Menu

وجهة نظر تونسية في الذكرى 74 للنكبة

خميسة العبيدي

نشر هذا المقال في العدد 38 من مجلة الهدف الإلكترونية

تشكل ذكرى نكبة فلسطين محطة هامة، تفرض على مختلف فصائل حركة التحرر العربية التوقف عندها لاستخلاص دروسها واجتراح الخطط وآليات العمل التي تسمح لها بتطوير قدراتها وطاقاتها على طريق الكفاح، من أجل إزالة تلك الوصمة والندبة الدامية في تاريخ الأمة العربية المعاصر. وقد جاءت الذكرى 74 في لحظة فارقة تتميز بعديد المتغيرات والأحداث الجارية على الصعيدين الدولي والإقليمي.

إن جانبا هاما من هذه المتغيرات التي تتراكم أمام أعيننا، خاصة على المستوى العربي يشكل في جوهره أحد إفرازات النكبة التي ما زالت تأثيراتها قائمة في واقعنا المعاصر، وهي تأثيرات مستمرة لا تزول إلا بزوال مسبباتها، وذلك يستدعي بدوره فهم بعض جوانب مجريات النكبة وكيفية حدوثها. وتجارب المشاركة الشعبية العربية في الدفاع عن فلسطين آنذاك، وما يمكن استخلاصه واستنتاجه، وما يفرضه ذلك من تحديات على مختلف القوى بضرورة استخلاص الدروس ومراكمة ومواصلة النضال، ارتباطا بذلك، نسجل مجموعة من النقاط وهي:

أولا: أن الدخول الرسمي العربي ساحة المواجهة مع العدو الصهيوني على إثر رفض قرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 29/11/1947، لم يساهم بتطوير الصراع والمضي به إلى نهاياته الحاسمة، بقدر ما أدى إلى إفراغه من مضمونه الجماهيري. فالجامعة العربية التي دفعت بتشكيل جيش الإنقاذ في بداية شهر ديسمبر 1947 تحت قيادة الضابط فوزي القاوقجي، لم تلبث وخذلته، ودفعت بالجيوش العربية النظامية إلى الميدان (من سوريا – لبنان – مصر –العراق – الأردن)، تلك الجيوش التي اندحرت أمام العصابات الصهيونية، بسبب الصراع فيما بينها وعجزها عن توفير السلاح الناجع والعتاد لجيوشها، وارتباطها بالقوى الإمبريالية التي تدعم الكيان الصهيوني، ذلك يعني أن أنظمة التبعية العربية لا يمكن أن تخوض صراعا ناجعا ضد الكيان الصهيوني، خاصة وأن هذه الانظمة تراهن دائما على الدّول العظمى التي ترعى الصهيونية وتدعمها عسكريا وسياسيا.

ثانيا: أن دعم القوى الإمبريالية للحركة الصهيونية عسكريا واقتصاديا وسياسيا، مكنها من مواجهة الجيوش العربية مجتمعة، والاستيلاء على أغلب مساحة فلسطين، ذلك يؤكد أن القوى الإمبريالية هي شريان حياة الكيان الصهيوني، وأن المواجهة معه تعني مواجهة مع تلك القوى.

ثالثا: أن استعداد الجماهير الشعبية للنضال من أجل فلسطين، يمثل الوجه النقيض للدور الرسمي لأنظمة التبعية، ندلل على ذلك بتجربة الشعب التونسي عام 1948، والتي تشكل جزءا من تجربة الشعوب العربية. فقد عبر الشعب التونسي عن رفضه لقرار التقسيم وجسد هذا الرفض في أشكال نضالية واضحة تبلورت في:

1ــ تشكيل أدوات العمل النضالي القادرة على تنظيم وقيادة الجماهير التونسية المنتفضة، من أجل فلسطين ونتها (ولجنة الدّفاع عن فلسطين العربية) يوم 5 ديسمبر 1947 إثر اجتماع بجامع الزيتونة حضره 6000 شخصا، وتشكيل الهيئة النسائية لفلسطين العربية في 19 ماي 1948 اللّجنة العليا لإنقاذ فلسطين.

2ــ ممارسة كافة أشكال النضال الجماهيري المتمثل في الإضراب، حيث نظّم اتحاد الشغل إضرابا عاما يوم 3-4-5 ديسمبر 1947 احتجاجا على قرار تقسيم فلسطين. وعقد الندوات ومن ضمنها محاضرة الفاضل بن عاشور في الخلد ونية تحت عنوان (فلسطين الوطن القومي للعالم الإسلامي) وعقد التجمعات الجماهيرية، فقد نظّم أساتذة الزيتونة تجمّعا حضره 3000 شخصا احتجاجا ورفضا. وجمع التبرعات من كافة الأوساط الاجتماعية، وكذلك انخراط أغلب الصحف التونسية في تغطية النشاطات والتعريق بالقضية الفلسطينية.

