Menu

أزمةُ كوفيد 19: حين تنكشفُ حقيقةُ الانكسارِ الاجتماعيّ في تونس

ماهر حنين

بوابة الهدف الإخبارية - نشر المقال في العدد 37 من مجلة الهدف

يتمُّ غالبًا توظيفُ مقولةِ ''لاستثناء التونسي'' بدوافعَ مختلفةٍ قبل 2011 وبعده، سواءً للإشادةِ بمنجزاتِ دّولةِ الاستقلال، أو بقابليّة المجتمع التونسيّ للتحوّل السلميّ نحو الديمقراطيّة، بعد سقوط التسلطيّة التي طبعت هذه الدوّلة منذ نشأتها، وقد تكثّف استخدامُ هذهِ المقولةِ في الفترةِ الفاصلة بين 2011 و2014، ليختزلَ لدى المتمسكين بها في مستطاع المنجز الحضاريّ المشترك للتونسيّين مقارنةً بغيرهم، من مواطني المجتمعات العربيّة والإسلاميّة، للخروج من نفق الدّولة الدينيّة وتجنّب الحربِ الأهليّة.

لقد غلبَ على كلِّ المرحلةِ السابقةِ جدلٌ عموميٌّ، طغت عليه مفاهيمُ ''الانتقال الديمقراطيّ- الحداثة - الهُويّة - الدوّلة الدينيّة'' ومصطلحاتها...، في مقابل الدولة المدنيّة والمساواة بين الجنسين والحرّيات، وهي خطوطُ صراعٍ على أهميّتها، مثّلت محاورَ تعبئةٍ طغت على مطالب الثورة الاجتماعيّة، وحوّلت بوصلة الشارع والإعلام نحو القضايا المجتمعيّة لا القضايا الاجتماعيّة.

  وعليهِ لا يمكنُ أن يتحّولَ شعارُ الاستثناءِ إلى مغالطة؛ لأنّ الجمهوريّةَ الثانيةَ الناشئةَ وبموجب دستور الثورة لسنة 2014، أكّدت هُويّتها دولةً مدنيّةً، وأيضًا دولةً اجتماعيّة، راعيةً على الأقل، بموجب الإعلانات الدستوريّة، فمن جملة 148 فصلًا يتضمّن هذا الدستور 30 فصلًا لدسترة الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والبيئيّة، وهو ما يعني أنّ دستور ما بعد الاستبداد، مثل أرضيّةٍ ممكنةٍ لمشتركٍ وطنيّ، يحتاجُ لعقدٍ اجتماعيٍّ جديد، لإنفاذه ولسياساتٍ عموميّة تجسّده على أرض الواقع؛ غيرَ أنّ الأزمةَ الصحيّة الأخيرة الناجمة عن جائحة كورنا، كشفت الوجه الآخر للاستثناء التونسيّ الذي قُدّم واجهةً، وأعادت إلى الصّدارة حالةَ العطالة التي تعيشها التجربة الديمقراطيّة التونسيّة، فالمشهدُ الاحتفاليّ والبطوليّ للتونسيّين والتونسيّات، الذين تحدّوا قوّات البوليس أثناء مسيراتهم وتجمّعاتهم في الساحات العامّة، مطالبين برحيل بن علي، قد أفل في مارس 2020 شهر تسجيل دخول الموجة الأولي للوباء، وحلّ محلّه مشهدٌ تراجيديٌّ تمثّل في طوابيرَ من التونسيين والتونسيات بالآلاف، متدافعين متراصّين أمامَ مكاتب البريد ومقرّات المعتمديّات لتلقي الإعانات العموميّة الاستثنائيّة التي منحتها الحكومة للفئات الأكثر تضرّرًا، من الحجر الصحيّ الشامل المفروض؛ إثرَ ارتفاعِ مؤشّرات تفشي المرض، فضلًا عن مظاهر  الفزع التي رافقت حالات دفن المتوفين. وأمام هذه المشاهد تداول المسؤولون وأصحاب القرار بشكلٍ مكرّرٍ مقولةً مفادُها أنّ "الجائحة كشفت كلّ عورتنا". أمّا المراقبون والمتابعون فما انفكّوا يطرحون سؤالًا صادمًا غالبًا ما يتمّ التهرّب منه: هل نعيش جميعًا في البلد نفسه؟ هل هناك تونس واحدة أم اثنتان، واحدة للمتنفذين والمدمجين وأخرى للمقصيّين والمستضعفين والفقراء؟ مثّلت هذهِ الأسئلةُ مشغلًا للباحثين لتوجيه النظر نحو سطحيّة مقولة الاستثناء التونسيّ والعودة إلى حدّة الانكسارات الاجتماعيّة الفعليّة التي تخترق المجتمع: طبقيًّا وجندريًّا ومجاليًّا وجيليًّا. فأكثر من أي وقتٍ مضى، سقط القناع وبرزت بوضوحٍ أشكال اللامساواة ودرجات التفاوت في مخاطر الإصابة بالفيروس، المرتبطة بآثار سياسات الصحّة العموميّة وبسياسات التقشّف التي تفرضها دكتاتوريّة السوق الليبراليّة الجديدة على كلّ الشعوب؛ إذ غدا من المؤكّد أنّ التقدّم العلمي والأبحاث المرتبطة بالطبّ منحت الإنسانيّة نظريًّا صحّة أفضل، إلا أنّ هذه المكتسبات تتوزّع اليوم بشكلٍ غيرِ عادل، مما يجعل من اللامساواة الفادحة أمام المرض والموت مرفوضةً ومثيرةً للسخط. ومع ذلك يستمرّ هذا الإصرارُ الإيديولوجيُّ الليبراليّ، منذ أزمة السيدا، على سلعنة الصحّة وزيادة الحواجز أمامَ الوصول إلى العناية الصحيّة، تلك هي الحقيقة التي استفاق عليها كلّ العالم واستفاق عليها التونسيّون.   

