شميدت" لحماية جارته اليهوديّة "راشيل" من هجوم الشباب الألمان المتحمسين أثناء الشغب الذي وقع تلك الليلة، نجد ابنته "ليليان" تتنكر لفعلته وتراها خيانةً لألمانيا العظمى.
أثارت الرواية بين ثناياها ذلك الشعور بالذنب تجاهَ الضحية اليهوديّة في ألمانيا، من خلال محاكمة "أدلوف أيخمان" أحد المتورطين في نقل اليهود إلى معسكّرات الاعتقال وإبادتهم، ولكن تظل إدانة النظام الحاكم وجرمه تجاهَ شعبه هو الأصل فيما ارتكب من جرائم، فأيخمان وغيره لم يكونوا سوى جزءٍ صغيرٍ من ماكينةِ البيروقراطيّة التي لم تدع لهم أي مجالٍ أن يحسّوا بإنسانيتهم، ومن ثَمَّ أن ينتظر منهم العمل تجاه ما هو إنساني، وذلك ليس تسويغًا لفعلتهم بل إدانة بصورةٍ أشمل من اختزالهم في حادثة، وهو ما أكدته الرواية عبرَ تأكيدها أن الشعوب جميعًا ضحايا لزعمائها عبر التاريخ:
"على مدار شهرين أصبح العالم يتابع عن كثب تلك المحاكمة، وما تكشفه من مزاعم الجرائم الوحشيّة التي قام بها بشرٌ ضدّ بشرٍ مثلهم. في ضوء عدم تحصلهم على متهمين آخرين، ألصق الإسرائيليّون كلّ تهم النازية بمن كان تحت أيديهم. في وسط هذا الفوران الإعلامي، عادت النازية وجرائمها لتؤرّق من جديدٍ ضمائر الألمان، بعدما كانوا قد نجحوا في المضي قدمًا متصورين أنهم أغلقوا ملفًا بشعًا وملوّثًا من تاريخهم المعاصر" (الرواية، ص 62).
من هنا يمكن القول إنّ التعاطف مع الضحية - سواءً كانت ضحيةً لنظامها الحاكم أو ضحيةً لاضطهادٍ عنصريٍّ معيّن - هو السمة الأبرز بين شخصيات الرواية؛ حيث حاول كاتبها أن يؤكّد من خلالها أن القدرة على الشعور بالتعاطف مع الضحيّة التي تقاسي نوعًا من المعاناة - أيًّا كان انتمائها وهويتها ودينها - يعدُّ واجبًا أخلاقيًّا حتميًّا لا يستهان به.
توثيقُ ذاكرةِ الهولوكوست:
عكست الروايةُ حرصَ اليهود على تخليد ذاكرة الهولوكوست مقارنةً بالمحاولات المستمرّة لمحو ذاكرة النكبة الفلسطينيّة، فإبقاء ذكرى ضحايا النازية حيّةً وتوثيق كلّ ما يتعلّق بهم من معلومات، يقابلها دائما تغييب ضحايا الجانب الآخر / الفلسطيني وإسكات حكاياته، وقد احتلت الشخصيّة اليهوديّة الناجية من الهولوكوست الصدارة في رواية "هشام الخشن" الذي اختار أن يخرج في روايته عن الشكل النمطي الشائع عن الشخصيّة اليهوديّة، وفضّل أن يجسّد الشكل المعقّد لتلك الشخصيّة التي مرّت بتحوّلاتٍ عديدةٍ إثرَ ما تعرّضت له من أهوالٍ بتلك الفترة دفعتها إلى تكريس حياتها لتوثيق الأحداث ومحاكمة المسؤولين عنه من ناحيةٍ، وللتعافي من آثاره السلبيّة عليها من ناحيةٍ أخرى، مثلما نجدُ شخصيّةَ "راشيل مائير" التي اختار لها القدر أن تصبح من الناجين، فحرصت على توثيق تجربتها بالأوشفيتز وروايتها للأجيال اللاحقة، كما تخصّصت في دراسة/ تدريس تاريخ اليهود بألمانيا.
وكذلك "شيمون فايتسمان" الذي كرّس حياته للقضيّة ذاتها، ولكن بطريقةٍ مختلفة، وهي ملاحقةُ كلّ المتورّطين في ترحيل يهود ألمانيا، وإبادتهم بمعسكرات الاعتقال النازية وتقديمهم للمحاكمة، حتى صار- هو وكثيرون مثله - معروفين بـ "صائدي النازيّين" الذين يبذولون جهودًا كبيرةً في تعقّب فلول النازيّين الهاربين في بلدان أوروبا وأمريكا الجنوبيّة، ومطاردتهم حتّى إلقاء القبض عليهم.
