جدران ومنذ مئات من السنين تنتصب وسط صحراء لا نهاية لها بمواجهة التقلّبات المناخية والسيول الجارفة في مواسم الامطار، حزينة تُخفي قصص الوقوف بوجه الغزوات، تحتفظ بحكايات المحاصَرين فيها، وآثار المهاجمين على اسوارها الخارجية، هي قلعة الكصير في بادية السماوة، مرّ بها الرحّالة وكتب عنها الآثاريون، البعض اسماها حصناً، والبعض يراها حامية، أما المتبقّي منها فينتظر العون... استخدمت لصد هجمات عدة عبر التاريخ ضمن رقعة تتوسط المدن القديمة الثلاث.. البصرة.. الكوفة.. الشام.
هيكل يعوم في بحر رملي:
حصن بُني من الآجر المرصوف بمادة الجص والقار على مساحة 1806 م2 يتألف من جدران تتراوح ارتفاعاتها بين مترين وثلاثة امتار، في زواياها بنيت أبراج أسطوانية الشكل تستخدم للمراقبة وحماية الجدران التي شُيدت على ربوة (كاره ـ بالكاف اليمنية) تحيط بها منخفضات رمليّة (فيضات)، يقول الخبير الآثاري الاستاذ الدكتور متعب الريشاوي في معرض وصفه "تكاد تكون مربعة الشكل، أطوال أضلاعها تتراوح بين ثلاثة وأربعين مترا واثنين وأربعين مترا وأسوارها الخارجية بسمك 3,8م، أما التباين في ارتفاعاتها فيعود إلى عوامل التعرية طوال العقود الماضية وتراكم الأتربة والرمال مضافاً إلى ذلك عوامل التآكل التي أصابت الجدران، وأغلب بناياتها مهدّمة بسبب الإهمال الذي حوّلها إلى أكداس حجارة".
المكتبة التاريخيّة حفلت بالكثير من الإشارات عن وجود القلعة، حيث أورد لها الدكتور رجوان فيصل غازي الميالي في الفصل الأول من أطروحته للماجستير (القلاع في وسط وجنوب العراق عمارتها وتخطيطها خلال فترة الاحتلال العثماني)، ذِكراً في المبحث الأول من بين سبعة مباحث احتوتها الدراسة للقلاع الشاخصة والتي ما زالت باقية وهي الكصير والرحبة وقلعة شلال وقلعة ذرب وقلعة الشعيبة وقلعة الخميسية وقلعة عبد العزيز الفواز. ويشير الميالي "دراسة هذه القلاع تهدف للتوغل في أعماقها لكي نصل إلى غاية ما تحتويه من فلسفة علميّة مزدوجة بين الآثار والتاريخ، فهي دراسة حضاريّة تاريخيّة في ذات الوقت وبجوانب سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة مستقاة من الوظيفة العسكريّة للقلاع والحصون".
فيما المؤرخ عبد الجبّار الراوي أعطى وصفاً مقتضباً لها في كتابه البادية، بأنها تقع الى الشمال الغربي من عين ماء غزيرة، كذلك وصفها عالم الآثار العراقي ومترجم ملحمة كلكامش من الأكادية إلى العربية طه باقر بالقول "إن قلعة الكصير تقع على مبعدة كيلو مترين من منطقة الكصير في بادية السماوة وسميت نسبة إلى الوادي الذي شيدت فيه".
وقد تباينت الآراء والروايات حول تاريخ إنشائها، وفي وقت لم تحدد مديرة الآثار في المثنى ايثار قاسم مشكور، الحقبة التاريخيّة حتى تستكمل عمليات التنقيب والدراسة حولها.
يقول الخبير الآثاري متعب الريشاوي أن الروايات حول تاريخ بناء القلعة اختلفت، فمنهم من يقول أنّها محمية ساسانيّة لحماية حدود الإمبراطوريّة الساسانيّة من هجمات البدو مثل الرحالة البرتغالي بيدرو تاكسيرا (تيخيرا حسب آخرين) الذي زار العراق ومنطقة الشرق الأوسط في القرن السابع عشر والذي ذكر أنّها تعود إلى الشيخ محمد بن راشد ال مغامس حاكم البصرة قبيل الفتح العثماني".
طراز معماري ودور تاريخي:
ينحاز طرازها العمراني إلى النمط الكلاسيكي المتعارف عليه والذي يرجح الغاية من بنائها كحامية للجنود في حقب زمنيّة مختلفة وهو ما يُقصي فرضيّة كونها قصراً وسط صحراء شاسعة تتوسط الطرق الواصلة بين المدن القديمة، وفي داخلها توزّعت بقايا مهدّمة ومتضرِّرة لجدران غرف ومسجد ومخازن وقاعة كبيرة، فيما الدلائل واللقى تُشير لحضور أشكال زخرفيّة على الجدران الداخليّة المغمورة كخليط من الريازة العربيّة والساسانيّة والرومانيّة، وتصفها ايثار قاسم وهي متخصّصة في الآثار القديمة ورسامة فخار أثري، سبق لها العمل في التنقيب مع البعثة الألمانيّة بمدينة الوركاء القديمة قبل أن تتسلم مهمّة مفتش آثار المثنى بالقول "الحصن قديم وبُنيَّ على فترتين تاريخيتين، واحدة من الآجر القديم وأخرى من الحجر الطبيعي، يحتوي على أبراج نصف دائريّة من جهاته الأربع، وهو بناء شاخص وكبير وعلى درجة من الاهميّة التاريخيّة". ويضيف الريشاوي " لعبت هذه القلعة والملحق الذي أقامه آل ظفير بالقرب منها دوراً في صد الهجمات الوهابيّة على العشائر العراقية مطلع القرن العشرين وما تزال هناك بقايا لمقبرة تضم رفاة المهاجمين الذين قتلوا على يد آل ظفير".
