Menu

جحيم الانتظار وبوابة الجنة.. معبر رفح

الانتظار على معبر رفح

المقداد جميل - شباب السفير

لم يكن قد مرّ وقت طويل على حصول صديقي المقرّب على منحةٍ للدراسة في الخارج حتى اندلعت الحرب، لم يثقل همّه وقتها سوى إيجاد طريقةٍ للخروج من غزّة والالتحاق بدراسته. كان يبحث عن فُسحة من الوقت في ظلِّ الحرب كي يُتم إجراءات السفر وأوراقه. وبعد أن أنهاها، علم أنّ الحرب لم تكن العائق الأكبر في وجه خروجه، كان العائق الأكبر أمامه في كيفيّة تخطّي الحواجز والحدود. كيف يتخطّى المعبر؟

فجر اليوم المُقرّر للسفر يخرج للمعبر. يجلس في غرف الانتظار حتى ساعات العصر، إلى أن يأتيه الرفض، ممنوع دخول المعبر. يأمرهُ عسكري، لم يجرّب مرارة انتظار الحلم يوماً، أن يغادر إلى بيته. قام ياسر قبل ذلك اليوم بزيارة أقربائه من خالاتٍ وعمّات وأعمام، كان هذا وداعه لهم قبل الرحيل لأكثر من خمس سنوات. في اليوم التالي وللمرّة الثانية، قبّلَ يد أمه، قبل أن تُكررَ المشهد ذاته الذي عايَشَتهُ في اليوم الذي مضى، البُكاء مرّة أخرى على ابنها، قبلات الوداع، وأحضان والده. المعبر جعل مشهد الألم يتكرر أكثر من مرّة، وفي الوقت ذاته يتكرّر أمام المعبر مشهدٌ آخر، يوم حشر، لكن مصغّر، لأهل غزّة. يصطف الآلاف، بينهم المرضى والطلاب العالقون، يحاولون العبور من هذه البوابة. بينهم كان ياسر، بعد مشهد الوداع الثاني، وقف في الصف، منتظراً أكثر من ثماني ساعات للعبور. في نهاية اليوم يأتي اتصالٌ منه يؤكد أنه "فرّ" من هذه المحنة الصعبة، بدا كمن يُبشّرنا بحصوله على تذكرة الدخول إلى الجنة.

في ساعة متأخرة من الليل، وبعد أن تخطى العائق الأول أمام سفره، يُنقل ياسر إلى مطار القاهرة، يوضع في غُرف "الترحيلات"، ممنوعًا من رؤية أصدقائه، ويبقى وحيدًا يُلقي بالشتائم على هذه الغُربة قبل أن يراها. كلّ ذلك فقط لأنه فلسطيني. في طريقه إلى تركيا يؤكد أنه سلم من هذه الحواجز، من دون أن يعلم أنّ المعبر سيبقى حاجزًا أمام عودته لأحضان والدته، وسيمنعه من رؤيتها أكثر من خمس سنوات. "كان يوم أسود يوم صارت مصر جارتنا"، يقول ياسر.

بعد أشهر، يغادر الطلاب المغتربين كافة في العاصمة التركية إلى بلادهم لزيارة عائلاتهم، لقضاء عطلة منتصف العام. يبقى طلاب فلسطينيين عديدون، بينهم ياسر.

يسأل أحد المعلّمين الشاب الفلسطيني الذي ترك عائلته وحيدةً في مخيّم اللاجئين عن سبب بقائه هُنا وعدم ذهابه لزيارتها. تعود سيرة المعبر إلى ذاكرته، ويحكي لأستاذه عن معاناته، عن الأحلام التي تذوب تحت شمس المعبر، وعن القصص التي تتسلّل خلسةً مع حقائب المسافرين، كما فرّت حكايته. يحكي، ويبقى المعبر عنوان الانتظار.