في الواقع أنا أثق بذاكرتي وقت الحرب، بأنّ الإنسان في هذه اللحظات يكون أصفى ما يكون.. شفافاً تستطيع أن ترى قلبه وشرايينه المنبثقة خلاله وكأنه شاشة بلازما عالية الوضوح.. دموع القهر والفقد على من استشهدوا من شباب الحارة كانت شفافة ومالحة.. تنطلق من القلب باتجاه العيون وتجري خلالها على الخدود بلا هوادة.. الكل يبكيهم اطفالا وكبارا.. جدات واحفاد.. مع أننا بالغالب لم نكن نعرفهم بشكل جيّد ولكن فقدهم كان موجعا بطريقة ما.
في الحرب كنت أعرف من هو الجيد ومن هو السيء في حياتي.. من عدوي ومن صديقي.. من أحبّ ومن أكره.. من يجب عليّ أن أتأكد أنه بخيرٍ عند كل إنفجار يعصف بالمنطقة التي هو فيها ومن نسيني ونسيته وكأنه لا يجمعنا أي علاقة من أي شكل حتى لو كنا نرى بعضنا كل يوم.
أذكر أن جارتنا التي لا تحبها أمّي صعدت تعبئ خزان مياهنا والطائرات فوق رأسها تقصف المناطق المجاورة للبيوت.. قالت أنها كانت تعبئ خزاناتها وقتها وأننا جيران ويجب أن يهتم كلاً منا بالآخر حتى لو كان الأمر خطيراً عليها يعني.. أظنّ أنه من بعدها أحببناها.. شعرنا أن هذه السيدة التي خاطرت بحياتها من أجل أن تتأكد أن جيرانها بخير لا تستحق أن نعاملها بهذه القسوة.
تلك الأوقات التي نصبح فيها أكثر حنواً فجأة.. وسط الجثث نغدو أكثر إنسانية..
ذاكرة الحرب صادقة.. وشفافة.