وبذلك يتّضح التضامن في الهدف الأساسي بين جميع الشخصيّات اليهوديّة بالرواية، حيث تتكاملُ جميعها في سعيها نحو حماية ذاكرة الهولوكوست وتفاصيلها، وتتباين فقط في أسلوب توثيقها. وهو ما تجسّد في اعتراف "شيمون فايتسمان" بأهميّة الدور الذي تقوم به "راشيل مائير" والعكس، كما يتّضح في حوارهما التالي معًا:
"لاحظت راشيل صدمته من ردها حين طال صمته؛ فبادرت تلطف الأجواء:
- لا تزال تصطاد النازيين... أتابع أخبارك وانتصاراتك.
-لم أندم يومًا على عمر أمضيته في هذه القضية... الوحشية التي عشناها على أيديهم أوجبت ألا نتركهم يفلتون بما فعلوا... المحزن أن صوتنا خفت من جديد والناس نسوا معاناتنا... لا يمكن أن نسقط من ذاكرة الأجيال... لا بد أن نستمر في تذكيرهم بما اقترف أجدادهم وآباؤهم. ...
سكت طويلًا قبل أن يستكمل حديثه وهو يرشف من كوب الماء الذي أمامه ويعود ليمسح العرق الذي تصبب على جبينه. لم تفهم راشيل سبب توتره البادي واختارت أن تظل على صمتها منتظرة خطوته التالية. لم تفهم لم توجست مما كان على وشك قوله ولكنه إحساس تملكها.
-أنا أيضًا متابع لكِ ولأبحاثكِ وكتاباتكِ، وأعرف أنكِ بطريقة مختلفة قد كرست حياتكِ لقضيتنا.
... حين سألته كيف توصل إلى هذه التفاصيل، فسر لها ذلك بأنه وقت اعتقاله في معسكر أوشڤيتز قابل من كان يعرف مائير الذي حكى له قصته مع شميدت والكمان.
- وكما تعرفين لم يكن لنا سوى الحكايات نتناوب سردها في معسكرات الموت. في ظلام الزنازين المغلقة تناوبنا همس حكاياتنا لعل أحدنا يعيش ليرويها. لم يكن أي منا متأكدا أنه سيكون حيًا في اليوم التالي فأصبحنا كمن يفرغ ذاكرته للآخرين حتى لا تنقطع خيوط الذكريات مع من سيصيبه الدور منا" (الرواية، ص 210- 211).
من هنا يمكن القول: إنّ الكاتب حاول في روايته الخروج بشخصياته اليهودية عن المنحى التنميطي التقليدي الذي يؤطرها في بعض التصورات الجاهزة مسبقًا، فاستدعى جانبًا جديدًا بها يجسّد صورة اليهوديّ الناجي من الهولوكوست، وإصراره التام على توثيق تفاصيلها باستمرار، وترسيخها في أذهان الجميع بوصفها الأحداث التاريخيّة الأكثر عنفًا في العالم.
إدانة التاريخ الرسمي:
تصوّر الرواية أنين الضحايا بأنواعهم كافةً، وتدين الأنظمة الحاكمة التي تظلم شعوبها، وتحقق مصالحها على حساب معاناتهم، ليصبح التاريخ الباقي هو تاريخ الزعماء المدون من زاوية المنتصرين فحسب، بينما تتلاشى حكايات أولئك الضحايا وتخفت ذكراهم بمرور الزمن. مثلما انعكس في مصير الألمانيّة "هيلدا شميدت" التي فقدت زوجها وابنتها الرضيعة إثرَ انقسام ألمانيا إلى قطاعين شرقي وغربي وإقامة أسوار شائكة تمنع سكان برلين الشرقية من العبور إلى برلين الغربيّة إلا بتصاريح، وهو ما انعكس كذلك في مصير ساردة الرواية وشخصيّتها الرئيسة الألمانيّة "ليليان شميدت" التي ظلّ صائدو النازيين يطاردونها طول حياتها رغم عدم مشاركتها في أية عمليات ترحيل أو إبادة ليهود ألمانيا، مما تسبب في هروبها المستمر بين ألمانيا ومصر والأرجنتين وفقدها للاتصال بأختها، وأخيرًا اضطرارها للتنازل عن رضيعتها لأسرةٍ مصريّةٍ تتبنّاها، وتقوم بتربيتها خوفًا من إلحاق الضرر بها بالمستقبل.
