Menu

فلسطين واستعادة البوصلة

بوابة الهدف الإخبارية

علم فلسطين

خاص بوابة الهدف

في التزاحم السياسي الذي صبغ العقد الأخير عربيًا، كانت فلسطين وقضيتها محور لجدل واصطفاف صنعته حالة التجاذب السياسي الحقيقي، وأيضًا وبشكل أساسي ضخ تمويلي وتوجيه وضغط سياسي أراد إزاحتنا جميعًا عما خطته شعوب هذه المنطقة في مواجهة العدوان الاستعماري.

الجدل حول أولوية القضية الفلسطينية على غيرها اتخذ منذ بدايته مسار تسطيحي، سعى لخلق ثنائيات متنافرة متوهمة، سعت للصدام مع موضع فلسطين في وعي الجمهور العربي كموضع لاختبار كل مشروع وفاعل سياسي، هذا شعار المفرط في عموميته ولكن المرتبط أيضًا بفهم معقول لما تتعرض لها شعوب هذه المنطقة، ففلسطين هنا ليس المطلوب أن تكون أكثر أولوية لكل مناضل عربي من قضيته، بقدر ارتباطها بعنوان التحرر من الهيمنة الاستعمارية، ورفض الفصل بينها وبين أشكال التخلف والاستبداد التي تنتجها منظومة الهيمنة في بلادنا، فما انفصال أي مناضل عربي عن تذوت الصراع العربي مع الكيان الصهيوني والمشروع الاستعماري يعني انفصاله عن قضية التحرر.

وبالمناسبة ليس نحن فقط من لا يتسامح بشأن فلسطين، أيضًا أعداءنا في المنظومة الاستعمارية، لم يسمحوا لأي من أتباعهم بأي مساحة ولو متخيلة لتهديد مستعمرتهم الجاثمة على أرض فلسطين.

هذا الجدل تم تجاوزه نسبيًا، ومن أحدث القفزة التي مكنت من تجاوزه لم يكن معسكر المقاومة وحلفاء فلسطين، بل المطبعين الذين مضوا لأبعد ما يمكن في إشهار تحالفهم مع الكيان الصهيوني، ذلك بجانب افتضاح الكثير عن الأدوار المعلنة لمعسكرات وأطراف التطبيع العربي، سواء تلك الأدوار التي لعبت لمصلحة العدو الصهيوني أو لمصلحة حلفائه من قوى المنظومة الاستعمارية، وما أحدثته من تخريب في بنية العمل العربي في مواجهة المشروع الصهيوني أو التمدد الاستعماري، فحتى اللحظة لم نتمكن من استعادة تلك الشبكة النشطة والحية من مناصري القضية الفلسطينية، فلقد حفرت خنادق عميقة للتمترس الطائفي، لا زالت تدافع عنها ترسانة إعلامية لا تقل شراسة.

في حراك الشعوب، في معركتنا لاستعادة أوطاننا من نظم الاستبداد المرتهنة للمستعمرين، يتضح في نهاية المطاف أننا خسرنا، وتم استنزافنا لسنوات بعد الخسارة، وعلينا فحسب الاعتراف بذلك لنوقف هذا الاستنزاف، والمقصد بالخاسر هنا ليس طرف او معسكر سياسي، ولكن خسرنا من مواردنا ومن وحدتنا ومن رؤيتنا لمصيرنا المشترك كشعوب عربية. الواجب اليوم هو إعادة ترميم بنية وشبكة فعلنا الجماهيري والشعبي، وتجاوز ما صنعه التدخل العدواني من آثار، وفي هذا تبدو فلسطين هي العنوان مجددًا، ففي ذكرى نكبتها تظهر فلسطين يوميًا ما استعادته من فعل انتفاضي، وقدرة على المواجهة، والأهم استعادة للهوية الجامعة والنضال الجمعي، وهذا لم يحدث ببناء المفاضلات بين القضايا العادلة في الساحة الفلسطينية، لم يفاضل الشهيد في فعله بين قضية الأسرى وقضية مواجهة التهجير أو التصدي للاستيطان، أو الحقوق المعيشية للصامدين في الأرض المحتلة، ولكن بالأساس بالالتفاف والتلاقي على عنوان المواجهة ضد المُستعمِر، وعلى التمسك بتعريف الهوية في وجه نقيضها الحقيقي، هوية إنسانية عربية فلسطينية تحررية، في وجه مشروع الغزو الاستعماري وأدواته العنصرية وجرائمه الوحشية، وسعيه لإدامة القمع والظلم والهيمنة.