Menu

روسيا على طريق الانتصار وأوكرانيا ومن يدعمها نحو الهزيمة

طارق أبو بسام

الآن وبعد، مضي أكثر من أربعة أشهر على بدء معركة أوكرانيا والتي سمتها روسيا (عملية خاصة)، يبرز أمامنا جميعا عدد من الأسئلة الهامة بعد انقضاء هذه المدة وما حملته معها من تطورات: هل حققت روسيا أهدافها من هذه العملية العسكرية؟ أم هل فشلت؟ أم أصبحت أقرب إلى تحقيق الأهداف التي أرادتها من هذه الحرب؟ أم أنها خسرت هذه الحرب كما تدعي بعض وسائل الإعلام الغربية المنحازة أصلا إلى المعسكر المعادي لروسيا؟
وللإجابة على هذه الأسئلة، والتي تحمل في داخلها مجموعة أخرى من الأسئلة، علينا أن نعود وبشكل سريع لما قبل بداية الحرب، وماهي الأهداف التي حددتها روسيا لهذه الحرب.
لقد حددت روسيا مجموعة من الأهداف الرئيسة، كما جاء في تصريحات الرئيس بوتين ووزير خارجيته ووزير الدفاع الروسي وغيرهم من المسؤولين، وأكدوا عليها مرات عديدة، فما هي هذه الأهداف:
أولا/ حماية منطقة الدونباس والدفاع عنها في مواجهة هجمات الجيش الأوكراني والنازيين.
ثانيا/ نزع سلاح أوكرانيا وجعلها دولة محايدة.
ثالثا/ عدم انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو.
أما أهداف أوكرانيا والناتو، فيمكن تلخيصها بالتالي:
أولا/ استعادة جزيرة القرم التي أعادتها روسيا لسيادتها عام ١٩١٤.
ثانيا/ تحرير المناطق التي تم الاستيلاء عليها في منطقة الدونباس، جمهوريتي لوغانسك ودانيتسك.
ثالثاً/ انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي.
رابعا/ محاصرة روسيا واضعافها واستنزافها اقتصاديا، وعدم السماح لها أن تصبح لاعبا رئيسا في السياسة الدولية، وهزيمتها عسكريا وتفتيتها وتقسيمها داخليا.
والآن وبعد انقضاء هذه المدة على بدء المعركة، وحتى نكون موضوعيين في تقييم الحرب ونتائجها، حتى الآن نستطيع القول وبكل ثقة أن روسيا تسير نحو تحقيق أهدافها، وذلك للأسباب التالية:
أولا/ روسيا اعترفت بجمهوريتي لوغانسك ودينيتسك وقدمت لهما الدعم وأوشكت على تحريرهما بالكامل، وقد اعترف الرئيس الأوكراني قبل بضعة أيام أن أوكرانيا خسرت 20% من أراضيها وأصبحت تحت السيطرة الروسية.
ثانيا/ أصبح واضحا أن انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو أصبح هدفا غير واقعي وبات حلما لن يتحقق وهذا ما تعترف به أوكرانيا والدول الغربية.
ثالثا/ لقد تم تدمير البنية العسكرية الأوكرانية بشكل شبه كامل (سلاح الجو والدبابات والمصانع والمراكز والمطارات...الخ)، ومن يتابع تصريحات الناطق باسم وزارة الدفاع الروسية يستطيع أن يرى ذلك بوضوح.
صحيح أن الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا، قدمت الدعم المالي الكبير وقدمت الإمدادات الكبيرة بمختلف انواع الأسلحة... لكن الصحيح أيضا أن هذه الأسلحة يتم تدميرها قبل أن تصل، أو يتم الاستيلاء عليها، وفي كل الأحوال فهي لن تستطيع الإخلال بميزان القوى العسكري الذي يميل بقوة لصالح روسيا.
رابعا/ قامت الولايات المتحدة ومعها دول أوروبا، والدول المتحالفة معها في العالم، بفرض أقسى نظام عقوبات شهده التاريخ ضد روسيا، ظنا منهم أن روسيا لن تصمد أمام ذلك، إلا أن روسيا بصمودها، وذكاء قيادتها، استطاعت أن تحول العقوبات إلى فرصة لصالحها واستطاعت أن تحولها إلى خسارة كبرى لمعسكر أعدائها، وهذا ما نشاهده اليوم في أوروبا بشكل خاص والتي ستدفع الثمن غاليا وتكون الخاسر الأكبر بعد أوكرانيا. 
خامسا/ روسيا أصبحت أكثر تماسكا، وأشد قوة ووحدة، حيث وقف الشعب الروسي في غالبيته العظمى خلف قيادة الرئيس بوتين والجيش الروسي، بينما تعيش دول الغرب حالة واضحة من التفكك، تزداد يوما بعد يوم، وهذا ما نراه من خلال بروز الخلافات بينهم في الكثير من القضايا مثل الموقف من انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي والناتو، ومن سياسة العقوبات والدعم بالمال والسلاح، وهذا التفكك سوف يتفاقم كلما طالت الحرب وفقدت هذه الدول الأمل في هزيمة روسيا وخسارتها لهذه المعركة.
