Menu

يغلقون أبوابًا فنفتحُ طاقات الأمل

الكاتب والشاعر زاهر بولس "للهدف": أربعة وسبعون عامًا على النكبة.. حبُّ الوطنِ جمرة لا تخبو

أحلام عيد

الشاعر زاهر بولس

نشر هذا الحوار في العدد 38 من مجلة الهدف الإلكترونية

من تصميمِ المباني والجسورِ والطرقاتِ وتحليلِها، إلى بناءِ الحروفِ والكلماتِ ونظمهما، رغمَ ذكائِهِ وبراعتِهِ بالحساباتِ والأرقام؛ وَجَدَ شغفَهُ بين كتبِ التاريخِ والجغرافيا الخاصّة بجدّه، وفي كتاباتِ والدته الشاعرة سعاد دانيال ومكتبتها، التي نَهِلَ منها إلى أن تشبّعَ علمًا وثقافةً من رأسِهِ حتّى أخمص قدميه. نشأ في مدينةِ الناصرة؛ فتأثّرَ بالمدّ القوميّ واليساريّ منذ السبعينات؛ ما دفعه لدراسة الفلسفة الماركسيّة؛ الماديّة التاريخيّة والاقتصاد السياسيّ، والتعمّق أكثرَ في القراءةِ الكتابة، ولاحقًا أصبح عضوًا في هيئتيْ تحرير مجلّتيْ؛ جدل وشذى الكرمل الفصليتين.

مزيجٌ مختلطٌ من عبقِ التاريخِ ورصانةِ اللّغةِ وفلسفةِ الحكماء، كوّن شخصيّة الكاتب "زاهر بولس"، هادئ الطّباع عنيف المشاعر، عَرَف عن فلسطين وتاريخها ما مكّنه من أن يكون مرجعًا مهمًّا عند السؤال عن فلسطين وهويّتها.

لم يقنع بولُس يومًا بوجود عدوٍّ يرتعُ في ربوع بلادِهِ، ويعيث فيها فسادًا، فساءَل الإلهَ مستنكرًا:

ما أنتَ؟! قُلْ لي… اِرْوِ لي

ما أنتَ...؟

حَتَى تَهَبَ كنعانَ آبائي لنسْلِ البَابِليّ…

قُلْ لي… اِرْوِ لي…

مَنْ أنتَ...؟

حتّى تُتَوِّجَ نَفْسَكَ إلهًا على مُلْكٍ سَليب

يا لستُ بَعْضَكَ ولَسْتَ كُلّي… قُلْ لي… اِرْوِ لي!

سَأمْحُوَ ما وَرَدَ في سِفْرِ التّكوينِ وسِفْرِ الخُروجِ والّلاوي

وأكتُبُ…

عِوَضًا عنكَ:

كنعانُ لي.

ولمعرفة المزيد من الحقائق التاريخيّة حول نكبة الشعب الفلسطينيّ التي تصادفُ الذّكرى الرابعة والسبعين، كان هذا الحوارُ مع ابنِ النّاصرةِ الشاعر والكاتب الفلسطينيّ: زاهر بولُس.

* كيفَ تشكّلت الحركةُ الصهيونيّةُ منذ البدايات؟ وما العواملُ التي قادت إلى تشكيلها؟ وهل بدأت المأساةُ الفلسطينيّةُ منذ وعدِ بلفور؟ أم أنّ هناك إرهاصاتٍ سبقت ذلك؟

** الجواب على السؤال يبدأ بأسئلة! كيف ننظرُ إلى طبيعة الصراع؟ هل هو صراعٌ بين العرب والصهاينة اليهود؟ وهل كان بمقدور الصهاينة اليهود أن ينتصروا في معاركهم الأولى ضدّ العرب؟ أم أنّ الحركة الصهيونيّة هي نتاجٌ غربيٌّ كولونياليٌّ مستعمرٌ له مصالحُهُ الواضحةُ للسيطرة على العالم؛ والحركةُ الصهيونيّةُ هي أداةٌ مُستخدَمةٌ ومستفيدةٌ في آن؟ ولأيِّ نقطةٍ نستطيعُ أن نعود في صراعنا لاعتبارها ركيزةَ البدايات؟

