Menu

إيلان بابيه.. إذ يوثِّق المجازر الصهيونية

محمد عمارة تقي الدين


"يتحتم إعادة تعريف الصهيونية باعتبارها حركة عنصرية استعمارية استيطانية، وإسرائيل بوصفها دولة فصل عنصري، وأحداث 48م بوصفها تطهيرًا عرقيًا.. إسرائيل الحالية أشبه بسفينة تيتانك فقد قاربت على الاصطدام بجبل الجليد ومن ثم الغرق".      
تلك هي مقتطفات من مقولات للمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه (
Ilan Pappé) أحد أهم المؤرخين الإسرائيليين الجدد الذين أعادوا قراءة التاريخ الصهيوني وأثبتوا زيف الرواية الصهيونية في مقابل مصداقية الرواية الفلسطينية حول ما حدث في فلسطين من مجازر بشعة ارتكبتها العصابات الصهيونية بحق الفلسطينيين منذ بداية المشروع الصهيوني.
ففي كتابه الأشهر التطهير العرقي في فلسطين (
The Ethnic Cleansing of Palestine)، يدفع فيه بابيه فكرة التطهير العرقي الإسرائيلي ضد الفلسطينيين إلى حدها الأقصى مؤكدًا أن الكيان الصهيوني قد ارتكب عام 1948م، تطهيرًا عرقيًا واسعًا ضد الفلسطينيين، لفرض أمر واقع يمثل اليهود فيه الأغلبية بما يعزز قيام الدولة الصهيونية، مؤكدًا أن تلك الممارسات هي جريمة ضد الإنسانية لا يجب أن تسقط بالتقادم.
لقد تم ذلك ضمن ما يعرف بالخطة (داليت (
Plan Dalet) (تلك الخطة الإجرامية التي وضعتها العصابات الصهيونية في فلسطين إبان أحداث عام 1948م، والتي بموجبها تم طرد الفلسطينيين من أرضهم عبر إعمال التدمير والقتل، وارتكاب المذابح بحق هؤلاء الفلسطينيين، لدفعهم للفرار من القرى تاركين منازلهم وأرضهم خلفهم ليتأسس واقع جديد يكون اليهود فيه هم واضعي أيديهم على الأرض، ومن ثم يأتي المجتمع الدولي المنحاز دائمًا لإسرائيل ليعترف بهذا الواقع.      
ففي مدة لا تتجاوز تسعة أشهر تم تدمير 531 قرية بالكامل وإفراغ 11 مدينة حضرية من سكانها، ومن ثم دعانا بابيه لأن نطلق على ذلك جريمة تطهير عرقي وليس نكبة كما يردد العرب، فهي جريمة ضد الإنسانية وتستوجب المحاكمة، فمصطلح التطهير العرقي ينطلي على إدانة عميقة ذات تداعيات وأبعاد سياسية وقانونية وأخلاقية واسعة، مما يستوجب اتخاذ موقف حاسم منها.     
أما مصطلح نكبة فهو يشير لحالة من الإخفاق الذاتي فلا يتضمن أية إشارة لمرتكب الجريمة، مؤكدًا، أي بابيه، أن سياسة التطهير العرقي ما زالت قائمة لكن باستراتيجيات أخرى، وأنه طالما لم يتم إدانة إسرائيل وتوبيخها ومعاقبتها على ما ارتكبته من بشاعات فلن يكون هناك حل عادل للصراع العربي الصهيوني. 
لقد دعا بابيه لإطلاق حملة عالمية لتثقيف الرأي العام العالمي وتبصيره بحقيقة الآثار البالغة الناجمة عن عمليات التطهير العرقي التي تمت بحق الفلسطينيين.
كما أصدر كتابًا هامًا في عام 2003، بعنوان "تاريخ فلسطين الحديث: أرض واحدة... شعبان"، حيث واصل عبر صفحاته تعميق أطروحاته.
يذكر بابيه أنه كان في شبابه أحد المُعجَبين بالفكر الصهيوني ومن ثم صاغ كثير من قناعاته تأسيسًا على هذا الفكر، مؤكدًا أن كتابه المفضل كان كتاب (الدولة اليهودية) لثيودور هرتزل، وأنه في ذلك الوقت، وبفعل الدعاية الصهيونية، لم تكن لديه معلومات صحيحة عن أوضاع الفلسطينيين، وتحديدًا معاناتهم في ظل فترة الاحتلال ومن قبلها، وما ارتُكب بحقهم من أعمال طرد وتطهير عرقي.