3ــ المشاركة العسكرية في الدفاع عن فلسطين، حيث تم تنظيم حملات تطوّع للقتال في فلسطين، ووصلت نسبة المتطوعين 2676 متطوعا. وفي هذا السياق وزّعت (الهيئة النّسائية لفلسطين العربية) بيانا تدعو فيه النساء لدعم المقاتلين، وذلك بشراء بطاقة تحمل صورة للمجاهدين. وقد واصل أبناء الشعب التونسي هذا التقليد بالالتحاق بصفوف الثورة الفلسطينية بعد عام 1967، حيث سقط منهم العديد من الشهداء، إلى جانب العديد من أبناء الأمة العربية. يؤكد ذلك أن قيام الكيان الصهيوني والتآمر الدّولي، واستسلام الأنظمة العربية لم يستطع إطفاء شعلة الكفاح ونقمة الجماهير، وأن كل محاولات الصهيونية والإمبريالية والرجعية فصل الصّراع العربي الصّهيوني عن خلفيته وإخفاء أسبابه وأهدافه التوسّعية، قصد ربح الوقت وقطع الطريق أمام التحرير والوحدة مصيره الفشل، وأن القضية الفلسطينية ببعدها العربي والأممي ستبقى حية، لأن الانتصار على الصّهيونية هو انتصار لجميع قوى التحرر والتقدّم.

رابعا: أما فيما يخصّ هذه المرحلة، فلقد تميّزت في تونس وأغلب الأقطار العربية بالانشغال بالأوضاع الدّاخلية "وحماية" الديموقراطية والحريّات..، كذلك الأوضاع الاقتصادية التي أثقلت كاهل الشعب وأغرقته في الفقر والمرض، إلى جانب اشتداد الصّراع على الحكم وتقديم التنازلات للصناديق المالية وتنفيذ المشاريع التي غالبا تصّب في سياق محاولات تطويق النهوض والمقاومة. وقد ترتب على هذا الوضع تشتت وانقسام الأحزاب السياسية، وابتعاد قطاعات جماهيرية أساسية عن المشهد السّياسي الذّي وقع ترذيله وتعفينه للحدّ من تجذّر وتطور الوعي. كما غرقت بعض القوى والفاعلين السياسيين في مستنقع ال قطر ية، مما أدى إلى تراجع الاهتمام بالمسألة القومية، وبما يحصل في فلسطين وبعض الأقطار الأخرى المستهدفة، وانعكس ذلك في التراجع الملحوظ في إحياء المحطات التاريخية العربية بشكل عام، والفلسطينية بشكل خاص، وكذلك في التكيف مع الهجمة التطبيعية وغياب البوصلة التي تحدّد الهدف. لقد باتت اللحظة تتطلب من القوى والفاعلين السياسيين والنشطاء، التركيز على الفهم العميق لواقع العدّو ومساعيه لفكّ الحصار الدّاخلي بعلميات التّطبيع، وتغذية الطّائفية والانشقاق وإشعال الحروب في بعض الأقطار لمزيد التقسيم والهجوم على القومية العربية وتزييف التّاريخ ومحاولة استبدال الذّاكرة. وضرورة الوعي بأن نجاح مهمّة الدّفاع عن فلسطين والأمّة العربية، يتطلب منّا وحدة مشاريع على أساس صراعنا مع الصهيونية هو صراع وجود، وطرح برنامج عملي ضدّ الاستسلام القومي والطبقي يستجيب لواقعنا العربي وخصوصياتنا، ويشمل كلّ الميادين الفكرية والسياسية والثقافية والاعلامية والعسكرية. وضرورة إلحاق الخسائر بالعدو، وزعزعة أمنه، وإفشال مخططاته وفضح المطبعين ومقاطعة البضائع الصهيونية دفع القوى الشعبية للمقاومة بكلّ الأشكال.

ونختم بضرورة اتخاذ صمود أهالينا في فلسطين ومقاومتهم للاحتلال الصهيوني وتقديم الشّهداء والأسرى والدّفاع عن بقائهم في أرضهم والمحافظة على الشّواهد التاريخية والتّراث أسوة لنا في الثبات على النّضال.