إنّ صراعَنا مع المنظومةِ الاستعماريّةِ يعودُ إلى عمقِ التاريخ، لكن يأخذُ منحًى حادًّا عند احتلال الإغريق لحيّزنا الحضاريّ في فترة الإسكندر المقدوني، لتتوالى المحاولات بعده حتّى تبرز روما، بعد محاولاتٍ للسيطرة على حيّزنا الحضاري، ممّا اضطرّ قرطاج أن تقوم بحملاتها التأديبيّة التي لم تنجح إلا بظهورِ رؤيةٍ جديدةٍ وقيادةٍ جديدةٍ تحمل لواءها، فقام القائد العسكريّ العربيّ هنيبعل ابن مدينة قرطاج المرفئيّة التي تقع على سواحل تونس، بالتحرّك غربًا من أجل تحرير شمال أفريقيا وانتقل إلى شبه جزيرة ايبريا (إسبانيا والبرتغال) فأخضعها، وإلى بلاد الغال (فرنسا اليوم) فأخضعها، ومنها إلى سويسرا نزولًا من أعالي جبال الألب، وإخضاع شمال إيطاليا وحصار روما، وكان مشروعُهُ الحضاريُّ الجريءُ توحيدَ حوضِ البحر الأبيض المتوسّط والانتهاء من عصر الغزوات الغربيّة. لكن هذا المشروع لم يكتمل، وبدأ الدوران العكسيّ، فقد خسر المعركة أمامَ روما؛ بسبب خيانة قيادات قرطاجيّة، لم تفهم كنه المشروع أو ارتدادات خسارته، فقامت روما بتدمير قرطاج بعدها، وبهذا بدأ من جديدٍ عهدُ سيطرة الغرب الاستعماري على حيّزنا الحضاري، فقام الرومان (بشقّيه الروماني والبيزنطي فيما بعد) بتجزئة حيّزنا الحضاري، على مبدأ "فرّق تسد" وهو ما لم تبتكره بريطانيا، بل أقدم بكثير، رغم إجادتها استعماله فيما بعد بامتياز، وبقي هذا الحال رغم محاولات إمبراطوريّات بلاد الرافدين تغيير التوازنات بنجاحاتٍ جزئيّة، حتّى جاءت الفتوحات الإسلاميّة فحرّرت الحيّز الحضاريّ ليتسعَ ويتوحّدَ تحت مسمّى "الحضارة العربيّة الإسلاميّة" ودولة الخلافة. طبعًا الأمور أكثر تعقيدًا ولا تسير على منوالٍ محورٍ أحاديّ، إنّما لا يمكن التوسّعُ والتوغّلُ فيها أكثر ضمن لقاء.

وتكرّرت المحاولاتُ كلّ الوقت لتقسيم هذا الحيّز إلى دويلاتٍ وإمارات، لقصورات ذاتيّة وتدخّلات خارجيّة، حتّى نجحت الغزوات الصليبيّة بالسيطرة على فلسطين ضمنَ بلاد الشام، فتمَّ استردادُها تدريجيًّا على يد صلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس، وبينهما قام سيف الدين قطز بصدّ المغول. ويستمرُّ الصراعُ بين صدٍّ وردٍّ حتّى يأخذَ شكله الحديث في تفتيت دولة الخلافة العثمانيّة، قبل وخلال وبعد الحرب العالميّة الأولى، واقتسام أرض حيّزنا الحضاري، على وقع اتفاقية سايكس- بيكو، حيث كانت فلسطين من نصيب بريطانيا، الأقوى بين الاستعماريّتين، ضمنَ خطٍّ واصلٍ من مصر إلى فلسطين إلى الأردن إلى العراق، لتأمين خطوط إمداداتِ الطاقة من جهة، وتأمين خطّ التواصل البرّي مع الهند من جهةٍ ثانية، وثالثةٍ من أجل السيطرة على الممرّات البحريّة وصولًا إلى الهند أيضًا. وضمنَ هذه السياقات تم إعطاء وعد بلفور لإقامة وطن قومي لليهود، بالرغم من عدم وجود قوميّةٍ يهوديّة، على أرض فلسطين، وإعطاء وعد للشريف حسين بإقامة مملكةٍ عربيّةٍ مترامية الأطراف، ما عرفت ضمن مراسلات حسين- مكماهون.