غير أنه بعد معرفته بالحقيقة التي حاول الصهاينة طمسها بدأ يتخلى عن صهيونيته، ومن ثم أخذ في التعاطف مع الفلسطينيين بشدة باعتبارهم شعباً واقعاً تحت الاحتلال بكل ما يحمله المعنى من عذابات، مطالبًا المجتمع الدولي بالتدخل لإنهاء هذا الاحتلال بأسرع وقت.   
بعد أن صرَّح بابيه بقناعاته الجديدة بدأ الهجوم الصهيوني عليه، فكل من يتبنى الرواية الفلسطينية داخل الكيان الصهيوني، وكما يؤكد بابيه، يتم النظر إليه باعتباره خائنًا لبلده وأنه اليهودي الكاره لذاته، وأنه أشبه بالمتعاونين من اليهود مع النازيين وقت المحرقة (الهولوكوست).
ومن ثم وفي عام 2007م ونتيجة للتضييق عليه بسبب أفكاره غادر بابيه إسرائيل إلى أوروبا، حيث التحق بقسم التاريخ في جامعة اكستير البريطانية.
وفي عام 2017م أصدر بابيه كتابًا جديدًا بعنوان (الخرافات العشر عن إسرائيل) في الذكرى الخمسين لعدوان 67م، ومن هذه الخرافات التي ساقها بابيه في كتابه:
الادعاء بأن فلسطين كانت أرضًا فارغة وقت إقامة الكيان الصهيوني، الادعاء بأن الفلسطينيين تركوا أرضهم لليهود طوعًا، الادعاء بأن اليهود كانوا أغلبية مؤكدًا أنهم لم يشكلوا وقتها سوى 3% من السكان الفلسطينيين قبل الهجرات الصهيونية، الادعاء بأن الصهيونية هي حركة تحرر وطني في حين لا تعدو كونها حركة استعمارية استيطانية، خرافة أن الفلسطينيين باعوا أرضهم والحقيقة أنه تم إخلاؤها عبر الإبادة والتهجير والتطهير العرقي.
خرافة أن حرب 67 كانت حرب اضطرار وأن الصهاينة لم يكن أمامهم خيار آخر، خرافة أن احتلال فلسطين كان سلميًا ومن أجل نشر قيم التحضر غير أن العنف الفلسطيني هو ما أجبر الصهاينة على التصرف بعنف، فتلك أسطورة زائفة في عمقها.     
خرافة أن إسرائيل دولة ديمقراطية، مؤكدًا أنها ليست ديمقراطية على الإطلاق، وأن ما تدعيه بأنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط هو كذب بواح، وأن تلك الدولة أخضعت مواطنيها (من غير اليهود) لحكم عسكري استند على قوانين الطوارئ الإجرامية الوحشية التي حرمت الفلسطينيين من أبسط حقوقهم كبشر، وأن إذلال الأقليات العربية في إسرائيل وسلب حقوقها ليس ديمقراطيًا، فالاختبار الحقيقي لديمقراطية أيّ دولة هو في مقدار تسامحها مع الأقليات التي تعيش بداخلها، فقد تم وضع عدّة قوانين من شأنها منح أفضلية مطلقة لليهود مقارنة باللآخرين، وهناك قانون العودة الذي يمنح الجنسية بشكل تلقائي لكل اليهود في العالم، مقابل الرفض الكامل لحق الفلسطينيين في العودة لوطنهم الأم.
وأن الاحتلال ليس ديمقراطيًا، حيث يرى بابيه في الاحتلال الإسرائيلي دليلًا على وحشية إسرائيل وهمجيتها وديكتاتوريتها القمعية، وتدمير منازل الفلسطينيين ليس ديمقراطيًا، وسحق المقاومة الفلسطينية ليس ديمقراطيًا، وسجن الفلسطينيين واعتقالهم بغير محاكمة ليس ديمقراطيًا، مؤكدًا إن واحدًا من بين كل خمسة فلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة قد تم سجنه من دون محاكمة.   
فهي إذن ديمقراطية الصهاينة وحدهم، وهو ما يذكرنا بما كان يردده عبد الوهاب المسيري بأن ديمقراطية إسرائيل هي ديمقراطية المافيا إذ يسرقون الغنائم ثم يوزعونها فيما بينهم بالعدل والقسطاس.   
ومن ثم دعا بابيه إلى إعادة تعريف الصهيونية باعتبارها حركة عنصرية واستعمارًا استيطانيًا، وإسرائيل بوصفها دولة احتلال وفصل عنصري، وأحداث 48م بوصفها تطهيرًا عرقيًا. 
