Menu

مخاطر ارتهان لبنان للمفاوضات بشأن حقول الغاز والنفط في المتوسط، وحقوق لبنان النفطية تتحقق بالمقاومة وحدها

عليان عليان

ثلاثة أسابيع مضت على خطاب سيد المقاومة، الذي حذر فيه العدو الصهيوني من استخراج الغاز من حقل كاريش الواقع على خط الترسيم البحري (29)، وأكد فيه أن بقاء سفينة التنقيب اليونانية في الحقل، سيعرضها ومن يعمل عليها للقصف، وأن العدو سيتعرض لخطر وجودي في حال عدوانه على لبنان، وفي حال إقدامه على سرقة الغاز اللبناني ومن ضمنه الغاز في حقل كاريش.
ما يلفت النظر أن سيد المقاومة في واد والرئاسات الثلاث في واد آخر "رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب"، ففي الوقت الذي أعلن فيه نصر الله أن الحزب اتخذ قراراً بتشكيل ملف بكل ما يرتبط بالغاز والنفط، والثروة الموجودة في المياه واليابسة وترسيم الحدود البحرية والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وفي كل ما يرتبط بالحدود البرية مع فلسطين المحتلة وملف مزارع شبعا والجزء اللبناني من قرية الغجر.

وفي الوقت الذي أعلن عن كامل جهوزية المقاومة، للرد على أي اعتداء صهيوني على ثروة لبنان الغازية والنفطية في البحر المتوسط، مؤكداً أن العدوان على الثروة النفطية والغازية في البحر أكثر خطورة من احتلال الشريط الحدودي، يرى المراقبون وأنا واحد منهم، أن الرئاسات الثلاث لا تزال تراهن على المفاوضات غير  المباشرة مع العدو الصهيوني، وتوسلت الوسيط الأمريكي "هوكشتاين" للحضور إلى لبنان، ليكمل دوره في وساطة الترسيم البحري بين لبنان والكيان الصهيوني، ولم تصل هذه الرئاسات إلى حد القول  "أن العدو دخل مرحلة العدوان على ثروة لبنان الغازية والنفطية".

لا نتوقع من رئيس وزراء الحكومة الانتقالية "نجيب ميقاتي"، أن يأخذ موقفاً جدياً من أي اعتداء للعدو الصهيوني على السيادة اللبنانية في البر والبحر، بحكم تبعيته المطلقة للرياض التي عبر عنها بشكل مهين عشية الانتخابات اللبنانية، عندما وقف في وجه منتقدي تدخل السفير السعودي "وليد البخاري" في الانتخابات البرلمانية، معلناً أن البخاري جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي اللبناني، ومحملاً إيران مسؤولية الأزمات المتراكمة في لبنان!

لكنا توقعنا أن يحصل توافق بين المقاومة وبين حليفيها "رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب" في تقييم الموقف بأن الكيان الصهيوني يمارس العدوان في البحر، وأن لا فائدة ترتجى من المفاوضات، لأن المراهنة على المفاوضات مع العدو بشأن "حقل كاريش" وغيره تنطوي على تباين مع استراتيجية حزب الله وطبيعة قراءته لمخططات العدو. فموقف كل من رئيس الجمهورية "ميشال عون" ورئيس مجلس النواب "نبيه بري"، المراهن على المفاوضات، لا يتعظ من دروس الفلسطينيين في التفاوض مع الكيان الصهيوني منذ 29 عاماً، بعد أن قضم العدو مساحات واسعة من الضفة الغربية عبر الاستيطان ومصادرة الأراضي، ولا يتعظ من حقيقة الانحياز الأمريكي المطلق للكيان الصهيوني وفي الذاكرة تصريح الراحل ياسر عرفات : "أهون علي أن أفاوض المندوب الإسرائيلي مباشرة من أن أفاوض الوسيط الأمريكي دينيس روس".

وعلى الرؤساء الثلاثة، وتحديداً الرئيس ميشال عون أن يدركوا حقيقة أن الوسيط الأمريكي لن يكن بأي حال من الأحوال وسيطاً محايداً، في الأزمة المشتعلة بين لبنان والكيان الصهيوني بحكم ولائه للكيان الغاصب، وبحكم أنه يحمل الجنسيتين الأمريكية والإسرائيلية، ناهيك أنه خدم ثلاث سنوات في صفوف جيش العدو الصهيوني.