* كيف بدأت فكرة الاحتلال؟ ولماذا اختيار فلسطين تحديدًا؟ وما "المعطياتُ التاريخيّةُ والدينيّة" التي استندت إليها الصهيونيّةُ للترويج لرواية أنّ اليهود هم أصحابُ الأرض الأصليين؟

** كلّ استعمارٍ يعتقدُ أنّ حكمَهُ خالدٌ في نشوة النصر، فما كانت بريطانيا لتنفّذ هذا الوعد أو ذاك، إلا حين أدركتا، بريطانيا وفرنسا معها، أنّ الثورات العربيّة ستنهي احتلالهم في الوطن العربيّ والدول الإسلاميّة لا محالة، فأرجفتهم إمكانيّة الوحدة، فقامت بريطانيا بتنفيذ وعد بلفور، لتمزيق التواصل الحيّزي الحضاري، لفصل شمال إفريقيا عن آسيا، وفصل حوض النيل عن بلاد الرافدين، وفصل مصر عن سوريا، وكان انتزاع فلسطين من قلب الأمّة العربيّة والإسلاميّة هو الأمثل، بالنسبة لها، من أجل تقطيع أوصال الأمّة بسبب الموقع الجيوسياسي المهمّ ضمنَ السياقاتِ التي ذكرناها أعلاه. ولكن سبقَ هذه العمليّة عقودٌ من التزوير التنظيري الذي هيّأته وثبّتته حملاتُ علماء الآثار اللاهوتيين المستشرقين الذين نجحوا بتسويق أكبر كذبةٍ في التاريخ، ألا وهي أنّ فلسطين هي جغرافيّةُ التوراة! من أجل استجلاب يهود العالم على أنّهم ورثة الأرض، وبذلك يبوتقون ويصهرون طوائفَ يهوديّةً من قوميّاتٍ مختلفة، لا علاقة لأجدادهم بأرض فلسطين، ولا باليهود العرب من الجذور اليمنيّة، إنّما مجرّد معتنقي اليهوديّة.

إنّ الديانةَ اليهوديّةَ دينٌ من ديانات العرب، والعبريّة ليست بلغةٍ مستقلّة، بل لهجةٌ من لهجات العرب، وكلّ كلمةٍ عبريّةٍ لها مرادفتُها الحرفيّة، القاموسيّة، ما عدا الكلمات الحديثة المستجلبة من اللاتينيّة والمُعَبْرَنَة، ونحن نجيدُ اللغةَ العبريّةَ ونستطيعُ أن نفصلَ في هذا. والتوراةُ كتبت باللغة العربيّة شعرًا. وفي هذا السياق يجب الإشادة بدراسات وأبحاث ومؤلّفات كمال الصليبي وفاضل الربيعي، اللذين وضعا منهج البحث العلمي الذي أسقط تزويرهم الاستشراقي. فجغرافيّةُ التوراة ليست فلسطين، وإنّما جزيرة العرب، وتحديدًا اليمن (الربيعي)، و القدس ليست أورشليم، ومملكة النبي داوود والنبي سليمان عليهما السلام في الجزيرة العربيّة/ اليمن وليست في فلسطين، وسليمان النبي (عليه السلام) لم يبن هيكله في القدس مكان الأقصى كما يدّعون زورًا، فهو مسجدٌ إسلامي، وكلّ محاولات الحفريات لعلماء الآثار لإيجاد أثرٍ للهيكل باءت بالفشل باعترافهم. وأكرّر، أمّا اليهود المستجلبون من أوروبا وأنحاء العالم فليسو بأحفاد اليهود العرب، بل معتنقو الديانة اليهوديّة من قوميّاتٍ مختلفة، والقوميّةُ اليهوديّةُ قوميّةٌ مُختَلَقَةٌ بحكم قانونهم الجائر، لكنّها لا تقف في معيار القوميّات، ولن ينجح الكيان بلصق شظاياهم.