أكد على دور حملة المقاطعة العالمية (بي دي إس) المركزي في ممارسة ضغط حقيقي على الكيان الصهيوني لإنهاء الاحتلال وكذلك الحصار الذي تفرضه على الفلسطينيين، كما يرى بابيه أن دعوته للمقاطعة الأكاديمية لإسرائيل، هي وسيلة للضغط عليها لإنهاء أبشع احتلال حدث في تاريخنا الحديث.
ويحذرنا بابيه من تيار المسيحية الصهيونية المتمركز في الولايات المتحدة الأمريكية، فهو من يساند إسرائيل بشكل مطلق ودون تحفظ منطلقًا من دوافع وقناعات دينية، ومن ثم يعمل هذا التيار جاهدًا من أجل دفع الإدارات الأمريكية المتعاقبة نحو انحياز مطلق للكيان الصهيوني، إذ يؤكد بابيه أن توطين اليهود في فلسطين كان بالأساس مشروعًا مسيحيًا صهيونيًا ثم تبنته الحركة الصهيونية فيما بعد.      
يدعو بابيه الفلسطينيين إلى عدم تناسي مركزية عمل الصراع العربي الصهيوني باعتباره كان وما زال يدور بين حركة استيطانية استعمارية (الحركة الصهيونية)، وحركة تحرر قومي (الحركة الفلسطينية)، ومن ثم يجب أن نتوقف عن المناداة بتسوية سلمية للصراع، بل ضرورة تفكيك النظام الاستعماري، بل وصرّح ذات مرة بأن الدولة الصهيونية هي أكبر سجن ماثل على ظهر الأرض.
يؤكد بابيه أن دعمه للفلسطينيين لاستعادة وطنهم مدفوع بالمبادئ الأخلاقية والقيم الإنسانية الخالدة واهتمامه بصنع مستقبل جيد لكل أطراف الصراع ولليهود أولاً.
وفيما يتعلق بإعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، رأى بابيه أنه تصريح خطير لأنه اعتراف أميركي رسمي بخرق إسرائيلي فظ للقانون الدولي، كما أنه يُخرج الولايات المتحدة من موقعها الذي تدعيه كوسيط نزيه في هذا النزاع، ولا ينسى بابيه أن يوجه رسالة للمناضلين الفلسطينيين يدعوهم فيها لتطوير آليات جديدة لمقاومة الاحتلال والتفكير جديًا بدمج قوى يهودية غير صهيونية في صفوفهم.
ومن ثم يؤكد بابيه أن مواقف ترامب يجب أن تجعل الفلسطينيين يدركون حقيقة مركزية مفادها أن التدخل الأمريكي ليس ضرورياً لتحقيق السلام، وأنه وعلى مدار التاريخ كانت الإدارات الأمريكية السابقة تخدع الفلسطينيين عبر بث خطاب مزدوج ومخادع ليعتقد هؤلاء الفلسطينيون أنهم يمكنهم الاعتماد على واشنطن لحل هذا الصراع في حين أن تلك الإدارات كانت تعمل لصالح إسرائيل وحدها.  
ومن ثم يعود ليؤكد أن الدعم الأمريكي لإسرائيل هو نتيجة ضغوط الجالية المسيحية الصهيونية بالأساس وليس الجالية اليهودية، فترامب وبالأساس هو صنيعة هذا التيار المسيحي الصهيوني.      
ويرى أن ما نريده هو التفكير في حل يركز على حقوق الإنسان والحقوق المدنية، ومن ثم الدعوة لإنشاء دولة ديمقراطية واحدة وإنهاء الاستعمار الصهيوني لفلسطين، رغم أن هذا سيأخذ وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا ومضاعفاً نتيجة للموقف الأمريكي الداعم للكيان الصهيوني من ناحية ولانشقاق الصف العربي والفلسطيني من ناحية أخرى، لكنه ليس أمراً مستحيلاً.  
يذهب بابيه إلى أن العديد من اليهود في إسرائيل لا يستوعبون أنهم يعيشون حياة محفوفة بالمخاطر حتى لو كانوا يشعرون بالأمان، لكنهم في الواقع ليسوا كذلك، يقول بابيه للإسرائيليين: "حتى لو كنت تقيم في أفضل مقصورة على سفينة تيتانيك، فأنت لا تزال في تيتانيك في نهاية الأمر، لذا فأنت مُعرَّض للغرق حين تغرق السفينة"، فهو لديه يقين بأن إسرائيل مهددة بخطر وجودي متعاظم طالما أنها مستمرة في سياساتها الاستعمارية واللا إنسانية ضد الفلسطينيين.
أكد أن صفقة القرن هي في إطار المحاولات الإسرائيلية الأميركية الرامية لتصفية القضية الفلسطينية وحشد دعم عربي لفكرة أن مشكلة فلسطين لا تعدو كونها مشكلة اقتصادية في عمقها وليست سياسية وإنسانية وأن تقديم الدعم الاقتصادي للعرب هو أمر من شأنه تصفية القضية. 
