Menu

نكبةُ فلسطين: رؤيةٌ إفريقيّة

سليمان عمر منغانـي

نشر هذا المقال في العدد 38 من مجلة الهدف الإلكترونية

شكّلت نكبةُ فلسطينَ سنةَ 1948م، وما نتج عنها من تهجير، وظاهرةُ لجوءِ فلسطيني داخل فلسطين وخارجها؛ مأساةً كبرى للشّعب العربيّ الفلسطينيّ. فقد اغتُصبت الأرضُ وتمّت محاولةُ الاستيلاءِ على الذاكرة والثقافة المادّيّة واللامادّيّة عبرَ تدميرِ شعبٍ وطرده بكامله، وإحلال جماعاتٍ وأفرادٍ من شتّى بقاع العالم مكانه. كما وقع تشريدُ ما يربو عن ثماني مئة ألف مواطنٍ فلسطيني (800.000) من قراهم ومدنهم من أصل 1.4 مليون فلسطيني كانوا يقيمون في فلسطين التاريخيّة عام 1948، في 1.300 قريةٍ ومدينةٍ فلسطينيّة ([1]). فضلًا عن التهجير الداخليّ للآلاف منهم داخل الأراضيّ المحتلّة...([2])، لتفرزَ عن النكبة إحدى أكبرِ حالةِ نزوحٍ وتهجيرٍ قسريّين، وتشريدٍ على مستوى العالم، الذي ما زال متواصلًا إلى اليوم (انظر الخارطة) ([3])... ومن ثمّ، فالنكبةُ - علاوةً على بعدها الوطنيّ والقوميّ الفلسطينيّ - يُنظرُ إليها كذلك على أنّها قضيّةٌ تاريخيّةٌ اجتماعيّةٌ إنسانيّةٌ نضاليّةٌ تحرّريّة... وهي جزءٌ من الثقافة الكونيّة، وبخاصّة تلك المرتبطة بقضايا التحرّر والنضال والنهوض؛ بسبب ما آلت إليه النكبة من دفاعٍ عن الذّات، ومقاومةٍ من أجل الوجود والبقاء. ومن هنا، يأتي الحديثُ عن رؤيةٍ إفريقيّة للنكبة.

1. النكبة: دلالةً وسياقًا

يحيلُ مصطلحُ "نكبة" في دلالتِهِ اللُّغويّةـ على العدولِ عن الشيء والميل عنه. كما يفيدُ النِكابة والعِراقة والهِراقة، ومنه نكب الإناء: إذا هراق ما فيه، ونكب الرّجلُ كنانته إذا نثر ما فيه. كما تدلّ الكلمةُ على الدّاء والمرض؛ فالنَّكَب - بفتح النون والكاف - داءٌ يصيبُ الإبل في مناكبها، فتظلع منه، وتمشي منحرفة. ومنه نكِب البعير. يضافُ إلى ذلك معنى المصيبة والاستغراق والانهماك والانشغال([4]). ومن ثمّة فتغلب على المصطلح دلالاتُ كلِّ المآسي الفرديّة والجماعيّة، والفجائع التي تصيب الحضارة والعمران، فهو بذلك أدقّ من (الحرب، والفتنة)؛ لأنّه يدلُّ – تحديدًا - على مضمون الأحداث ونتائجها وانعكاساتها ضمنَ سيرورةٍ وحركيّة.

ولعلّ ذلك ما يبرّرُ اختيار كلمة "النكبة" للتعبير عن الكارثة الكبرى التي حلّت بالشعب الفلسطيني، وعن مأساته في كلّ أبعادها الإنسانيّة والسياسيّة؛ فالنكبةُ مثّلت اللحظة العنيفة التي خلقت قطيعةً وصدمةً في حياة شعبٍ أدّت إلى: فقدان الوطن، وانهيار المجتمع، وإفشال الطموحات القوميّة. لذا فـ"النكبة"، وإن أُرّخت سياسيًّا بقيام "إسرائيل" في فلسطين سنةَ 1948م([5])، إلّا أنّها أبعدُ من ذلك؛ لأنّها ضاربةٌ في وجدان الشعب الفلسطينيّ وذاكرته العميقين، وهي بذلك تختلفُ عن غيرها من الأحداث التي تعرّضت لها الشعوبُ والأممُ خلالَ حِقبِ الاستعمار الحديث؛ لأنّ جوهرها تمثّل في: "ترحيل شعب، وجلب آخر ليحلّ محلّه على أرضه"([6]). وهكذا بدا مصطلح "النكبة" مرتبطًا ذهنيًّا ووجدانيًّا لما لحق بالفلسطينيين من كارثةٍ جرّاءَ الاحتلال الإسرائيليّ...

