بداية نود التأكيد على أن الاستعمار دموي، مجرم، عنيف وعنصري بطبعه، وما يحصل من مشاهد همجية وإجرامية قاسية ولا إنسانية بحق شعبنا في كل مكان، وخاصه في القدس ليس بغريب عن طبيعة هذا الاستعمار الصهيوني المجرم - العنصري.
نلحظ ونرصد حملات ومحاولات وإجراءات صهيونية عنصرية متعمدة ومنهجه، منذ ما يتجاوز الخمسين عاما، من أجل فرض السيادة على القدس وإثبات يهوديتها والهيكل المزعوم؛ إجراءات وسياسات عنصرية، تقوم بها دوله الكيان بكل أجهزتها وقطعان مستوطنيها، مستحضرين خرافات وأساطير تلمودية، بأن القدس عاصمة أبدية موحدة للدولة الصهيونية وهذه أرض الأباء والأجداد. وبالتأكيد مسيرة الأعلام التي تجاوزت التقليدية تأتى في سياق تكريس وتعزيز السيادة الصهيونية على القدس، لكن اللافت والذي يستحق التوقف والقراءة هو توحد الحالة الجماهيرية الشعبية الفلسطينية والوعي الفلسطيني الجمعي الذي حاول الكيان الصهيوني حرفه وكيه وتدجينه. فشعبنا يتوحد في مقاومته ومواجهته للاحتلال الصهيوني، ويبقى الفلسطيني وحقه في أرضه هو الجامع المانع الذي يتوحد حوله الجميع، وهو قطب الرحى في هذا الصراع الوجودي مع هذا الاستعمار الصهيوني المجرم. إن كل المحاولات الممنهجة لتكريس هذا الوهم الصهيوني التوراتي يتبدد ويفشل بفضل صمود أهلنا في فلسطين، وفى القدس خاصة. لقد أفسد وأعطب وأفشل شعبنا في القدس ما خطط له الكيان وأجهزته الأمنية وقطعان مستوطنيه، من تثبيت وتكريس لسرديتهم وروايتهم المتخيلة، وأثبت شعبنا بأن القدس أرض عربية وعاصمة دولتنا الفلسطينية، حيث بات الكيان يعاني من قلق وتهديد وجودي غير مسبوق.
من خلال هذه المسيرة والكم الهائل من آلاف الجنود وأفراد الشرطة المدججين بالأسلحة وأدوات القمع؛ حاولت حكومة بينيت - غانتس الهشة، وفى إطار تعزيز مكانتها وحضورها، وتأكيدا على تطرفها ويمينيتها، وردا على نتانياهو؛ كسر وتغيير قواعد الاشتباك التي ثبتتها المقاومة كنتاج لمعركة سيف القدس.
نفخر ونعتز بالمقاومة ورجالها فهي السيف والدرع، والتي كانت حاضرة بكل فعالية في المشهد، حيث شكلت المظلة والسند الحقيقي والمعنوي لجماهير شعبنا، خاصه في القدس. ولولا حضور ووجود هذا السند والدرع لكان المشهد مختلفا ودراماتيكيا.
أجزم أن المقاومة كانت تمتلك العديد من السيناريوهات، حسب ضرورات وتطورات الموقف الميداني؛ بعيدا عن العواطف وردود الفعل الانفعالية وتحسب وتزن كل شيء بميزان الذهب؛ فالمقاومة ليست ردات فعل: إنها فعل مستمر في سياق صراع واشتباك مفتوح ومستمر وحرب شعبيه طويله الأمد مع العدو من أجل التحرير.
لقد كانت كل أجهزه الكيان تراقب وترصد هذا الحضور وتضبط إيقاع حركة قطعان المستوطنين؛ تحسبا لأي موقف تتخذه المقاومة التي أثبتت قدرتها على القراءة وتقدير الموقف وتغليب النضج والوعي المنحاز لمصالح شعبنا على العواطف والانفعالات.
حقيقة لم نخسر هذا الفصل من المواجهة ولم يثبت أو يرسم الكيان الصهيوني السيطرة السيادية على الأقصى الذي يسعى لتقسيمه زمانيا ومكانيا.. إن المطلوب ضبط سقف خطابنا وانتقاء شعاراتنا حتى نتجنب أي ردود فعل سلبيه أو مس بمعنويات شعبنا، وهنا نفخر ونعتز بنضال وصمود أهلنا في القدس وتصديهم لسوائب وقطعان المستوطنين. لقد خاضوا معركة بطولية تسجل في صفحات كفاحنا الوطني.
الصراع مستمر ومفتوح مع الكيان الصهيوني، وفى هذه المسيرة الكفاحية هناك محطات مد وأخرى جزر، تراجع وانكسار، تقدم وانتصار، ولكن الثابت الأكيد المنسجم مع حركة التاريخ ونضال الشعوب، هو تصاعد منحنى الانتصارات الذي يستوجب حتما استثماره وتوظيفه والمراكمة عليه؛ بعيدا عن الرهانات الفاشلة على الوهم والسراب، وفى هذا المقام نسجل نقدنا لدور السلطة المغيب والمفقود، في هذه المواجهة والاشتباك مع الكيان الصهيوني.
المطلوب مغادرة أوسلو المشؤوم ومخرجاته الأمنية والاقتصادية والشروع في تشكيل جبهة وطنية عريضة؛ تستند إلى خطة وطنية استراتيجية شاملة؛ تعيد الوهج والاعتبار لقضيتنا الفلسطينية وتعيد ترتيب المشهد والنظام السياسي الفلسطيني. إن إدامة واستمرارية أي فعل جماهيري شعبي؛ يستوجب وجود قيادة وطنية مركزية موحدة؛ تقود وتوجه الجماهير تحافظ وتستثمر وتوظف المنجز الكفاحي وتراكم عليه.. والنصر حتما حليف شعبنا.