كما تهدف تلك الصفقة، وكما يؤكد بابيه، لطمس الهوية الفلسطينية لمدينة القدس، فهي من أجل تصفية الهوية الفلسطينية لكن عبر توظيف أدوات القرن الواحد والعشرين، وهي، وعلى حد قوله، "تدق المسمار الأخير في نعش حل الدولتين"، فهي تتجاهل القانون الدولي بشكل تام.      
ويؤكد بابيه أن الكيان الصهيوني ليس لديه إلا طريق واحد إذا ما أراد الاستمرارية وجودياً، وهو الاعتراف بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين والاعتراف بالمجازر الصهيونية والاعتذار عنها، ثم بعد ذلك الشروع في عملية مصالحة شاملة على أسس حقوقية وإنسانية.
وفي التحليل الأخير فتلك هي أطروحات المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه والتي تمكن من خلالها من تقويض الروايات الصهيونية حول ما حدث إبان النكبة، مؤكداً على كذب تلك الرواية وأن تلك الحركة الصهيونية بنزعتها العنصرية قد ارتكبت مجازر بشعة بشكل متعمد بحق الفلسطينيين لإجبارهم على الفرار من أرضهم، فهي مذابح تطهير عرقي واسعة النطاق.      
لقد نظر إيلان بابيه لهذا الصراع بعين العالم المتجرد إلا من قيمه ومبادئه فاتضحت له الأمور جليَّة حيث شعب أعزل يتعرض للذبح من قبل عصابات مدججة بالسلاح للاستيلاء على أرضه، وقد ساعد بابيه في ذلك خلفيته الاشتراكية حيث مركزية الإطار الحقوقي والمناداة بالعدالة للجميع.   
وبابيه هو مثله مثل غيره ممن يصدعون بالحق ضد الصهيونية العالمية، نجده يتلقي تهديدات مستمرة بالقتل والتصفية من قبل الصهاينة، فالحياة موقف وعلى المثقف الحق أن يعد نفسه للدفاع عن موقفه ولو كان ثمن ذلك حياته.   
يبقى تساؤل أخير: ما الذي يتعين علينا فعله نحن العرب إزاء تلك الظاهرة، ظاهرة المؤرخين الجدد؟   
بالطبع علينا أن نمد جسور التواصل الفعال مع هؤلاء المؤرخين الجدد، وألا نتركهم نهباً للعصابات الصهيونية وأتباعها وأذرعها الإعلامية في الغرب، بل يتعين علينا أن نعمد إلى تقديم الدعم لهم على كافة المستويات الرسمية وغير الرسمية، كذلك التحاور النشط معهم، غير أن الأهم من ذلك كله هو إعادة توظيف أطروحاتهم، الجيد منها، على نطاق واسع لخدمة قضيتنا الفلسطينية التي هي في عمقها قضية الإنسانية كلها.
أهم مراجع الدراسة:      
مهند مصطفي: المؤرخون الجدد: خارج المنظومة أم جزء منها؟ بحث منشور على موقع فلسطين بتاريخ: تشرين الثاني2013 م، وراجع: حقيقة المؤرخين الجدد، بحث منشور على موقع مركز بيت المُقدَّس للدراسات التوثيقية، وراجع: بكر السباتين، انهيار إسرائيل في المنظور اليهودي، علياء عصام الدين: ملخص كتاب عشر خرافات عن إسرائيل، أمل عيسى: عرض كتاب عشر خرافات عن إسرائيل، الجزيرة، جعفر حسن: بعد المؤرخين الجدد.. ظاهرة الروائيين الجدد في إسرائيل، صحيفة الشرق الأوسط، 5 يونيو 2008، العدد 10782، أساف جيبور: نتنياهو: المفتى لعب دورًا مهما في إبادة اليهود.    

Bronner, Ethan. "The New Historians", The New York Times, 9 November 2003.
Paul Adams, Israel digs into the past , BBC News , 23 December, 1999.
Bronner, Ethan. "The New Historians", The New York Times, 9 November 2003.
Ilan Pappé : The Ethnic Cleansing of Palestine, One world Oxford,2006.
Benny Morris ,Peace? No chance, The guardian, 21 Feb 2002.
Ilan Pappe ,Calling a Spade a Spade:The 1948 Ethnic Cleansing of Palestine,badil, Issue No.29, Spring 2006.
Ramona Wadi, Ten Myths About Israel, Middle east monitor, August 14, 2017.
lan Pappe: Palestinians don t need US for their statehood, Al Jazeera Media Network,02 May 2018