مجموعة مدافن تعود للعصرين السلوقي والفرثي، بُنيت في طبقات لتشكل واحدة من أثمن وأكبر المقابر التاريخيّة المكتشفة، اللافت فيها أنّها تعود لأسر حاكمة كانت تضع مع جثامين موتاها الحلي والأدوات الثمينة، اإّها تل الأجز الذي يحمل رؤية العراقيين القدماء لعالم ما بعد الموت.
موقعُ تل الأجز الأثري واحدٌ من ألف موقعٍ أثري في محافظة المثنى يعود تاريخه إلى أكثر من حقبة زمنيّة، وسمّي بـ (الأجز) لكثرة القطع الزجاجيّة والفخاريّة المصهورة والمتروكة على سطحه والتي تُعرف شعبياً بالجزيز، مدافن على شكل طبقات وكل واحدة تتكوّن من حجرات عدّة، استُخدمت كقبورٍ متراصّة للموتى المنحدرين من الشرائح الغنيّة ذات النفوذ والذين لم يكونوا ليدفنوا في مقابر العامّة من الناس، وعن موقعها يقول الاستاذ الدكتور نعيم عوده: إنَّ تل الأجز يقع إلى الشمال من مدينة السماوة 35كم وإلى الشرق من مدينة الرميثة بمسافة 19كم، وضمن الحدود الإدارية لقضاء الوركاء، إذ يرتبط بمدينة أوروك التاريخيّة، وهو يقع على نهر النيل القديم الذي يُعتقد بأنه فرع من نهر الأوترنكال المتشعب من نهر الفرات. ويضيف الدكتور عوده وهو تدريسي في جامعة المثنى عُرِفَ بمساهمات علميّة واسعة "وردت الإشارة إلى كلمة المدفن في النصوص السومريّة بصيغة (KI- MAH) او ( KI-KI-MAH) على أنها الأرض المرتفعة في المدينة التي اتُخذت مكاناً لدفن الموتى، كما ورد المصطلح (KI –MAH ) للدلالة على المدفن في لائحة اصلاحات الملك أورو- انمكينا 2355ق.م إذ ذكر فيها (ADDKI - MAH¯E Tvm) وتعني من أجل دفن جثة في المقبرة، كما جاءت كلمة (Kimahhu) الأكديّة في النصوص بمعنى القبر أو الضريح، فضلاً عن المصطلحين الاكديين(hurru- ®uttu) وكلاهما يعني حفرة وقد استخدمتا للدلالة على معنى القبر والمدفن أيضا".
عمليّات نهب وهدم
وتعرّضت الآثار العراقية طوال عقود إلى حملة سرقة واسعة يُعتقد أنّها أسفرت عن تهريب الآلاف من القطع التاريخيّة التي تحكي قصة الإنسانيّة وانطلاقتها من وادي الرافدين، وسبق لفريق (شبكة الإعلام العراقي) وأن زار الموقع قبل أعوام واستمع لشهادات من السكّان المحليّين عن عمليات نبش عشوائيّة وغالبيتها كانت تحصل في ساعات الليل من قبل سُرّاق الآثار والباحثين عن المقتنيات والحُلي المدفونة.
خمسة ُ وتسعون بالمئة من اللقى الأثرية في التل الأثري ربّما تكون تعرّضت لأضرار وعمليات منظّمة قام بها متاجرون بالآثار وبما تسبب في خسائر فادحة، وهذه النسبة قد تكون أكبر لأن الموقع الذي نُهب لم تتوافر بيانات سابقة عنه لكنَّ الواضح أن الأضرار تفوق الوصف، وتقول مفتش آثار المثنى ايثار قاسم مشكور إن عمليات النهب توقّفت بعد سلسلة إجراءات اتخذتها الجهات المعنيّة، قاسم أشارت إلى أنّ الموقع هو صرح نفيس وفي غاية الأهميّة، ذلك لأنّ التلول الأثريّة بشكل عام تنحدر من حقب تاريخيّة متباينة ومهمّة مثل السومريّة والفرثيّة والإسلاميّة والساسانيّة، وأضافت "في العام 2008 شرعت فرق تنقيبيّة تابعة لوزارة الثقافة وبقيادة الخبير الآثاري علي عبيد شلغم بأعمال التنقيب في تل الأجز والنتائج واللقى التي وصلت لها الفرق كانت على درجة كبيرة من الاهميّة، والتل اليوم من بين المواقع الآثاريّة البارزة في العراق ويعكس حضارة بلاد ما بين النهرين.
