Menu

هوامشُ على كتاب "مفهوم الحريّة" للمفكّر عبد الله العروي

جواد العقاد

الحرية.jpg

  الحريّةُ من المفاهيمِ الملتبسةِ التي لا يُمكن الاتّفاق على تعريفٍ نهائيٍّ لها أو تأطيرها وَفْقَ رؤيةٍ محدّدة، لهذا فإنّ البحثَ في الحريّة مفهومًا مطلقًا لا يعدو كونه ضربًا من العبث؛ إذ إنّنا يجب ألّا نبحثَ في الحريّة بقدرِ ما نبحثُ عنها، فيكفي فهم جوهرها مطلبًا إنسانيًّا. والبحث في مفهومها يخضع لسياقاتٍ اجتماعيّةٍ أو سياسيّةٍ مؤطَّرةٍ بالزمان والمكان، وتتقاطعُ في ذلك مع العديد من المفاهيم الإنسانيّة: الثقافة، الفنّ، الثورة؛ تمثيلًا لا حصرًا. ولما تقدّم أعتقد أنّ أهمَّ ما جاء في كتاب العروي: "المهمّ في قضيّة الحريّة هو أن تبقى دائمًا موضوعَ نقاش، بوصفها نابعةً عن ضرورةٍ حياتيّة، لا بوصفها تساؤلًا أكاديميًّا"؛ فالوصولُ إلى توصيفٍ لمفهوم الحريّة هو بمثابة موتٍ لها، إذ إنّ الحريّةَ لا تتحقّق إلا بالمزيد من البحث عنها.    

  هناك كثيرٌ من الكتابات عن الحريّة، لكنّني هنا أختارُ كتاب "مفهوم الحريّة" لا لقيمة الكتاب فحسب، بل لقيمة الكاتب في الفكر العربيّ المعاصر، إذ إنّ مفهومَ الحريّة عند العروي ضمنَ سلسلةٍ من التأصيل لمفاهيم (مفهوم العقل، مفهوم الدولة، مفهوم الأيديولوجيّة، مفهوم التاريخ)؛ انطلقَ منها لفهم الحداثة أوّلًا، ثمّ العودة إلى التراث من منظور الحداثة، وهذهِ الفكرة جعلت لكتاباته قيمةً عاليةً ومغايرةً تمثّلت في الإضاءة على جوانبَ مهمّةٍ في التراث - صراحةً أو ضمنًا - مثل: فلسفة ابن رشد، والفكر المعتزليّ، والفكر الصوفيّ، وغيرهم من المنظومات المهمّشة التي أراها جذورًا فكريّةً عميقة؛ تؤسّسُ لحداثةٍ عربيّةٍ يستطيعُ الإنسانُ العربيُّ بها التصالحَ مع ذاته؛ متجاوزًا الاكتفاءَ بالقشور الماديّة للحداثة الغربيّة، كما نرى في الواقع العربيّ المعاصر؛ لأنّ الحداثةَ تضرب عمقَ الثوابت الفكريّة، وتُحدثُ انقلاباتٍ جذريّةً في الوعي قبل أن تقدّم أي إنجازٍ ماديٍّ يُسهم في تسهيل حياة البشر. هكذا فَهِم العروي الحداثة منطلقًا إلى التأصيل لمفاهيمَ ثقافيّةٍ واجتماعيّةٍ أصيلةٍ في الوعي البشريّ، كالحرية. ومن ثَمَّ لا بدَّ من إعادة النظر في فكرة تصنيف العروي: مفكّرًا يدعو إلى قطيعةٍ تامّةٍ مع التراث؛ فالثاني هو الذات القوميّة لأيّ مجتمعٍ أو جماعةٍ بشريّة، إنّما فعليًّا، وباختصارٍ، يدعو لقراءة التراث بعين الحداثة.  

  في هذه المقالة لا يهمّني عرض كتاب العروي بقدر ما أهتمّ بالإضاءة على بعض الأفكار المهمّة لفهم جوهر الحريّة في الفكر العربي بحسب رؤية الكاتب، لهذا فقد أُهمل الحديث في بعض الجوانب؛ نظرًا لطبيعة المقالة.   