ومن خلال البحث يمكن القول أن القلعة كانت مسرحاً لمعارك الأمراء والولاة المتصارعين في العهد العباسي الثاني 334هـ 656هـ.
عزلة لا تنتهي:
إلى الجنوب من قضاء الخضر وبمسافة تزيد على خمسة وستين كيلومتر وبين تموّجات الأرض الرمليّة الزاحفة شُيدت القلعة (الحصن) لتتوسط المسافة الصحراويّة للبادية، وعلى الرغم من زحف المدن واتساع شبكات الطرق وما جلبه من عمليات استزراع للأراضي الصحراويّة بالاعتماد على المياه الجوفيّة إلا أن الحصن (القلعة) ما زال يغطُّ في أطول عزلة لشاخص عمراني، سيما وأن سجلّات الحكومة العراقيّة لم تشر إليه إلا في العام 1966، وتعرّض هذا الموقع الأثري المهم للتخريب ولأكثر من مرة من قبل الباحثين عن الآثار والمهربين لها فيما تهدّمت أجزاء مهمّة من جدرانه، وقد شهدت المنطقة المحيطة بالقلعة الأثريّة عمليات نبش واسعة بحثاً عن لقى تاريخيّة تعود للعصر الهجري الوسيط.
استراحة هواة الصيد:
الصياد (صفاء بسيطة) وهو واحد من الناشطين في ميدان حماية التنوّع الاحيائي ومن هواة الصيد الذين يجوبون البادية الجنوبيّة لممارسة هوايته قال "إننا نأتي إلى قلعة الكصير من أجل التقاط الصور والتمتع بتاريخ هذه البلاد، ومن أعلى أسوار القلعة يمكن أن نتمتع بمناظر جميلة عند الغروب، لكنّنا نشعر بالمرارة حين نرى هذا الصرح الحضاري وقد تعرّض للتخريب والنهب". أما زميله رحمن حمودي كاطع وهو صياد للصقور ويرأس فرع جمعية الصيادين ومربي الصقور في المثنى، فقد دعا الجهات الحكوميّة ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية المهتمّة بالآثار للعمل المشترك من أجل حماية قلعة الكصير من التدمير واتخاذها مرفقاً سياحيّاً هو عبارة عن استراحة في وسط الصحراء، خاصة وأن المنطقة (وادي الكصير) تستقبل الصيادين العراقيين، وكانت تستضيف القادمين من دول الخليج العربي، فيما تمثل المساحات المحيطة أماكن رعي وافر يستوطن بها البدو الرحل، فالقلعة تأكيد على حضارة متأصِّلة أما أجواء الصحراء المحيطة بها فخلابة ولم أشاهد مثلها سابقا".
فريق من (شبكة الإعلام العراقي في العام 2010) اكتشف وجود أجزاء بقياس 100سم ×75سم من جدران القلعة الأربعة مرفوعة بعناية، حيث أكدّ الصياد صفاء بسيطة إنها "رُفعت وحُملت إلى جهة مجهولة واعتقد أن على هذه الأجزاء كُتبت معلومات تاريخيّة مهمة تحكي قصّة هذه القلعة".
خطة لدائرة الآثار والحفاظ على التراث:
ويتّفق باحثون ومتخصّصون في الشأن التاريخي ومن بينهم الدكتور الريشاوي على أن المزيد من عمليات التحرّي والكشف يمكن أن يخرج بنتائج مهمّة حول الحقبة التاريخيّة التي شُيدت فيها والدور الاقتصادي والسياسي الذي شغلته، فيما تفيد دلائل على وجود أجزاء ملحقة بالقلعة دُفنت واندثرت بفعل عمليّات التعرية والسيول المائيّة التي ألحقت ضرراً بالجدران الخارجيّة، حيث يضيف "من المحتمل لو أجريت عمليّات تنقيب بالقرب منها العثور على دلائل مجمعات سكانيّة قديمة، كونها تقع فوق مرتفع يطلُّ على وادي أبو غار وهو امتداد قديم للخليج العربي ومن الممكن صيانتها وتحويلها إلى معلم سياحي وتراثي، يعود بالفائدة وبشكل مماثل لما حصل مع حصن الأخيضر في كربلاء، خاصة وأنه يتوسط مساحة غنية بمخزون المياه الجوفيّة العذبة التي تسمح بإقامة المتنزهات".
ولا يمكن الإقرار بهذه المشاهدات قبل استكمال عمليّات الكشف والدراسة والتنقيب التي تُخطط لها مفتشيّة الآثار، حيث تقول المديرة ايثار قاسم أن النيّة تتجه لصيانة الحصن وهي بانتظار الموافقة من دائرة الآثار والحفاظ على التراث سيما، وأن الموقع كبير ويقع في منطقة نائية، وتضيف "من الممكن أن يتحوّل الحصن إلى مكان سياحي في حال إنجاز ما نخطط له من إعادة تأهيل وكشف وحماية ليكون المعلم الأكثر جذباً للدارسين والسواح في البادية الجنوبيّة".