لقد قامت الثورةُ فعلًا في تونس منذ عشرِ سنوات، بدوافعَ اجتماعيّةٍ أساسًا، إلا أنّ الانتقال الديمقراطيّ بخطواته الوئيدة ظلَّ يشيح ببصره عن شروط العيش غير المتكافئة، ناكرًا الانكسارَ الاجتماعيّ الحادّ، وهو انكسارٌ أعادته الأزمةُ إلى الأذهان ليضعَ صورةَ الفقير 'الزوالي" بالعامية التونسيّة بكلّ دلالاتها، محلّ مقولة الاستثناء التونسي المجرّدة التي طالما تباهى بها جزءٌ من التونسيين. 

لقد أثبتت أزمةُ الكوفيد-19 مدى ارتباط حقوق الإنسان بعضها بعضًا، ففصل الحقوق والأساسيّة والمدنيّة عن الحقوق الاقتصاديّة، يعطّل مسار الدمقرطة الذي دشّنه انتصار الثورة وسقوط رأس النظام، وبشكلٍ أدقّ برز الحقّ في الصحّة جليًّا على حدّة الحيف الاجتماعي.

 يُجمعُ الكلُّ على أنّه كان للجائحة آثارٌ بارزةٌ على النموّ والتشغيل والفقر وتعميق عدم المساواة،  فقد انخفض الناتج المحلّي الإجمالي  بنسبة 21،3% في الربع في الثاني من سنة 2020  ووصل إلى 8،8% للعام برمته، وبلغ معدل البطالة 18%، بسب الأزمة الاقتصاديّة التي مسّت قطاعات عدّة: كالمطاعم والمقاهي والنقل.

ولئن كان للإعانات الخاصّة التي قدّمتها الدولة لتخفيف انعكاسات الجائحة أثرٌ إيجابيٌّ مؤقّتٌ على الفئات الأكثر فقرًا، فإنّه كشف صعوبة قبول الفئات الأكثر ثراءً بتقاسم أعباء الأزمة، وبدا الانقسام حادًّا وبدت البلاد فاقدةً لرؤيةٍ وطنيّةٍ شاملةٍ ومتضامنة.

