Menu

نمش

ياسر_أبو_غوش

عن مدونة واحد افتراضي

عن مدونة "واحد افتراضي"

بتاريخ 8.6.2015

 

على مدخل رام الله لويت عنقي لأتملّى، عبر زجاج السيارة الأمامي لافتة إعلانية لشوكولاتة؛ على المساحة الملوّنة مكتوب بخط عريض بالأحمر.. "تقدر تقاوم؟"

هذا هو السؤال الحقيقي.. البوتوم لاين، الذي تطرحه رام الله كنموذج على الإنسان في هذا البلد.


لو كانت رام الله أمعاء غليظة، لكان هذا الشارع مستقيمها. ولكانت اللافتة تلخيصا تامّا لماهيّة ما يُبنى في مدينة تحاكي المستوطنات في كل شيء. فضاء معزول عن فضائه. مضاء دائما. يلتهم، كأي مستوطنة، ما تبقى من زعتر الجبال بالإسمنت. ..

"تقدر تقاوم؟" بعد تكبيلك بعطاءات الدول المانحة وبعطايا الإفراجات عن الأسرى من باب حسن النوايا.. هل تقدر أن تقاوم، فعلا؟

لو كانت رام الله أمعاء غليظة، لكانت كل هذه السيارات برازا محشورا على مدخل المستقيم... 
لا يتوقف الناس عن الدخول في الأمعاء الغليظة للضفة. من كل الاتجاهات يدخلونها كالدود ورام الله تعاني إمساكا مزمنا. هذه المدينة أمعاء تعاني من إمساك مستمر!  إمساك ينبغي أن يفجّر بقوى خارجية ليملأ الخراء كل العالم.

:: ::

هل في أهل هذه المدينة من يتذكر وجهها القديم؟ هل بقيت دالية واحدة غير مصابة بالغبار الأبيض الذي يعبئ الخياشيم وبلور النوافذ والجماجم التي كانت فيما مضى قادرة على أن تحلم بعيون مفتوحة، هذه الجماجم فاغرة العيون تحت التراب المكون من بقايا لحم تفتت تحت وطء الأقدام. من يكنس كل هذا الغبار الأبيض عن بقايا اللحم التي تحولت ترابا أحمرا خصبا؟

هذا الغبار البذيء، الأبيض، الذي يحلق فوق ورشة البناء الضخمة التي اسمها رام الله، حيث تنبت من لا شيء خوازيق اسمنتية مكسوّة بحجارة وزجاج.

::

أتذكر قصصا عن بطل لم يتجاوز الخامسة عشرة، يطارده قائد المنطقة الوسطى، والإدارة المدنية، وبلوجاة جيمل، والمظليين والشين بيت في كل زقاق.  كان يقفز من سطوح البنايات وفي بيت الدرج يلهث ضباط مخابرات محدّقين ويائسين في السماء.  بطل كانت المدينة تحبس أنفاسها على باب مشفاها الحكومي كلما أطلّت الشائعة بأنه قد استشهد.. كانت أمّه تلملم ثوبها من بيتونيا بأسنانها وتوقف أي سيارة تترجاها أن توصلها إلى المشفى. لتكتشف بذاءة الشائعة: بطل بعينين خضراوين مفتوحتين أبدا، بكفّين تحرّكان شارعا. بهتاف يهزّ سيارات الجيب. .. بطل بعينين خضراوين وشعر أحمر ووجه يغطيه النمش يحرق المدينة تحت بساطير الجيش.  ويطيّر منشورات اتحاد لجان الطلبة الثانويين كالحمام من سطوح عمارة حنانيا وخراز.   يقفز في الليل من سطح بناية إلى سطح بناية آخر أمام دهشة الجنود، ولا يسقط، ولا يموت.

::
وحين قتلوه، وكان في السادسة عشرة، وضعوا جسده على مقدمة الدورية العسكرية وطافوا به الشوارع لكي يصدق الناس أن أسطورتهم قد سقطت.

هل يذكر أحد من أهل رام الله وجهها الحقيقي، منمنم الأنف، المغطى بالنمش؟ ذلك الوجه الذي أغمض عينيه في حسبة الخضرة للمرة الأخيرة بعد أن صدمته سيارة المخابرات أثناء المطاردة الأخيرة. ذلك الوجه الذي ثقبه الضابط ذي القميص الأبيض بثلاثة رصاصات من عيار 14؟

::
تقدر تقاوم؟

في هذه الأمعاء الاسمنتية الغليظة، المحشوّة حشوا، تقدر تقاوم؟

::
أظن أن التاريخ سيسجّل يوما أن غيمة بيضاء من فتات البنايات الكبيرة قد غطّت النمش الكثير على وجه المدينة. .. أظن أن في سقف المدينة ما يكفي من هواء لم يلوثه الاسمنت والعوادم ولغط الفضائيات. أظن أن هنالك من سيلوون أعناقهم إلى الأعلى لكي يستنشقوا ذلك الهواء الذي ثقبه حذاء أبيض، في طريقه من سطح بناية إلى سطح بناية أخرى، في شتاء الانتفاضة.