هناكَ من الأدلّةِ في الحياةِ السياسيّةِ والاجتماعيّةِ "الإسرائيليّة" ما يدلُّ على أنّ أرقامَ الاستطلاعاتِ حولَ العنصريّةِ في الكيان، وتمثيلاتها المختلفة، ليست مجرّدَ أرقامِ استطلاعات، بل إنّها متعلّقةٌ بالقيمةِ والضميرِ الجمعيّ، وتعبّرُ عن اتّجاهاتِ الفعلِ السياسيّ والتفكير لدى هذا المجتمع المحكوم بعقدة كراهية الآخر (الغوييم) ورفضه، وإذا كان صحيحًا أنّ الجلادين الطغاةَ يبقون في مواقعهم، نتيجةَ القهرِ والقوّةِ والرعبِ الذي يقيمونه، إلا أنّه صحيحٌ أيضًا أنّهم ليسوا سوى نتاج البِنيةِ الاجتماعيّة التي يصعدون إلى قمّتها.
لا داعي لسردِ الكثير من الأرقام، أو الأمثلة على تصاعد العنصريّة، وأبرز تمثّلاتها الكراهية السلوكيّة (أعني بها الكراهيّة التي تتجسّد ماديًّا في سلوكٍ عدوانيٍّ مؤذٍ ضدّ ضحاياها)، وهذهِ الأرقامُ متوفّرة، لمن يريد، ومشكلتها أنّها تأتي جامدةً دونَ التفسير السوسيولوجيّ النفسيّ الملائم الذي يحفّز على تفكيرٍ جمعيٍّ سياسيٍّ واجتماعيٍّ مناهض.
تفيدنا الإحصاءات عمومًا التي ينشرها أحيانًا صهاينةٌ (حريصون على صورة كيانهم لدى الرأي العام العالمي كمنتمٍ للكتلة اللييبراليّة الغريبّة الأكثر تحضّرًا)، أنّ نسبةً كبيرةً منهم يعارضون تطبيق مساواةٍ كاملةٍ للحقوق للمواطنين العرب، ينعكسُ هذا في قانونِ القوميّة أو في النقاشات الحاليّة حوله في المستوى السياسيّ والحزبيّ والإعلاميّ الصهيوني، فعادةً ما يجيبُ "الإسرائيليّ" النموذجيّ أنّه يفضّلُ حكومةً لا ديمقراطيّة ويتّفق مع آرائها على حكومةٍ ديمقراطيّةٍ يخالفها الرأي، ويقبل حكومةً سيئةً لا تدعمها الأحزابُ العربيّةُ على حكومةٍ جيّدةٍ مدعومةٍ من قبل أعضاء كنيست عرب، بل يؤيّدُ أغلبيّةً من يهود الكيان سلبَ حقوقٍ أساسيّةٍ من "مواطني إسرائيل العرب"، وفي استطلاعٍ سابقٍ لمعهد الديمقراطيّة الصهيونيّ أيد 61% اللجوء إلى وسائلَ عسكريّةٍ وليس (فقط) بوليسيّة ضدّ العرب في الداخل. وفي الاستطلاع ذاته – وهو نموذجيٌّ بالنسبة لاستطلاعات هذا المعهد - أعلن 57.8% أنّه يستحيلُ الوثوق بغالبيّة العرب وامتنع 71.8% عن الدخول إلى تجمّعاتٍ سكنيّةٍ عربيّة، وفي حالة التعارض بين الطابع الديمقراطيّ واليهوديّ للدولة اختار 67.8% الحفاظ على الطابع اليهوديّ، وعبرَ 66.7%؛ إنّهم أكثرُ ما يخشون من العرب هو تزايدٌ سكانيٌّ متسارع، وقال 71.8% إنّهم يخشون أن يشنَّ العربُ صراعًا من أجل تغيير الطابع اليهوديّ للدولة. وأكّد 96.5% أنّ على إسرائيل أن تحافظ على أكثريّتها اليهوديّة 93.5% وأنه يجب المحافظة على قانون العودة لليهود.
وأكّدت أغلبيّةٌ كبيرةٌ في عددٍ من الاستطلاعات المتقاطعة أنّ العرب خطرٌ أمنيٌّ وديمغرافيٌّ على دولة إسرائيل، وعبرَ أغلبيّة أنّهم يشعرون بالخوف وعدم الارتياح عند سماعهم اللغة العربيّة.