* كيف بدأ الوجود اليهوديّ في أراضينا الفلسطينيّة المحتلّة قبل تاريخ النّكبة؟ وكيف كان شكلُ العلاقةِ مع سكّان الأرض الأصليّين؟

** على مرِّ التاريخ كانت الحضارةُ العربيّةُ الإسلاميّةُ حاضنةً لليهود في ازدهارهم وفي أزماتهم، والعصر الذهبي في حضارتهم المفتعلة (لأنّها أصلًا جزءٌ عضويٌّ من الحضارة العربيّة الإسلاميّة) كانت في الأندلس، وتحت الحكم الإسلامي، باعترافهم. وأشهرهم الرمبام، الطبيب والفيلسوف اليهوديّ الأندلسيّ كتب مؤلفاته باللغة العربيّة، أحيانًا بأبجديّةٍ عربيّةٍ/ آراميّةٍ/ عبريّة.

لقد سمحت الدولةُ العثمانيّةُ لليهود بالسكن في الإمبراطوريّة، الذين هاجروا إليها بسبب قمع الشعوب الأوروبيّة لهم على مدى تاريخهم، ولم تكن القدس وفلسطين وُجهتهم، إنّما المدن الكبيرة المزدهرة مثل إسطنبول والإسكندرية ودمشق وبغداد، حيث تجارتهم ومصادر عيشهم. وقد اكتسبوا أعلى العلم والثقافة في حيّزنا الحضاري، بينما كان اليهود الأوروبيون (الأشكناز) يقبعون في جهلهم، يعملون في المهن الحرفيّة غالبًا، التي هجرها الأوروبيّون لصالح العلم والصناعة. وسُمِحَ لهم بتملّك المنزل والأرض، مواطنينَ متساوينَ، بأرقى ما يكون من قيم المواطنة، لكن شتّان ما بين التملّك والسيادة! وأعتقد أن السلطان عبد الحميد الثاني تعامل مع هذه القضيّة بهذا المفهوم ومنع سلخ فلسطين عن بلاد الشام لتهيئة وطن قومي (!) لليهود، رغم الضغوطات الهائلة من قبل قوى الاستعمار، ورغم ديون خزانته لعائلة روتشيلد اليهوديّة التي تمتلك البنوك المركزيّة في العالم حتى اليوم. وباعتقادي أنّ بعض التيّارات القوميّة العربيّة بالغت في اتّهامه ضمنَ منظومةٍ صراعها على الوعي مقابل محاولات التتريك.

في خضمِ الحربِ العالميّةِ الأولى خضعت فلسطين لبريطانيا التي حكمت فيها منذ عام 1917م حتّى عام 1948م، وبدأت باستجلاب اليهود ضمنَ سياقات مصالحها التي ذكرناها سابقًا، فشرّعت باب الهجرة لليهود على مصراعيه، ليكونوا ركيزتها في فلسطين، وأُغلقت وفتحت هذه الأبواب بحسب ردود فعل العرب عليها وانتفاضاتهم، لكنّها بقيت في مسارٍ تصاعديٍّ كلّ الوقت.