  من جهةٍ أخرى، كشف الوباء عن الهنّات التي تنخر نظام الصحّة العموميّة من سنوات، حيث أفرزت سياسات الإنفاق العموميّ في الصحّة المحكومة بسقف التوجّهات الليبراليّة، التي لم تتجاوز 5% من الناتج المحلّي الخام سنة 2019 بعد أن كان 7% سنة 2014 تفاوتًا صارخًا بين الجهات، إذ نحصي معدّل 61،2 سرير لكل مائة ألف ساكن في العاصمة، مقابل 10،7 في محافظة سيدي بوزيد التي كانت مهد الثورة ومنطلق الاحتجاجات في 17 ديسمبر 2010، ونسجّل في السياق نفسه، أنّ 45% من مراكز الصحّة الأساسيّة التي تمثّل الخطّ الأوّل لقطاع الصحّة لا تسدي خدماتها للمرضى، إلا مرّة واحدة في الأسبوع. كما عمّقت هذه الخيارات المطبّقة في تونس منذ سنوات، الهوّة بين القطاعين العام والخاص، في مستوى جودة الخدمات وتطوّر المعدّات، حيث يحتكر هذا الأخير 85% من أجهزة الكشف بالرنين المغناطيسي و 73% من الماسحات الضوئيّة (سكانار) ويوفر 79% من قاعات القسطرة القلبيّة، مقابل ذلك سجّلت دائرة المحاسبات سنة 2017 أنّ 42% من التجهيزات الطبيّة في القطاع العام معطوبة، مما يطرح بجديّةٍ قضيّةَ الحوكمة الشفافة لهذا القطاع، وجعل هذا القطاع ينهار بالكامل في صائفة 2021 وعجزه عن القيام بدوره، مقابل استمرار خدمات القطاع الخاص الإسعافيّة والعياديّة بكلفةٍ باهظة.

وبرؤيةٍ أشمل، تشيرُ الأرقامُ المحينة لسنة 2015 المتعلّقة بالفوارق الجهويّة، أنّ نسبة الفقر بالشريط الساحلّي تترواح بين 6.3% و12.9%، في حين تصل إلى 17% بالجنوب الغربيّ، و30.3% بالوسط الغربي، ويبلغ عدد التونسيين الذين يعيشون الفقر المدقع 320 ألف، وهم عاجزون عن توفير حاجيّاتهم الأساسيّة الغذائيّة، قبل حاجيّاتهم الأخرى من سكن ولباس، وتوجد ولايتا؛ القيروان والقصرين في أسفل قاعدة الهرم، ففي القيروان وحدَها يعيش 85 ألف تونسي تحت عتبة الفقر المدقع، و199 ألف تحت عتبة الفقر.

 لقد عاشَ مجتمعُ الهامش والهشاشة في تونس هذه الأزمة وتداعياتها، دون أن يتملك وسائل الوقاية والحماية اللازمة، المادية منها والمعنوية، وهو ما يزال ينتظر منذ عشر سنوات بعد الثورة، حقيقة التغيير في حياته اليومية.

ما يرشّح من هذا الوضع استخلاصين، الأوّل: أنّ التونسيين بحكم اختلافهم وتفاوت مستوى عيشهم ودخلهم ومواقعهم الوظيفيّة في المجتمع، لم يتقبّلوا الحدث وطرق الوقاية من الوباء وإملاءات السلطة التنفيذيّة بالطريقة نفسها، وليس لهم التّمثّلات نفسها والتصوّرات للخطر والكلفة الممكنة للحظر الصحّي العام، وهو ما يولّد ضرورة سوء تفاهم بين مجتمعين على الأقل ''المجتمع المندمج'' من جهة، والمجتمع أو المجتمعات الموازية وغير مندمجة. أمّا الثاني فهي حدودُ التعاطي التقنيّ أو القانونيّ أو الأمنيّ مع أزمةٍ صحيّةٍ واجتماعيّةٍ بامتياز، إذ لا يمكنُ أن نفصلَ الأزمةَ عن بعدها الاجتماعي المركّب، وهو ما جعلها تصيرُ تبعًا لذلك عاملًا مسرّعًا لطرح مقولات التضامن الاجتماعي والعدالة التوزيعيّة ودور الدّولة على محكّ الواقع.