صحيح أن الرئيسين عون وبري لن يفرطا بحقوق لبنان الغازية في المفاوضات، وسبق أن أبلغا الوسيط الأمريكي "آموس هوكشتاين" بشأن ملف ترسيم الحدود البحرية، في زيارته الأخيرة للبنان، بالموقف اللبناني الموحّد حيال الطروحات المقترحة لاستئناف المفاوضات غير المباشرة، التي تحفظ حقوق لبنان".

 وصحيح أن الرئيس عون أكد في لقائه مع الوسيط الأمريكي، بأن لبنان  متمسك بعودة المفاوضات غير المباشرة مع "إسرائيل"، التي توقفت على إثر رفض العدو اعتبار الخط 29 خطاً تفاوضياً، وأن الجانب اللبناني رفض الخط الاسرائيلي رقم (1) وخط "هوف" ومن غير الوارد التنازل عن حقوق لبنان في استثمار ثروته النفطية والغازية، مشيراً إلى أنه يقود المفاوضات، وبعد الوصول إلى اتفاق، فإن على مجلس الوزراء الموافقة عليه وإحالته إلى مجلس النواب وفقاً للأصول، وهو أمر لم يحصل بعد بالنسبة إلى الخط 29.

لكن الصحيح أيضاً أن العدو سيجرجر الجانب اللبناني في المفاوضات سنوات وسنوات وفي ذات الوقت يستمر في عمليات التنقيب وسرقة الغاز من "حقل كاريش" وغيره  من الحقول، مراهناً على أن حزب الله لن يخوض معركة الغاز مع الكيان الصهيوني، في حال عدم توفر قرار من الدولة اللبنانية، وأن الدولة اللبنانية لن تمنحه الضوء الأخضر للحرب ضد العدو، ومراهناً على دور قوى السيادة المزعومة في الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط، وحزب القوات اللبنانية بزعامة جعجع، وحزب الكتائب اللبنانية، في أن تعرقل أي دور للجيش والدولة في دعم المقاومة لمنع سرقة الغاز اللبناني بحكم ارتهانها المطلق للسعودية وللأمريكان، وهي التي لاذت بالخرس وهي ترى تغول العدو في ثروات لبنان البحرية، بعدما ملأت الدنيا صراخاً وهي تتحدث عن ضرب السيادة اللبنانية من قبل سلاح المقاومة ومن قبل إيران.
لكن رهان العدو – في التقدير الموضوعي- لن يكون في محله، بعد أن بات حزب الله يعتبر حقول الغاز -التي قد تدر على لبنان مئات المليارات من الدولارات وتحل أزمته الاقتصادية بشكل نهائي- حلقة مركزية في نضاله، وبعد أن أفرد لها ملفاً بمسؤولين من كل الاختصاصات العسكرية والسياسية والاقتصادية.

فالسيد حسن نصر الله أعلن في خطابه في التاسع من شهر حزيران (يونيو) الجاري أن المقاومة قادرة على منع العدو من استخراج النفط والغاز من كاريش، وكل إجراءاته لن تستطيع حماية السفينة اليونانية أو عملية التنقيب،  وأن المقاومة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام نهب ثروات لبنان وكل خيارات المقاومة مفتوحة دون أي تردد، وعلى العدو أن يتوقف عن استخراج النفط من كاريش، يمكننا تأخير تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة، لكن التأخير بالتنقيب يشكّل خطورة ويوصل لبنان لخسارة النفط.

بقي أن نشير إلى أن هنالك حقولاً نفطية وغازية خالصة للبنان، تمتنع شركات التنقيب عن مواصلة عملها فيها بذرائع مختلفة، لكن هذه الذرائع مكشوفة بحكم الضغوط الصهيوأميركية عليها، لإبقاء لبنان في حالة أزمة اقتصادية  وسياسية قاتلة، فاستخراج النفط والغاز- وفق نصر الله - يواجه مخاطر سعي أميركا (وإسرائيل) الدؤوب لسلخ مساحة كبيرة عن لبنان الممنوع من استخراج نفطه لأغراض سياسية، وهذا الوضع يقتضي من رئيس الجمهورية التدخل ومواجهة القوى الانعزالية لإنقاذ لبنان، فالوضع المأزوم يقتضي حلاً قسريا بالتوجه للشرق، ونقل عروض التنقيب والاستخراج والتكرير إلى شركات روسية أو صينية أو هندية.