ومن ناحيةٍ أخرى متمّمة لنشاطها الاستعماري في هذا المضمار، سمحت بريطانيا لليهود بشراء الأراضي المبرمج من إقطاعيين عرب لا يقطنون في فلسطين أصلًا، وهم من عملاء الاستعمار الفرنسي والبريطاني، مما حدّد شكل المواجهات من البدايات على أرض فلسطين، فقد تنبّه الناسُ مبكرًا للمؤامرة التي تحاك. لهذا لم تكن طبيعة العلاقة سلميّة بين أهل فلسطين والمستعمرين اليهود الوافدين تحت جنح بريطانيا، وخصوصًا أن بريطانيا قامت بهدم العديد من القرى الفلسطينيّة وتهجير أهلها، حتّى تسلّم الأرض فارغةً من الإنسان لليهود، قبل عام النكبة.

في التاسع والعشرين من شهر تشرين الثاني عام 1947 قرّرت الأممُ المتّحدةُ تقسيم فلسطين إلى دولتين، بحسب التوزيعة السكّانيّة ومصادر المياه العذبة والأراضي الزراعيّة، وقد تمَّ تخصيصُ الأفضل لليهود رغم كونهم دخلاء على الأرض الفلسطينيّة. ورسمت بريطانيا حدود التقسيم وَفْقًا لمصالحها حين اضطرّت إلى الانسحاب على أمل العودة، كما عوّدها التاريخ بحسب فهمها له! وكانت قد درّبت وسلّحت عصابات اليهود الصهاينة من أجل تنفيذ حرب إبادةٍ وتطهيرٍ عرقي، وهذا ما حدث حتّى قبل انسحابها التدريجي، فاندلعت الحرب بين العرب واليهود، وقام اليهود بالتحوّل من استراتيجيّة الدفاع عن مستوطناتهم وأحيائهم، إلى استراتيجيّة الهجوم والتدمير والتهجير، بعد أن كانت تتكل على الجيش البريطاني فتولّتها عصاباتهم بنفسها. لذلك قاموا بتجهيز الخطّة "د"، أو "دالِت" كما يُلفظ الحرف الرابع في الأبجديّة العبريّة، بمعنى: الخطّة الرابعة أو المخطّط الرابع.

الخطّة "د" هي الخطّةُ التي أعدّتها عصابات الهاجاناه الصهيونيّة، التي يرمون من خلالها إلى أخذ دور الجيش البريطاني، حين ينسحب، والتحوّلُ من استراتيجيّةٍ دفاعيّةٍ إلى استراتيجيّةٍ هجوميّةٍ تهجيريّة، وتفريغ العرب من المناطق التي خصّصتها الأممُ المتّحدة لليهود، لخلق تواصلٍ جغرافيٍّ لهم، والتحضّر لولوج الجيوش العربيّة.

* حدّثنا عن جرائم التطهير العرقي التي ارتكبتها الصهيونيّة عام 1948، وكيف تمكّنت من إفراغ الأرض من سكّانها الأصليين؟ وما هي أبرز التيّارات والجهات الفلسطينيّة التي سعت لمواجهة ومقاومة الهجمات الصهيونيّة؟

