Menu

"غزوة" المشفى الفرنسي بالقدس

راسم عبيدات

أظن المشاهد التي وثقتها كاميرات مشفى الفرنساوي، والتي عرضت الاثنين في المؤتمر الصحفي الذي دعت إليه إدارة المشفى في إحدى قاعاته ودعت له وسائل الإعلام المختلفة عربية وأجنبية، بقيام جيش وشرطة الاحتلال ب"غزوة" شاملة على المشفى الفرنساوي يوم الجمعة الماضي 13/5/2022، "غزوة" أكثر بشاعة من الهجمة الوحشية البربرية على حملة التابوت والتابوت نفسه في المشفى الفرنسي، هجمة ضد المستشفى وساحاته وأقسامه ومرضاه وزواره وأسرته، هجمة بربرية نشرت الرعب والخوف بين الأطفال والنساء الحوامل، وكل من تواجد في المشفى، التي يفترض أنه أرض فرنسية، ومكان يجب أن يكون له حرمته ويمنع اقتحامه وإطلاق الرصاص المطاطي والقنابل الغازية والدخانية والصوتية داخله... ولكن يبدو واضحاً بأن من أعطى الأوامر بعملية الاقتحام وتلك "الغزوة" الهمجية والعدوان على التابوت وحملته والمشيعين، يمتلك نفس العقلية التي أعطت الأوامر باغتيال الصحفية شيرين أبو عاقلة، عملية خلفت أكثر من ثلاثين إصابة جرى توثيقها بكاميرات المشفى... وبما يؤكد بأن ما جرى ارتكابه من جريمة في المشفى ضد التابوت وحملة النعش وساحات وأقسام المشفى ومرضاه وزواره يتفوق على جريمة اغتيال الصحفية شيرين أبو عاقلة بإطلاق الرصاص عليها من قبل قناص اسرائيلي في مخيم جنين من بندقية مجهزة بتلسكوب متطور، يستطيع تمييز دبيب النمل على الأرض، فكيف بإنسانه صحفية ترتدي الزي الخاص بالصحفيين والتي يمكن تمييزها ومشاهدتها بوضوح تام.

عملية اغتيال الصحفية شيرين أبو عاقلة والتي تأتي كامتداد لسياسة صهيونية باستهداف شعبنا وأبنائه ومقاوميه من قبل المحتل، وفي المقدمة منها منع نشر الصورة والخبر واغتيال الحقيقة التي تفضح وتعري دولة الاحتلال، كدولة تمارس الجرائم والقمع والتنكيل بحق شعبنا الفلسطيني، هول الجريمة وضخامتها وإرتباك دولة الاحتلال في تبريرها ونشر الروايات والبيانات الكاذبة والمضللة والمتضاربة عنها، تارة بتحمليها للمقاومين الفلسطينيين وأخرى بأن هناك جندي قد يكون أطلق النار بالخطأ وغير ذلك من الروايات والمسرحيات السخيفة، والتي لم يتمكن المحتل من تسويقها وبيعها حتى لمن يوفرون له الدعم والحماية في المؤسسات الدولية من أية عقوبات قد تفرض عليه، أو قرارات تتخذ بحقه، لخروجه السافر والوقح عن القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وعدم التزامه بتطبيق أي من قرارات الشرعية الدولية، والمقصود هنا أمريكا وقوى الغرب الاستعماري، فالجريمة وبشاعتها أكبر بكثير من أن يجري تغطيتها والتستر عليها، فوسائل الإعلام والقنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي أوصلتها إلى كل دول العالم وشعوبها، والذي صدموا من هول تلك الجريمة وبشاعتها بما فيه المسؤولين الأمريكيين، الشركاء المباشرين للاحتلال في العدوان على شعبنا، ومن يوفرون له الحماية في المؤسسات الدولية من العقوبات على جرائمه، بما فيهم وزير الخارجية الأمريكي بلينكن ومندوبة بلاده في الأمم المتحدة.