وبحسب الدكتور نعيم عوده فإن العمل التنقيبي استمر لثلاث مواسم، والأسباب الموجبة للتنقيب هي أعمال النبش والتخريب من قبل سُرّاق الآثار قبل سقوط النظام في العام 2003 وبعده، وكان العام 1935 شهد الإعلان عن أثريّة هذا الموقع في جريدة الوقائع العراقية بتسلسل 1465، مشيرا إلى أن مساحة الموقع بلغت 28 دونماً وبامتدادات واسعة كشفت عن مقبرة كبيرة عُدّت أول وأكبر مقبرة في العراق ترجع بتاريخها للعصرين السلوقي والفرثي.
مدافن لأقوام ذوي شأن
هذه المدافن هي لأقوام أصحاب شأن، بهذه العبارة يلخص الدكتور نعيم عوده تصوراته عن هذه المدافن (القبور)، فمن خلال البناء والهدايا المدفنيّة التي عُثر عليها مع الأموات يمكن تلمس مدى الاهتمام بالمعتقدات الدينيّة المتمثلة بالحياة ما بعد الموت، وثمّة اختلاف واضح في الهدايا الجنائزيّة وبحسب أهمية الشخص ومنزلته الاجتماعيّة بين طبقات المجتمع الرافديني، وتحيط بهذه المدافن الجماعيّة مدافنُ فرديّة لعامّة الناس، ولعل أهم ما عثر عليه داخلها هو الهدايا الجنائزيّة وكانت عبارة عن فخاريّات بأنواع وأحجام مختلفة ودمى وتماثيل فخاريّة وغيرها من المواد المهمّة.
وارتبط تخطيط المدافن في العراق القديم ومنذ البدء بعاملين أساسيين كان لهما أعظم الأثر في تصميم مخطّطات المدافن أولهما المعتقدات الدينيّة وثانيهما الامكانات البيئيّة، وتل الأجز لا يختلف كثيراً فهو عبارة عن مقابر مشيّدة بالآجر والجص وفي سراديب داخل الأرض يكون النزول إليها عن طريق سلالم حجريّة. وتلتقي رسّامة الفخار ايثار قاسم مع ما يقوله الدكتور نعيم عن الأهمية التاريخيّة للموقع من خلال ما عُثر عليه داخل المدافن والتي تمثل عصرين مهمّين في تاريخ بلاد الرافدين.
نفائس لا مثيل لها
واللقى التاريخيّة التي عثرت عليها الفرق التنقيبيّة في تل الأجز شملت أدوات ومستلزمات فخاريّة وحلي ومجوهرات تجمع بين الفرادة والإتقان الحرفي وتعكس المكانة الاجتماعيّة الرفيعة للموتى، حيث حُشرت معهم في المدافن، ويقول معاون مفتش آثار المثنّى كرار علي الخفاجي إنّ غالبيّة اللقى أرسِلت إلى المتحف العراقي، حيث أجريت هناك عمليّات ترقيمها وفهرستها وإضافتها إلى الإرث التاريخي الوطني، الخفاجي أضاف أن تماثيل صغيرة ومجسمات وحلي وخواتم وأختام وصحون فخاريّة بكتابات مسماريّة ونقوش كانت من بين ما تم العثور عليه.
وعلى الرغم من كون اللقى تعود إلى حقب زمنيّة قديمة لكنّها متأخرة عن مدافن مشابهة في أماكن أخرى من بلاد الرافدين ووادي النيل سبقتها وفقا للامتداد الزمني لكنّ دقّة الصنع والمهارة في عمليّات طرق المعادن والتعدين، تشير إلى عمق زمني يسبق تاريخ بناء المدافن، والأعمال الحرفيّة والتلوين لا تتكامل بين ليلة وضحاها، وعن ذلك يعلّق الخبير نعيم عوده "كان للإنسان معتقدات دينيّة وتصوّرات وأفكار عن الموت وما بعد الموت وهذا بيّنٌ من أساليب الدفن وما وِجِدَ مدفوناً مع الموتى من أوانٍ وآلات وأدوات، وليس غريباً أن نجد تبايناً في الآراء حول البدايات الأولى لمعتقدات عالم ما بعد الموت، وهذا التباين ناجم عن التفسيرات المختلفة المقدَمة من الباحثين في إطار الاستنتاج والتخمين".