** لقد كان الشعبُ الفلسطينيُّ شبهَ أعزل في هذه المعركة مقارنةً بتجهيزات العصابات الصهيونيّة، وظهيرها الأوروبي، وصمت معظم الأنظمة العربيّة الموالية للاستعمار، فحتّى عام 1948 كانت بريطانيا تسيطرُ على الجيش المصريّ والأردني، وتحدّد إيقاعه وأماكن سيطرته. فكانت بريطانيا أشبه بمايسترو يحدّد للاعبين حدود اللعبة من أجل مصالحها الأوسع، فارتكبت العصاباتُ الصهيونيّة، مثل الهاجاناه والايتسل والليحي وغيرها، المذابحَ في كلّ مكان، مثل دير ياسين وعيلبون والطنطورة.. والقائمة تطول، بهدفين؛ الأوّل الإبادة والتطهير العرقي، والثاني، استخدام عامل الرعب والهلع حتى يهرب من تبقّى، ففتحوا لهم ممرّات آمنة! من أجل الرحيل نحو لبنان و سوريا والأردن ومصر... وبهذا يكتمل التطهير العرقي للبلاد، فبعد أن كان الشعبُ العربيُّ الفلسطينيُّ سيّدَ فلسطين، تمَّ تهجيرُهُ وهدم قراه ومدنه ومسحها عن وجه البسيطة، وقد تعدّى عدد القرى المهجّرة الــ 530 بلدة، ولم يتبقَّ سوى 156،000 فلسطيني في أرض الوطن، معظمهم لاجئين في وطنهم انتقلوا إلى بلداتٍ أخرى لم يطلها الهدم، وهم عرب فلسطينيو الداخل (48) الذين قريبًا سيقارب عددهم المليوني نسمة.

* استمرَّ وجودُ جزءٍ كبيرٍ من أبناء شعبنا الفلسطيني في أراضينا رغمَ وقوع الاحتلال، ما الممارسات الصهيونيّة تجاههم؟ وكيف يتم التعامل معهم حتى اللحظة؟ وما أبرز الإجراءات العنصريّة المرتكبة بحقّهم؟

** الحربُ والصراعُ لم ينتهيا، والكيانُ الغاصبُ ينظر إلى فلسطينيي الداخل على أنّهم قنبلةٌ ديمغرافيّةٌ موقوتةٌ وتهديدٌ ديمغرافي، وعلى أنّ مهمةَ تهجيرهم لم تكتمل بعد بانتظار الظرف الدولي المؤاتي لإتمام هذه المهمّة. ولبينما تسنح لهم الظروف يديرون المعركة بسيكولوجيّة الموت البطيء، من خلال سلب الأرض والمسكن وتهويدها، وتدمير أجهزة التعليم، والأمن الصحّي والغذائي، وإفشاء الفقر وإطلاق يد الجريمة المنظّمة على أيدي عملائهم، ومؤخرّا عدَّ فلسطينيو الداخل العنف والإجرام المنظّم ذراعًا عسكريّةً لدولة الكيان، من خلال تنظيمات إجرامٍ من عملاء تدربوا في صفوف جيشها، باعترافهم وليس تخمينًا، واختصارًا نقول: إنّ أدواتهم المصادرة والتهويد والتجهيل والإفقار وتحت طائلة الإجرام المنظّم كأداةٍ سلطويّة.

* ما أبرزُ التيّارات والجهات الفلسطينيّة التي سعت لمواجهة ومقاومة الهجمات الصهيونيّة في سياق النّكبة؟

** إنَّ قضيّةَ المقاومة والدفاع عن فلسطين بحثها شائك، ولكن بالإمكان تدويرها إلى ثلاثة فروعٍ متداخلة. الأولى، الجيوش العربيّة، والثانية، المقاومة والتشكيلات الفلسطينيّة، والثالثة، أفراد بمبادراتٍ شخصيّة.

ففي يوم 12 نيسان 1948 أقرّت الجامعةُ العربيّةُ إرسال الجيوش العربيّة إلى فلسطين، وأكّدت اللجنةُ السياسيّةُ فيها أن الجيوش لن تدخل قبل انسحاب بريطانيا المُزمع في 15 أيار، وهذه الجيوش كانت تحت لواء جيش الإنقاذ الذي تشكّل عام 1947 من قبل اللجنة العسكريّة للجامعة العربيّة من المتطوّعين من البلدان العربيّة، شارك الجيش في حرب 1948 وكان الجيش قد أطلق عليه في البداية اسم جيش التحرير ثمَّ غيّر الاسم إلى جيش الإنقاذ. وقد ضمَّ الجيش حوالي 3,830 متطوعًا مسجّلًا في وثائق الجامعة العربيّة وقد اُعطيت قيادته للّواء العراقي إسماعيل صفوت، ثمَّ أُعطيت قيادة الجيش للضابط السوري فوزي القاوقجي قائدًا أعلى لوحدات جيش الإنقاذ.