المشاهد التي عرضت اليوم لهذه "الغزوة" البربرية، هي جريمة حرب بامتياز مكتملة الأركان، يجب عدم التنازل عن نقلها مباشرة الى محكمة الجنايات الدولية. ولذلك كل الأطراف الفلسطينية سلطة ومنظمات ومؤسسات حقوقية وقانونية وإنسانية وفضائية "الجزيرة" التي تعمل الشهيدة شيرين مراسلة صحفية فيها والمنظمات الحقوقية والقانونية والإنسانية والعربية والدولية، وكذلك إدارة مشفى الفرنسي، عليها أن ترفع قضايا على دولة الاحتلال، وتوثق الجرائم التي ارتكبت، ليس باغتيال شيرين فقط، بل بقتلها أكثر من مرة، فجريمة العدوان على النعش وحملته و"غزوة" المشفى البربرية ،تفوق جريمة الاغتيال وتتفوق عليها في البشاعة والإجرام، والتي أصدقكم القول بأنها لو ارتكبت من قبل طرف فلسطيني، لتداعت امريكا وقوى الغرب الاستعماري، ليس فقط للتنديد واستنكار هذه الجريمة، بل لدعت الى عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي تحت البند السابع، استخدام القوة العسكرية، اعتقال وتسليم من نفذوا تلك الجريمة الى محكمة الجنايات الدولية لمحاكمتهم كمجرمي حرب، كما جرى مع مساعد الرئيس الصربي سلوبودان ميلوشيفيتش المعروف ب"جزار البلقان" راتكو ميلاديتش، حيث حكم عليه بالسجن المؤبد عام 2017 لارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ضد مسلمي البوسنة والهرسك،من ضمنها جريمة جزيرة سريبرنيتسا البوسنية في 1995.

إسرائيل قتلت أكثر من 47 صحفياً فلسطينياً، وهدمت برج الجلاء في عدونها على قطاع غزة الذي يضم مؤسسات صحفية في أيار/2021، معركة "سيف القدس "، دون أن تجري لها أي محاكمة أو تتخذ بحقها أية عقوبات على تلك الجرائم، بسبب الحماية الحكومية والقانونية الأمريكية والأوروبية الغربية التي وفرتها لدولة الاحتلال وأبقتها كدولة فوق القانون الدولي. ولذلك من بعد جريمة اغتيال الصحفية شيرين أبو عاقلة  والاعتداء الوحشي على نعشها وحامليه في مشفى الفرنسي بالقدس، والمشاهد الوحشية التي أظهرتها كاميرات المشفى في المؤتمر الصحفي الذي دعت له إدارة المشفى، اليوم الاثنين، حيث شاهدنا مدى البربرية والوحشية التي رافقت "غزوة" جنود وشرطة الاحتلال للمشفى بأقسامه وساحاته ومرافقه وحالة الهلع والخوف التي تسببوا فيها للأطفال والنساء الحوامل وبقية المرضى وإطلاقهم للرصاص المطاطي والقنابل الغازية والصوتية والدخانية، وما خلفه ذلك أكثر من 30 إصابة داخل ساحات المستشفى، يؤكد على أن هذه " الغزوة" والتي صدر القرار فيها، من قبل قيادات شرطية وأمنية اسرائيلية عليا، هي "غزوة داعشية" بامتياز، لا يمكن تبريرها او تسويقها بأي شكل من الأشكال.

الزمن الذي تفلت منه دولة الاحتلال من العقوبات على جرائمها، وتوفر لها أمريكا ودول الغرب الاستعماري الحماية من اتخاذ أية قرارات أو عقوبات على تلك الجرائم في المحافل الدولية، يجب أن ينتهي ويجب تعرية تلك الدول على ازدواجية معاييرها وانتقائيتها، والتي ظهرت بشكل واضح وسافر في أوكرانيا، فمن بعد اسبوع واحد على الحرب التي ورطت فيها أمريكا ودول الغرب الاستعماري أوكرانيا، هبوا لدعم ومساندة أوكرانيا، تحت ذريعة عدم احترام روسيا التي تدافع عن أمنها القومي لسيادة أوكرانيا وارتكابها لجرائم حرب بحق المدنيين وغير ذلك من شعارات زائفة عن الحرية والديمقراطية والإنسانية والقانون الدولي والشرعية الدولية، في حين لم تلفت إلى إنصاف شعبنا والوقوف إلى جانبه ضد جرائم الاحتلال وما يمارس بحقه من طرد وتهجير واقتلاع وتطهير عرقي منذ 74 عاماً.