وذلك بجانب معاناة اليهوديّة "راشيل مائير" وأسرتها عندما قرّر النظام النازي التخلّص من الفئات التي اعتُبرت – من منظور النازية – غير نافعة مثل اليهود والغجر والكاثوليك والمعارضين السياسيين والمرضى والمعاقين والسلاف والبولنديين والروس، فمن المعروف أن سياسة هتلر كانت تتربص بكل الأقليات العرقية التي يمكن أن تعوق تحقيق الوحدة الألمانية، وقد تساوت ألمانيا في ذلك مع معظم الدول الأوروبيّة التي سعت إلى تحقيق قوميّتها على حساب الأقليّات الموجودة فيها.
من هنا، تفتح الرواية قضيّةَ إلزام ألمانيا بدفع تعويضاتٍ لليهود الناجين من الهولوكوست ولإسرائيل باعتبارها الدولة التي ترث حقوق الضحايا اليهود، وتستنكر محاولات الصهاينة احتكار دور "الضحيّة" لليهود وحدهم دونَ غيرهم من الجماعات أو الأقليّات، حيث تُصوّر الإبادة بوصفها جريمةً موجّهةً ضدّ اليهود فقط، رغم وجود ضحايا آخرين لهتلر، ولغيره من الزعماء الدمويّين على مرّ التاريخ:
"سأعيد سؤالي لعلي أكون أكثر وضوحًا: هل تم تعويض البولنديين والسلاڤيين والغجر الذين قتلهم هتلر مع اليهود في أفرانه؟ هل سمع العالم صوت أنين هؤلاء، مثلما سمع عن مأساة اليهود؟ هل تم تعويض الهنود الحمر في أمريكا، أو الأرمن على ما تعرضوا إليه من مذابح علي يد الأتراك؟ ولعلي أسألك هل اعترف الأتراك بما فعلوا بالأرمن؟ لا أقلل بأي حال من فظاعة ما عانى منه اليهود تحت حكم الرايخ الثالث، ولكنني أشير لضحايا آخرين وبنفس الكثرة، لم تصل مأساتهم لمسامع العالم كغيرهم.. أو لنقل أن أصواتهم كانت خافتة، لم تؤثر بالدرجة الكافية في ضمائر البشر" (الرواية، ص 218).
كما تطرحُ الروايةُ أمامَ الضمير العالميّ ضحايا الاستيطان الصهيونيّ من الفلسطينيّين الذين شرّدوا في بلدان الشتات، وقُتلوا دفاعًا عن وطن سُلب منهم دون وجه حقّ، وغيرهم من ضحايا الصراع العربيّ الإسرائيليّ في مصر ولبنان في فترات الحروب وبعدها:
"لا من فضلك، دعني أواصل تساؤلي.. من يعوضني عن أبي الذي مات في حرب يدفع بها من اعتدوا على أرضه؟ هل توقف العالم عنده أم أنه أصبح مجرد رقم في مسلسل الضحايا؟ هل توقف العالم وحاول تعويض ضحايا صبرا وشاتيلا، أو دير ياسين؟ أم أن الآلة الإعلامية لم تجد فيهم مادة كافية للإثارة؟ أم لعل تلك الآلة موجهة لما يريده المسيطرون عليها دون غيره؟" (الرواية، ص 218- 219).
وهكذا، يمكن القول إنّ الكاتب يسعى في روايته إلى تفكيك الخطاب - الإسرائيليّ والعالميّ- الذي يمرّر أنّ اليهوديَّ وحدَهُ هو الضحيّةُ الأولى والأخيرة للنازي وما على أوروبا والعالم الغربيّ إلا الاستمرار في دفع ثمن جريمة هتلر وأعوانه بحقّهم، وأنّ استيطان فلسطين لم يكن سوى حلٍّ لإنقاذ اليهوديّ وتعويضه. كما أنّ الرواية ترفض فكرة استغلال القيادات الصهيونيّة لما وقع لليهود في بلدان أوروبا لتبرير إدارتهم الوحشيّة لأحداث النكبة، وتحويل دورهم من "جلاد" إلى "ضحيّة" واعتبار الفلسطينيّين - في النهاية - ما هم إلا "ضحايا الضحايا"، وتؤكّد أنّ الاعتراف بما وقع لليهود في أوروبا لن ينفي جريمتهم في حقّ الفلسطينيّين وغيرهم من ضحايا الصراع العربيّ- الإسرائيليّ.
فالروايةُ تقومُ - في النهاية - على تيمةٍ رئيسةٍ تتمحور حولَ إدانة التاريخ الرسميّ الذي يسجّل انتصارات الزعماء الديكتاتوريّين، ويسقط من صفحاته الضحايا من الشعوب الذين يدفعون ثمن شطط هؤلاءِ القادة أو انحرافاتهم.