  يقارب العروي بين مفهوم الحريّة في الفكر المعاصر والعديد من المفاهيم في التراث العربيّ، إذ يعدُّها صورًا أوّليّةً للحريّة. فمثلًا: يتحدّث عن البداوة؛ فالبدويُّ لا يخضع لقوانينَ اصطلاحيّةٍ مع التسليم بخضوعه للعادات والتقاليد؛ لأنّها مع الوقت تصبح جزءًا من طبيعته، ومن هنا أيَّدَ العروي تفسيرَ حدوثِ الثورات في التاريخ العربي، مثل: الخوارج، والقرامطة، والروافض؛ باعتبار هؤلاءِ وأمثالهم أكثرَ ارتباطًا بالبداوة التي تمثّل الحياة الحرّة، مع التأكيد على الفرق بين البداوة واقعًا مُعاشًا، وتصوّرها في ذهن الحضري. ويرى العروي أنّ العشيرة تعطي أفرادها نوعًا من الحصانة ضدّ الدولة أو الكيان الأكبر؛ فالفردُ يخضع للعشيرة وعاداتها التي يؤمن بها إيمانًا عميقًا، لكنّه لا يخضع لقوانين الدولة المتغيرة، التي تعارض مصالحه أحيانًا. كما يفهم التقوى بأنّها تَحَرّرٌ من السلوكيّات السيئة والشهوات، ومن ثَمَّ هي صورةٌ للحريّة.   

  أمّا الصورةُ الأهمّ للحريّة - من وجهة نظري - فهي التصوّف، وقد أشار لها الكاتبُ في أكثرَ من موضع، إيمانًا منه بأهمّيّتها في الفكر الإنسانيّ عامةً، وقد كان واعيًا بجوهر الفكر الصوفي؛ فهو ليس اعتزال الحياة بل إعادة قراءةٍ لها، إذ يقول: "صحيحٌ أن التَّجرِبةَ الصوفيّةَ فرديّةٌ ومنافيةٌ للحياة الجماعيّة، بيدَ أنّها تشكّل مكسبًا ثقافيًّا بالنسبة لجميع المسلمين"، وهذا ما أكّدتُ عليه بصورةٍ أكثرَ وضوحًا في كتابي "تأمّلات في الصوفيّة الجماليّة" فكتبت: "بالتأمّل في تاريخ الصوفيّة وسير أعلامها الأوائل؛ نجد أنّها ارتبطت بالسياقات الحياتيّة المتنوّعة وأثّرت فيها، وهذا نقيض ما علق في اعتقاد العامة عن الصوفيّة، بأنّها زهدٌ وانقطاعٌ عن الحياة، هذا تصوّرٌ خاطئٌ ناتجٌ عن قلّةِ وعيٍ بجوهرِ التصوّف وعدم قراءةٍ شموليّةٍ واعيةٍ للتراث الصوفي. في السياق السياسي، مثلًا: راح كثيرٌ من أئمةِ الصوفيّة ضحيّةَ اضطهاد السلطات السياسيّة لخلافهم معها ومع علماء السلاطين. أمّا الصوفيّة في السياق الاجتماعي قد دعت إلى المحبّة بين الناس دون النظر إلى عرقٍ أو دين، بل إنّ المحبّةَ من أهمّ الأسس التي قامت عليها الصوفيّة"، هذا يعني أنّ التصوّف ليس بحثًا عن حريّةٍ فرديّةٍ فحسب، بل تبحث عنها سياسيًّا واجتماعيًّا وَفْقَ رؤيةٍ جديدةٍ للعالم والمجتمع والإنسان.  

  هذهِ أهمُّ الأفكار المطروحة في الكتاب، التي يجب مناقشتها دائمًا في الفكر العربيّ المعاصر، مع العلم أنّني لا أقلّل من قيمة القضايا الأخرى محلّ النقاش في الكتاب، مثل: الليبراليّة وتأثّر المفكرين والباحثين العرب بها، وإشكاليّة فهم جوهرها تبعًا لمراحل تطوّرها وخصوصيّة كلٍّ منها؛ فأنا منحازٌ إلى بناء حداثةٍ عربيّةٍ لها مفاهيمُها وخصوصيّتها، وهذا لا يكون إلا بإحداث اختراقٍ للعقل الجمعي، وهدم المؤسّسات السلطويّة ومنطلقاتها الفكريّة، وإعادة بناء الفكر العربيّ وَفْقَ المنظومات الفكريّة المهمّشة - وقد أشرنا إليها - كما فعل إلى حدٍّ ما بعض المفكّرين العرب المعاصرين، وأذكر منهم بالتحديد، لغايةٍ في نفسي: نصر أبو زيد، وأدونيس.. ولعلي أوضّح ذلك في بحثٍ أو مقالةٍ أخرى.