الانضباطُ للقتل:
في مقابلةٍ أدبيّةٍ سئل الكاتب البيروني ماريو فارغاس يوسا فيما إذا كان «يمكن القول إنّ الشعوب والطغاة يتقاسمون مسؤوليّةَ الأنظمة الاستبداديّة؟» فأجاب «هل كان باستطاعة فرانكو أن يكون موجودًا دون الأسبان، هتلر دون الألمان، ماو دون الصينيين؟ بإمكان جميع الشعوب في بداية أيّ نظامٍ استبداديٍّ أن يقاوموا، ولكن الحقيقة أنّ أغلب الديكتاتوريين ينجحون لبرهةٍ في جذب وإغراء أكبر شريحةٍ من الجماهير، وإذا استثنينا الدعم العسكريّ نجد أنّ الطغاة يأتون لأنّنا نطلبهم، كان تروجيللو (ديكتاتور الدومينيكان الذي تدور حوله رواية حفلة التيس لفارغاس يوسا) شعبيًّا جدًّا إلى درجة أن الشعب الدومينيكي لو كان التقى القتلة ليلةَ اغتياله لافترسهم، ما أريدُ توضيحه أن الديكتاتوريّة ليست فقط الإذلال والتعذيب والقهر إنّما هي أيضًا انهيارٍ بطيءٍ لمجتمعٍ بأكمله».
بإمكان قارئٍ حصيفٍ أن يطوّر بقليلٍ من التمعّن أطروحةً يوسا الآنفة، فبالنسبة للنموذج "الإسرائيلي" ليس الأمرُ مجرّدَ ديكتاتور جاء إلى سدّة الحكم، إنّما هو موضوعُ مجموعةٍ بشريّةٍ كاملةٍ تجمّعت من أطراف الدنيا لتقيم دكتاتوريتها على أنقاض شعبٍ آخر، وهكذا لم يكن انتخاب فاشي كشارون أو ليبرمان... بينيت (ضع ما شئت من الأسماء التي توفّرها لك قاعدةَ معلوماتِ أعضاء الكنيست)، مجرّد صدفةٍ في تاريخ السياسة الشعبيّة "الإسرائيليّة"، إنّما هي النتيجةُ الطبيعيّةُ التي يفرزها مجتمعٌ من هذا النوع.
انظر مثلًا إلى قائمة أعضاء الكنيست الحاليّة تجد أغلبيّةَ أعضاء تحالف الحكومة، وجميع أعضاء تحالف المعارضة هم من المعادين كليًّا للشعب الفلسطينيّ وحقوقه ويتبارزون فيمن يظهر عنصريّته وكراهيّته واستعداده لذبح هذا الشعب، والنتائج في تصويت "الإسرائيليّين" للكنيست، ليست مجرّد أداءٍ تصويتيّ، بل هي تكرارٌ انتخابيٌّ رتيب، يعكسُ حقيقةَ المجتمع الصهيونيّ وفاشيّته التي تظهرها أحيانًا استطلاعات الرأي أو التصريحات أو الممارسات العنصريّة، ناهيك عن تبلورها يومًا بعدَ يومٍ في قوانينَ بشعة، تستهدفُ إنسانيّةَ الإنسانِ الفلسطينيّ وحياته ومعنى حياته.
ونلقي في التالي بعض الضوء على البِنية النفسيّة لهذا المجتمع عبرَ عقده ومخاوفه وصراعه مع نفسه ومع العالم.
كيف يمكن أن تتحوّل جموعٌ غفيرةٌ من الناس إلى منظومةٍ منضبطةٍ للقتل والإرهاب والكراهية؟
لقد ذكرت حنة أرندت أنّ «افتتان الدهماء بالشر والجريمة افتتانًا أكيدًا ليس بالأمر الجديد، إذ طالما ثبت أنّ الرعاع يرحّبون بأعمال العنف قائلين بإعجابٍ "لئن كان ذلك غير جميلٍ فإنّه بالغُ القوّة بالتأكيد"».