سادسا/ لقد سقطت أمريكا وأوروبا سقوطا أخلاقيا مدويا في هذه المعركة من خلال استخدامها المقاييس المزدوجة، ومن خلال تعاملها مع روسيا كدولة معتدية وهي تدرك قبل غيرها أن روسيا دخلت هذه الحرب مجبرة، وبعد أن استنفذت كافة الخيارات الأخرى، ودول الغرب هي من دفعتها إلى ذلك. كذلك كيف تعاملت هذه الدول مع قضية اللاجئين الأوكران، حيث استقبلتهم وقدمت لهم كل شيء لدرجة نستطيع أن نسميهم لاجئين الـ ٥ نجوم (سكن، فنادق، مساعدات مالية، ضمان صحي، فرص عمل الخ)، بينما رفضت استقبال اللاجئين من سوريا والعراق و ليبيا واليمن وأفغانستان وعاملتهم بطريقة مختلفة ووضعتهم في معسكرات في ظروف صعبة وأغلقت الحدود أمامهم، مما أدى إلى موت الكثير منهم غرقا في البحر أو في الطريق بسبب البرد. كما أن هذه الدول خاصة أمريكا وبريطانيا هي من افتعلت الحروب وأشعلت نيرانها في كل مكان: وهل هذا حلال لهم وحرام على غيرهم؟ أليست أمريكا هي من دمرت العراق وسوريا وأفغانستان واليمن وليبيا، ومن قبلهم يوغسلافيا في وسط أوروبا؟ أليست أمريكا هي الدولة الوحيدة التي استخدمت السلاح النووي ضد اليابان؟ 
عن أية ديمقراطية وحقوق إنسان يتحدثون.. أجل إنها إمبراطورية الكذب كما أسماها بوتين وهو محق في ذلك.
وفي ظل ما يجري اليوم من أحداث وتطورات على الصعيد العالمي، في أعقاب الحرب في أوكرانيا، والحرب العدوانية التي تشنها الإدارة الأمريكية وحلف الناتو ضد روسيا والموقف الشجاع الذي اتخذه الرئيس بوتين، هذا الموقف الذي يضع اللبنات الأولى على طريق نهاية سياسة القطب الواحد والهيمنة الأمريكية المطلقة على العالم، كما أسس لنظام عالمي جديد، متعدد الأقطاب، تقوم فيه العلاقات على قاعدة المصالح المشتركة وبعيدا عن الهيمنة، والأسباب التي تدفعني إلى ذلك ألخصها بما يلي:
1.    كون بوتين يتمتع بشخصية قوية، متماسكة، لديها كاريزما ونفوذ كبيرين، وكونه قادر على التخطيط، يعرف جيدا ماذا يريد بشكل مدروس، بعيدا عن العواطف والانفعالات، وقدرة على اتخاذ الموقف المناسب في الزمان والمكان المناسب، وهذا ما حصل منذ توليه السلطة من (القوقاز إلى جورجيا، ومنها إلى القرم.. إلي سوريا، وأخيرا في أوكرانيا).
2. استطاع أن يقول لا كبيرة، قولا وعملا لسياسات أمريكا في العالم، ويقف ضدها، وينهي هيمنة القطب الواحد.
٣. كونه أعاد الاعتبار إلى روسيا ودورها على الصعيد العالمي بعد أن تراجع هذا الدور وكاد أن يتلاشى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، كما أعاد للشعب الروسي ثقته بنفسه، وحقق استقرارا سياسيا واقتصاديا وأمنيا على المستوى الداخلي، ومنع تفكك روسيا، كما أراد أعدائها.
٤. كونه وقف إلى جانب إيران في الملف النووي، في مواجهة أعدائها.
٥. كونه استطاع أن يقيم تحالفاً استراتيجيا متينا مع الصين لم يسبق له مثيل ولأول مرة في تاريخ العلاقات منذ زمن طويل، ضاربا بنظرية كسينجر عرض الحائط التي تقوم على أساس عدم السماح بإقامة علاقات جيدة بين الصين وروسيا، والدفع الدائم باتجاه توتير العلاقات بينهما.
٦. وقوفه الى جانب سوريا ضد الهجمة العالمية عليها، وخاصة في الوقت المناسب ضد داعش والنصرة، وإرسال القوات الروسية إليها لمنع انهيار الدولة والنظام، في وقت كانت تقف فيه أغلبية دول العالم بما فيها العربية ضد سوريا، وترسل الأسلحة والمرتزقة للقتال ضدها (صحيح أن هناك ملاحظات تتناول الموقف الروسي في سوريا من الدور الإسرائيلي والتركي هناك وهذا يحتاج إلى مقال خاص).
٧. كونه أقام علاقات ايجابية ومتطورة مع قوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية، في الوقت الذي اعتبرت فيه أمريكا وأتباعها العديد من هذه القوى إرهابية. ووضعتها على قائمة الإرهاب.
٨. كونه كشف المعايير المزدوجة في مواقف الدول الغربية من قضايا متعددة مثل (حقوق الإنسان، الاحتلال، اللاجئين، وقام بتعرية أكذوبة الديمقراطية في هذه البلدان)، وهذا ما أظهره تعامل هذه الدول مع القضيتين الفلسطينية والأوكرانية.