نص مسماري وفلسفة دفن الحُلي
ومن الواضح ان مدافن تل الأجز كانت تعود لأسر أو لشرائح مجتمعية معينة، ويمكن القول أن العراقيين القدماء والفراعنة يشتركون إلى جانب أقوام أخرى جاءت بعدهم بحياة ما بعد الموت وأنّهم يعدّون القبور شكلاً من أشكال المنازل الأبديّة، وهم لأجل ذلك يزودونها بما يحتاجه الميّت في حياة أخرى انتقل لها، وغالباً ما يضعون الأشياء التي كان يحبها أو يفضلها، فالروح عند الإنسان القديم كانت تعود إلى جسدها لتبدأ رحلة جديدة، ويشير الدكتور عودة إلى ذلك مؤكداً حرص العراقيين القدماء على دفن ملوكهم في مقابر تليق بمكانتهم شأنهم في ذلك شأن قدماء المصريين، وإن كانت المدافن الملكيّة العراقيّة لا ترقى في الإتقان المعماري إلى مدافن الفراعنة، إلّا إنّها مجهّزة بكل ما يحتاجه الملك في العالم الآخر، ويضيف "نقرأ في نص مسماري يعود تأريخه إلى العصر الأشوري الحديث وصفاً دقيقاً لعملية الدفن التي جرت لأحد الملوك الأشوريين، (في القبر المكان المظلم، على الأرض الملكيّة، جعلته يرتاح جيداً، التابوت الحجري، الحفرة من أجل تغطيته، ختمت فتحته(باب القبر) ببرونز قوي، ووضعت تعويذته، ووضعت تجهيزات من الذهب والفضة مناسبة للقبر، وشارة السلطة التي أحبها ـ والدي ـ عرضتها لضوء الشمس ووضعت كل ذلك في القبر مع أبي الذي أنجبني".
من خلال النص المسماري نستقرأ المكانة الاجتماعية التي كان عليها الملك لذا وضعت معه التجهيزات التي يحتاج لها في العالم السفلي أو حياة عالم ما بعد الموت، ومن بين هذه التجهيزات الحلي من الذهب والفضة التي كانوا يؤمنون وفقاً للمعتقد الديني الرافديني بأن الميّت يحتاجها، وعليه ـ والكلام لعوده ـ نستطيع القول بأن كل شخص تكون ادوات الدفن المرفقة معه بحسب مكانته الشخصيّة ومركزه الاجتماعي.
مواقع التراث موارد اقتصاديّة وثقافيّة
ومن بين ألف موقع أثري في محافظة المثنى رصدتها وزارة الثقافة والسياحة والآثار وأعلنت عنها مديرة الآثار ايثار قاسم مشكور تمتد إدارة مفتشيّة الآثار على ثلاثمئة منها فيما البقيّة ما زالت بانتظار إكمال الإجراءات لإعلانها محميّات تاريخيّة وثقافيّة، مواقع تعود إلى حقب زمنيّة مختلفة وحضارات تعاقبت على هذه الأرض التي شهدت الاختراعات والاكتشافات الأولى للكتابة ونظم الري والعجلة والتشريعات، وفي وقت يلعب الاستثمار السياحي دوراً استراتيجيّاً ويشكل مصدراً لتنمية القطاع السياحي لما يحققه من منافع اقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة للدولة السياحيّة، لذلك ينحاز الدكتور نعيم عودة إلى إدراج الاستثمار السياحي كأحد المستجدات الجوهريّة والمجالات الخصبة ضمن أطر وأساليب السعي للنهوض والارتقاء بقطاعها السياحي، حيث يقول "يمكن الاستثمار في الموارد الثقافية (مواقع التراث والتاريخ)، من خلال تشجيع وتنظيم المهرجانات الثقافية والمحافظة على الآثار وفتح المناطق الأثريّة أمام القطاع العام والخاص للاستثمار فيها"، وتل الأجز وهو يحتوي أكبر مقبرة، يصلح لمثل هذه الفعاليّات.