تقدّم حنة آرندت مشروعًا للإجابة في تحليلها لـ«تفاهة أو بساطة الشرّ»، حيث عندما تمّت محاكمةُ (آيخمان) أحد جلاوزة النظام النازيّ الذي لم تكن علاقتُهُ سلبيّةً تمامًا بالصهيونيّة وقادتها، الذي يقال إنّه تسبّب بموت الآلاف في غرف الغاز؛ بحث الكثيرون عن الخطأ الأساسي في التركيبة النفسيّة لهذا الإنسان، فلم يجدوا شيئًا، فالرجلُ «كان يقومُ بعملِهِ فقط»، كان بيروقراطيًّا ينفذُ التعليمات على أفضل شكلٍ ممكن، على العكس تمامًا، الرجل كان منظّمًا ونظيفًا ولطيفًا في تعاملِه، يذكّرنا هذا الوصفُ بتعليق يوسي سريد زعيم ميرتس على دماثة ولطافة وحسن أخلاق الفاشي ليبرمان بعد عشاءٍ حميمٍ بينهما، ولكن ليبرمان ليس مجرّد أداةٍ للنظام بل جزءٌ لا يتجزّأُ منه. ولا بدَّ من الاعتراف أنّ هذا التحليل قد يفارق التحليل الكلاسيكيّ لشخصيّة الفاشي. ولكن استكمالًا لتحليل أرندت، أثبتت تجارب (ملغرام) أنّ معظم الناس العاديين يمكن أن يتحوّلوا إلى وحوشٍ من الناحية الأخلاقيّة، يعذّبون الأبرياء دون روادعَ أخلاقيّةٍ تذكر، إذا وضعوا في ظروفٍ مناسبةٍ من حيث طاعة السلطة، تصرّفات الجنود "الإسرائيليين" الشبان الذين لا تتجاوز أعمارهم الثامنة عشرة على الحواجز التي يقيمها الجيش المحتلّ من تنكيل وتعذيب وإهانة للفلسطينيين تندرج تحت هذا التحليل.
وبالتأكيد أنتجت الكثيرَ جدًّا من الدراسات حولَ هذا الموضوع، ولعلَّ أهمّها أعمال فرويد الذي درس الشخصيّةَ اليهوديّةَ من منطلق الفهم النفسي الداخلي لـ (اللاشعور)، وقد درس اليهوديّة في العديد من مؤلّفاته (الطوطم والمحرم) الذي استند فيه إلى الانثروبولوجي فريزر ثم كتب عام 1911 مقالته (موسى ومايكل أنجلو) دون توقيعٍ لينشر بعدها الجزآن الأوّل والثاني من كتابه موسى والتوحيد، عام 1937، أما القسم الثالث والأخير من هذا الكتاب فقد نشره عام 1939 وقدّم فيه تحليلاتٍ عميقةً للشخصيّة اليهوديّة، وهو يرى أنّ الشخصيّة تتميّز بسماتٍ عامةٍ يمكن توحيدها بوصفها سماتٍ في كلّ الشخصيّة اليهوديّة، وهذهِ السماتُ هي: الكذب وجنون العظمة والقتل والإرهاب وتزوير التاريخ، وبمراجعة توضيحات فرويد وإشاراته الصريحة للبارانويا اليهوديّة، منذ ادّعاء كون اليهود الشعب المختار للإله لوجدنا أنّ اليهود لم يكونوا بحاجةٍ إلى النازي كي يتحوّلوا إلى البارانويا، فالأسرُ النازي لم يفعل سوى إيقاظ البارانويا اليهوديّة الكامنة والمكبوتة في ذلك الشتات اليهوديّ والمقنّع بمظاهر الخنوع، ليصل الأمرُ بكلّ (يهوديٍّ صهيونيّ) أن يكون مقتنعًا في أعماق وعيه: إنّه هو تحديدًا من صرع "يهودا" في الصحراء.
وفي أعمالِهِ حلّل مصطفى زيور الشخصيّة اليهوديّة عبرَ جدلِ العلاقة بين المعامل النفسيّ – الاجتماعيّ، مؤكّدًا على معامل الارتباط السلوكي بين الطرفين؛ الاجتماعيّ والنفسيّ، إذ يرى في حياة اليهود في الغيتوات انعكاسًا على نفسيّة أفرادها، يتبدّى في أشكالٍ عنيفةٍ جسديّة، برزت في الاستكانة والذلّ، ممّا دفع بهذه الشخصيّة إلى سلوكيّاتٍ اتّسمت بالشراسة والعنف أعطى مثلًا على ذلك في سلوكيّاتٍ جمعيّةٍ تعبّر عن نفسيّةٍ موحّدةٍ في عصابات شتيرن وأراغون وهاغانا، وغيرها من العصابات التي تحوّلت إلى (جيش الدفاع).
وينهي تحليله بالتقرير بالحاجة "الإسرائيليّة" النفسيّة لممارسة العدوان. فشخصيّةُ المتوحّد بالمعتدي تفقد تماسكها إن هي توقفت عن العدوان، لأنّه يطمئنها مانعًا تفجّر موجات القلق والرعب فيها.