  1. مفهومُ النكبة في الذاكرة الإفريقيّة بين الرّوايتينِ الفلسطينيّةِ والصهيونيّة

إذا كانت النكبةُ - كما تمّت الإشارةُ إليه- تمثّل حالةً مزمنةً غيرَ سويةٍ تعرّض لها الوجودُ الفلسطينيّ، وأنّها ليست مجرّدَ حدثٍ تاريخيٍّ عابرٍ في الزمان والمكان، إنّما هي بدايةُ تحقيقِ مشروعٍ استعماريٍّ استيطانيّ، عنصريٍّ عالميّ، وضعت مخطّطاته في الغرب الأوروبي في صميم نشأة الحركة الصهيونيّة..([7])، فإنّها في المقابل تعدّ – وَفْقَ الرّوايةِ الصهيونيّة- نتيجةً حتميّةً وتحقّقًا تاريخيًّا مستحقًّا لنضال الحركة الصهيونيّة العالميّة وجهودها.

وبناءً عليه، سعى الخطابُ الصهيونيُّ السياسيُّ والإعلاميُّ الموجّهُ إلى إفريقيا خلالَ فترات الاستعمار، ومنذ نشأة الدّولة العبريّة على أرض فلسطين سنةَ 1948م، إلى تقديم روايتها عن النكبة، باعتبار فلسطين أرضًا بلا سكان وصحراء قاحلة، بدأت عليها الحياة مع إنشاء "إسرائيل- أرض اليهود الموعودة - وأنّ الفلسطينيّين والعرب - المعادين لليهود- هم الذين باعوا أرضهم، إلى غير ذلك من الدّعاية الصهيونيّة التي وُجدت حتّى قبل عام 1948.

كما روّجت "إسرائيل" لتاريخ مآسي اليهود الهولوكوستي، في محاولةٍ لاستعطاف الشعوب الإفريقيّة، والتماهي بين دعوى "مظلوميّة" اليهود عبرَ التاريخ وما تعرّض له الأفارقةُ جرّاءَ الاستعمار من استعبادٍ واسترقاق، بحثًا عن سندٍ عالميّ، وآليّة من آليّات الاختراق الإسرائيلي لعقول الأفارقة([8]). ويبدو أنّ الخطاب الصهيونيّ – في ظلّ غيابِ خطابٍ سياسيٍّ وإعلاميٍّ عربيٍّ بنّاءٍ وهادفٍ تجاهَ القارّة - حقّق بعض النتائج في هذا المضمار. وفي هذا السياق، تبرزُ العلاقةُ الإسرائيليّةُ الروانديّةُ مثالًا عمليًّا على محوريّةِ التوظيف السياسيّ لخبرة الإبادة الجماعيّة المشتركة([9]). وانطلاقًا منه، يمكنُ رصد ثلاثةَ عوامل رئيسة تحدّد الرؤية الإفريقيّة للنكبة:

عامل إقليميّ: طبيعة "إسرائيل" باعتبارها كيانًا مصطنعًا تسبّب قيامه في خلق نظامٍ إقليميٍّ صراعيّ، وهذا ما يحدّد سلوكها السياسيّ في تحرّكاتها الخارجيّة، ومع إفريقيا بالتحديد.

- عامل قارّي: كون إفريقيا ساحة تنافسٍ بين "إسرائيل" والبلدان العربيّة، وإخضاع العلاقات العربيّة الإفريقيّة، والإفريقيّة العربيّة لهذه الحقيقة.

- عامل دوليّ: ارتباطُ الأطراف الثلاثة ("إسرائيل"، إفريقيا والدول العربيّة) بالمتغيّراتِ الدّوليّة، وما تفرضها من حقائقَ على المستوين السياسيّ والجيواستراتيجيّ.

  1. النكبةُ في الوعي الإفريقيّ المقاوم: تراجيديا الاستعمار وأنطولوجيا التحرير

إنّ الاستعمارَ باعتبارِهِ مشروعًا سياسيًّا وثقافيًّا مبنيًّا في جوهره على النهب والقهر، والتراتبيّة، والعدوان، والاستغلال والاسترقاق، باستناده إلى ثلاثيّةِ التنوير والرّسالة الحضاريّة، والتفوّق العرقي. يشكّلُ قاعدةً للأيديولوجيا الصهيونيّة ببنيتها الثلاثيّة " أرض موعودة، وشعب مختار، ومهمّة حضاريّة". وهنا، تتجلّى العلاقةُ الجذريّةُ بين المركزيّتين؛ الغربيّة والصهيونيّة، التي على الرّأي العام الإفريقي أن يعيها جيّدًا، كما وعاها جيل الخمسينات والستينات، ومن ثَمَّ يطرح سؤال راهنية النكبة وَفْقَ المنظور الإفريقيّ.

