كثيراً ما يفسد المشهد بقتامته وقسوته الكثير من الأحلام، فحتى الأحلام بحاجة لبعض المؤشرات ولو كانت بصيص من النور يسكن في أعماق سماء ملبدة بالغيوم، فالإنسان بطبيعته تتغلب لديه العواطف على العقل في المشاهد السوداوية، ويبحث عن الملموس الظاهر ليؤمن بدورانية الأرض، ولذا فإن قسوة الأيام وأحداثها، وثقل الأعباء والتضحيات فيها، وتعذر الرؤية للهلال يحبط الكثيرين ويصيب حتى المتفائلين بالخيبة، ولذا فنحن دائماً نحتاج لقراءة تاريخ الشعوب واستذكار القوانين الحاكمة للطبيعة ومجريات أحداثها، وتفكيك الأحداث ليس فقط لفهم الواقع وإنما لقراءة واستشراف المستقبل، وهو ما نحتاج إليه نحن الفلسطينيون أكثر من غيرنا لنتحقق من صدقية الحُلم الذي يسير إلى شواطئه مركبنا. فمسيرة أعلام الحقد الصهيونية خلال الأيام الماضية، والاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى، والحالة الهستيرية لعشرات الآلاف من المستوطنين المندفعين في شوارع مدينة القدس وما يحملوه ويرددوه من شعارات عنصرية، وحالة النشوة التي تظاهرت بها جميع المستويات دينية كانت أم سياسية، تستدعي النظر للمشهد بتمعن وتَفَكُر في ماهية الصورة الحقيقية للحدث، حتى لا يتوه الحالم وتتغلب علينا مشاعر اليأس والإحباط، ولذا لا بد لنا من السؤال: لماذا يحتاج الكيان لهذا المشهد بعد 74 عاماً من احتلال فلسطين، و55 عاماً من استكمال احتلال مدينة القدس؟
إن المتتبع للأحداث اليومية في القدس والضفة الغربية ويضاف لها الأرض المحتلة عام 48 وقطاع غزة، والتي يزداد فيها القمع والقتل والهدم والاعتقال بعد ثلاثة أرباع قرن من الاحتلال، يقول دون تردد كأن الاحتلال يبدأ اليوم من جديد، والحقيقة أن المشهد ودون مبالغة أو اسراف في التفاؤل يشير إلى بداية النهاية للاحتلال، فسمة النهايات للمستعمرين والطغاة تكون أكثر قسوة من البدايات، هذا ما كتبته أسفار تاريخ السالفين، فالعنف الذي يمارس ليس فقط يدلل على وجود المقاومة، وإنما زيادة وتيرته، مادة ووقود لاشتعال مقاومة جديدة، ولذا رغم هذا المشهد الاستعراضي للقوة، فإن حديث الساسة والمفكرين والإعلاميين الصهاينة يزداد عن نهاية الدولة الثالثة لليهود، وهو حديثاً ليس عفوياً، وإنما ينبع من احتدام وتطور صراع الأضداد أو المتناقضات، ليس فقط مع المحيط الخارجي وإنما أيضاً التناقضات التي تتولد في داخل الذات نفسها، وهو ما نقرأه في طبيعة تطور هذا الكيان الذي تخلقت في داخله نواة تفككه وانهياره منذ اللحظة الأولى لنشأته وبدأت تتوسع وتكبر على مدار عمر الاحتلال، ليس فقط لأنه نبتة زرعت في غير أرضها ووسط محيط غير قابل لوجودها، وإنما أيضاً للبنية المجتمعية غير المتجانسة من أعراق وأصول وحتى خلفيات دينية مختلفة ومتصارعة في بعض الأحيان.
إن كل المظاهر التي يحسبها البعض هي عناصر قوة وديمومة وتطور لهذا الكيان تخفي في ظلها قوى مقاومة لها، فالقوة المفرطة التي يمتلكها هذا الكيان ويستخدمها ضد المدنيين العزل ويعربد بها في الإقليم هي ذاتها السلاح الذي يرتد فيقتل صاحبه، والعنجهية المتولدة من هذه القوة هي من تصنع من الحلفاء خصوم وتوحد الضعفاء وتمنحهم القوة، فزيادة التدخل والتأثير للكيان على المستوى الدولي يقابلها تغيير في خارطة المصالح والعلاقات، ولو أخذنا الأزمة الروسية الأوكرانية مثالاً، فإننا نرى أن كل خطوة للكيان لمساعدة الحليف الأمريكي تترك أثارها السلبية لدى الطرف الآخر، وهو ما ينسحب على باقي العلاقات الدولية للكيان والتي في أغلبها تُبنى على قواعد نشر الفوضى والفقر والخلافات، ولإسناد دكتاتوريات في مواجهة الشعوب، وهو ما يفسر توسع خارطة التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته، وزيادة فعل وأثر دعوات المقاطعة الدولية يوماً بعد يوم.
أما على الصعيد العربي والإقليمي، فإن الحضور الصهيوني المتقدم في المنطقة، من خلال التطبيع والمقتصر على الأنظمة وخاصة العائلية منها، فهو المهماز لنشوء حركات قطر ية وقومية، وتعزيز فعلها وحضورها بين الجماهير العربية، وهو رغم سوء مخرجاته وتأثيراته السياسية في اللحظة الراهنة، إلا أنه مبعث لولادة نهوض عربي جديد على غرار مرحلة ما بعد الاستعمار في منتصف القرن الماضي.
أما الساحة الفلسطينية فهي الأكثر وضوحاً وانكشافاً لحالة الصراع القائمة بين التناقضات، فتنامي حالة المقاومة واتساع رقعتها لا يمكن اخفاء دلائلها، حتى باتت الشغل الشاغل لقادة هذا الكيان وأركانه، كذلك الانحسار والتفكك لمشروع التسوية والتعايش والسلام وهزيمة أصحابه، برغم الاستغاثات التي لا تتوقف من رموز هذا المشروع، فإن شهوة التوسع والاستيطان والتهويد لدى الكيان، التي تولدت نتيجة هذا المشروع الاستسلامي هي ذاتها من تلف الحبل حول عنقه وتخنق أصحابه، ومحاولات بعث الحياة له من جديد بتغيير الوجوه والشخوص يرد عليها الشارع الفلسطيني بمعوله يومياً من خلال مظاهر الفعل الشعبي النضالي، والحراك النقابي والديمقراطي الذي يكشف عورتهم ويعري أكاذيبهم، ويساهم في تفكك منظومتهم المتآكلة. وعليه، فإن حالة الصراع التي لا تنتهي بين مجموعة العوامل المتحكمة في هذا المشهد الذي يراه البعض سوداوياً هي القادرة على انبعاث الحلم لدى الآخرين، وتراكماتها الكمية هي القادرة لإيصالنا للحظة التحول الثوري النوعي الذي يقتلع النبتة المستنسخة من أرضنا ويزرع وردة على سفح جبل الجرمق.