إنّ هذا ينطبقُ تمامًا على المجتمع "الإسرائيلي" الذي يعيش حسب دافيد غروسمان حالةً من الذعر المستديمة، حيث الغالبيّة الساحقة من السكان واقعة في فخ ما جرى بعد 1967، ومستسلمةً تمامًا لفكرةٍ قدريّةٍ مفزعةٍ مفادُها أنّ شيئًا لن يتغيّر، تترافق مع «عقدة الضحيّة التي لا تفارق "الإسرائيلي" أبدًا، حتّى كأنّهم أقاموا "إسرائيل" كي "يكفّوا عن الحياة الطبيعيّة ويواصلوا الحياة في هيئة الضحيّة فقط". فالمجتمعُ الإسرائيليّ بلغ مرحلةَ تصنيفِ كلّ آخر في خانة العدو، الذي لا بدّ من محاربته، ليس في صفوف الأغراب فقط، بل بين اليهود أنفسهم «وكلّ من لا ينتمي إلى مرجعيّتك الدينيّة العلمانيّة الاستيطانيّة أو المناهضة لهذا كلّه هو عدوٌ لك بالضرورة... شيوع الخرافة وتآكل الروح الوطنيّة والنزعة العدميّة والتحلّل من المسؤوليّة»، يضاف إلى هذا كلّه جنون الأساطير واختراع ما يمكن اختراعه منها لبناء منظومةٍ من المعتقدات المتناقضة التي تهدفُ إلى تحقيق تماسكٍ افتراضيّ، قائمة على الغشّ والمزاعم المغرضة، والمزيفة أيضًا، وقد لاحظ ألكسس دوتوكفيل مرّةً أنّ النظام يعرف أن تصديق الأكاذيب البسيطة أسهل من تصديق الحقائق المعقّدة و «الحشود المأزومة التي لا يستطيع العهد الجديد أن يعطيها شيئا ملموسًا يستطيع أن يحشوها على الأقلّ بالأكاذيب».
هذا العصاب الجماعيّ يتأسّس عميقًا في البِنية النفسيّة لمجتمع المستوطنين في فلسطين، و«العقدة» التي ينتظم حولها العصابُ الجماعيّ "الإسرائيليّ" هي عقدةُ الاعتراف بالشعب الفلسطيني، هذا العصابُ يأخذُ شكلَ جموحٍ أيدلوجيٍّ مدجّجٍ بالفكر الصهيوني الذي يأخذ في جانبٍ منه شكلَ وباءٍ نفسانيٍّ يعتصم بوطنيّةٍ متشدّدةٍ متّسمةٍ بالعنف الشديد.
وقد توصّل البروفيسور دانيئيل بارطال من جامعة تل أبيب ورئيس المنظمة العالميّة لعلم النفس السياسي إلى النتائج التالية:
- الشعب اليهودي في إسرائيل غير طبيعي، مفرّق ويعاني من انقسامٍ حاد، معسكر قوميّ جبريّ ومعسكر حمائمي مضغوط هستيري وكلاهما يهرب من الواقع، الأوّل يتنكّرُ لعلاقة السلام والثاني يهرب من المسؤولية إلى عالم الخيال.
- يقول بارطال إنّ إسرائيل استثمرت الكثير في النزاع مع العالم العربيّ من ناحيةٍ عسكريّةٍ واقتصاديّةٍ ومعيشيّة، وتمَّ تشييد أيدلوجيّةٍ تفسّر وتبرّر هذا السلوك، من الصعوبة تغييرها.
- استذكر بارل طال «في تجربة وضع المجتمع الإسرائيلي على أريكة المحلّل النفسي» أبحاثًا كان أنجزها في السابق، ودلّت على أنّ الأطفال اليهود منذ عمر الثانية والنصف يتكوّن لديهم تصوّرٌ سلبيٌّ عن العرب ويبقى العربي في تصوّرهم مفردةً ملازمةً لصفاتٍ سلبيّةٍ شريرة. وقد فحص منذ أكثر من عشر سنوات كتب التدريس العبريّة فوجد أنّها لا تنفكُّ تكرّس النزاعَ وتمجّده وفي فحصٍ متجدّدٍ عام 2002 وجد أنّ كتب التدريس العبريّة ما تزال تعاني من التثبت بالماضي، ويقول «يبدو أنّ السلام بقي خارج حدود المدرسة».
نختم بما توصّل إليه البروفيسور إسرائيل شاحاك من استنتاج حاسم باعتبار «الصهيونيّة تسرقُ إمكانيّة تطبيع وجود إسرائيل مع وجودها..»، إنّ هذا الاستنتاج يشيرُ بوضوحٍ إلى تطابق الشكل والمضمون في الكيان الصهيوني، فالصهيونيّةُ هي جوهرُ دولة إسرائيل، الذي لا فكاك منه، وتخلّي هذه الدولة عن جوهرها يعني نهايتها الحتميّة، وهذا ما لم يخطّط له أو يتخيّل حدوثه مؤسّسوها وقادتها اليوم، الذين يعيدون التأكيد باستمرار على هذا الجوهر وعلى أهميّة الصهيونيّة لإسرائيل باعتبارها روحَ الأمّة.

