Menu

رسالة التنف الروسية

نبيل سالم

نقلًا عن صحيفة الخليج

يبدو أن الهدوء النسبي الذي تشهده مناطق الصراع في سوريا، والذي توافقت عليه قوى إقليمية ودولية، مرشح الآن للتصعيد من جديد، في ضوء تداعيات الأزمة الأوكرانية؛ حيث يزداد التوتر، بين موسكو والغرب، ولا سيما أن للولايات المتحدة تواجداً غير شرعي لقواتها على الأراضي السورية، ما قد يفتح الباب أمام صدام عسكري مع روسيا، رغم سعي الطرفين لتفادي مثل هذا السيناريو؛ لما قد يحمله من خطورة كبيرة، ليس على الأوضاع في سوريا فقط، وإنما على مستوى المنطقة والعالم أيضاً.


 هذه المخاوف من المواجهة بين روسيا والولايات المتحدة أثارها مؤخراً قيام الطائرات الحربية الروسية بقصف موقع في قاعدة التنف؛ حيث تتواجد القوات الأمريكية، كما ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية مؤخراً، وكشفت الصحيفة ذاتها عن خشية عسكريين أمريكيين من وقوع خطأ يؤدي إلى مواجهة مسلحة بين قوات البلدين، وهو ما ذهب إليه أيضاً أندريه باكلانوف نائب رئيس جمعية الدبلوماسيين الروس، الذي أكد أن الأوضاع في سوريا تقترب من تطورات خطِرة للغاية، وأن احتمال المواجهة المباشرة بين أمريكا وروسيا في سوريا أكبر منها في أوكرانيا، نافياً في الوقت ذاته التوقعات التي يطلقها المسؤولون الأمريكيون بأن روسيا قد قلصت من تواجدها في سوريا، مشيراً إلى أن ما يجري في الواقع هو العكس تماماً، وأن روسيا لن تخفض من تواجدها السياسي والعسكري في سوريا، بل ربما سيكون هناك إضافة المزيد من القوات في حال كان ذلك ضرورياً، في حال طلبت الحكومة السورية ذلك، وأكد المسؤول الروسي بأن القوات الأمريكية والتركية متواجدة بشكل غير قانوني على الأراضي السورية، ومن دون طلب الحكومة السورية، وأنه آن الأوان لخروج هذه القوات.

 وعلى الرغم من أن القصف الروسي جاء رداً على قيام عناصر تابعة لما يسمى «جيش مغاوير الثورة» المعارض والمدعوم أمريكياً بزرع قنبلة في إحدى الطرقات التي تستخدمها القوات الروسية وأدت إلى وقوع إصابات في صفوفها، ورغم أن «مغاوير الثورة» هم فصيل صغير لا يتجاوز عدده بضع مئات من العناصر، إلا أنه يمكن فهم تلك الضربة الروسية على أنها رسالة تحذير جدّية، خاصة وأنها تأتي بعد الأنباء عن انسحاب القوات الروسية أو تخفيضها في سوريا، التي تتناولها وسائل الإعلام الغربية، زد على ذلك أن القصف الروسي يأتي بعد إعلان الرئيس الأمريكي جو بايدن أن الولايات المتحدة ستزود أوكرانيا بأنظمة صاروخية متطورة تتيح لها إصابة أهداف أساسية في المعارك الدائرة بين قواتها والجيش الروسي، الأمر الذي قد يقود إلى مواجهة روسية أمريكية.
 وأثارت هذه التصريحات ردود فعل روسية حادة؛ إذ اعتبر نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريبياكوف أن «أي إمدادات أسلحة مستمرة، آخذة في الازدياد، تزيد من مخاطر مثل هذا التطور». ومع أن الكثير من المراقبين يعتقدون أن الخطوات الروسية في سوريا، ومن بينها استهداف قاعدة التنف العسكرية، تبقى محكومة بحسابات دقيقة لتفادي وقوع المواجهة بين القوات الروسية والأمريكية، إلا أن أحداً لا يمكنه إلغاء ذلك الاحتمال، في ظل التوتر الكبير بين الطرفين، والأوضاع المعقدة في سوريا، ولا سيما في الشمال؛ حيث يظهر تباين كبير في المواقف أيضاً بين روسيا و تركيا ، التي تخطط لشن هجوم في الشمال السوري، ضد «قوات حماية الشعب» الكردية، وهي عملية حذرت روسيا تركيا من القيام بها على لسان المبعوث الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف، الذي أكد أن روسيا تعتبر عملية تركيا العسكرية المحتملة في سوريا «عملاً غير حكيم»؛ لأنها قد تتسبب في «تصعيد الوضع وزعزعة الاستقرار». 
 أمام هذا المشهد المعقد والمتشابك على الساحة السورية يبدو أن الرسالة الروسية الأخيرة في قاعدة التنف، وتعزيز روسيا لقواتها في شمال سوريا تحمل الكثير من المعاني التي تحسن واشنطن وأنقرة صنعاً لو فهمتاها، وإلا فإن الساحة السورية، ستشهد الكثير من المضاعفات الخطِرة التي لن تنعكس على سوريا وحسب، وإنما على المنطقة بأسرها والعالم.