وقد شاركت جيوشٌ عربيّةٌ من الدول التالية: مصر، سوريا، لبنان، الأردن، السعوديّة، العراق. وللحقيقة، فإنّ قضيّةَ فلسطين احتلّت قلوبَ الجنود العرب، وكانوا على أهبّة الاستعداد للقتال والتضحية، وقد فعلوا، إلّا أنّ مقاليد الأنظمة العربيّة، عدا سوريا، كانت في يد قوى الاستعمار، وبهذا افتقدت الجيوش القرار السياسي رغم جاهزيّة عقيدة الجنود القتاليّة.

أمّا على مستوى المقاومة الفلسطينيّة، فكانت عقيدتهم القتاليّة جاهزةً للدفاع عن فلسطين، ولديهم الخبرات المكتسبة خلال الثورة ضدّ بريطانيا (36-1939)، وقد نقصهم السلاح والمزيد من التنظيم والتدريب، في مقابل عصاباتٍ صهيونيّةٍ درّبتهم وسلّحتهم بريطانيا بأحدث الإمكانات.

وثالثًا، على المستوى الشعبي، فمن امتلك قطعة سلاح، أو ثمنها فاقتناها، تطوّع في إحدى التشكيلات، أو بشكلٍ منفرد، ينقصه التدريب، وجودة السلاح، فباع ربما مدّخره القليل؛ لأنّه ضمانه للحياة الدنيا، وهو يجهل القادم، لكنّه يمتلك روح التضحية والكفاح واستعداده للموت، وكفى بهم هذا ليُورّثوه، وقد أورثوه.

* بعد 74 عامًا على ذكرى النكبة، ما زال شعبنا يتمسّك بحقّ العودة إلى أراضيه التي هجّر منها قسرًا، هل فات الأوانُ على ذلك أم أنّه ما ضاع حق وراءه مطالب؟

** لقد قال آباءُ الصهيونيّةِ عن المهجّرين اللاجئين الفلسطينيين:"إنّ الكبار يموتون وأولادهم ينسون"، لكنّ رهانهم خسر، فها هم أحفاد المهجّرين من الجيل الثالث والرابع للنكبة أكثر تمسّكًا بحقّ العودة، وحقّ السيادة على كلّ فلسطين، وربّما أكثر شموخًا وعزّة رغم الحصار والتضييق. يتمسّكون بهويّتهم الوطنيّة، ولغتهم العربيّة، والثقافة العامّة، ويدركون أنّ المعركة على الوعي توازي المعركة على الأرض، ووجهتهم نحو الجامعات باطّراد، فيسدّون بوجههم هذا الباب بشتّى الوسائل التي قد تبدو لوهلة قانونيّة، فيغادر عشرات الآلاف من الصبايا والشباب في طلب العلم خارج الوطن، وبعودتهم يخوضون نضالًا من نوعٍ آخر، يلزمهم الكيان بامتحاناتٍ صعبةٍ وأحيانًا توازي الاستحالة، للاعتراف بشهاداتهم العليا، فيجتازونها، فيغلقون عليهم أسواق العمل ويلقون بهم في مهاوي البطالة، وهكذا، هم يغلقون أبوابًا فنفتح طاقات أمل، والصراعُ مستمرٌّ في كلّ المستويات، ولدينا كلّ الوقت، كلّ الوقت لنستعيد الأرض ونعود، فهذه الجمرةُ لن تخبو، وحبُّ الوطن مشتعلٌ في القلوب، وكما قال الشاعر توفيق زياد:

"طويلٌ كالمدى نفسي

وأتقن حرفة النمل

على مهلي

لأنّ وظيفة التّاريخ

أن يمشي كما نُملي".