    من هنا نميّز من خلال رصد تجليّات وتعبيرات الأزمة بين اللامساواة في حدّ ذاتها، القابلة للقيس واللامساواة المتمثّلة في أذهان الناس المقصيين كانعدامٍ وغيابٍ للعدالة، فأشكالُ اللامساواة ليست فقط معطيات موضوعيّة وكميّة ومؤشّرات، إنما هي وقائعُ متمثّلةٌ معنويًّا  ومعياريًّا، وهي وقائعُ لا بدّ أن نأخذها في تنوّعها وتعدّدها؛ لأنّ المعيش اليومي للأفراد غيرُ متماثلٍ ولا يخضعُ لنمطٍ موحّد، مما يجعل تصوّراتهم غير متشابهة تجاه هذا الواقع الاجتماعي المركّب، وتختلف باختلاف أوضاعهم.

ففي سياقِ الدراساتِ الاجتماعيّة المعاصرة، وإلى جانب المقاربة الطبقيّة أساسًا، اتّجهت مقارباتٌ معاصرةٌ نحو براديغماتٍ أخرى، لفهم الإدماج والإقصاء، لتتناولهما في فضاءٍ أفقي، يمتدُّ للمجال الجغرافي والسكني وعالم المهن والسن والإعاقات والجنس والرأس مال الرّمزي، ليرصدَ من هم داخل نظام المجتمع المهيكل، ومن هم خارجه.  نحن نعيش اليوم انتقالًا من مجتمعٍ عموديّ، ألفنا تسميته مجتمعًا طبقيًّا، به أناسٌ أعلى وأناسٌ أسفل، إلى مجتمعٍ أفقيٍّ تشقّهُ التفاوتات على أكثر من واجهة وتعدّدت داخله الفئات والمجموعات الهشّة.

 لم تعد المسألةُ اليوم في كون المرء في الأعلى أو الأسفل، إنّما هي أن يكون في الدّاخل أو في الخارج، فالذين ليسوا في الدّاخل، يريدون أن يكونوا بالدّاخل، بمعنى آخر: إنّهم ما داموا في حالة استبعادٍ فهم في الفراغ الاجتماعي وغياب الأفق، وهي تَجرِبةٌ اجتماعيّةٌ ونفسيّةٌ ووجوديّةٌ قاسيةٌ على الأفراد والجماعات، وقد تجلّى هذا الانكسارُ في سياق الأزمة الصحيّة، من خلال فئاتٍ عدّةٍ طالها الشعورُ بالضيم، وتعرّضت أكثرَ من غيرها للخطر، من ذلك: النساء، وخاصّة العاملات في القطاع الفلاحي، والمهاجرين من جنوب الصحراء الذين زادت هشاشتهم، والعمّال اليوميّون والوقتيّون، وسكّان الأحياء الشعبيّة.

ملخّص القول: إنّ تونس 14 جانفي التي شدّت أنظار العالم، وتونس التوافق بين النخب السياسيّة والفاعلين الاجتماعيّين عبرَ الحوار الوطنيّ، وحائزة جائزة نوبل للسلام، تخفي تونس أخرى، هي تونس عدم المساواة، والتمييز، والتهميش، والهشاشة، وهي الحقيقةُ التي أقرّها الجميعُ أمامَ صدمةِ آثارِ الجائحة، فسرعانَ ما سقطت الأقنعةُ، وسفّهت نسبة الفقر، وحالات الهشاشة وتجليّات الإقصاء؛ خطابات الدعاية الرسميّة، وأمكن لنا القول: إنّ تداعيات الأزمة الصحيّة والإدارة الفاشلة لها، كانت وراءَ انتفاضةِ شبابِ الأحياءِ الشعبيّة، في جانفي 2021، وعمّقت العزلة الشعبيّة التي وصلت إليها الحكومة في جويلية الفارط.