4. راهنيّةُ النكبةِ وَفْقَ المنظورِ الإفريقيّ

إنّ التأكيدَ على العلاقةِ الجدليّةِ بين المركزيّتين؛ الغربيّة والصهيونية، لا يعني التماهي الكلّي بين مظاهر الاستعمار بقديمِهِ وجديدِهِ في القارّة السمراء، وحدث النكبة. فالنكبةُ ليست فعل احتلالٍ نمطيٍّ كلاسيكيّ، بل استعمارٌ عنصريٌّ واستيطانيّ، فهي بذلك تختلفُ عن نظام الفصل العنصريّ "الأبارتايد" الذي شهدته جنوب إفريقيا، أو ما شابهه في المستعمرات البرتغاليّة القديمة في أنغولا وغينيا بيساو وجزر رأس الأخضر... لذا، فسؤال راهنية النكبة يبقى سؤالًا ملحًّا اليوم ومطروحًا بجدّيةٍ على الوعي الإنسانيّ عمومًا، والعربيّ والإفريقيّ خصوصًا، ما دامت أسبابها ودوافعها وتمثّلاتها قائمةً وفاعلة، سواءً من جهةِ استمرار تأثيرات النكبة - بمعناها المحدّد - السلبيّة على الواقع العربيّ عمومًا، والشعب الفلسطينيّ خصوصًا، ومن جهة تأثيراتها على الواقع الإفريقيّ من خلال التغلغل الصهيونيّ المتوافق مع استمرار عمليّة النهب والقهر الاستعماريّ في القارّة، بكلّ ما ينتج عن ذلك من استخلاصاتٍ عنوانُها الأساسُ ضرورةُ بناء التحالفات الإفريقيّة العربيّة على قاعدة مواجهة الاستعمار الصهيونيّ والإمبرياليّ.

خاتمة:

إذا كان حدثُ النكبةِ ارتبط دلاليًّا وتاريخيًّا بفلسطين، وأنتج فكرًا وثقافةً ورؤيةً وطنيّةً وقوميّة، فلا يعني ذلك أنّها حدثٌ منعزل، وإنّما يحملُ في طيّاته معاني التحرّر والصبر والصمود والأمل... وانطلاقًا من هذا التأسيس وما ينتج عنه من مقدّماتٍ ضروريّةٍ تصبحُ قراءة النكبة في الراهن مسألةً محوريّة؛ إذ النكبة، على الرغم من آثارها الكبيرة، وبعد أربعةٍ وسبعين عامًا وهي تمرّ بمنعطفاتٍ حرجةٍ وبمساراتٍ متقلّبة، بتراجيدياتها المعلنة، وفصولها المؤذية، طالت مستقبلَ القضيّة الفلسطينيّة برمّتها، استطاعت أن تكرّس مفهوم المقاومة وتجذّره لتصبح (النكبة) حافزًا على تنمية الوعي الفلسطيني والعالمي بعدالة القضيّة الفلسطينيّة، ولتجعل من مفهوم الصراع – ذاته - يتعدّى إطاريه الزمانيّ والمكانيّ إلى آفاقِهِ المفتوحةِ على الأوطان والشعوب، والتفكير المستمرّ في إيجاد الأساليب الممكنة لصدِّ المشروع الصهيونيّ.

 

 


[1] - دولة فلسطين: الجهاز المركزي للإحصاء (https://www.pcbs.gov.ps/postar.aspx?lang=ar&ItemID=4235)، )، تاريخ الدخول: 21-05-2022.

 

[2] - المرجع نفسه.

 

[3] - المرجع نفسه.

 

[4] - ابن منظور (محمّد بن مكرم): لسان العرب، دار صادر، بيروت، د، ت، ج1، ص 771-773.

[5] - ويذهب الباحث السوري حسين جمعة في كتابه: "تجلّيات النكبة والمقاومة في الفكر والأدب العربي المعاصر" إلى أنّ الشاعر المصري أحمّد محرّم (1877م-1945) هو أوّل من استخدم مصطلح "نكبة" سنة 1933م للتعبير عن مأساة الفلسطينيين حين فتح الإنكليز النار على المتظاهرين الفلسطينيين. (جمعة حسين): تجلّيات النكبة والمقاومة في الفكر والأدب العربي المعاصر، دار ومؤسسة رسلان، دمشق، ط1، 2013، ص 7...) وذلك في قصيدته: "في حِمَى الحقِّ ومن حول الحَرَمْ...".

[6] - زريق (قسطنطين): معنى النكبة مجدّدا، دار العلم للملايين، بيروت، ط1، 1967، ص ص 7-12.

[7] - جمعة (حسين): تجلّيات النكبة والمقاومة في الفكر والأدب العربي المعاصر، دار ومؤسسة رسلان، دمشق، ط1، 2013، ص 7...

[8] - عبد الرحمن (حمدي): الاختراق الإسرائيلي لإفريقيا، منتدى العلاقات العربية الدّوليّة، الدوحة، ط1، 2015، ص 9.

[9] - المرجع نفسه، ص 9.